عندما ركب بهلول الحمار بالمقلوب سأله أبوه : [ لماذا تركب الحمار بالمقلوب؟ ] قال : [ إنني ذاهب إلى السوق؛ وهو ذاهب إلي الحقل]
كان بهلول آخر عنقود في سلسلة بنات ابن عمه الخمسة ؛ عندما علم الحاج مسعود أنه رزق بمولود ذكر تهللت سريرته ؛ وفاضت الابتسامة على وجهه طوال الأيام الصعبة التي قضاها في إِعداد حفل (السبوع ) . دعا الناس إلى وليمة فريدة .كانت رائحة المشوي ودخانه تغرق القرية كلها ؛ تعطرت الأنفاس يوما كاملا من روائح الدواب التي اختفت هذا اليوم بسبب دخان المشوي ...كان احتفالا بهيجا .
كبر بهلول طفلا مدللا واشتد ساعد صباه ورافق عبد المغيث في صداقة طفولية ؛ ولكثرة الإغداق عليه بأنواع المأكولات والحلاوي ؛ انتفخ بطنه؛ و تَبلّد فكره . أصبح كثير الشكوى ، شديد الولع بالتظاهر أنه مظلوم . كلما جلس للعب فغر فاه ؛ و تدلت شفتاه؛ وسال لعابه فبلل معطفه، ثم طافت حوله كوكبة من ذباب تزعجه بطنينها .
دخل المدرسة مع عبد المغيث في يوم واحد ؛ لكن تفرقت بهما السبل . تابع ع المغيث دراسته على إيقاع منتظم ؛ واسترجع بهلول أدراجه ليعيش في الحضن مدللا، يرتشف في كؤوس الرحَمَات مزيدا من الحنان والتبجيل والفخر ؛ فتضخم هيكله .
كان عبد المغيث يحرق بعض أوقاته في اللعب مع بهلول ، ويشمئز من سلوكه وتصرفاته المشينة . عندما يعوي باكيا كالذئب تحضر أمه في لمح البصر ؛ كأنها على صفيح من نار، تكفكف دموعه مُوَلوِلَة ، وتهدهده كالرضيع ، وتنزع خمارها الذي تلف به رأسها فتمسح به لعابه المتفق على صدره ، وتهمس في أذنيه : [شكون ضربك أحنيني .......هاد العفريت ..........؟ ] فتوجه نظراتها الحادة صوب ع المغيث ؛ تتطاير من عينيها الذابلتين شرارة الحقد والكراهية .
يتسمّر عبد المغيث في مكانه ... يتخيل لو أن الأرض أدركت براءته لانشق أديم الأرض كي يصعد منه عفريت حقيقي يكسر أضلاع بهلول وأمه .
تتودد إليه بحذقها ودهائها ؛ فتغريه ببعض ما في يديها من الحلوى ، ثم تقترب منه؛ وتنقض عليه كما لو أنه فريستها المفضلة . تمسك بتلابيب قميصه بعد ممانعة في الفرار ، و تدير وجهه نحوها بحركة محمومة فتصفعه على خديه الصغيرين ؛ مخلفة بصمات عدوانها : أخاديد سطرتها أصابع يديها اللعينتين على وجهه ؛ تؤكد أنها قد شفت غليلها ؛ وأثلجت صدرها . وعندما يكتم عبد المغيث غيظه تبسط يدها الملوثة بالذنوب فتأخذ بأذنيه وتفركهما بأصابعها الحديدية فيتألم غاية الألم ويبكي .
ذات مرة جلس عبد المغيث في فناء الدار مُنهمكا في إعداد كل اللوازم البلاستيكية والأسلاك والملقاط والقصبة . وشرع في صنع شاحنته الصغيرة التي سيقودها بنفسه ؛ وينعطف بها يمينا ويسارا حتى يصل عند مدخل معمل السكر ؛ ويصيح بالبواب فيفتح له الباب ويدخل بانتظام وسط الحشود ؛ ثم يشحنها بمخلفات الشمندر الذي تقتات منه البهائم ؛ ويسحب فاتورة الأداء ؛و يعود مطمئنا ؛ فيبيع الشحنة بعشرين ريالا.
ظل غارقا إلى في بحر أحلامه الوردية إلى الأخماص ؛ لم ينقذه من سباته العميق إلا شعوره بحركات خطوات بطيئة لكائن يدب فوق الأرض ويقترب منه .....إنه بهلول ؛ يجر ذيوله كأنه يحمل أعباء النهار كله . يتدحرج سمينا ؛ منتفخ الوجنتين . جلس بجواره وظل يتابع كل حركاته حتى تقرقع مزلاج الباب ؛ فانفتح على مصراعيه ودخل الحاج مسعود ؛ملتفا في جلبابه الصوفي ؛ وعمامته البيضاء التي أنهكها الزمن قد تبعثرت فوق رأسه و لم يفلح في تقويم اعوجاجها . فصاح بملء صوته الجهور (أفينكم أ مّلِين الدار.. كاين شي أتاي .)
أبصر عبد المغيث أباه يحمل بين يديه صينية لامعة تضيء ما حولها . فوضعها فوق أرض مفروشة ببساط تقليدي أمام الحاج مسعود ؛ ودعاه إلى صب الشاي في الكؤوس . تجاذبا أطراف الحديث ؛ وعيونهما لم تفارق الطفلين المنغمسين في لهوهما . قال الحاج مسعود : [ اسمع أقول لك يا بن أخي : إن الزمان قد عضنا بنابه ؛ وظروف الحقل قد شمرت على ساعدها للقضاء على ما تبقى من صحتك ؛ وبيننا والمدرسة مسافة أميال محفوفة بالمخاطر . أتترك ع المغيث يتابع دراسته ولامعين لك ؟. لا داعي للتفكير . انظر هما يلعبان الآن ؛ وغدا سيقلبان التراب إبريزا... ]
أدرك الأب النوايا بعدما لملم جراح الكلمات ولم ينبس بحرف واحد ؛ أدرك أن بهلول لم يكن قادرا على مواصلة السير ؛ وأنه طفل مدلل يحب الحضن .و قد أخبره ع المغيث غير ما مرة أن بهلول لا يزيد عن حفظ الآية قيد أنملة ؛ وإذا أمره المدرس بتلاوة سورة الفلق يقول : " ...... من شر لاصق .........فيطرده المعلم من الفصل ؛ ويغيب عن الأنظار أسبوعا كاملا ؛ وأحيانا يستوفي الشهر كله؛ إلى أن من الله عليه بتوقيع وثيقة الوداع . فقال باي باي ألمدرسة .
شلت حركة الحاج مسعود بعدما شعر بفشل خطته . ظل ممسكا بالكأس يستطلع قاعه ويحيطه بنظرات كما لو أنه يقرأ فيه عناوين افتضاح أمره . فحركه بين أصابعه وألقى بحثالته إلى الأرض قائلا : [ ما بقي إلا (التخت) . ...هذا حال الدنيا ].
انتفض قائما فتوجه نحو الباب وقرقع المزلاج ثم فتحه وانصرف .
جثم بهلول على ركبتيه مُتعمِّدا فدهس مصنوعات عبد المغيث الذي انتابه شعور بالمرارة؛ طاف في كل أرجاء المكان كأنه يبحث عن شيء ثمين ضاع منه؛ فوقع بصره على عصا مسنونة ملقاة في الزاوية التي كان يجلس فيها الحاج مسعود ؛ و يملي أفكاره الجهنمية على أبيه ؛ أمسكها بلهفة..... ثم فكر مليا ....لا شيء يمنعه من الضرب على الأيادي غير النظيفة التي تُدشن جدارا سميكا من الوساوس والأوهام. وتزج بالأسرة كلها في دوامة الخوف من المستقبل؛ ومن الآفات لطي كتاب ع المغيث التعليمي ؛كما طُوِيَ كتاب بهلول منذ ثلاث سنوات . طافت بدماغه حشود من الأفكار.... نقطة البداية من هنا ... بهلول أولا.....لا بد من دفن صداقته وقرابته في تربة الأيام إلى الأبد ....
اقترب منه وهوى على رأسه بعصاه المسنونة ؛ فأطلق ساقيه للريح مخلفا وراءه صراخ بهلول الذي ملأ الدنيا وأصم الآذان ؛ معتقدا أن أفكار الحاج مسعود التي تركض خلفه لن تنهض من كبواتها .
كان بهلول آخر عنقود في سلسلة بنات ابن عمه الخمسة ؛ عندما علم الحاج مسعود أنه رزق بمولود ذكر تهللت سريرته ؛ وفاضت الابتسامة على وجهه طوال الأيام الصعبة التي قضاها في إِعداد حفل (السبوع ) . دعا الناس إلى وليمة فريدة .كانت رائحة المشوي ودخانه تغرق القرية كلها ؛ تعطرت الأنفاس يوما كاملا من روائح الدواب التي اختفت هذا اليوم بسبب دخان المشوي ...كان احتفالا بهيجا .
كبر بهلول طفلا مدللا واشتد ساعد صباه ورافق عبد المغيث في صداقة طفولية ؛ ولكثرة الإغداق عليه بأنواع المأكولات والحلاوي ؛ انتفخ بطنه؛ و تَبلّد فكره . أصبح كثير الشكوى ، شديد الولع بالتظاهر أنه مظلوم . كلما جلس للعب فغر فاه ؛ و تدلت شفتاه؛ وسال لعابه فبلل معطفه، ثم طافت حوله كوكبة من ذباب تزعجه بطنينها .
دخل المدرسة مع عبد المغيث في يوم واحد ؛ لكن تفرقت بهما السبل . تابع ع المغيث دراسته على إيقاع منتظم ؛ واسترجع بهلول أدراجه ليعيش في الحضن مدللا، يرتشف في كؤوس الرحَمَات مزيدا من الحنان والتبجيل والفخر ؛ فتضخم هيكله .
كان عبد المغيث يحرق بعض أوقاته في اللعب مع بهلول ، ويشمئز من سلوكه وتصرفاته المشينة . عندما يعوي باكيا كالذئب تحضر أمه في لمح البصر ؛ كأنها على صفيح من نار، تكفكف دموعه مُوَلوِلَة ، وتهدهده كالرضيع ، وتنزع خمارها الذي تلف به رأسها فتمسح به لعابه المتفق على صدره ، وتهمس في أذنيه : [شكون ضربك أحنيني .......هاد العفريت ..........؟ ] فتوجه نظراتها الحادة صوب ع المغيث ؛ تتطاير من عينيها الذابلتين شرارة الحقد والكراهية .
يتسمّر عبد المغيث في مكانه ... يتخيل لو أن الأرض أدركت براءته لانشق أديم الأرض كي يصعد منه عفريت حقيقي يكسر أضلاع بهلول وأمه .
تتودد إليه بحذقها ودهائها ؛ فتغريه ببعض ما في يديها من الحلوى ، ثم تقترب منه؛ وتنقض عليه كما لو أنه فريستها المفضلة . تمسك بتلابيب قميصه بعد ممانعة في الفرار ، و تدير وجهه نحوها بحركة محمومة فتصفعه على خديه الصغيرين ؛ مخلفة بصمات عدوانها : أخاديد سطرتها أصابع يديها اللعينتين على وجهه ؛ تؤكد أنها قد شفت غليلها ؛ وأثلجت صدرها . وعندما يكتم عبد المغيث غيظه تبسط يدها الملوثة بالذنوب فتأخذ بأذنيه وتفركهما بأصابعها الحديدية فيتألم غاية الألم ويبكي .
ذات مرة جلس عبد المغيث في فناء الدار مُنهمكا في إعداد كل اللوازم البلاستيكية والأسلاك والملقاط والقصبة . وشرع في صنع شاحنته الصغيرة التي سيقودها بنفسه ؛ وينعطف بها يمينا ويسارا حتى يصل عند مدخل معمل السكر ؛ ويصيح بالبواب فيفتح له الباب ويدخل بانتظام وسط الحشود ؛ ثم يشحنها بمخلفات الشمندر الذي تقتات منه البهائم ؛ ويسحب فاتورة الأداء ؛و يعود مطمئنا ؛ فيبيع الشحنة بعشرين ريالا.
ظل غارقا إلى في بحر أحلامه الوردية إلى الأخماص ؛ لم ينقذه من سباته العميق إلا شعوره بحركات خطوات بطيئة لكائن يدب فوق الأرض ويقترب منه .....إنه بهلول ؛ يجر ذيوله كأنه يحمل أعباء النهار كله . يتدحرج سمينا ؛ منتفخ الوجنتين . جلس بجواره وظل يتابع كل حركاته حتى تقرقع مزلاج الباب ؛ فانفتح على مصراعيه ودخل الحاج مسعود ؛ملتفا في جلبابه الصوفي ؛ وعمامته البيضاء التي أنهكها الزمن قد تبعثرت فوق رأسه و لم يفلح في تقويم اعوجاجها . فصاح بملء صوته الجهور (أفينكم أ مّلِين الدار.. كاين شي أتاي .)
أبصر عبد المغيث أباه يحمل بين يديه صينية لامعة تضيء ما حولها . فوضعها فوق أرض مفروشة ببساط تقليدي أمام الحاج مسعود ؛ ودعاه إلى صب الشاي في الكؤوس . تجاذبا أطراف الحديث ؛ وعيونهما لم تفارق الطفلين المنغمسين في لهوهما . قال الحاج مسعود : [ اسمع أقول لك يا بن أخي : إن الزمان قد عضنا بنابه ؛ وظروف الحقل قد شمرت على ساعدها للقضاء على ما تبقى من صحتك ؛ وبيننا والمدرسة مسافة أميال محفوفة بالمخاطر . أتترك ع المغيث يتابع دراسته ولامعين لك ؟. لا داعي للتفكير . انظر هما يلعبان الآن ؛ وغدا سيقلبان التراب إبريزا... ]
أدرك الأب النوايا بعدما لملم جراح الكلمات ولم ينبس بحرف واحد ؛ أدرك أن بهلول لم يكن قادرا على مواصلة السير ؛ وأنه طفل مدلل يحب الحضن .و قد أخبره ع المغيث غير ما مرة أن بهلول لا يزيد عن حفظ الآية قيد أنملة ؛ وإذا أمره المدرس بتلاوة سورة الفلق يقول : " ...... من شر لاصق .........فيطرده المعلم من الفصل ؛ ويغيب عن الأنظار أسبوعا كاملا ؛ وأحيانا يستوفي الشهر كله؛ إلى أن من الله عليه بتوقيع وثيقة الوداع . فقال باي باي ألمدرسة .
شلت حركة الحاج مسعود بعدما شعر بفشل خطته . ظل ممسكا بالكأس يستطلع قاعه ويحيطه بنظرات كما لو أنه يقرأ فيه عناوين افتضاح أمره . فحركه بين أصابعه وألقى بحثالته إلى الأرض قائلا : [ ما بقي إلا (التخت) . ...هذا حال الدنيا ].
انتفض قائما فتوجه نحو الباب وقرقع المزلاج ثم فتحه وانصرف .
جثم بهلول على ركبتيه مُتعمِّدا فدهس مصنوعات عبد المغيث الذي انتابه شعور بالمرارة؛ طاف في كل أرجاء المكان كأنه يبحث عن شيء ثمين ضاع منه؛ فوقع بصره على عصا مسنونة ملقاة في الزاوية التي كان يجلس فيها الحاج مسعود ؛ و يملي أفكاره الجهنمية على أبيه ؛ أمسكها بلهفة..... ثم فكر مليا ....لا شيء يمنعه من الضرب على الأيادي غير النظيفة التي تُدشن جدارا سميكا من الوساوس والأوهام. وتزج بالأسرة كلها في دوامة الخوف من المستقبل؛ ومن الآفات لطي كتاب ع المغيث التعليمي ؛كما طُوِيَ كتاب بهلول منذ ثلاث سنوات . طافت بدماغه حشود من الأفكار.... نقطة البداية من هنا ... بهلول أولا.....لا بد من دفن صداقته وقرابته في تربة الأيام إلى الأبد ....
اقترب منه وهوى على رأسه بعصاه المسنونة ؛ فأطلق ساقيه للريح مخلفا وراءه صراخ بهلول الذي ملأ الدنيا وأصم الآذان ؛ معتقدا أن أفكار الحاج مسعود التي تركض خلفه لن تنهض من كبواتها .
تعليق