والدي العزيز
لك تحياتي وأسمى آيات تقديري ومحبتي ...
عذراً لتأخير إرسال خطابي هذا لك..
فقد إستغرق الحصول على سكن مناسب وقتاً طويلاً ..
ثم غرقتُ في تفاصيل إجراءات التسجيل للجامعة ..
وعشرات التفاصيل الأخرى التي لا أريد أن أزحم بها رأسك ..
والدي الحبيب .. شوقي إليك لايوصف.
أرجو أن تقرأ رسالتي هذه بعناية وأن تتفهم دواعي لهجتي هنا ..
فالقلب مثقل ولا بد من فضفضة...
لم أكن متأكدة من أنك ستوافق على سفري وحدي بهذه السرعة ودون أي إعتراض ..
بل أصابني الذهول لسرعة إستجابتك لرغبتي في السفر.
فقد رفضتَ أنت من قبل وبإصرار بالغ سفر أخي غير الشقيق عندما توسل إليك هو أخواله لتوافق على سفره للدراسة بالخارج ..
ولكن حيرتي تبددتْ فيما بعد...فلم تصبني الدهشة بالطبع عندما وافقتَ على سفري وحيدة إلى هذه الأصقاع البعيدة ..
جاءت موافقتك سريعاً ودون تردد ...
إختزلتْ موافقتك كل التوسلات التي كنت أنتقي كلماتها أياماً طويلة ..
نعم ... لم تصبني الدهشة لموافقتك السريعة ..
ولكن ..
موافقتك على سفري .. تعرف أسبابها ..
فأنت تزيح عن كاهلك كل خيط يبعدعنك الشبهة التي ربما تلازمك طوال حياتك إن تم الكشف عن المستور ..
وأرجو أن تغفر لي ما سأقوله إن كان يدخل في نطاق العقوق أو التطاول يا أبي ..
فأنا أعتز بك جداً .. و تتطاول قامتي لتعانق السماء لأنك أبي ..
وسأظل أعيش مفتخرة بإنتسابي إليك .. فأنا ظفر في لحم أصبعك ..
وقبل أن ألِج هذا الأمر .. أقوللك بأنك يا والدي قد إرتكبت ذلك الخطأ الفادح في حياتك ..
وأعذرني يا أبي مرة أخرى ..
فأنت سليل الحسب والنسب .. إبن الأسرة العريقة ..
ورثتَ عن أبيك وأجدادك عزاً وجاهاُ.. وإسم أسرتك له وقْع الطبول.
ثم زوجوك إحدى بنات أعرق الأسرالتي توازيك نسبا وحسبا ..
كنتما كفَرَسِىْ رهان ..
أنجبتما البنين والبنات ..يحسدكما الكثيرون عليهم ..
أتتْك الدنيا طواعية .. ووهبك الله كل شيء ..
فكيف أتيت بي ؟
أقصد لم أتيت بي إلى هذه الدنيا؟
كان يكفيك ما أنت فيه من نعيم دانٍ وعز وافر .. وكل زينة الحياة الدنيا.
هذا سؤال تعرف أنت إجابته تماماً كمعرفتك راحة يدك ..
أنا لي رأى آخر .. قد يغضبك ..ولكني لن أعيش به بقية عمري ..
سيثقل كاهلي إن لم أبُحْ به إليك ..
وأنا مصممة على أن لا أموت وهو في جوفي ينحرني ليل نهار ويذبحني من الوريد إلى الوريد.
أنا يا أبي ثمرة طيشك .. هذه حقيقة
فقد أتيت بي لهذه الدنيا بسبب نزوة من نزواتك ..
سامح الله أمي ورحمها.
أنا لا أحتقرها .. ولا ألومها..
فهي نسيج مختلف تماماً عنك..دفعتها ظروفها أن تكون أحد أسباب توفير مزاجك العالي .. رحمها الله ..
بهرْتها بجاهك .. وأغدقت عليها من مالك .. وملكتها بحلو لسانك ..
فهل خدعتها يا أبي ؟ هل وعدتها بشيء ثم أخلفت وعدك ؟
يتعبني الآن أنني لا أعرف عنها شيئا ..
أستحلفك بالله أن تحدثني عنها وأنا الآن بعيدة عنكم وأنت في مأمن من كل ما يكشف سرك العظيم.
لا أعلم كيف تزوجتها سراً .. ولاأريد أن أعرف الآن ..
ولكن الذي أعرفه يا أبي أنك تزوجتها ربما درءاً للفضيحة بعد أن تكورتْ بطنها معلنة بداية الخطيئة والخطأ ..لتضمن بذلك سكوتها الأبدي ..
ودرءاً لإنتشار الفضيحة بين أهلك وأسرتك .. أليس كذلك ؟
وأخذْتني عندك .. وأنت تعلم بقية مجريات الأحداث .. تعلمها يا أبي ..
أنكرتَ أولا أبوتك لي ..
وقلتَ للجميع أنني يتيمة تود كسب الأجر والمثوبة بتربيتي ..
وأنا وقتها صغيرة لا أعلم لِم أنا بعيدة عن والدتي وبين أسرتك التي لم ترحب بي كثيراً ..
ثم أفضيتَ إلى زوجتك بالسر الدفين في لحظة ندم ربما ، فتغيرتْ معاملتها لي. بل تغيرتْ كلياً ..
رغم أني لم أعلم سر التغيُّر في معاملتها وقتها .. إلا أنني أعتقد بأن الله يحبني فقد ألهمني صبراً جميلاً ....
أفرغتْ زوجتك كل حقدها على ضرّتها في شخصي .. ولولا لطف الله بي .. لكنت مشردة بلا هوية .. ولا أدري أين كان سينتهي بي المصير..
وتحت سمعك وبصرك جرتْ أمور ستظل محفورة في ذاكرتي أبد الدهر ..
أمور أقل ما أصفها بها الآن أنها توصمك بالظلم الفادح .. الظلم المر .
كأنك بسكوتك تجعلهم يعاقبونني على ما إقترفته يداك .
عاقبتَ نفسك في شخصي ..
لا أكرهك .. لسببين :
لأنك والدي ...
ولأنك يوماً ما كنت ترتبط بوالدتي رحمها الله برباط مقدس .. رباط لم تعطه كل حقوقه المشروعة.
سامحك الله ..
كانت هناك جذوة عميقة داخل روحي في صغري تقول أنك أكثر من مُحسن وكافل يتيم..
كنتُ أسهر لحين عودتك وأذهب لفراشي بعد دخولك غرفتك دامعة العينين .. كنت أغضب في دواخلي حينما تتطاول زوجتك عليك ..
وأطرق مكسورة عندما أراك منهزماً أمامها ..
ولكن .. أرَّقتْني كثيراً ولسنوات طوال أمور شتى ..
فأَن أنام دون عشاء عقابا لتقصيري بسبب الإرهاق أو التعب ، فهذا لم تعرفه لأنك كنت تأتي مخدراً ومخموراً وتُساق إلى مخدع زوجتك سَوْقاً .
وأن أُعاقَب يومياً على أخطاء الآخرين .. فهذا كان يفوتك لغيابك طيلة ساعات النهار ..
ولكن أيعطيك هذا العذر لكى لا تناديني وتمسح على رأسي وتسألني إن كنت أشكو شيئا ؟
ألم تستيقظ فيك يوماً عاطفة الأبوة ؟
أيعطيك هذا العذر حتى لا تفرق بين ما كنتُ ألبسه وما كان تلبسه أخواتي ؟
أيعطيك هذا العذر حتى لا تراني أيام راحتك في المنزل وأنا منحنية أقوم بكل أعمال البيت بينما إخوتي حولك في صخب طفولي كنت أرمقه من طرف خفي وبداخلي سؤال يكاد يكتم أنفاسي ؟
سؤال كان دافعه شعور خفي بأنني جزء منك .. ولكن أبُوّتَك بعيدة كل البعد عني.
أذكر سنوات طفولتي فأصاب بغصة تكاد تفقدني صوابي ..
ستبقى تلك الأيام كالشرخ يدخل منه صقيع عطش أيامي وجوع لياليها الطوال.
أحمد الله أن أعطاني القوة والصبر ..
لا أود أن أؤنبك الآن ..
فلا فائدة أجنيها بتأنيبك ..
يكفيك صراعك الداخلي الذي عشته وتعيشه وستعيشه.
كان من الأفضل أن تتركني في حضن أمي .. أو حضن مَن على شاكلتها بعد موتها ..
ما معنى أن أقتات الفتات في منزل أبي ؟
ما معنى أن ألبس أسمال إخوتي ؟
إخوتي ؟
يا للسخرية .. هم يعرفون فقط أنني يتيمة تعيش على إحسان الأسرة ..
الذي أعرفه أن الأبوة لا تتجزأ... لا تفرق بين لحم و لحم .. وليس هناك لونين للدم الذي يجري في العروق.
فكيف طاوعك قلبك على أن تجعلني أعيش دور المقطوعة من شجرة وسط إخوتي ..؟؟
بينما زوجتك التي تعرف الحقيقة تُشْهِر لك سلاح الفضيحة كلما حَنَ قلبك أو لُمْتَ نفسك على سوء معاملتها لي ؟
كيف إستطعتَ أن تصبر كل هذه السنوات لتخبرني بالحقيقة؟
ليتك لم تخبرني .. ليتك تركتني أحبك فقط لأنك الذي أحسن إليّ بعد موت أمي.
أتدري ما الذي راود تفكيري عندما أخبرتني بالحقيقة وأنت منتشي بفعل الخمر ليلتها ؟
إمتدتْ يدي لتصفعك ..
نعم ..
أصدقك القول .. إمتدت يدي لتصفعك ..
ولكني أحسست أنها ملتصقة بي تماما لا حراك بها .. وأحمد الله على ذلك أيضاً.. فقد منع الله عني جريرة كبيرة.
لم تتركني زوجتك أكمل النظر إلى تعابير وجهك وأنت تكمل إعترافك الهزيل المبتور ..
فقد سحبتْك وكأنك طفل يجرجرونه إلى فراشه ..
وصباح اليوم التالي .. خرجتَ لاتلوي على شيء .. لم تطق حتى النظر في وجهي و أنا أزاول عملي اليومي مذهولة.
يا لها من ليلة .. تلك الليلة..
لم يغمض لي جفن ..
كانت الصدمة أكبر من عقلي وأنا في بداية مراهقتي أكابد ما أكابد ..
فكرتُ في الهرب .. ثم أحجمتُ متعلقة بأهداب محبة قد تأتي بعد هذا ..
ولكنني كنت واهمة ..
أرقبك من فرجة الباب في غرفتي الكئيبة وأنت تترنح تدلف إلى غرفتك مسنوداً عليها ..
رحمك الله يا أمي ...
لا أعرف كيف وافقتْ زوجتك أصلاً على دخولي المدرسة ..
وهذه محمدة أضعها في ميزان أعمالها الفارغ تماما.. وكرم منها رَسَمَ خُطى حياتي ..
وربما قصدتْ أن تشغلني عندما أكبر بشيء حتى لا أواجهها أو أطالب بأشياء تراها هي أنها ليس من حقي ....
ولكنني وقتها كنت قد قررت أن أواصل حِفْظ سرك حتى لا تسقط من نظر أهل زوجتك وأهلك ..
أرأيت كيف كانت معادلتي صعبة وشائكة..
تفوقي الدراسي منذ البداية كان سببه أن أرد لك الجميل كرجل يحسن إلى يتيمة.
ثم إزداد تفوقي بعد أن عرفت الحقيقة التي أخفيتها حتى عن إخوتي أنت وزوجتك ..
حاولت كثيراً أن أجلس جلسة مصارحة مع إخوتي .. ولكنني أضعف دائما أمام توسلاتك ..
فكن مطمئناً .. لن أحدثهم، لأن حديثي معهم لن يجدي نفعا، ولأنك لم تجد الجرأة لتحدثهم بالحقيقة.
حتى وأنا بعيدة عنهم الآن لن أفشي سرك حتى لا تتغير نظرتهم إليك ..
ولكن .. أرجو أن تسمح لي بأن أقول لك .. بأن لا نية لي في العودة ..لا نية لي أبداً ..
إن كان في العمر بقية ربما أراك مرة أخرى .. أرجو أن تزورني أنت ..
ورغم كل شيء .. قبلاتي لك ولإخوتي.. ولزوجتك ...
أسامحك أبي .. أسامحك ... من كل قلبي .. وسأدعو لك ..
أطلب الرحمة لأمي ..
وأغفر لي تطاولي ..
سأكتب لك دائما ..
إبنتك سماح
لك تحياتي وأسمى آيات تقديري ومحبتي ...
عذراً لتأخير إرسال خطابي هذا لك..
فقد إستغرق الحصول على سكن مناسب وقتاً طويلاً ..
ثم غرقتُ في تفاصيل إجراءات التسجيل للجامعة ..
وعشرات التفاصيل الأخرى التي لا أريد أن أزحم بها رأسك ..
والدي الحبيب .. شوقي إليك لايوصف.
أرجو أن تقرأ رسالتي هذه بعناية وأن تتفهم دواعي لهجتي هنا ..
فالقلب مثقل ولا بد من فضفضة...
لم أكن متأكدة من أنك ستوافق على سفري وحدي بهذه السرعة ودون أي إعتراض ..
بل أصابني الذهول لسرعة إستجابتك لرغبتي في السفر.
فقد رفضتَ أنت من قبل وبإصرار بالغ سفر أخي غير الشقيق عندما توسل إليك هو أخواله لتوافق على سفره للدراسة بالخارج ..
ولكن حيرتي تبددتْ فيما بعد...فلم تصبني الدهشة بالطبع عندما وافقتَ على سفري وحيدة إلى هذه الأصقاع البعيدة ..
جاءت موافقتك سريعاً ودون تردد ...
إختزلتْ موافقتك كل التوسلات التي كنت أنتقي كلماتها أياماً طويلة ..
نعم ... لم تصبني الدهشة لموافقتك السريعة ..
ولكن ..
موافقتك على سفري .. تعرف أسبابها ..
فأنت تزيح عن كاهلك كل خيط يبعدعنك الشبهة التي ربما تلازمك طوال حياتك إن تم الكشف عن المستور ..
وأرجو أن تغفر لي ما سأقوله إن كان يدخل في نطاق العقوق أو التطاول يا أبي ..
فأنا أعتز بك جداً .. و تتطاول قامتي لتعانق السماء لأنك أبي ..
وسأظل أعيش مفتخرة بإنتسابي إليك .. فأنا ظفر في لحم أصبعك ..
وقبل أن ألِج هذا الأمر .. أقوللك بأنك يا والدي قد إرتكبت ذلك الخطأ الفادح في حياتك ..
وأعذرني يا أبي مرة أخرى ..
فأنت سليل الحسب والنسب .. إبن الأسرة العريقة ..
ورثتَ عن أبيك وأجدادك عزاً وجاهاُ.. وإسم أسرتك له وقْع الطبول.
ثم زوجوك إحدى بنات أعرق الأسرالتي توازيك نسبا وحسبا ..
كنتما كفَرَسِىْ رهان ..
أنجبتما البنين والبنات ..يحسدكما الكثيرون عليهم ..
أتتْك الدنيا طواعية .. ووهبك الله كل شيء ..
فكيف أتيت بي ؟
أقصد لم أتيت بي إلى هذه الدنيا؟
كان يكفيك ما أنت فيه من نعيم دانٍ وعز وافر .. وكل زينة الحياة الدنيا.
هذا سؤال تعرف أنت إجابته تماماً كمعرفتك راحة يدك ..
أنا لي رأى آخر .. قد يغضبك ..ولكني لن أعيش به بقية عمري ..
سيثقل كاهلي إن لم أبُحْ به إليك ..
وأنا مصممة على أن لا أموت وهو في جوفي ينحرني ليل نهار ويذبحني من الوريد إلى الوريد.
أنا يا أبي ثمرة طيشك .. هذه حقيقة
فقد أتيت بي لهذه الدنيا بسبب نزوة من نزواتك ..
سامح الله أمي ورحمها.
أنا لا أحتقرها .. ولا ألومها..
فهي نسيج مختلف تماماً عنك..دفعتها ظروفها أن تكون أحد أسباب توفير مزاجك العالي .. رحمها الله ..
بهرْتها بجاهك .. وأغدقت عليها من مالك .. وملكتها بحلو لسانك ..
فهل خدعتها يا أبي ؟ هل وعدتها بشيء ثم أخلفت وعدك ؟
يتعبني الآن أنني لا أعرف عنها شيئا ..
أستحلفك بالله أن تحدثني عنها وأنا الآن بعيدة عنكم وأنت في مأمن من كل ما يكشف سرك العظيم.
لا أعلم كيف تزوجتها سراً .. ولاأريد أن أعرف الآن ..
ولكن الذي أعرفه يا أبي أنك تزوجتها ربما درءاً للفضيحة بعد أن تكورتْ بطنها معلنة بداية الخطيئة والخطأ ..لتضمن بذلك سكوتها الأبدي ..
ودرءاً لإنتشار الفضيحة بين أهلك وأسرتك .. أليس كذلك ؟
وأخذْتني عندك .. وأنت تعلم بقية مجريات الأحداث .. تعلمها يا أبي ..
أنكرتَ أولا أبوتك لي ..
وقلتَ للجميع أنني يتيمة تود كسب الأجر والمثوبة بتربيتي ..
وأنا وقتها صغيرة لا أعلم لِم أنا بعيدة عن والدتي وبين أسرتك التي لم ترحب بي كثيراً ..
ثم أفضيتَ إلى زوجتك بالسر الدفين في لحظة ندم ربما ، فتغيرتْ معاملتها لي. بل تغيرتْ كلياً ..
رغم أني لم أعلم سر التغيُّر في معاملتها وقتها .. إلا أنني أعتقد بأن الله يحبني فقد ألهمني صبراً جميلاً ....
أفرغتْ زوجتك كل حقدها على ضرّتها في شخصي .. ولولا لطف الله بي .. لكنت مشردة بلا هوية .. ولا أدري أين كان سينتهي بي المصير..
وتحت سمعك وبصرك جرتْ أمور ستظل محفورة في ذاكرتي أبد الدهر ..
أمور أقل ما أصفها بها الآن أنها توصمك بالظلم الفادح .. الظلم المر .
كأنك بسكوتك تجعلهم يعاقبونني على ما إقترفته يداك .
عاقبتَ نفسك في شخصي ..
لا أكرهك .. لسببين :
لأنك والدي ...
ولأنك يوماً ما كنت ترتبط بوالدتي رحمها الله برباط مقدس .. رباط لم تعطه كل حقوقه المشروعة.
سامحك الله ..
كانت هناك جذوة عميقة داخل روحي في صغري تقول أنك أكثر من مُحسن وكافل يتيم..
كنتُ أسهر لحين عودتك وأذهب لفراشي بعد دخولك غرفتك دامعة العينين .. كنت أغضب في دواخلي حينما تتطاول زوجتك عليك ..
وأطرق مكسورة عندما أراك منهزماً أمامها ..
ولكن .. أرَّقتْني كثيراً ولسنوات طوال أمور شتى ..
فأَن أنام دون عشاء عقابا لتقصيري بسبب الإرهاق أو التعب ، فهذا لم تعرفه لأنك كنت تأتي مخدراً ومخموراً وتُساق إلى مخدع زوجتك سَوْقاً .
وأن أُعاقَب يومياً على أخطاء الآخرين .. فهذا كان يفوتك لغيابك طيلة ساعات النهار ..
ولكن أيعطيك هذا العذر لكى لا تناديني وتمسح على رأسي وتسألني إن كنت أشكو شيئا ؟
ألم تستيقظ فيك يوماً عاطفة الأبوة ؟
أيعطيك هذا العذر حتى لا تفرق بين ما كنتُ ألبسه وما كان تلبسه أخواتي ؟
أيعطيك هذا العذر حتى لا تراني أيام راحتك في المنزل وأنا منحنية أقوم بكل أعمال البيت بينما إخوتي حولك في صخب طفولي كنت أرمقه من طرف خفي وبداخلي سؤال يكاد يكتم أنفاسي ؟
سؤال كان دافعه شعور خفي بأنني جزء منك .. ولكن أبُوّتَك بعيدة كل البعد عني.
أذكر سنوات طفولتي فأصاب بغصة تكاد تفقدني صوابي ..
ستبقى تلك الأيام كالشرخ يدخل منه صقيع عطش أيامي وجوع لياليها الطوال.
أحمد الله أن أعطاني القوة والصبر ..
لا أود أن أؤنبك الآن ..
فلا فائدة أجنيها بتأنيبك ..
يكفيك صراعك الداخلي الذي عشته وتعيشه وستعيشه.
كان من الأفضل أن تتركني في حضن أمي .. أو حضن مَن على شاكلتها بعد موتها ..
ما معنى أن أقتات الفتات في منزل أبي ؟
ما معنى أن ألبس أسمال إخوتي ؟
إخوتي ؟
يا للسخرية .. هم يعرفون فقط أنني يتيمة تعيش على إحسان الأسرة ..
الذي أعرفه أن الأبوة لا تتجزأ... لا تفرق بين لحم و لحم .. وليس هناك لونين للدم الذي يجري في العروق.
فكيف طاوعك قلبك على أن تجعلني أعيش دور المقطوعة من شجرة وسط إخوتي ..؟؟
بينما زوجتك التي تعرف الحقيقة تُشْهِر لك سلاح الفضيحة كلما حَنَ قلبك أو لُمْتَ نفسك على سوء معاملتها لي ؟
كيف إستطعتَ أن تصبر كل هذه السنوات لتخبرني بالحقيقة؟
ليتك لم تخبرني .. ليتك تركتني أحبك فقط لأنك الذي أحسن إليّ بعد موت أمي.
أتدري ما الذي راود تفكيري عندما أخبرتني بالحقيقة وأنت منتشي بفعل الخمر ليلتها ؟
إمتدتْ يدي لتصفعك ..
نعم ..
أصدقك القول .. إمتدت يدي لتصفعك ..
ولكني أحسست أنها ملتصقة بي تماما لا حراك بها .. وأحمد الله على ذلك أيضاً.. فقد منع الله عني جريرة كبيرة.
لم تتركني زوجتك أكمل النظر إلى تعابير وجهك وأنت تكمل إعترافك الهزيل المبتور ..
فقد سحبتْك وكأنك طفل يجرجرونه إلى فراشه ..
وصباح اليوم التالي .. خرجتَ لاتلوي على شيء .. لم تطق حتى النظر في وجهي و أنا أزاول عملي اليومي مذهولة.
يا لها من ليلة .. تلك الليلة..
لم يغمض لي جفن ..
كانت الصدمة أكبر من عقلي وأنا في بداية مراهقتي أكابد ما أكابد ..
فكرتُ في الهرب .. ثم أحجمتُ متعلقة بأهداب محبة قد تأتي بعد هذا ..
ولكنني كنت واهمة ..
أرقبك من فرجة الباب في غرفتي الكئيبة وأنت تترنح تدلف إلى غرفتك مسنوداً عليها ..
رحمك الله يا أمي ...
لا أعرف كيف وافقتْ زوجتك أصلاً على دخولي المدرسة ..
وهذه محمدة أضعها في ميزان أعمالها الفارغ تماما.. وكرم منها رَسَمَ خُطى حياتي ..
وربما قصدتْ أن تشغلني عندما أكبر بشيء حتى لا أواجهها أو أطالب بأشياء تراها هي أنها ليس من حقي ....
ولكنني وقتها كنت قد قررت أن أواصل حِفْظ سرك حتى لا تسقط من نظر أهل زوجتك وأهلك ..
أرأيت كيف كانت معادلتي صعبة وشائكة..
تفوقي الدراسي منذ البداية كان سببه أن أرد لك الجميل كرجل يحسن إلى يتيمة.
ثم إزداد تفوقي بعد أن عرفت الحقيقة التي أخفيتها حتى عن إخوتي أنت وزوجتك ..
حاولت كثيراً أن أجلس جلسة مصارحة مع إخوتي .. ولكنني أضعف دائما أمام توسلاتك ..
فكن مطمئناً .. لن أحدثهم، لأن حديثي معهم لن يجدي نفعا، ولأنك لم تجد الجرأة لتحدثهم بالحقيقة.
حتى وأنا بعيدة عنهم الآن لن أفشي سرك حتى لا تتغير نظرتهم إليك ..
ولكن .. أرجو أن تسمح لي بأن أقول لك .. بأن لا نية لي في العودة ..لا نية لي أبداً ..
إن كان في العمر بقية ربما أراك مرة أخرى .. أرجو أن تزورني أنت ..
ورغم كل شيء .. قبلاتي لك ولإخوتي.. ولزوجتك ...
أسامحك أبي .. أسامحك ... من كل قلبي .. وسأدعو لك ..
أطلب الرحمة لأمي ..
وأغفر لي تطاولي ..
سأكتب لك دائما ..
إبنتك سماح
تعليق