لـصــوص الــفـضـيلـة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • البكري المصطفى
    المصطفى البكري
    • 30-10-2008
    • 859

    لـصــوص الــفـضـيلـة

    عندما ركب بهلول الحمار بالمقلوب سأله أبوه : [ لماذا تركب الحمار بالمقلوب؟ ] قال : [ إنني ذاهب إلى السوق؛ وهو ذاهب إلي الحقل]
    كان بهلول آخر عنقود في سلسلة بنات ابن عمه الخمسة ؛ عندما علم الحاج مسعود أنه رزق بمولود ذكر تهللت سريرته ؛ وفاضت الابتسامة على وجهه طوال الأيام الصعبة التي قضاها في إِعداد حفل (السبوع ) . دعا الناس إلى وليمة فريدة .كانت رائحة المشوي ودخانه تغرق القرية كلها ؛ تعطرت الأنفاس يوما كاملا من روائح الدواب التي اختفت هذا اليوم بسبب دخان المشوي ...كان احتفالا بهيجا .
    كبر بهلول طفلا مدللا واشتد ساعد صباه ورافق عبد المغيث في صداقة طفولية ؛ ولكثرة الإغداق عليه بأنواع المأكولات والحلاوي ؛ انتفخ بطنه؛ و تَبلّد فكره . أصبح كثير الشكوى ، شديد الولع بالتظاهر أنه مظلوم . كلما جلس للعب فغر فاه ؛ و تدلت شفتاه؛ وسال لعابه فبلل معطفه، ثم طافت حوله كوكبة من ذباب تزعجه بطنينها .
    دخل المدرسة مع عبد المغيث في يوم واحد ؛ لكن تفرقت بهما السبل . تابع ع المغيث دراسته على إيقاع منتظم ؛ واسترجع بهلول أدراجه ليعيش في الحضن مدللا، يرتشف في كؤوس الرحَمَات مزيدا من الحنان والتبجيل والفخر ؛ فتضخم هيكله .
    كان عبد المغيث يحرق بعض أوقاته في اللعب مع بهلول ، ويشمئز من سلوكه وتصرفاته المشينة . عندما يعوي باكيا كالذئب تحضر أمه في لمح البصر ؛ كأنها على صفيح من نار، تكفكف دموعه مُوَلوِلَة ، وتهدهده كالرضيع ، وتنزع خمارها الذي تلف به رأسها فتمسح به لعابه المتفق على صدره ، وتهمس في أذنيه : [شكون ضربك أحنيني .......هاد العفريت ..........؟ ] فتوجه نظراتها الحادة صوب ع المغيث ؛ تتطاير من عينيها الذابلتين شرارة الحقد والكراهية .
    يتسمّر عبد المغيث في مكانه ... يتخيل لو أن الأرض أدركت براءته لانشق أديم الأرض كي يصعد منه عفريت حقيقي يكسر أضلاع بهلول وأمه .
    تتودد إليه بحذقها ودهائها ؛ فتغريه ببعض ما في يديها من الحلوى ، ثم تقترب منه؛ وتنقض عليه كما لو أنه فريستها المفضلة . تمسك بتلابيب قميصه بعد ممانعة في الفرار ، و تدير وجهه نحوها بحركة محمومة فتصفعه على خديه الصغيرين ؛ مخلفة بصمات عدوانها : أخاديد سطرتها أصابع يديها اللعينتين على وجهه ؛ تؤكد أنها قد شفت غليلها ؛ وأثلجت صدرها . وعندما يكتم عبد المغيث غيظه تبسط يدها الملوثة بالذنوب فتأخذ بأذنيه وتفركهما بأصابعها الحديدية فيتألم غاية الألم ويبكي .
    ذات مرة جلس عبد المغيث في فناء الدار مُنهمكا في إعداد كل اللوازم البلاستيكية والأسلاك والملقاط والقصبة . وشرع في صنع شاحنته الصغيرة التي سيقودها بنفسه ؛ وينعطف بها يمينا ويسارا حتى يصل عند مدخل معمل السكر ؛ ويصيح بالبواب فيفتح له الباب ويدخل بانتظام وسط الحشود ؛ ثم يشحنها بمخلفات الشمندر الذي تقتات منه البهائم ؛ ويسحب فاتورة الأداء ؛و يعود مطمئنا ؛ فيبيع الشحنة بعشرين ريالا.
    ظل غارقا إلى في بحر أحلامه الوردية إلى الأخماص ؛ لم ينقذه من سباته العميق إلا شعوره بحركات خطوات بطيئة لكائن يدب فوق الأرض ويقترب منه .....إنه بهلول ؛ يجر ذيوله كأنه يحمل أعباء النهار كله . يتدحرج سمينا ؛ منتفخ الوجنتين . جلس بجواره وظل يتابع كل حركاته حتى تقرقع مزلاج الباب ؛ فانفتح على مصراعيه ودخل الحاج مسعود ؛ملتفا في جلبابه الصوفي ؛ وعمامته البيضاء التي أنهكها الزمن قد تبعثرت فوق رأسه و لم يفلح في تقويم اعوجاجها . فصاح بملء صوته الجهور (أفينكم أ مّلِين الدار.. كاين شي أتاي .)
    أبصر عبد المغيث أباه يحمل بين يديه صينية لامعة تضيء ما حولها . فوضعها فوق أرض مفروشة ببساط تقليدي أمام الحاج مسعود ؛ ودعاه إلى صب الشاي في الكؤوس . تجاذبا أطراف الحديث ؛ وعيونهما لم تفارق الطفلين المنغمسين في لهوهما . قال الحاج مسعود : [ اسمع أقول لك يا بن أخي : إن الزمان قد عضنا بنابه ؛ وظروف الحقل قد شمرت على ساعدها للقضاء على ما تبقى من صحتك ؛ وبيننا والمدرسة مسافة أميال محفوفة بالمخاطر . أتترك ع المغيث يتابع دراسته ولامعين لك ؟. لا داعي للتفكير . انظر هما يلعبان الآن ؛ وغدا سيقلبان التراب إبريزا... ]
    أدرك الأب النوايا بعدما لملم جراح الكلمات ولم ينبس بحرف واحد ؛ أدرك أن بهلول لم يكن قادرا على مواصلة السير ؛ وأنه طفل مدلل يحب الحضن .و قد أخبره ع المغيث غير ما مرة أن بهلول لا يزيد عن حفظ الآية قيد أنملة ؛ وإذا أمره المدرس بتلاوة سورة الفلق يقول : " ...... من شر لاصق .........فيطرده المعلم من الفصل ؛ ويغيب عن الأنظار أسبوعا كاملا ؛ وأحيانا يستوفي الشهر كله؛ إلى أن من الله عليه بتوقيع وثيقة الوداع . فقال باي باي ألمدرسة .
    شلت حركة الحاج مسعود بعدما شعر بفشل خطته . ظل ممسكا بالكأس يستطلع قاعه ويحيطه بنظرات كما لو أنه يقرأ فيه عناوين افتضاح أمره . فحركه بين أصابعه وألقى بحثالته إلى الأرض قائلا : [ ما بقي إلا (التخت) . ...هذا حال الدنيا ].
    انتفض قائما فتوجه نحو الباب وقرقع المزلاج ثم فتحه وانصرف .

    جثم بهلول على ركبتيه مُتعمِّدا فدهس مصنوعات عبد المغيث الذي انتابه شعور بالمرارة؛ طاف في كل أرجاء المكان كأنه يبحث عن شيء ثمين ضاع منه؛ فوقع بصره على عصا مسنونة ملقاة في الزاوية التي كان يجلس فيها الحاج مسعود ؛ و يملي أفكاره الجهنمية على أبيه ؛ أمسكها بلهفة..... ثم فكر مليا ....لا شيء يمنعه من الضرب على الأيادي غير النظيفة التي تُدشن جدارا سميكا من الوساوس والأوهام. وتزج بالأسرة كلها في دوامة الخوف من المستقبل؛ ومن الآفات لطي كتاب ع المغيث التعليمي ؛كما طُوِيَ كتاب بهلول منذ ثلاث سنوات . طافت بدماغه حشود من الأفكار.... نقطة البداية من هنا ... بهلول أولا.....لا بد من دفن صداقته وقرابته في تربة الأيام إلى الأبد ....
    اقترب منه وهوى على رأسه بعصاه المسنونة ؛ فأطلق ساقيه للريح مخلفا وراءه صراخ بهلول الذي ملأ الدنيا وأصم الآذان ؛ معتقدا أن أفكار الحاج مسعود التي تركض خلفه لن تنهض من كبواتها .
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    البكري المصطفى
    أعتذر منك زميلي
    فقد طال النص وتخللته بعض المفردات التي لم أفهمها
    وليتك تركت هامشا في أسفل النص يفسر
    فجملة ( أفينكم أ مليني الدار.. كاين شي أتاي ) وما تعني
    و
    ( شكون ضربك أحنيني )
    اللهجة المحكية تحتاج لتفسير في كثير من الأحيان
    لكن ومضة النهاية أعجبتني وهو يركض ويتصور أن أفكار مسعود تركض وراءه
    بودي أن أقول لك أنك تمتلك مخيلة
    وتمتلك تلك الروح فقط وظفها بطريقة تناسب كل من يقرأ
    ثم
    حاول أن تبتعد عن النمطية فهي تؤسر النص والكاتب
    أرجوك زميلي لا تزعجنك ملاحظتي فأنا أقصد الصالح العام صدقني
    ولو شئت إرمها وراء ظهرك
    ثم لم يفتني أن أراها بعين الراصد
    ورأيتها ( الكيان الصهيوني وامه أميركا )
    تدلله وتغدق عليه
    ربما لم لا
    النص يقبل التأويل
    ودي ومحبتي لك سيدي الكريم
    كن بخير


    عاشقين

    عاشقين حكايات ملتهبة نسبت إليها، كتبت عنها. أساطير، تداولها الأبناء عن آبائهم. قالوا: - طاغية تسطر تاريخ العشق، بأحرف من جمر منحوتة من نور و نار.. وحمم، تصطلي الأرواح فيها فحذار، حذاري منها! فاتنة فتاكة ترمي بسهام سحرها فتغوي الرجال بفتنتها وبهاء طلتها، يهيمون فيها يشرئبون بأعناقهم نحوها وقلوبهم واجفة، خوفا عليها.. لكنهم لا
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • البكري المصطفى
      المصطفى البكري
      • 30-10-2008
      • 859

      #3
      الأستاذة الفاضلة عائدة محمد نادر ؛أشكرك على ملاحظتك النابعة من صميم إحساسك بالرغبة في تقويم النص ؛ وأنا أفتح صدري لكل الآراء .وأنت لاتقصدين إلا الصالح العام طبعا . سأختصر تعقيبي فيما يأتي :
      أولا: العبارة الأولى التي كتبتها باللغة المحلية تعني :يا أهل الدار ....أينكم ؟...فهل أعددتم شايا؟ - أما العبارة الثانية فتعني : من ضربك يا حبيبي ؟ أنت مشكورة على لفت انتباهي لضرورة وضع هوامش مساعدة للفهم
      ثانيا : لا أفهم معنى النمطية التي تتحدثين عنها في هذا النص ؛ وهو وليد مخاض تجربة شخصية في الحياة ؛ فهل التشابه في الأفكار وفي الحلم يعني التنميط؟
      ثالثا: إن ما دبجه قلمك النقدي في نهاية النص ؛ لم يكن على قدر من الوضوح/ الكيان الصهيوني وأمه أمريكا/ .... تساؤلك حول /إمكانية قبول النص للتأويل ؟؟ / أي علاقة بين هذه العبارات ونص سردي لايرتبط بها من بعيد أو قريب .؟؟

      طابت أوقاتك .

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة البكري المصطفى مشاهدة المشاركة
        الأستاذة الفاضلة عائدة محمد نادر ؛أشكرك على ملاحظتك النابعة من صميم إحساسك بالرغبة في تقويم النص ؛ وأنا أفتح صدري لكل الآراء .وأنت لاتقصدين إلا الصالح العام طبعا . سأختصر تعقيبي فيما يأتي :
        أولا: العبارة الأولى التي كتبتها باللغة المحلية تعني :يا أهل الدار ....أينكم ؟...فهل أعددتم شايا؟ - أما العبارة الثانية فتعني : من ضربك يا حبيبي ؟ أنت مشكورة على لفت انتباهي لضرورة وضع هوامش مساعدة للفهم
        ثانيا : لا أفهم معنى النمطية التي تتحدثين عنها في هذا النص ؛ وهو وليد مخاض تجربة شخصية في الحياة ؛ فهل التشابه في الأفكار وفي الحلم يعني التنميط؟
        ثالثا: إن ما دبجه قلمك النقدي في نهاية النص ؛ لم يكن على قدر من الوضوح/ الكيان الصهيوني وأمه أمريكا/ .... تساؤلك حول /إمكانية قبول النص للتأويل ؟؟ / أي علاقة بين هذه العبارات ونص سردي لايرتبط بها من بعيد أو قريب .؟؟

        طابت أوقاتك .
        الزميل القدير
        البكري المصطفى
        أحببت فيك تلك الروح المتقبلة للرأي وهذا يدل على أنك تستجيب لكافة الرؤى
        شيء يمتلكه صاحب الحس الأدبي دون أن يدري حتى يكتشف أنه كان كذلك
        الهامش يجب أن يكون موجودا حين نضع عبارات ( محلية ) خاصة وأننا نختلف أحيانا بنطق الكلمات مشرقا ومغربا وكيفيتها ويكون هذا أسفل النص وترقم العبارة برقم 1 و 2 وهكذا كي ينزل القاريء عينيه على الهامش ويعرف ماقرء ومعنى تلك اللفظة أو الجملة
        ثم
        اترك للقاريء فسحة التأويل ولاتقل له لم أفهم ولم يكن هذا قصدي لأنك ستكبل القاريء برؤيتك أنت ولن تعطيه مجالا كي يرى مالم تره أنت
        ويصدف أحيانا أن نكتب شيئا مغايرا ويراه القاريء وحسب رؤيته رؤية أخرى وهنا ليس من حقي أن أقول له أخطأت لأني أطلقت نصي للقراءة والباقي صار للقاريء وهو من يرى وهذا حقه وعلي أن أتقبله.
        من الجيد بل من المهم فعلا أن يرى القاريء( أنا أو غيري ) أن النص قابل للتأويل وهذه ليست سبة على النص بل هي ميزة تحسب له.
        بودي أن أقول لك أني لست ناقدة لأني قارئة تقرأ بشكل مختلف
        ودي ومحبتي لك سيدي الكريم


        عاشقين

        عاشقين حكايات ملتهبة نسبت إليها، كتبت عنها. أساطير، تداولها الأبناء عن آبائهم. قالوا: - طاغية تسطر تاريخ العشق، بأحرف من جمر منحوتة من نور و نار.. وحمم، تصطلي الأرواح فيها فحذار، حذاري منها! فاتنة فتاكة ترمي بسهام سحرها فتغوي الرجال بفتنتها وبهاء طلتها، يهيمون فيها يشرئبون بأعناقهم نحوها وقلوبهم واجفة، خوفا عليها.. لكنهم لا
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • البكري المصطفى
          المصطفى البكري
          • 30-10-2008
          • 859

          #5
          الكاتبة المبدعة عائدة : أعترف لك بأن الإبداع الأدبي فيض دلالي ؛ وأن المعاني فيه لاتنقبض لذلك لا تحقق اللغة الشعرية انسجامها إلا بالتأويل . أنا لا أناقش هذه المسلمات ؛ لكن قصدي يصب في اتجاه تأكيد أهمية الكتابة التقريرية الواضحة في المقاربة النقدية . فبغيابها يحجب عنا الفهم والتفاهم. أشكرك مجددا على ملاحظتك.

          تعليق

          • البكري المصطفى
            المصطفى البكري
            • 30-10-2008
            • 859

            #6
            الأديب الراقي زحل بن شمسين؛ شكري موفور لك على تتبعك بعض قصصي.
            أعتقد أن الكلام الأدبي حمال أوجه؛ وهذا سر الإبداع فيه وسر جماله .
            لمستَ عن كثب تعالق معنى لصوص الفضيلة بأبعاد دلالية أخرى مستوحات من واقع معيش ؛ ومصائر شعب ووطن عزيز كالعراق. وجهزت سياق المعنى بما يكفي ؛ فشاركت في خلقه جديد ؛ وهذة ميزة القارئ المبدع الذي يعيد خلق النص بإخراج المعنى من غلافه اللفظي .
            مودتي.

            تعليق

            يعمل...
            X