خطت أقدارك أحلام نواياك التي عانقت الشمس في أفقها المتوهج .لم تتركك في مهب الريح بعد أن قصت طرفا من كبدك ..مات أبوك وأنت صغير .حين تنفض غبار السنين عن مكنون ذاكرتك ترسم في مخيلتك صورته الضبابية ؛ رجل طويل القامة مسبل اللحية وقد وخطها الشيب ...مات و دفن معه الكلام المعسول الذي يطرب آذان الصغار؛و يدغدغ مشاعرهم؛ ويحرك عواطفهم كالزهرات لاستقبال الندى عند انبلاج الفجر .
فتحت عينيك لترى الضياء يلف الخيام من القش ... عندما يعصف بها البؤس ؛ وينشب فيها الجوع مخالبه إلى الأعماق تتحرك الأقدام ؛ فتهاجر مع المهاجرين في اتجاه الغيم الذي يرحم الأرض ويضمن اللقيمات للأفواه الفاغرة ؛ والبطون الخاوية .
فتحت عينيك فأبصرت ما حو لك : عمك وعماتك خالك وخالاتك لكن الكل هباء . يدك اليمنى في رعاية أمك ؛ تقودك بين دروب الحياة بخطى حثيثة .. تسابق الزمن كي تكبر قبل الأوان؛ و يقوى ساعدك قبل الأوان . فتضمن اللقمة . لكن هيهات اليد الواحدة لا تصفق ........من ينو ب عنك في الجدل الدائر بين شيوخ القرية حول الحراسة الليلية التي أقرها المعمر الأجنبي كآخر مسمار في نعش الحرية ؛ عقابا للناس على براءتهم وطهر أفكارهم ؟؟ .........من يستعطف الدهر كي يملأ قلبه بالحنان إشفاقا على طفولتك التي غشيها غبار الأقدار فلم تر النور قط ؟؟....... تكدست واجبات الكبار بحملها الثقيل على كاهلك لكنك لم تبلغ بعد الكهولة . في القرية المعزولة النائية عربد طوفان المجاعة يلتهم الصغار والكبار. فتجرعت مرارة البخل والتقتير على النفس. . بت الليالي طاو يا ؛ ضامر البطن ؛ تجتر أنينك طوال الوقت . تداري الفصول في انتظار الحصاد بعد أن غاب سنين عديدة .
بمن تستنجد و سمعك يلتقط كل مساء دندنة أمك وهي تردد أن لا مغيث غير الله .وكل الأشخاص الذين تجري في عروقهم دماء القرابة يلهثون وراء سد الرمق؛ ومغازلة اللقمة كي لا تنقطع الأنفاس .
من يتن الزمان عن غيه ....كيف يبتسم لك وأنت واقف ؛ فخور بمجد الآباء ، رأسك في عنان السماء ، لكن قدميك في ضيعة المعمر الأجنبي التي تمتد حد البصر ؛ وبيده السياط يدوس على كرامة العمال كما يقود قطيعا أبكم ؛ وأحيانا يحثو التراب على رؤوس الأبرياء مثلك إذا تأخروا عن الموعد ... يتألمون ويكظمون الغيظ في نفوسهم ؛ تتغاضى عيونهم عن كل شيء في سبيل اللقمة . فأي فخر هذا الذي تجني قطوفه من تاريخ الأجداد ؟.............
عندما قدم مقدم البلدة قابضا على أوراق صغيرة مبعثرة بين يديه ؛ كان قدومه شؤما عليك . سقط بعضها على الأرض فانحنى شاكيا ألم ظهره :( الله ظهري) التقطت أصابعه الورقتين ؛ إحداهما تحمل اسم عبد الودود. ... سلم الأوراق للفقيه فأمعن النظر فيها أكثر من اللازم ؛ لم يفهم شيئا منها . ظل يتلكأ في القراءة كالعادة ؛فقال: (خذ لا أفهم.. مكتوب بلغة الفرنسيس ... ) انتزعها منه في لمح البصر وبصق على الأرض ، ثم لعن الزمان الذي جعله خادما للمعمرين الأجانب من أجل اللقمة . فشرع في عد الأوراق بين أصابعه بعد إعادة ترتيبها (1-2-3-4-5-6) استل من بينها الثالثة ، وقال : ( هذه لعبد الودود نيابة عن أبيه ... ) ... ودع الفقيه وانصرف كالتائه بين الخيام ..على مقربة من (الحوش)المجاور للدار العتيقة غشي وجهه دخان منبعث من الداخل كان عبد الودود وأمه غارقان في طهي الحلزون ببعض القش ، وصاح بأعلى صوته المبحوح ( عائشة ...فينك..) خرجت مهرولة بخطاها الحثيثة .بادية ضعفها وعدم تماسك أمورها.أبصرت الورقة بين أصابعه وهو يلوح بها في الهواء الطلق قائلا ( هدي جاتك من عند المخزن)أخذتها مكرهة وغص حلقها . كانت توقعاتها المخيبة للآمال قد أسفرت عن وجهها اللعين..طأطأت رأسها وأجهشت بالبكاء ؛ سكبت دموعا غزيرة لا تدري كيف تكفكفها . تدفقت على خديها كوابل من الأمطار ثم سحبت منديلها و مسحت على وجهها المبلل..ارتسمت في مخيلتها صورة المرحوم كالدرع الذي كان يقيها ضربات الزمان القاسية فتحمد الله على نعمائه .أما اليوم فإن الدهر قد كشر عن أنيابه ودعاها لخوض المعارك الجسام .. من يقوم بدور المرحوم في خدمة الأجنبي وتأمين اللقمة ؟؟..لقد أرسل عيونه في القبيلة وبسط يده الملوثة بالمكر تقتص من مداخيل الفقراء التي يندى لها الجبين؛ ضرائب واهية لا حدود لها ............من يقوم بدور المرحوم ؛ هذا ابنه صغير فتح عينيه البريئتين على المنكرات والحرمان .
ثم نادت عائشة بأعلى صوتها : (عبد الودود الحق بمكتب المعمر ؛ هيا أسرع. ستجد الرجال الثلاثة... قل لهم : سأقوم بدوري في الحراسة كما الكبار تماما . هيا لا تتردد . كن شجاعا..)
أخذ الورقة و يداه الصغيرتان تضطربان . عقد لسانه كأن أجله قد دنا منه؛ ارتشف جرعة ماء لابتلاع اللقمة التي نشبت في حلقه كالحسكة . تجاوز (الحوش ) وابتلعه السراب في وقت الظهيرة ؛ فغاب عن الأنظار.
ظلت الورقة ترفرف بين أصابعه كالفراشة التائهة ؛ عصرها في كفه خشية أن تضيع في مهب الريح . لم يشك أنه أسرها في قبضته كالأمانة في عنقه ثم طوى المسافات طيا .. داهمته أفكار محمومة أيقظت ضميره ...هواجس الخوف الذي ألم به ..لا احد في الطريق يكسر الصمت المطبق الرهيب ...تأكد أن أمه وحدها تدير عجلة حياته من جديد .. من واجبه إذن أن يفتح صدره للنصائح ، و يحني ظهره للحمل الثقيل الذي ينتظره .
مد بصره في الأفق البعيد ؛ فلاحت له صور الرجال الثلاثة بظلالهم الباهته كالأشباح . تصاعدت نبضات قلبه ؛ وتضاعف إيقاع سير ه الحثيث بهرولة تسابق الزمن. ....تبعثرت الأفكار في ذهنه على امتداد الطريق الشاق ...الأمانة ؟.....الأم المقصوصة الجناح ؟... الموت ؟....سد الرمق ؟ ...المعمر الخائن ؟ .... الحراسة الليلية ......؟
لم يفقه كل شيء...أي خيط رابط بين المتناقضات في واقع نصيبه منه البؤس والحرمان ؟....دنا من المكتب ... الرجال منتصبون كالأعمدة أمامه.. أمعن النظر فيهم فبدا له أحدهم يرتدي جلبابا صوفيا شديد البياض ؛ ويزين رأسه بعمامة لا مثيل لها عند من يراهم كل يوم من شيوخ قريته . يلوح بيديه ليتأكد الطفل أنهم ينتظرونه على أحر من الجمر؛ لأنه أخر شخص منتظر يتم توجهيه لأماكن الحراسة الشاغرة ؛ وأن جمعهم سينفض بعد دقائق . بدأ الرجل يطوف حول صاحبيه ويبصبص كالذئب . فَهِمَ عبد الودود أنهم مختلفون ، لكن ما يهمه في الاعتبار ؛ هو الرجل الذي وصفته أمه ببذلته العسكرية ذات اللون الأخضر الغامق ، وقبعته المنفوشة وحذائه الأسود الكبير ..
تسلم الورقة من عبد الودود ، تأملها مليا ثم رفع رأسه واقتحمه بنظرات حادة بعدما قطب جبينه كأن مكروها ألمّ به. فارتعدت فرائسه كالثور الهائج قائلا بأعلى صوته : (توا أبد ودود ؟..) تسمر الطفل في مكانه وبقي مشدوها ينتظر مزيدا من التوضيحات . لكنه لم يكن يتوقع أنه سيتكور و يتدحرج في التراب الذي تصاعد غباره بعدما قذف به المعمر كما يقذف اللاعب كرة القدم . أسرع مساعده وأنقد الطفل من دوامة الغبار الذي يلفه؛ ونفض الغبار عن رأسه وملابسه . وسحبه من وضعه المهين الذي يئن فيه .... أطفأ جمرة غضبه و هدأ من روعه؛ ثم أخذه من يده النحيفة و دنا به نحو المعمر وقال : ( مسيو أظن أنه فقد أباه ؛ لا أحد ينوب عنه في الحراسة الليلية ...
أخذ رأسه بكلتا يديه ؛ وشعر بدوار لأنه ارتكب حماقة نقشت في ذاكرة الأجيال فقال:
Oooof…… il ne dit pas ca des le debut))
كان زميله مخمورا ؛ لم يتمالك نفسه. حدق في ساعته اليدوية ثم صعد إلى سيارة (jeep بسرعة جنونية ثم أحكم إغلاق الباب بقوة . أدار المفتاح؛ فاستعد للانطلاق. ضغط برجله على دواسة تبديل السرعة ؛ ولوح بيده للجميع قائلا مع السلامة. لم يخمن أنه قد أخطأ التبديل ؛ فرجعت السيارة نحو الخلف بكل القوة المفرطة ..حفرت العجلات أخدودا في الأرض بعدما أرعبت الدنيا بضجيج صوتها الذي صم الآذان . تناثر الحصى على بعد أمتار... فنطت السيارة من مكنها كأن قوة خفية قذفت بها خارج المكان ....يا للهول .... تلقى الرجلان صدمتها القاتلة ؛ بينما قفز عبد الودود - بشكل مدهش - في اتجاه اليسار صارخا : ( أماااه) وتكور من جديد في التراب، فاستجمع قواه ونهض منفلتا من قبضة عجلتها . لقد نجا بأعجوبة ..... توفي المعمر متأثرا بجروحه البالغة . وأصيب الرجل المساعد بكسور في يده اليمنى ... نزل الرجل المخمور يرثي حظه ، لم يصدق ما حدث .... يطوف بالمكان كالأبله ويطوف معه عبد الودود في انتظار بزوغ الفجر .
فتحت عينيك لترى الضياء يلف الخيام من القش ... عندما يعصف بها البؤس ؛ وينشب فيها الجوع مخالبه إلى الأعماق تتحرك الأقدام ؛ فتهاجر مع المهاجرين في اتجاه الغيم الذي يرحم الأرض ويضمن اللقيمات للأفواه الفاغرة ؛ والبطون الخاوية .
فتحت عينيك فأبصرت ما حو لك : عمك وعماتك خالك وخالاتك لكن الكل هباء . يدك اليمنى في رعاية أمك ؛ تقودك بين دروب الحياة بخطى حثيثة .. تسابق الزمن كي تكبر قبل الأوان؛ و يقوى ساعدك قبل الأوان . فتضمن اللقمة . لكن هيهات اليد الواحدة لا تصفق ........من ينو ب عنك في الجدل الدائر بين شيوخ القرية حول الحراسة الليلية التي أقرها المعمر الأجنبي كآخر مسمار في نعش الحرية ؛ عقابا للناس على براءتهم وطهر أفكارهم ؟؟ .........من يستعطف الدهر كي يملأ قلبه بالحنان إشفاقا على طفولتك التي غشيها غبار الأقدار فلم تر النور قط ؟؟....... تكدست واجبات الكبار بحملها الثقيل على كاهلك لكنك لم تبلغ بعد الكهولة . في القرية المعزولة النائية عربد طوفان المجاعة يلتهم الصغار والكبار. فتجرعت مرارة البخل والتقتير على النفس. . بت الليالي طاو يا ؛ ضامر البطن ؛ تجتر أنينك طوال الوقت . تداري الفصول في انتظار الحصاد بعد أن غاب سنين عديدة .
بمن تستنجد و سمعك يلتقط كل مساء دندنة أمك وهي تردد أن لا مغيث غير الله .وكل الأشخاص الذين تجري في عروقهم دماء القرابة يلهثون وراء سد الرمق؛ ومغازلة اللقمة كي لا تنقطع الأنفاس .
من يتن الزمان عن غيه ....كيف يبتسم لك وأنت واقف ؛ فخور بمجد الآباء ، رأسك في عنان السماء ، لكن قدميك في ضيعة المعمر الأجنبي التي تمتد حد البصر ؛ وبيده السياط يدوس على كرامة العمال كما يقود قطيعا أبكم ؛ وأحيانا يحثو التراب على رؤوس الأبرياء مثلك إذا تأخروا عن الموعد ... يتألمون ويكظمون الغيظ في نفوسهم ؛ تتغاضى عيونهم عن كل شيء في سبيل اللقمة . فأي فخر هذا الذي تجني قطوفه من تاريخ الأجداد ؟.............
عندما قدم مقدم البلدة قابضا على أوراق صغيرة مبعثرة بين يديه ؛ كان قدومه شؤما عليك . سقط بعضها على الأرض فانحنى شاكيا ألم ظهره :( الله ظهري) التقطت أصابعه الورقتين ؛ إحداهما تحمل اسم عبد الودود. ... سلم الأوراق للفقيه فأمعن النظر فيها أكثر من اللازم ؛ لم يفهم شيئا منها . ظل يتلكأ في القراءة كالعادة ؛فقال: (خذ لا أفهم.. مكتوب بلغة الفرنسيس ... ) انتزعها منه في لمح البصر وبصق على الأرض ، ثم لعن الزمان الذي جعله خادما للمعمرين الأجانب من أجل اللقمة . فشرع في عد الأوراق بين أصابعه بعد إعادة ترتيبها (1-2-3-4-5-6) استل من بينها الثالثة ، وقال : ( هذه لعبد الودود نيابة عن أبيه ... ) ... ودع الفقيه وانصرف كالتائه بين الخيام ..على مقربة من (الحوش)المجاور للدار العتيقة غشي وجهه دخان منبعث من الداخل كان عبد الودود وأمه غارقان في طهي الحلزون ببعض القش ، وصاح بأعلى صوته المبحوح ( عائشة ...فينك..) خرجت مهرولة بخطاها الحثيثة .بادية ضعفها وعدم تماسك أمورها.أبصرت الورقة بين أصابعه وهو يلوح بها في الهواء الطلق قائلا ( هدي جاتك من عند المخزن)أخذتها مكرهة وغص حلقها . كانت توقعاتها المخيبة للآمال قد أسفرت عن وجهها اللعين..طأطأت رأسها وأجهشت بالبكاء ؛ سكبت دموعا غزيرة لا تدري كيف تكفكفها . تدفقت على خديها كوابل من الأمطار ثم سحبت منديلها و مسحت على وجهها المبلل..ارتسمت في مخيلتها صورة المرحوم كالدرع الذي كان يقيها ضربات الزمان القاسية فتحمد الله على نعمائه .أما اليوم فإن الدهر قد كشر عن أنيابه ودعاها لخوض المعارك الجسام .. من يقوم بدور المرحوم في خدمة الأجنبي وتأمين اللقمة ؟؟..لقد أرسل عيونه في القبيلة وبسط يده الملوثة بالمكر تقتص من مداخيل الفقراء التي يندى لها الجبين؛ ضرائب واهية لا حدود لها ............من يقوم بدور المرحوم ؛ هذا ابنه صغير فتح عينيه البريئتين على المنكرات والحرمان .
ثم نادت عائشة بأعلى صوتها : (عبد الودود الحق بمكتب المعمر ؛ هيا أسرع. ستجد الرجال الثلاثة... قل لهم : سأقوم بدوري في الحراسة كما الكبار تماما . هيا لا تتردد . كن شجاعا..)
أخذ الورقة و يداه الصغيرتان تضطربان . عقد لسانه كأن أجله قد دنا منه؛ ارتشف جرعة ماء لابتلاع اللقمة التي نشبت في حلقه كالحسكة . تجاوز (الحوش ) وابتلعه السراب في وقت الظهيرة ؛ فغاب عن الأنظار.
ظلت الورقة ترفرف بين أصابعه كالفراشة التائهة ؛ عصرها في كفه خشية أن تضيع في مهب الريح . لم يشك أنه أسرها في قبضته كالأمانة في عنقه ثم طوى المسافات طيا .. داهمته أفكار محمومة أيقظت ضميره ...هواجس الخوف الذي ألم به ..لا احد في الطريق يكسر الصمت المطبق الرهيب ...تأكد أن أمه وحدها تدير عجلة حياته من جديد .. من واجبه إذن أن يفتح صدره للنصائح ، و يحني ظهره للحمل الثقيل الذي ينتظره .
مد بصره في الأفق البعيد ؛ فلاحت له صور الرجال الثلاثة بظلالهم الباهته كالأشباح . تصاعدت نبضات قلبه ؛ وتضاعف إيقاع سير ه الحثيث بهرولة تسابق الزمن. ....تبعثرت الأفكار في ذهنه على امتداد الطريق الشاق ...الأمانة ؟.....الأم المقصوصة الجناح ؟... الموت ؟....سد الرمق ؟ ...المعمر الخائن ؟ .... الحراسة الليلية ......؟
لم يفقه كل شيء...أي خيط رابط بين المتناقضات في واقع نصيبه منه البؤس والحرمان ؟....دنا من المكتب ... الرجال منتصبون كالأعمدة أمامه.. أمعن النظر فيهم فبدا له أحدهم يرتدي جلبابا صوفيا شديد البياض ؛ ويزين رأسه بعمامة لا مثيل لها عند من يراهم كل يوم من شيوخ قريته . يلوح بيديه ليتأكد الطفل أنهم ينتظرونه على أحر من الجمر؛ لأنه أخر شخص منتظر يتم توجهيه لأماكن الحراسة الشاغرة ؛ وأن جمعهم سينفض بعد دقائق . بدأ الرجل يطوف حول صاحبيه ويبصبص كالذئب . فَهِمَ عبد الودود أنهم مختلفون ، لكن ما يهمه في الاعتبار ؛ هو الرجل الذي وصفته أمه ببذلته العسكرية ذات اللون الأخضر الغامق ، وقبعته المنفوشة وحذائه الأسود الكبير ..
تسلم الورقة من عبد الودود ، تأملها مليا ثم رفع رأسه واقتحمه بنظرات حادة بعدما قطب جبينه كأن مكروها ألمّ به. فارتعدت فرائسه كالثور الهائج قائلا بأعلى صوته : (توا أبد ودود ؟..) تسمر الطفل في مكانه وبقي مشدوها ينتظر مزيدا من التوضيحات . لكنه لم يكن يتوقع أنه سيتكور و يتدحرج في التراب الذي تصاعد غباره بعدما قذف به المعمر كما يقذف اللاعب كرة القدم . أسرع مساعده وأنقد الطفل من دوامة الغبار الذي يلفه؛ ونفض الغبار عن رأسه وملابسه . وسحبه من وضعه المهين الذي يئن فيه .... أطفأ جمرة غضبه و هدأ من روعه؛ ثم أخذه من يده النحيفة و دنا به نحو المعمر وقال : ( مسيو أظن أنه فقد أباه ؛ لا أحد ينوب عنه في الحراسة الليلية ...
أخذ رأسه بكلتا يديه ؛ وشعر بدوار لأنه ارتكب حماقة نقشت في ذاكرة الأجيال فقال:
Oooof…… il ne dit pas ca des le debut))
كان زميله مخمورا ؛ لم يتمالك نفسه. حدق في ساعته اليدوية ثم صعد إلى سيارة (jeep بسرعة جنونية ثم أحكم إغلاق الباب بقوة . أدار المفتاح؛ فاستعد للانطلاق. ضغط برجله على دواسة تبديل السرعة ؛ ولوح بيده للجميع قائلا مع السلامة. لم يخمن أنه قد أخطأ التبديل ؛ فرجعت السيارة نحو الخلف بكل القوة المفرطة ..حفرت العجلات أخدودا في الأرض بعدما أرعبت الدنيا بضجيج صوتها الذي صم الآذان . تناثر الحصى على بعد أمتار... فنطت السيارة من مكنها كأن قوة خفية قذفت بها خارج المكان ....يا للهول .... تلقى الرجلان صدمتها القاتلة ؛ بينما قفز عبد الودود - بشكل مدهش - في اتجاه اليسار صارخا : ( أماااه) وتكور من جديد في التراب، فاستجمع قواه ونهض منفلتا من قبضة عجلتها . لقد نجا بأعجوبة ..... توفي المعمر متأثرا بجروحه البالغة . وأصيب الرجل المساعد بكسور في يده اليمنى ... نزل الرجل المخمور يرثي حظه ، لم يصدق ما حدث .... يطوف بالمكان كالأبله ويطوف معه عبد الودود في انتظار بزوغ الفجر .
تعليق