شاعر الماء..دراسة لنص أبجدية المصباح / بقلم محمد ثلجي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد ثلجي
    أديب وكاتب
    • 01-04-2008
    • 1607

    شاعر الماء..دراسة لنص أبجدية المصباح / بقلم محمد ثلجي


    أبجدية ُالمصباح



    بخِـفـَّةٍ..

    كنتُ خلفَ الشِّعرِ..أختبئُ

    أنا البياضُ الذي

    في الصمتِ.. يبتدئُ

    مهارة ٌ..

    أنْ يخيطـَ الغيمُ لي مطرًا

    فيرتديني قميصًا

    فوقه الظمأ ُ

    وحكمة ٌ..

    أنَّ نخلا خلف قافيتي

    تهزُّه امرأة ٌ خضراءُ..

    ينكفئُ

    أرمي عليها بتمرِ الضوءِ

    يربكنـُي..

    تلعثم الشمسُ في صوتي..

    فأنطفئُ

    أتقرأ ُ الصمتَ..؟

    ها قدْ سالَ في ورقي

    ماءُ الهدوءِ

    وهذي البئرُ تمتلئُ

    ...

    لي أبجديَّة مصباح ٍ

    أجوسُ بها حدائقَ اللهِ

    كي يرنو لها الملأ ُ

    عصفورة ً في مهبِّ التيهِ

    أطلقـُها

    وغيمة ً في خيالِ البيدِ

    تهترئُ

    وشارعًا..

    من طفولاتٍ مبعثرةٍ

    على خرائطِ حُلم ٍ..فوقه أطأ ُ

    ديوانَ ليل ٍعميق ٍكنتُ..

    وانسكبتْ

    بهامشي أنجمُ المصباح..تختبئُ

    مراوغًا..كافَ تشبيهٍ..وأقنعة ً

    على مرايايَ..

    فيها أينعَ الصدأ ُ

    أعيدُ للغيم ِلحنَ الماءِ

    لو سمعوا

    وأرتدي لغة َالأشياءِ

    لو قرأوا

    حتى اكتملتُ وحيدًا

    فوق مرثـيَةٍ للكون ِ

    كنتُ على اللا شيءِ..أجترئُ

    وغربتي..

    ضربة الفرشاةِ

    عنْ خطأ ٍ

    محتْ إطاري

    وأغراني بها الخطأ ُ

    فصغتُ للوقت خلف البابِ

    عُزلتــَه

    وقلتُ:

    لا يأتني من هدهدٍ نبأ ُ

    لي ثـُلـَّة ٌمِن خِرافِ اليأس.. أتبعـُها

    إلى ممالكَ..

    لا تدري بها سبأ ُ

    مدائني..خلف هذا البوح ِ

    شاسعة ٌ

    وعرشُ صمتي..

    عليه الآن..أتكئُ





    .دراسة لنص أبجدية المصباح للشاعر حسن شهاب الدين

    بقلم محمد ثلجي



    ليس غريباً أن يكون للماء شاعر كما كان للصحراء شاعر وللأطلال شاعر وللفروسية شاعر . وليس غريباً أن يظهر في عصرنا هذا بعد طول مخاض شاعر يمكن له فك رموز الغيم . يضربها بعصاه فينهمر منها الشعر عذباً صافياً رقراقا.



    ثمّة ما يميّز حسن شهاب الدين عن غيره من شعراء عصره، ويمكن تقصّي هذا التميّز بقليل من التأمل والتغلغل في أغوار قصائده العمودية . إذ أنه يكتب بلغة خاصة أشبه بلغة الماء . ويغدق نصوصه بانسيابية وألق من نوع خاص . أحياناً تشعر بحزن ما يغلّف جلد مفرداته اليافعة . وعندما تهمّ في دواخلها تجد الحب والتفاؤل والأمل.



    يعتمد الشاعر حسن شهاب الدين بشكل أساسي على أسلوبيته في الكتابة. والسعي الدائم بتجديد أدواته الإبداعية وبناه الأسلوبية واللغوية مما دفعه كثيرا للتجريب في نصوصه المتتابعة في سبيل إنتاج نص مختلف ناهيك قسوته على نصه بحيث لا يخرجه بسهولة مما يجعله منضبطاً غالباً بأهلية المفردة الجزلة ، وعدم الخضوع لغوايات اللغة السطحية التي قد تصيب النص بالانفلات والتراكم . وهو كثيراً ما يقسو على ذاته الشاعرة ، فلا تسوق مشاعره شعريته فتذروها، ولا يطغى شعره على مشاعره فيكسرها.



    أضف إلى ذلك اهتمامه بالصورة في القصيدة ، والانزياح بأشكاله ، واستدعائه للموروثات على اختلافها، وإن بدا واضحاً تحضيره للمورثات الدينية أو التناص القرآني بشكل خاص ، وهذا يدلّ على ثقافة دينية واسعة ومعرفة أصيلة ترتبط بعوامل تربوية ومحيط اجتماعي ملتزم دينياً وأخلاقياً.



    في قصيدته الأخيرة الموسومة بـ " أبجدية المصباح " والمنشورة حصراً مع هذه القراءة. يعمد الشاعر على كسر رتابة القصيدة الكلاسيكية . ويعمل على ربط أبياتها مع بعضها ذهنياً وإيقاعياً أكثر منه ضمن إطار الوزن الشعري ، ناهيك عن الحركة التصاعدية في لغته . أسّست لها الأفكار المتراصّة والابتكارات العصرية والاستدعاءات المختلفة. يقول الشاعر في مطلع قصيدته " أبجدية المصباح"





    بخِـفـَّةٍ..

    كنتُ خلفَ الشِّعرِ..أختبئُ

    أنا البياضُ الذي

    في الصمتِ.. يبتدئُ

    مهارة ٌ..

    أنْ يخيطـَ الغيمُ لي مطرًا

    فيرتديني قميصًا

    فوقه الظمأ ُ



    على عتبات النص. لا بد من وقفة تأملية على عنوانها البديع " أبجدية المصباح" . ثمّة انزياح دلالي وانحراف عن المألوف يظهر مع ما يطلق عليه : " الاستعارة التنافرية " وهي صورة بلاغية تقوم على الجمع بين متنافرين. لا علاقة جامعة بينهما لخلق ابتكار شعري ذا دلالة ومغزى يظهران لاحقاً في سياق النص .



    يدخل الشاعر لنصه مخالفاً للتراتيبية المألوفة في النظام الجملي . فها هو يقلب الجملة رأساً على عقب ضمن إطار يسمح به نحوياً زيادة في الانحراف اللغوي لتأمين الانزياح وتحقيق عاملي الدهشة والإثارة . فأصل الجملة " كنت أختبئُ خلف الشعر بخفة " .



    بعيداً عن القيمة الفنية للانزياح. ثمّة صورة غارقة في تجليات كونية . متحررة ، ليست بالآسنة . لكنها أكثر نضارة وعمق. فهو البياض . أي اللغة والتي قال عنها ابن جني : أنها أصوات عبر فيها كل قوم عن أغراضهم، وهذا التعريف ينقض قول الكثيرين على أنها في جوهرها ظاهرة مكتوبة. تكتمل الصورة مع صورة أخرى أكثر عمق ولكنها أوضح دلالة . فها هو بخفة يختبئُ خلف موهبته. يفخر بكونه شاعراً وليس كأي شاعر. فشاعريته خيطت من ثوب الغيم. كأن الماء يلبسه فترتوي روحه وينتعش جسده .





    وحكمة ٌ..

    أنَّ نخلا خلف قافيتي

    تهزُّه امرأة ٌ خضراءُ..

    ينكفئُ

    أرمي عليها بتمرِ الضوءِ

    يربكنـُي..

    تلعثم الشمسُ في صوتي..

    فأنطفئُ

    أتقرأ ُ الصمتَ..؟

    ها قدْ سالَ في ورقي

    ماءُ الهدوءِ

    وهذي البئرُ تمتلئُ



    الحكمة والنخل والقافية .. كل مفردة تحمل في طيّاتها دلالة مختلفة . رغم أن وشيجة مضمون حسيّ يجمع بينهما . وهو الزهو والكبْر . وارتباط كل ذلك بالذات والأنا ثم الآخر، أو الحبيبة. ضمن حلقة يلتف من حولها : الحكمة ( العقل) . النخل (والعطاء والتضحية ) . القافية ( الحب والشوق ) .فتمتلئ البئر ويرتفع منسوب الحب فيه. يسقي من حوله الأيام ويملؤها بالفرح والأمل.



    لي أبجديَّة مصباح ٍ

    أجوسُ بها حدائقَ اللهِ

    كي يرنو لها الملأ ُ

    عصفورة ً في مهبِّ التيهِ

    أطلقـُها

    وغيمة ً في خيالِ البيدِ

    تهترئُ

    وشارعًا..

    من طفولاتٍ مبعثرةٍ

    على خرائطِ حُلم ٍ..فوقه أطأ ُ

    ديوانَ ليل ٍعميق ٍكنتُ..

    وانسكبتْ

    بهامشي أنجمُ المصباح..تختبئُ

    مراوغًا..كافَ تشبيهٍ..وأقنعة ً

    على مرايايَ..

    فيها أينعَ الصدأ ُ

    أعيدُ للغيم ِلحنَ الماءِ

    لو سمعوا

    وأرتدي لغة َالأشياءِ

    لو قرأوا

    حتى اكتملتُ وحيدًا

    فوق مرثـيَةٍ للكون ِ

    كنتُ على اللا شيءِ..أجترئُ



    في هذا الجزء يمكننا أن تخيل جمالية الصورة . إذ كانت طيعة ، وجدت لخدمة الغرض الشعري وعبّرت عن مكنونه وماهيته .. فكانت أشبه بنبرة صاعدة نازلة بحذق تجيش كل مفردة وحركة بموجة متصاعدة رافعة المعنى معها إلى أعلى مكان.



    يعود بنا الشاعر إلى ذكريات الطفولة " من طفولات مبعثرة " وإن كانت . فقد ساهمت بشكل ما في تخصيب فكره وحثّ طموحه إلى أبعد نقطة يرجوها. " على خرائط حلم " هذا الابتكار الطريف . " أنجم المصباح " تكرار . لتأكيد الرغبة الملحّة في التوهج والانطلاق والتحرر. "حتى اكتملت أخيراً " .ثمّة ثقة كبيرة بالنفس بعيدة عن متناول القنوط واليأس . هو ذا ما يكشف عنه هذا الجزء الطاعن بالجمال والروعة والإبهار.



    وغربتي..

    ضربة الفرشاةِ

    عنْ خطأ ٍ

    محتْ إطاري

    وأغراني بها الخطأ ُ

    فصغتُ للوقت خلف البابِ

    عُزلتــَه

    وقلتُ:

    لا يأتني من هدهدٍ نبأ ُ

    لي ثـُلـَّة ٌمِن خِرافِ اليأس.. أتبعـُها

    إلى ممالكَ..

    لا تدري بها سبأ ُ

    مدائني..خلف هذا البوح ِ

    شاسعة ٌ

    وعرشُ صمتي..

    عليه الآن..أتكئُ



    تحدث الشاعر في الجزء السابق عن طفولته وذكرياته وما يعني له ذلك من تحفيز ودافع نحو الحياة والمستقبل. في هذا الجزء ثمة تغيير في نمطية الجمل والأفكار نحتْ إلى منعطف سوداوي بعض الشيء. فها هو يبدأ حديثه عن الغربة . وما تعنيه من وحدة وجفاف وظلمة . ثم ينتقل مؤكداً تأثير غربته على نفسه وكيانه ، ودخول ما يسمى بالـ " العزلة ". في هذا الجزء وعلى ذكر العزلة يشرع الشاعر إلى استحضار موروث ديني وقصة الهدهد وكيف وشى بمملكة سبأ لسيدنا سليمان عليه السلام . هنا يكمن الشاعر للتناص شكلاً ولغة مبتعداً في المضمون والتأويل. إذ أنه يرفض أن يتبعه أحد أو يهمّ باللحاق به . فلا تدرك مملكته ولا تستباح حصونها . لأن في قرار نفسه يعني تماماً أهمية أن يكون الراعي على خرافه والملك المتوج دائماً على قوافيه.


    - نشر في المجلة الثقافية الجديدة التي تصدر من القاهرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة .
    ***
    إنه الغيبُ يا ضيّق الصدرِِ
    يا أيها الراسخ اليومَ في الوهمِ والجهلِ
    كم يلزمُ الأمرَ حتى يعلّمك الطينُ أنك منهُ
    أتيت وحيدًا , هبطت غريبًا
    وأنت كذلك أثقلت كاهلك الغضّ بالأمنياتِ
    قتلت أخاك وأسلمته للغرابِ
    يساوى قتيلاً بقابرهِ
يعمل...
X