سماح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال داود
    نائب ملتقى فنون النثر
    • 06-02-2011
    • 3893

    سماح

    والدي العزيز

    لك تحياتي وأسمى آيات تقديري ومحبتي ...

    عذراً لتأخير إرسال خطابي هذا لك..

    فقد إستغرق الحصول على سكن مناسب وقتاً طويلاً ..

    ثم غرقتُ في تفاصيل إجراءات التسجيل للجامعة ..

    وعشرات التفاصيل الأخرى التي لا أريد أن أزحم بها رأسك ..

    والدي الحبيب .. شوقي إليك لايوصف.

    أرجو أن تقرأ رسالتي هذه بعناية وأن تتفهم دواعي لهجتي هنا ..

    فالقلب مثقل ولا بد من فضفضة...

    لم أكن متأكدة من أنك ستوافق على سفري وحدي بهذه السرعة ودون أي إعتراض ..

    بل أصابني الذهول لسرعة إستجابتك لرغبتي في السفر.

    فقد رفضتَ أنت من قبل وبإصرار بالغ سفر أخي غير الشقيق عندما توسل إليك هو أخواله لتوافق على سفره للدراسة بالخارج ..

    ولكن حيرتي تبددتْ فيما بعد...فلم تصبني الدهشة بالطبع عندما وافقتَ على سفري وحيدة إلى هذه الأصقاع البعيدة ..

    جاءت موافقتك سريعاً ودون تردد ...

    إختزلتْ موافقتك كل التوسلات التي كنت أنتقي كلماتها أياماً طويلة ..

    نعم ... لم تصبني الدهشة لموافقتك السريعة ..

    ولكن ..

    موافقتك على سفري .. تعرف أسبابها ..

    فأنت تزيح عن كاهلك كل خيط يبعدعنك الشبهة التي ربما تلازمك طوال حياتك إن تم الكشف عن المستور ..

    وأرجو أن تغفر لي ما سأقوله إن كان يدخل في نطاق العقوق أو التطاول يا أبي ..

    فأنا أعتز بك جداً .. و تتطاول قامتي لتعانق السماء لأنك أبي ..

    وسأظل أعيش مفتخرة بإنتسابي إليك .. فأنا ظفر في لحم أصبعك ..

    وقبل أن ألِج هذا الأمر .. أقوللك بأنك يا والدي قد إرتكبت ذلك الخطأ الفادح في حياتك ..

    وأعذرني يا أبي مرة أخرى ..

    فأنت سليل الحسب والنسب .. إبن الأسرة العريقة ..

    ورثتَ عن أبيك وأجدادك عزاً وجاهاُ.. وإسم أسرتك له وقْع الطبول.

    ثم زوجوك إحدى بنات أعرق الأسرالتي توازيك نسبا وحسبا ..

    كنتما كفَرَسِىْ رهان ..

    أنجبتما البنين والبنات ..يحسدكما الكثيرون عليهم ..

    أتتْك الدنيا طواعية .. ووهبك الله كل شيء ..

    فكيف أتيت بي ؟

    أقصد لم أتيت بي إلى هذه الدنيا؟


    كان يكفيك ما أنت فيه من نعيم دانٍ وعز وافر .. وكل زينة الحياة الدنيا.

    هذا سؤال تعرف أنت إجابته تماماً كمعرفتك راحة يدك ..

    أنا لي رأى آخر .. قد يغضبك ..ولكني لن أعيش به بقية عمري ..

    سيثقل كاهلي إن لم أبُحْ به إليك ..

    وأنا مصممة على أن لا أموت وهو في جوفي ينحرني ليل نهار ويذبحني من الوريد إلى الوريد.

    أنا يا أبي ثمرة طيشك .. هذه حقيقة

    فقد أتيت بي لهذه الدنيا بسبب نزوة من نزواتك ..

    سامح الله أمي ورحمها.

    أنا لا أحتقرها .. ولا ألومها..

    فهي نسيج مختلف تماماً عنك..دفعتها ظروفها أن تكون أحد أسباب توفير مزاجك العالي .. رحمها الله ..

    بهرْتها بجاهك .. وأغدقت عليها من مالك .. وملكتها بحلو لسانك ..

    فهل خدعتها يا أبي ؟ هل وعدتها بشيء ثم أخلفت وعدك ؟

    يتعبني الآن أنني لا أعرف عنها شيئا ..

    أستحلفك بالله أن تحدثني عنها وأنا الآن بعيدة عنكم وأنت في مأمن من كل ما يكشف سرك العظيم.

    لا أعلم كيف تزوجتها سراً .. ولاأريد أن أعرف الآن ..

    ولكن الذي أعرفه يا أبي أنك تزوجتها ربما درءاً للفضيحة بعد أن تكورتْ بطنها معلنة بداية الخطيئة والخطأ ..لتضمن بذلك سكوتها الأبدي ..

    ودرءاً لإنتشار الفضيحة بين أهلك وأسرتك .. أليس كذلك ؟

    وأخذْتني عندك .. وأنت تعلم بقية مجريات الأحداث .. تعلمها يا أبي ..

    أنكرتَ أولا أبوتك لي ..

    وقلتَ للجميع أنني يتيمة تود كسب الأجر والمثوبة بتربيتي ..

    وأنا وقتها صغيرة لا أعلم لِم أنا بعيدة عن والدتي وبين أسرتك التي لم ترحب بي كثيراً ..

    ثم أفضيتَ إلى زوجتك بالسر الدفين في لحظة ندم ربما ، فتغيرتْ معاملتها لي. بل تغيرتْ كلياً ..

    رغم أني لم أعلم سر التغيُّر في معاملتها وقتها .. إلا أنني أعتقد بأن الله يحبني فقد ألهمني صبراً جميلاً ....

    أفرغتْ زوجتك كل حقدها على ضرّتها في شخصي .. ولولا لطف الله بي .. لكنت مشردة بلا هوية .. ولا أدري أين كان سينتهي بي المصير..

    وتحت سمعك وبصرك جرتْ أمور ستظل محفورة في ذاكرتي أبد الدهر ..


    أمور أقل ما أصفها بها الآن أنها توصمك بالظلم الفادح .. الظلم المر .

    كأنك بسكوتك تجعلهم يعاقبونني على ما إقترفته يداك .

    عاقبتَ نفسك في شخصي ..


    لا أكرهك .. لسببين :


    لأنك والدي ...

    ولأنك يوماً ما كنت ترتبط بوالدتي رحمها الله برباط مقدس .. رباط لم تعطه كل حقوقه المشروعة.


    سامحك الله ..


    كانت هناك جذوة عميقة داخل روحي في صغري تقول أنك أكثر من مُحسن وكافل يتيم..

    كنتُ أسهر لحين عودتك وأذهب لفراشي بعد دخولك غرفتك دامعة العينين .. كنت أغضب في دواخلي حينما تتطاول زوجتك عليك ..

    وأطرق مكسورة عندما أراك منهزماً أمامها ..


    ولكن .. أرَّقتْني كثيراً ولسنوات طوال أمور شتى ..


    فأَن أنام دون عشاء عقابا لتقصيري بسبب الإرهاق أو التعب ، فهذا لم تعرفه لأنك كنت تأتي مخدراً ومخموراً وتُساق إلى مخدع زوجتك سَوْقاً .

    وأن أُعاقَب يومياً على أخطاء الآخرين .. فهذا كان يفوتك لغيابك طيلة ساعات النهار ..

    ولكن أيعطيك هذا العذر لكى لا تناديني وتمسح على رأسي وتسألني إن كنت أشكو شيئا ؟

    ألم تستيقظ فيك يوماً عاطفة الأبوة ؟

    أيعطيك هذا العذر حتى لا تفرق بين ما كنتُ ألبسه وما كان تلبسه أخواتي ؟

    أيعطيك هذا العذر حتى لا تراني أيام راحتك في المنزل وأنا منحنية أقوم بكل أعمال البيت بينما إخوتي حولك في صخب طفولي كنت أرمقه من طرف خفي وبداخلي سؤال يكاد يكتم أنفاسي ؟

    سؤال كان دافعه شعور خفي بأنني جزء منك .. ولكن أبُوّتَك بعيدة كل البعد عني.

    أذكر سنوات طفولتي فأصاب بغصة تكاد تفقدني صوابي ..

    ستبقى تلك الأيام كالشرخ يدخل منه صقيع عطش أيامي وجوع لياليها الطوال.

    أحمد الله أن أعطاني القوة والصبر ..

    لا أود أن أؤنبك الآن ..

    فلا فائدة أجنيها بتأنيبك ..

    يكفيك صراعك الداخلي الذي عشته وتعيشه وستعيشه.

    كان من الأفضل أن تتركني في حضن أمي .. أو حضن مَن على شاكلتها بعد موتها ..

    ما معنى أن أقتات الفتات في منزل أبي ؟

    ما معنى أن ألبس أسمال إخوتي ؟

    إخوتي ؟

    يا للسخرية .. هم يعرفون فقط أنني يتيمة تعيش على إحسان الأسرة ..

    الذي أعرفه أن الأبوة لا تتجزأ... لا تفرق بين لحم و لحم .. وليس هناك لونين للدم الذي يجري في العروق.

    فكيف طاوعك قلبك على أن تجعلني أعيش دور المقطوعة من شجرة وسط إخوتي ..؟؟

    بينما زوجتك التي تعرف الحقيقة تُشْهِر لك سلاح الفضيحة كلما حَنَ قلبك أو لُمْتَ نفسك على سوء معاملتها لي ؟

    كيف إستطعتَ أن تصبر كل هذه السنوات لتخبرني بالحقيقة؟

    ليتك لم تخبرني .. ليتك تركتني أحبك فقط لأنك الذي أحسن إليّ بعد موت أمي.

    أتدري ما الذي راود تفكيري عندما أخبرتني بالحقيقة وأنت منتشي بفعل الخمر ليلتها ؟

    إمتدتْ يدي لتصفعك ..

    نعم ..

    أصدقك القول .. إمتدت يدي لتصفعك ..

    ولكني أحسست أنها ملتصقة بي تماما لا حراك بها .. وأحمد الله على ذلك أيضاً.. فقد منع الله عني جريرة كبيرة.

    لم تتركني زوجتك أكمل النظر إلى تعابير وجهك وأنت تكمل إعترافك الهزيل المبتور ..

    فقد سحبتْك وكأنك طفل يجرجرونه إلى فراشه ..

    وصباح اليوم التالي .. خرجتَ لاتلوي على شيء .. لم تطق حتى النظر في وجهي و أنا أزاول عملي اليومي مذهولة.

    يا لها من ليلة .. تلك الليلة..

    لم يغمض لي جفن ..

    كانت الصدمة أكبر من عقلي وأنا في بداية مراهقتي أكابد ما أكابد ..

    فكرتُ في الهرب .. ثم أحجمتُ متعلقة بأهداب محبة قد تأتي بعد هذا ..

    ولكنني كنت واهمة ..

    أرقبك من فرجة الباب في غرفتي الكئيبة وأنت تترنح تدلف إلى غرفتك مسنوداً عليها ..

    رحمك الله يا أمي ...

    لا أعرف كيف وافقتْ زوجتك أصلاً على دخولي المدرسة ..

    وهذه محمدة أضعها في ميزان أعمالها الفارغ تماما.. وكرم منها رَسَمَ خُطى حياتي ..

    وربما قصدتْ أن تشغلني عندما أكبر بشيء حتى لا أواجهها أو أطالب بأشياء تراها هي أنها ليس من حقي ....

    ولكنني وقتها كنت قد قررت أن أواصل حِفْظ سرك حتى لا تسقط من نظر أهل زوجتك وأهلك ..

    أرأيت كيف كانت معادلتي صعبة وشائكة..

    تفوقي الدراسي منذ البداية كان سببه أن أرد لك الجميل كرجل يحسن إلى يتيمة.

    ثم إزداد تفوقي بعد أن عرفت الحقيقة التي أخفيتها حتى عن إخوتي أنت وزوجتك ..

    حاولت كثيراً أن أجلس جلسة مصارحة مع إخوتي .. ولكنني أضعف دائما أمام توسلاتك ..

    فكن مطمئناً .. لن أحدثهم، لأن حديثي معهم لن يجدي نفعا، ولأنك لم تجد الجرأة لتحدثهم بالحقيقة.

    حتى وأنا بعيدة عنهم الآن لن أفشي سرك حتى لا تتغير نظرتهم إليك ..

    ولكن .. أرجو أن تسمح لي بأن أقول لك .. بأن لا نية لي في العودة ..لا نية لي أبداً ..

    إن كان في العمر بقية ربما أراك مرة أخرى .. أرجو أن تزورني أنت ..

    ورغم كل شيء .. قبلاتي لك ولإخوتي.. ولزوجتك ...

    أسامحك أبي .. أسامحك ... من كل قلبي .. وسأدعو لك ..

    أطلب الرحمة لأمي ..

    وأغفر لي تطاولي ..

    سأكتب لك دائما ..

    إبنتك سماح
    التعديل الأخير تم بواسطة جلال داود; الساعة 18-10-2011, 09:35.
  • ياسر ميمو
    أديب وكاتب
    • 03-07-2011
    • 562

    #2
    بسم الله وما شاء الله




    حقيقة لو كنت مشرفاً لأثبته


    ولو كنت رئيس لجنة لاخترته النص الأفضل



    ولو سمعته في مسرح لوقفت وصفقت بحرارة



    حقيقة لساني عاجز عن الشكر والامتنان




    دمت مبدعاً أستاذي الفاضل
    التعديل الأخير تم بواسطة ياسر ميمو; الساعة 18-10-2011, 13:00.

    إن مشاكلنا في الحُب , لم تبدأ ساعة أساء من أحببنا , لقضية حبنا المقدسة فحكايةُُ الجرحِ , بدأت منذُ تلك اللحظة
    التي نسينا فيها في غمرة الأيام الجميلة التي قضيناها سوياً , مفاتيح قلوبنا بأيديهم , ليتصرفوا بها تصاريف الهوى بهم
    فأمسى حالنا من أصحاب مُلكٍ في الحب , إلى أسرى محكومين بالحب

    تعليق

    • ريما ريماوي
      عضو الملتقى
      • 07-05-2011
      • 8501

      #3
      نعم أستاذ جلال نص جميل وقوي,
      ويشد للقراءة حتى النهاية, أحسست
      كاني اقرأ قصة سندريللا الحديثة,
      والحمد لله على تلك الفتاة الواعية
      فلا خوف عليها اينما ذهبت في
      أصقاع الأرض, شكرا لك,
      تحياااتي.


      أنين ناي
      يبث الحنين لأصله
      غصن مورّق صغير.

      تعليق

      • صالح صلاح سلمي
        أديب وكاتب
        • 12-03-2011
        • 563

        #4
        السلام عليكم
        جميله وانسانيه
        ومشاعر سماح تعودناها او نتوقعها من يتيم
        بارك الله بك

        تعليق

        • إيمان الدرع
          نائب ملتقى القصة
          • 09-02-2010
          • 3576

          #5
          زميلي الرائع جلال داود :
          ليس أجمل من التسامح ..
          عندما نسامح رغم كلّ الألم ..
          يرتدّ الصّفح إلى قلوبنا سكينةً ، وأماناً ..
          ويتقوّى فينا صوت الروح ..فنسمو ..
          استطعت وبجدارة أن تنقلنا إلى جوّ النصّ بكلّ تجلّياته
          ومن خلال تلك الرسالة ..عرفنا الكثير من الخبايا ..
          فجاء السّرد متجدّداً ..مؤثرّاً
          بورك بقلمك أخي جلال ..
          نصّ يحمل موضوعاً هامّاً ، موجعاً ...أنرت جوانبه بأسلوبٍ جميلٍ
          ومع أفضل أمنياتي ، إليك تحيّاتي

          تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

          تعليق

          • الهويمل أبو فهد
            مستشار أدبي
            • 22-07-2011
            • 1475

            #6
            جواب

            العزيزة سماح


            في عجالة: لا تحية لك ولا تقدير، رغم أن محبتي لك باقية.

            لا حاجة بك للاعتذار في تأخير الخطاب فقد وصلت الرسالة واضحة مجلجلة، ولا يهمني ما استغرقك من وقت للحصول على سكن، ولا يهمني أيضا إن غرقتي بتفاصيل التسجيل وبعشرات التفاصيل غيرها التي بها زحمتي رأسي رغم أنك لم تذكريها!

            كما لا أرحب لا بشوقك إليّ ولا يهمني كرهك لو كرهتي، واستجابة لرجائك أن أقرأ رسالتك بعناية، فقد حققتها لك وتمعنت بها طويلا، وها أنا أرد عليها بعناية آمل أن تجد منك العناية نفسها.

            فأنا لم أر في رسالتك غير الفضفضة التي تشف عن حقد، وإن كان مبررا، ينهش في قلبك. فالحقد أعمى ولا يحيق إلا بصاحبه. وما عنوان رسالتك "سماح" إلا مفارقة ليس لها من أدنى درجات السماح نصيب.
            ما كان لموافقتي على سفرك أن تذهلك، وما كان لك أن تفسريها بما قادك إليه حقدك.

            نعم! رفضت سفر أخيك غير الشقيق لأنني لم أر فيه ما رأيت فيك، ولم أثق به كما أثق بك. فكان رفضي وموافقتي. ولم يكن تصرفي هذا أول أخطائي في الحكم على شخص أو أمر.

            هل كان سيرضيك لو تمنعت؟ ومن ثم هل سيكون تفسيرك أنني أرفض سفرك حتى تبقين خادمة للبيت وتتعرضين لإهانات أكثر؟ أم كنت ستقولين لأنه يحبني رفض سفري؟ أم يا ترى أنت الآن حانقة لأنني لم أهبك فرصة لتمارسي خطابتك والتفوه بالكلمات التي انتقيتيها أياما طويلة، أهذا ما يزعجك؟ ومهما كانت بلاغتك في التوسل وما انتقيته من كلمات، فإنها لن تفي حتى لو فعلت. فأنت لست بسحبان وائل ولست الخنساء ولا أنت بليلى الأخيلية، فاحفظي ماءك في سمائك!

            لا تقولي أن الدهشة لم تصبك لموافقتي السريعة وأنت لا تفتأين تلوكينها مرة بعد مرة وكأن تكرارها يريحك ويغذي حقدك الأعمى، فأنت الآن تكتبين وتكتبين وتدعين عدم دهشتك، بل أنت كذلك، ولربما أنت الآن متشفية حاقدة.

            فكفاك استدراكا بـ"لكن"، إن كنت تعرفين سبب موافقتي السريعة، فما وازع التذكير به وتكراره؟ أ لهدف التشفي الذي يتجاوز اللوم ويقصر عن العتاب؟

            فإن كنت بموافقتي أزيح عن كاهلي "خيط شبهة" وأحرص على الستر، فهذا أمر مقبول. أم ترين أن أجهر بالخطيئة؟ لعلك تستغفرين ربك لا أن تطلبي مني "المغفرة" فأنا لا أملك أن أغفر لا لنفسي ولا لغيري. كما لا ينبغي لك أن تطلبي أن أغفر لك عقوقا خططتي له ورصدتيه وتهيأتي بكل عناية له. بل لم يثنك التعجل فيه غير التسجيل والبحث عن سكن، لتتفرغي من ثم لارتكابه. أما أنك فخورة بانتسابك لي، وأنك "ظفر في لحم" أصبعي، فبئس الظفر وبئس الأصبع بعد كل ما خطته يدك!

            بل إنني أجد بعد كل كلمة لطيفة دونتيها أو كلمة محبة زخما من الشتائم والحقد الدفين. فإن قلتي أنني سليل الحسب والنسب وابن الأسرة العريقة، أجدك تكيلين لي السباب والأوصاف التي تناقض كل ذلك، وهذا يلقي بظلاله على ما تطلبينه من عدم وضعه في خانة العقوق! عجبي!!

            فدعيك من حسبي ونسبي وأسرتي العريقة، ومن قصة سندريلا المظلومة التي تتقمصينها، دعيك من كل هذا، وكفي عن هذا التناقض الذي تحيطينني به. فمرة تقولين أن الدنيا انقادت لي طواعية ثم تصورينني مخمورا لا يملك من أمر حياته شيئا، تتحكم به زوجته التي تدير كل شوؤن حياته. كفي عن هذا التصوير الكاريكاتيري وهاتي ما عندك من "فضفضة" وخففي عن "قلبك" ما أثقله، خاصة بعد أن بلغتي سن الرشد وتفوقتي في دراستك وحصلتي على قبول جامعي في أقاصي الأرض. فمن كانت تحلم بمثل هذه الفرص: سندريلا اعتمدت على الساحرة لتنجح وتنجو من حياة القهر. أنت اعتمدتي على من؟ تعلمين أن الساحرات لا تأتي إلا في عالم الخيال لإنقاذ المظلومات من أمثال سندريلا، أنت من وفر لك المأكل والملبس والدراسة؟

            ويبقى سؤالك: "لم أتيت بي إلى هذه الدنيا"؟ وانت وأنا نعرف الإجابة، أنت نفسك تعترفين بذلك. لكن نفسك اللوامة وحقدك المتشفي لا يقر له قرار إلا أن تثيريه إرضاءا لغضب يأكل معك ويشرب، وأعلم أن اجابتي لن تشفي الغليل. فالحقد لا يشفيه دواء، بل طبيعة تقضي على صاحبها، وأظنك واهمة حيث تقولين: "لن أعيش به بقية عمري .. سيثقل كاهلي إن لم أبح به إليك... وأنا مصممة على أن لا أموت وهو في جوفي ينحرني ليل نهار ويذبحني من الوريد إلى الوريد"! نعم إن الحقد ينحر ولن يتبدد إن بحتي به لي أو لغيري أو كتمتي البوح. الحقد طبيعة وليس عارضا يمر ويزول. وحسبك عبرة سلفيا بلاث الشاعرة الأمريكية زوجة الشاعر البريطاني هيوز، فاسأليها إن كان الحقد على الأب يزول!!

            وبما أنك في الجامعة الآن فلعلك تزورين المكتبة وتثقفين نفسك في أراء فرويد وعلاقة الأبنة بأبيها، وكيف يتحول حبها الطفولي لأبيها كرها وحقدا حين تصل سنك الجامعي، وقد قالت العرب "كل فتاة بأبيها معجبة"! لا ألومك إن خلطتي مدحي وافتخارك بانتسابك لي مع هذا الكره والحقد، فمثل هذه الحالة مألوفة لدى علماء النفس. فكفي عن التذرع بالحجج الواهية وأنك لا تحتقرين أمك ولا تلومينها، فليس لإقحامها هنا داع. فرغم أنك تدعين عدم لومها إلا أنك تصورينها بالساذجة التافهة، وهذا قمة الاحتقار الذي لا يستحق اللوم. ومثل مراوغتك هذه ما هي إلا محاولة إخفاء ما تعانينة من اضطراب نفسي غير سوي.

            ألا تخجلين من بعد تحقيرك أمك أن تسأليني عنها وتستحلفيني "بالله أن أحدثك عنها وأنت الآن بعيدة عنكم وأنني في مأمن من كل ما يكشف سري العظيم"؟ لن أحدثك عنها ولن أعطيك سلاحا جديدا تغذين به حقدك، و"سري العظيم" سيبقى سرا. فأنا لا أعاني ما تعانين، ولست بحاجة للبوح، ولا ثمة ما يثقل كاهلي أو –كما هي حالك— ينحرني من الوريد إلى الوريد. لست حقودا ولست حانقا على أحد.

            عجيب أمرك يا سماح، تلومين وتتشفين وتدعين المحبة ثم تعودين لتأخذين عليّ أنني اخجل من الفضيحة وأستر خطيئتي؟ ثم تعودين مرة بعد أخرى لتلوميني أن آويتك وحفظتك وربيتك في بيتي مع اخوتك ومنحتك فرصة التعليم والدراسة. أنت نفسك تقولين إن لطف الله تعالى حال دون تشردك بفضل ما هبك من "صبر"، لكنني أرى أنه صبر التربص وتحين الفرص، وها انت برسالتك هذه تنكرتي للصبر، بل أنت تسابقين الوقت، حتى أن حقدك سال مع أول فرصة استقرار.

            وجوابا لأسئلتك عن أسباب حفظي لك، دعيني أقول ليكن سببي ما يكون، أليس هذا تصرف سليم. وسواء أحبتك زوجتي أو اضطهدتك، وسواء أخبرت زوجتي "بالسر الدفين" أو لم أخبرها، وسواء فعلت ذلك في لحظة ندم أو لحظة رضى، ماذا ستكون النتيجة؟

            أنت تتشفين لأنني، كما تقولين، "اتيت بك إلى الحياة"، وهذا أمر لا أجد له ما يبرره، ولا أستطيع إصلاحة، واجترارك لهذا الأمر لا يقدم ولا يؤخر، إلا أنك —كما تقولين—"تفضفضين" لا أكثر. فكفي عن التسبيب والتعليل، فأنت لا تبحثين عن سبب ولا تبحثين عن إجابة، أنت فقط تنفثين سما ينهش كيانك ولا شفاء لك منه!

            إن كان لك أن تسمعي بعض النصح، فلعلك تنسين ما تزعمينه من ظلمي لك (وكذلك ظلم غيري) وابدأي حياتك، فإن لم تستطيعي ذلك، فلك في أطباء علم النفس خير معين بعد عناية الله تعالى.

            وكفي عن اجترار أكاذيبك خاصة ما يتعلق بعدم كرهك لي، فلست بالساذج لأصدق قولك "لا أكرهك .. لسببين.. لأنك والدي ولأنك يوما ما كنت ترتبط بوالدتي رحمها الله برباط مقدس"، لأن مثل هذه الأسباب لعدم الكره يكذبها ما يأتي بعدها من تقريع وشتائم. ولذلك فأنت تكذبين كذبا لا مبرر له حين تقولين "لا أود أن أؤنبك الآن.. فلا فائدة أجنيها بتأنيبك" بعد كل ما رصدتيه من تأنيب وراكمتيه من شتائم، بل إن أسبابك لعدم التأنيب تسخر من كذبك: "يكفيك صراعك الداخلي الذي عشته وتعيشه وستعيشه "، حتى جملتك لا تريد أن تنتهي: "عشته وتعيشه وستعيشه". فأي حقد يتمنى لوالده صراعا مستمرا مدى حياته.

            كما أنك لا تملين من لعب دور الضحية، فمهما فعلنا، ومهما حصل لك من أمور طيبة، تعودين لتفسيرها تفسيرا يصب في مظلمتك، وهكذا تقولين "لا أعرف كيف وافقتْ زوجتك أصلاً على دخولي المدرسة .. ربما قصدتْ أن تشغلني عندما أكبر بشيء حتى لا أواجهها أو أطالب بأشياء تراها هي أنها ليس من حقي"!!
            ترى لو أنها حالت بينك وبين المدرسة ماذا كنت ستقولين؟ مثل ليّ الحقائق هذا لا ينم عن شيء غير ما تعانينه من حقد ونقمة على الحياة! وهي حالة مستعصية لا يرضيها شيء! حتى كتمتك سري وسر وجودك ترين فيه تضحية مؤلمة لك وفوائد لي، فأنت ترين أن كمتك السر دينا لا أستطيع سداده ومن ثم هو مصدر ألم لك: "أرأيت كيف كانت معادلتي صعبة وشائكة"!! سبحان الله، كلك فضائل وغيرك هم المستبدون الظالمون. وكأن "منّك" فضائلك لا يعيبها! فبئس التضحية وبئس الفضيلة!!

            فاعلمي رحمك الله أن ادعائك حفظ سري عن اخوتك لا مبرر له بعد كل هذا "المن" والتشفي. وإن كان كشف السر سيفضي إلى رفع الألم والحقد عنك فلا فضل لك إن لم تبوحي به وتكشفيه، ولعلك حين تعلمين الحقائق كاملة ستندمين. كنت في البدء أدعي يتمك ادعاءا أما الآن فلا شك لدي أنك حقا يتيمة تستثير الشفقة. والتفوق الدراسي الذي تدعينه تحت أسباب اليتم ومن ثم القهر، لا ينم عن نتائج واعدة، فقد أصبح مصدر فخر لك وحدك تدعين تحقيقه بسبب مزاعم اليتم في البدء ثم بسبب إدراكك الحقيقة. وكأني بك تقولين أنك لن تتفوقي لو لم تكن هذه حالك!! فبئس التفوق إن كانت هذه مبرراته.

            ثم كفي عن تكرار فضلك في كتم السر، وكأنك في تكراره تلوحين به مهددة. فقد تكفي إشارة عابرة لمثل ذاك لا أن تكررينه تصريحا بعد كل سطر (وأنت قريبة وبعيدة): "حتى وأنا بعيدة عنهم الآن لن أفشي سرك حتى لا تتغير نظرتهم إليك"! وقد سبق أن قلت: إن كان في إفشائك سري علاجا لحقدك، فأنا على استعداد أن أنوب عنك في المهمة. لكنني أعلم علم اليقين أن ما بك لا يشفيه غير رحمة ربك!

            ضحكت بمرارة وأنا أقرأ خاتمة رسالتك بعد قرارك عدم العودة الذي لم أستغربه، فأنت تختمين: "ورغم كل شيء .. قبلاتي لك ولإخوتي.. ولزوجتك "! فما أن قرأت هذه الكلمات حتى انتابني شعور بأن لسانك كان في شق فمك الأيسر وأنت تدونينها منتشية بالنصر، ولا شك أن قبلاتك كانت قبلات الموت انتقاما. لكنك حتى هنا لم تستطيعي أن تنتهي، فللحقد أعاذنا الله من الحاقدين استمرارية يتلذذ بها الحاقدون. ولذلك لا تكتفين بهذه الرسالة بل تعديني بغيرها: "سأكتب لك دائما" ومن غريب الأمور أن يأتي هذا الوعد أو الوعيد بعد أن ادعيتي سماحك لي من كل قلبك، وأنك في النهاية ابنتي "سماح"!

            لا أعلم من أين لك كل هذا الحقد الذي لا تخمد ناره، ولا أعلم من أين لك هذه الجرأة على والدك، فلا أنت تعلمتي (رغم ادعاء التفوق) من الذبيح عليه السلام، ولا أنت خفضتي جناح ذل! فلئن كانت خطيئتي خطيئة "رباط مقدس" فإن خطيئتك لا رباط لها! ولا تفسير لمثل جرأتك هذه إلا أن "العرق دساس" فانظري من أي الوالدين اعترقتي!
            التعديل الأخير تم بواسطة الهويمل أبو فهد; الساعة 18-10-2011, 19:48.

            تعليق

            • عائده محمد نادر
              عضو الملتقى
              • 18-10-2008
              • 12843

              #7
              الزميل العزيز
              جلال داوود
              هناك مساجلة قصصية تجري بينك وبين الزميل الهويمل أبو فهد
              أنا شخصيا أحببتها لأنها جاءت ردا جميلا على النص وشرحا كبيرا لما بين السطور
              مستفزة للحوافز تلك المساجلة
              وهنا لابد وأن أقول للزميل الهويمل أحسنت زميلي
              كنت رائعا وثاقب النظر
              نصك جميل زميل داوود
              فيه جرأة
              فيه إدانة للجميع حتى الإبنة
              وهل ستبقى المحاكمات بين الأبناء والآباء!
              لا أدري لم الحياة تقسو علينا أحيانا
              هل كي يشتد عودنا
              أم أننا من يشد عودها كي تجور علينا أكثر
              كانت الرسالة أكثر من معبرة وبكل الطرق
              رأيتها تنحاز يمينا وشمالا
              رأيتها تخفي بعض الأشياء وتبرزها في موقف آخر
              ثم تنعت الأب بأنه مخمور ومساق وإذا بي أجده مساقا نحو وجعه الدفين وهو يعود مخمورا ربما لذنب يشعره ولايستطيع التكفير عنه
              جاء التناقض ربما هنا والزوجة تسوقه لغرفة النوم وهو مخمور
              إذن الزوجة هذه أيضا مظلومة
              لاأدري
              ربما سأعود مرة أخرى كي اجد المنفذ الحقيقي لهذا النص ومابين سطوره
              حتى مداخلتي لاأدري إن كانت تصب في المصب الأصلي أم أني ابتعدت عنه
              ودي ومحبتي لك
              النص كان موجعا وفيه صدمة


              رياح الخوف

              رياح الخوف الريح تعصف بقوة، تضرب كل ما أمامها، تقتلع بطريقها أشجارا يافعة، لم تضرب جذورها الناعمة بعمق في الأرض، فتطير معها أعشاش العصافير الصغيرة، والحمائم تحوم حول المكان تبحث عن صغارها، وتهدل بهديل مفعم بالوجع والحزن، كأنها تبكيها، وربما تطمئنها أنها مازالت قريبة منها.. لتحميها. أوجع قلبي منظر الأفراخ الصغيرة وأنا أتخيلها


              عاشقين حكايات ملتهبة نسبت إليها، كتبت عنها. أساطير، تداولها الأبناء عن آبائهم. قالوا: - طاغية تسطر تاريخ العشق، بأحرف من جمر منحوتة من نور و نار.. وحمم، تصطلي الأرواح فيها فحذار، حذاري منها! فاتنة فتاكة ترمي بسهام سحرها فتغوي الرجال بفتنتها وبهاء طلتها، يهيمون فيها يشرئبون بأعناقهم نحوها وقلوبهم واجفة، خوفا عليها.. لكنهم لا
              الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

              تعليق

              • جلال داود
                نائب ملتقى فنون النثر
                • 06-02-2011
                • 3893

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة ياسر ميمو مشاهدة المشاركة
                بسم الله وما شاء الله




                حقيقة لو كنت مشرفاً لأثبته


                ولو كنت رئيس لجنة لاخترته النص الأفضل



                ولو سمعته في مسرح لوقفت وصفقت بحرارة



                حقيقة لساني عاجز عن الشكر والامتنان




                دمت مبدعاً أستاذي الفاضل
                الأخ الأستاذ ياسر

                تحايا مقيمة

                لك الشكر على القراءة وعلى التعليق البهي.
                أسعدني مرورك.
                دمتم أبدا

                تعليق

                • الهويمل أبو فهد
                  مستشار أدبي
                  • 22-07-2011
                  • 1475

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                  الزميل العزيز
                  جلال داوود
                  هناك مساجلة قصصية تجري بينك وبين الزميل الهويمل أبو فهد
                  أنا شخصيا أحببتها لأنها جاءت ردا جميلا على النص وشرحا كبيرا لما بين السطور
                  مستفزة للحوافز تلك المساجلة
                  وهنا لابد وأن أقول للزميل الهويمل أحسنت زميلي
                  كنت رائعا وثاقب النظر
                  نصك جميل زميل داوود
                  فيه جرأة
                  فيه إدانة للجميع حتى الإبنة
                  وهل ستبقى المحاكمات بين الأبناء والآباء!
                  لا أدري لم الحياة تقسو علينا أحيانا
                  هل كي يشتد عودنا
                  أم أننا من يشد عودها كي تجور علينا أكثر
                  كانت الرسالة أكثر من معبرة وبكل الطرق
                  رأيتها تنحاز يمينا وشمالا
                  رأيتها تخفي بعض الأشياء وتبرزها في موقف آخر
                  ثم تنعت الأب بأنه مخمور ومساق وإذا بي أجده مساقا نحو وجعه الدفين وهو يعود مخمورا ربما لذنب يشعره ولايستطيع التكفير عنه
                  جاء التناقض ربما هنا والزوجة تسوقه لغرفة النوم وهو مخمور
                  إذن الزوجة هذه أيضا مظلومة
                  لاأدري
                  ربما سأعود مرة أخرى كي اجد المنفذ الحقيقي لهذا النص ومابين سطوره
                  حتى مداخلتي لاأدري إن كانت تصب في المصب الأصلي أم أني ابتعدت عنه
                  ودي ومحبتي لك
                  النص كان موجعا وفيه صدمة


                  رياح الخوف

                  http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?22155-رياح-الخوف-عائده-محمد-نادر

                  http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?26792-عاشقين-عائده-محمد-نادر&p=735362#post735362

                  الفاضلة عائدة محمد نادر

                  قلة هي النصوص التي تستفز، وتكثف المشاعر لدرجة يكاد معها المرء أن يشقها بسكين. ونص الأستاذ داوود واحد من هذه النصوص الثرية. فسرده جاء مراكما لشعور خيبة الأمل، والغبن والاحباط والحنق لدرجة تجعل القارئ يختنق بغصة في الحلق. وجوابي لسماح كان يحاكي المشاعر نفسها ولعله كان إفراغا لهذه الغصة الخانقة.

                  أشكر لك حسن استقبالك لردي وأشكر للأستاذ داوود اتحافنا بهذا البناء التصويري للمشاعر لدرجة التجسد المادي الملموس.

                  تحياتي للجميع

                  تعليق

                  • آسيا رحاحليه
                    أديب وكاتب
                    • 08-09-2009
                    • 7182

                    #10

                    لا أدري لمّ أحب النصوص القصصية التي تأتي على شكل مراسلات أو رسائل..
                    ربما لأنها تحمل كمّا أكبر من المشاعر و القدرة على التأثير ..
                    يعجبني الإبداع الذي يحرّض على الإبداع ..
                    جميل نص الأخ الهويمل رغم قسوته ..في رأيي .
                    تحيتي و تقديري .
                    يظن الناس بي خيرا و إنّي
                    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                    تعليق

                    • جلال داود
                      نائب ملتقى فنون النثر
                      • 06-02-2011
                      • 3893

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
                      نعم أستاذ جلال نص جميل وقوي,
                      ويشد للقراءة حتى النهاية, أحسست
                      كاني اقرأ قصة سندريللا الحديثة,
                      والحمد لله على تلك الفتاة الواعية
                      فلا خوف عليها اينما ذهبت في
                      أصقاع الأرض, شكرا لك,
                      تحياااتي.
                      الأخت الفاضلة الأستاذة ريما

                      سلام كبير وتحايا مقيمة
                      أشكر لك هذا التعليق البهي والمرور الباذخ
                      دمت بخير

                      تعليق

                      • جلال داود
                        نائب ملتقى فنون النثر
                        • 06-02-2011
                        • 3893

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة صالح صلاح سلمي مشاهدة المشاركة
                        السلام عليكم
                        جميله وانسانيه
                        ومشاعر سماح تعودناها او نتوقعها من يتيم
                        بارك الله بك
                        الأخ الأستاذ صالح صلاح

                        تحياتي وإحترامي
                        أشكر لك القراءة والتعليق.
                        ما أقسى اليُتم أخي صلاح، وما أقسى نوائب الأيام على اليتيم.

                        دمتم

                        تعليق

                        • جلال داود
                          نائب ملتقى فنون النثر
                          • 06-02-2011
                          • 3893

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                          زميلي الرائع جلال داود :
                          ليس أجمل من التسامح ..
                          عندما نسامح رغم كلّ الألم ..
                          يرتدّ الصّفح إلى قلوبنا سكينةً ، وأماناً ..
                          ويتقوّى فينا صوت الروح ..فنسمو ..
                          استطعت وبجدارة أن تنقلنا إلى جوّ النصّ بكلّ تجلّياته
                          ومن خلال تلك الرسالة ..عرفنا الكثير من الخبايا ..
                          فجاء السّرد متجدّداً ..مؤثرّاً
                          بورك بقلمك أخي جلال ..
                          نصّ يحمل موضوعاً هامّاً ، موجعاً ...أنرت جوانبه بأسلوبٍ جميلٍ
                          ومع أفضل أمنياتي ، إليك تحيّاتي
                          الأستاذة القديرة إيمان الدرع

                          لك التحايا الطيبات
                          أولا أشكر لك هذا المرور البهي والتعليق الأبهى.
                          التسامح أختي إيمان لا يقدر عليه إلا ذو همة عالية ونفس أمارة بالحسنى، خالية من الضغائن والغرض.
                          ما ملأ التسامح قلب إنسان وإلا كانت له الدنيا كقارب على صفحة نهر هاديء في سماء صحوة .

                          أكرر الشكر
                          دمتم بألف خير

                          تعليق

                          • جلال داود
                            نائب ملتقى فنون النثر
                            • 06-02-2011
                            • 3893

                            #14
                            الأخ الكريم والأستاذ الأديب القدير الهويمل أبوفهد

                            سلام سامق وتحايا كبيرة

                            أولا أشكرك على القراءة العميقة المتأنية للنص.
                            سررت أيما سرور بردك على (سماح ) على لسان والدها.
                            ردك على لسان والدها يصلح لأن يكون مرافعة قوية ومقنعة في محكمة مدنية.
                            ويصلح أن يكون في حد ذاته موضوعا منفصلا وقصة ...

                            لكى نُثري النقاش ، دعني أرد على لسان ( سماح ) عللى ردك ( الذي على لسان والدها ) : يعني فليعتبرنا القراء ( كَتَبة محكمة نجلس أمام محكمة لتلقي شكاوى الناس ) :

                            فإلى رد سماح ودفاعها ، سطر تلو السطر :

                            ***

                            أبي العزيز الغالي (ولا ألقاب أطلقها عليك غير العزيز والغالي ) فقد إبتدرتَ أنت خطابك بهاتين الكلمتين الأثيرتين على قلبي : العزيزة سماح


                            في عجالة: لا تحية لك ولا تقدير، رغم أن محبتي لك باقية.

                            كيف تحبني يا أبي وتبخل علي بالتحية والتقدير؟ فنحن نحي ونقدر حتى أعدائنا.

                            لا حاجة بك للاعتذار في تأخير الخطاب فقد وصلت الرسالة واضحة مجلجلة، ولا يهمني ما استغرقك من وقت للحصول على سكن، ولا يهمني أيضا إن غرقتي بتفاصيل التسجيل وبعشرات التفاصيل غيرها التي بها زحمتي رأسي رغم أنك لم تذكريها!

                            أليس من واجبي أبي العزيز أن تطّلِع على كل شاردة وواردة في حياتي؟ لقد حُرِمتُ من أشياء عديدة في صغري، أليس من حقي أن أفضفض لك ما بدواخلي بدلا من أكتمها وأموت بها غيظا وكمدا؟
                            لم تسمع مني شكوى واحدة حتى سفري. لم أتذمر يوما واحدا مما كنت أعانيه. أليس من حقي أن أخاطبك من على البعد بما أختزنته طوال حياتي ؟

                            كما لا أرحب لا بشوقك إليّ ولا يهمني كرهك لو كرهتي، واستجابة لرجائك أن أقرأ رسالتك بعناية، فقد حققتها لك وتمعنت بها طويلا، وها أنا أرد عليها بعناية آمل أن تجد منك العناية نفسها.

                            هذه قسوة ما بعدها قسوة يا أبي.
                            لماذا هذه القسوة؟ فقد كنت أنتظر منك رسالة تهدهد وجعي وتربت على أكتاف حزني.
                            حتى لو كنتَ مجرد كافل يُتْمِي والمحسن ، فأنا أحبك وأشتاقك.فلا تعذبني وأنا في ديار الغربة.

                            فأنا لم أر في رسالتك غير الفضفضة التي تشف عن حقد، وإن كان مبررا، ينهش في قلبك. فالحقد أعمى ولا يحيق إلا بصاحبه. وما عنوان رسالتك "سماح" إلا مفارقة ليس لها من أدنى درجات السماح نصيب.
                            ما كان لموافقتي على سفرك أن تذهلك، وما كان لك أن تفسريها بما قادك إليه حقدك.

                            حقد؟ حقد يا أبي؟ هل رأيت تصرفا يدل على حقدي؟ ألم أكُ أختا وفية لإخوتي غير الأشقاء؟ أم أكن أسهر أستذكر دروسهم؟ ألم أخرج للشارع مدافعة عنهم في مشاجراتهم التي كانت شبه يومية؟ ألم أكن أصحبهم إلى حيث يرغبون وهم يرفلون في ثياب تُجاري الموضة وأنا في أسمالي أجرجر أذيال الخيبة و الحياء؟
                            حقد يا أبي وأنا التي كنت أعترف بأنني قمتُ بأفعال أرتكبوها هم حتى لا ينالوا عقابك وعقاب أمهم؟
                            أي حقد يا أبي وأنا التي عرفتُ أنني إبنتك ثم توالت علي الأيام بنفس وتيرة الفتاة يتيمة الأبوين؟


                            نعم! رفضت سفر أخيك غير الشقيق لأنني لم أر فيه ما رأيت فيك، ولم أثق به كما أثق بك. فكان رفضي وموافقتي. ولم يكن تصرفي هذا أول أخطائي في الحكم على شخص أو أمر.

                            من أين أتت ثقتك بي يا أبي؟
                            سأرد أنا عنك هذا السؤال : ثقتك أتت من هذا الكم الهائل من حبي المنهمر لك ، حبي البائن بينونة كبرى في نظراتي تتبعك داخل البيت وتشيعك وأنت تخرج،
                            أتت ثقتك بي من تعاملي مع أولادك وبناتك وعدم رمى تداعيات حرماني على تصرفاتي نحوهم.
                            أتت ثقتك بي لأنك كنت واثق بأنني أحببتك لسببين قويين : أولهما لأنك لم ترضى بأن أكون بعيدة عنك (رغم حالتي في بيتك ) وثانيهما لأنك إعترفت بأبوتك لي.
                            وثقتَ بي وأرسلتني إلى الغربة رغم تزمتك حيال حرية الفتيات ، وحرمت إبنك البكر ، من هنا جاء إتهامي لك بأنك وجدت فرصة لإبعادي عن مسرح حياتك

                            هل كان سيرضيك لو تمنعت؟ ومن ثم هل سيكون تفسيرك أنني أرفض سفرك حتى تبقين خادمة للبيت وتتعرضين لإهانات أكثر؟ أم كنت ستقولين لأنه يحبني رفض سفري؟ أم يا ترى أنت الآن حانقة لأنني لم أهبك فرصة لتمارسي خطابتك والتفوه بالكلمات التي انتقيتيها أياما طويلة، أهذا ما يزعجك؟ ومهما كانت بلاغتك في التوسل وما انتقيته من كلمات، فإنها لن تفي حتى لو فعلت. فأنت لست بسحبان وائل ولست الخنساء ولا أنت بليلى الأخيلية، فاحفظي ماءك في سمائك!

                            موافقتك على سفري كانت أحسن هدية لي، بل تمسح كل ما أقترفته في حقي وحق والدتي.
                            موافقتك على سفري كان بفرمان من زوجتك لاقى قبولا و إستحسانا منك.
                            لأن مكوثي في كنفك بعد إعترافك كان سيجر عليك وعلى أسرتك عشرات الأسئلة.


                            لا تقولي أن الدهشة لم تصبك لموافقتي السريعة وأنت لا تفتأين تلوكينها مرة بعد مرة وكأن تكرارها يريحك ويغذي حقدك الأعمى، فأنت الآن تكتبين وتكتبين وتدعين عدم دهشتك، بل أنت كذلك، ولربما أنت الآن متشفية حاقدة.

                            ها قد أتيت بكلمة الحقد مرة أخرى، وقد أجبتك عليها بعاليه.

                            فكفاك استدراكا بـ"لكن"، إن كنت تعرفين سبب موافقتي السريعة، فما وازع التذكير به وتكراره؟ أ لهدف التشفي الذي يتجاوز اللوم ويقصر عن العتاب؟

                            ألم أقل لك بأنني إن لم أكتب كل تداعياتي حياتي ما قبل السفر فإنها ستنهش روحي وتذبحني من الوريد إلى الوريد؟

                            فإن كنت بموافقتي أزيح عن كاهلي "خيط شبهة" وأحرص على الستر، فهذا أمر مقبول. أم ترين أن أجهر بالخطيئة؟ لعلك تستغفرين ربك لا أن تطلبي مني "المغفرة" فأنا لا أملك أن أغفر لا لنفسي ولا لغيري. كما لا ينبغي لك أن تطلبي أن أغفر لك عقوقا خططتي له ورصدتيه وتهيأتي بكل عناية له. بل لم يثنك التعجل فيه غير التسجيل والبحث عن سكن، لتتفرغي من ثم لارتكابه. أما أنك فخورة بانتسابك لي، وأنك "ظفر في لحم" أصبعي، فبئس الظفر وبئس الأصبع بعد كل ما خطته يدك!

                            لقد حاولت يا أبي أن تخفف ولو قليلا من وطأة شعورك بالخطيئة بأن جعلتني مجرد يتيمة تستحق العطف، ثم إزدحمتْ روحك أكثر بالخطيئة وكتمتْ أنفاس إحتمالك فقمت بمصارحتي.
                            لماذا لم تعلن للملأ أنك أبي؟
                            أخوفا من بطش زوجتك؟ أم من بطش أسرتها؟ لا أظن ذلك ، فأسرتك وأسرتها ترسين من تروس طاحونة مجتمع لا يعترف إلا بمعدنها التي صُقلت منه.
                            إذن ضميرك إستيقظ مؤقتا، بنصف أغفاءة كانت كفيلة بضمي لأسرتك ثم إعترافك ثم الموافقة على سفري.
                            مهما قلت يا أبي ومهما فعلت فأنا غيض من فيضك حتى ولو أعلنت أنك بريء مني ومن أبوتي.

                            بل إنني أجد بعد كل كلمة لطيفة دونتيها أو كلمة محبة زخما من الشتائم والحقد الدفين. فإن قلتي أنني سليل الحسب والنسب وابن الأسرة العريقة، أجدك تكيلين لي السباب والأوصاف التي تناقض كل ذلك، وهذا يلقي بظلاله على ما تطلبينه من عدم وضعه في خانة العقوق! عجبي!!

                            ماذا تتوقع يا أبي من فتاة عاشت طفولتها كيتيمة تُعامل معاملة الدواب تحت سمعك وبصرك ثم تكتشف أنك أبوها وهي من صلبك؟ فلتخبر أحدا بقصتي ثم أنقل لي بكل صدق ردّة فعله تجاه تصرفك حيالي.
                            رغم هذا فرسالتي كانت مجرد فضفضة ليس إلا ولا تحمل سواها بين طياتها.
                            كان يمكنني أن أكيل الشتائم دون مواربة فأنا بعيدة وحرة ولا شيء يردعني من توجيه من القول أقذعه. ولكني إلتزمت بهذا الرباط الذي سيسألك به ربي.

                            فدعيك من حسبي ونسبي وأسرتي العريقة، ومن قصة سندريلا المظلومة التي تتقمصينها، دعيك من كل هذا، وكفي عن هذا التناقض الذي تحيطينني به. فمرة تقولين أن الدنيا انقادت لي طواعية ثم تصورينني مخمورا لا يملك من أمر حياته شيئا، تتحكم به زوجته التي تدير كل شوؤن حياته. كفي عن هذا التصوير الكاريكاتيري وهاتي ما عندك من "فضفضة" وخففي عن "قلبك" ما أثقله، خاصة بعد أن بلغتي سن الرشد وتفوقتي في دراستك وحصلتي على قبول جامعي في أقاصي الأرض. فمن كانت تحلم بمثل هذه الفرص: سندريلا اعتمدت على الساحرة لتنجح وتنجو من حياة القهر. أنت اعتمدتي على من؟ تعلمين أن الساحرات لا تأتي إلا في عالم الخيال لإنقاذ المظلومات من أمثال سندريلا، أنت من وفر لك المأكل والملبس والدراسة؟

                            أتدري يا أبي، لو لم تكن الخمر هي محور حياتك، لأنقلب الحال تماما.
                            لأن كل ما حدث لي بسبب مزاجك. فأنا ثمرة خطيئة بسبب مزاجك. وأمي ربما ماتت متحسرة على حالها الذي بين بين. وأنا ذقت المهانة والإذلال بسبب غياب وعيك بسبب المزاج. وأنا لم أعرف منك قصة أمي معك بسبب زوجتك التي إعتمدت على إنغماسك في لجة المزاج وبالتالي لم تجد فرصة لتكون في وعيك الكامل لتجلس إلي في جلسة مصارحة.
                            أتنكر يا أبي أن زوجتك كانت تحيط بحياتك من كل النواحي إحاطة السوار بالمعصم؟ لم تجد يا أبي فرصة حتى للجلوس إلي وسؤالي عن حالي وأحوالي، ما أن تختلس نظرة نحوي ، تقوم زوجتك بسحبك إلى غرفتكما، تاركين حيرتي في التضخم يوما بعد آخر.

                            ويبقى سؤالك: "لم أتيت بي إلى هذه الدنيا"؟ وانت وأنا نعرف الإجابة، أنت نفسك تعترفين بذلك. لكن نفسك اللوامة وحقدك المتشفي لا يقر له قرار إلا أن تثيريه إرضاءا لغضب يأكل معك ويشرب، وأعلم أن اجابتي لن تشفي الغليل. فالحقد لا يشفيه دواء، بل طبيعة تقضي على صاحبها، وأظنك واهمة حيث تقولين: "لن أعيش به بقية عمري .. سيثقل كاهلي إن لم أبح به إليك... وأنا مصممة على أن لا أموت وهو في جوفي ينحرني ليل نهار ويذبحني من الوريد إلى الوريد"! نعم إن الحقد ينحر ولن يتبدد إن بحتي به لي أو لغيري أو كتمتي البوح. الحقد طبيعة وليس عارضا يمر ويزول. وحسبك عبرة سلفيا بلاث الشاعرة الأمريكية زوجة الشاعر البريطاني هيوز، فاسأليها إن كان الحقد على الأب يزول!!

                            لا أعتقد يا أبي أن حالتي تشابه حالة : سلفيا بلاث الشاعرة الأمريكية زوجة الشاعر البريطاني هيوز، فتلك حاقدة، وأنا حائرة لا تجد الإجابة، وشتان ما بيني وبينها.
                            إن كانت أسئلتي وحيرتي في عرفك تعتبر حقدا فأنا أسحبها كلها وأقول لك :
                            أحكي لي عن أمي وكيف ألتقيتها وكيف تزوجتها وكيف ماتت؟ وهل طلبت هي منك أن لا تتخلى عني؟
                            أيرضيك هذا؟

                            وبما أنك في الجامعة الآن فلعلك تزورين المكتبة وتثقفين نفسك في أراء فرويد وعلاقة الأبنة بأبيها، وكيف يتحول حبها الطفولي لأبيها كرها وحقدا حين تصل سنك الجامعي، وقد قالت العرب "كل فتاة بأبيها معجبة"! لا ألومك إن خلطتي مدحي وافتخارك بانتسابك لي مع هذا الكره والحقد، فمثل هذه الحالة مألوفة لدى علماء النفس. فكفي عن التذرع بالحجج الواهية وأنك لا تحتقرين أمك ولا تلومينها، فليس لإقحامها هنا داع. فرغم أنك تدعين عدم لومها إلا أنك تصورينها بالساذجة التافهة، وهذا قمة الاحتقار الذي لا يستحق اللوم. ومثل مراوغتك هذه ما هي إلا محاولة إخفاء ما تعانينة من اضطراب نفسي غير سوي.

                            نعم يا أبي. ليست أمي فقط هي الساذجة، بل كل أنثى ترضى بأن تكون زوجة خلف كواليس مسرح حياة زوجها.
                            أنا أفتخر بأمي لأنها على ما أعتقد ساومتك على أمرين : إما أن تعتني بي بأي شكل من الأشكال، أو أن تبوح بسرك وسرها وليكن ما يكون. وهذا الإعتقاد مردّه إلى كفالتي كيتيمة في منزل أبي.

                            ألا تخجلين من بعد تحقيرك أمك أن تسأليني عنها وتستحلفيني "بالله أن أحدثك عنها وأنت الآن بعيدة عنكم وأنني في مأمن من كل ما يكشف سري العظيم"؟ لن أحدثك عنها ولن أعطيك سلاحا جديدا تغذين به حقدك، و"سري العظيم" سيبقى سرا. فأنا لا أعاني ما تعانين، ولست بحاجة للبوح، ولا ثمة ما يثقل كاهلي أو –كما هي حالك— ينحرني من الوريد إلى الوريد. لست حقودا ولست حانقا على أحد.

                            أنا مذهولة تماما يا أبي. ألا يثقل كاهلك عدم إعلان زواجك من إمرأة هي أم إبنتك؟
                            ألا يثقل كاهلك حياتي في بيتك بتلك الحالة وأنا إبنة زوجة شرعية لك كنت تكِن لها مشاعر الحب ودلقتَ على مسنعها ما جعلها توافق عليك؟
                            إن كنت لا تهتم بمعاناتي فتلك مصيبة، وإن كنت لا تعاني من تأنيب ضمير فالمصيبة لا حدود لها.

                            عجيب أمرك يا سماح، تلومين وتتشفين وتدعين المحبة ثم تعودين لتأخذين عليّ أنني اخجل من الفضيحة وأستر خطيئتي؟ ثم تعودين مرة بعد أخرى لتلوميني أن آويتك وحفظتك وربيتك في بيتي مع اخوتك ومنحتك فرصة التعليم والدراسة. أنت نفسك تقولين إن لطف الله تعالى حال دون تشردك بفضل ما هبك من "صبر"، لكنني أرى أنه صبر التربص وتحين الفرص، وها انت برسالتك هذه تنكرتي للصبر، بل أنت تسابقين الوقت، حتى أن حقدك سال مع أول فرصة استقرار.

                            بل هو الصبر يا أبي.
                            كان بإمكاني أن أنشر إعترافك وأضمن أبوتك الكاملة وبكل حقوقي الشرعية الآنية واللاحقة.
                            ولكن لأن الحقد بعيد كل البعد عن روحي، فقد إستمسكت بالصبر وتعلقت بحباله حتى قيّض الله لي هذا السفر.

                            وجوابا لأسئلتك عن أسباب حفظي لك، دعيني أقول ليكن سببي ما يكون، أليس هذا تصرف سليم. وسواء أحبتك زوجتي أو اضطهدتك، وسواء أخبرت زوجتي "بالسر الدفين" أو لم أخبرها، وسواء فعلت ذلك في لحظة ندم أو لحظة رضى، ماذا ستكون النتيجة؟

                            حفظك لي عمل لا يضاهيه أي عمل آخر من أعمالك في حياتك.
                            أما النتيجة : فهي أن أترعرع بكامل حقوقي، أقلها الإحساس بأبوتك

                            أنت تتشفين لأنني، كما تقولين، "اتيت بك إلى الحياة"، وهذا أمر لا أجد له ما يبرره، ولا أستطيع إصلاحة، واجترارك لهذا الأمر لا يقدم ولا يؤخر، إلا أنك —كما تقولين—"تفضفضين" لا أكثر. فكفي عن التسبيب والتعليل، فأنت لا تبحثين عن سبب ولا تبحثين عن إجابة، أنت فقط تنفثين سما ينهش كيانك ولا شفاء لك منه!

                            لقد شفيت من آلامي الروحية التي قبل إعترافك وذلك بسبب إعترافك بأبوتي.

                            إن كان لك أن تسمعي بعض النصح، فلعلك تنسين ما تزعمينه من ظلمي لك (وكذلك ظلم غيري) وابدأي حياتك، فإن لم تستطيعي ذلك، فلك في أطباء علم النفس خير معين بعد عناية الله تعالى.

                            لقد بدأت حياتي تماما يوم أن عرفت أنك أبي. وحياتي الجديدة للأسف بدأتْ في الغربة بعيدا عن وطني وترابه الذي أحتضن أمي.

                            وكفي عن اجترار أكاذيبك خاصة ما يتعلق بعدم كرهك لي، فلست بالساذج لأصدق قولك "لا أكرهك .. لسببين.. لأنك والدي ولأنك يوما ما كنت ترتبط بوالدتي رحمها الله برباط مقدس"، لأن مثل هذه الأسباب لعدم الكره يكذبها ما يأتي بعدها من تقريع وشتائم. ولذلك فأنت تكذبين كذبا لا مبرر له حين تقولين "لا أود أن أؤنبك الآن.. فلا فائدة أجنيها بتأنيبك" بعد كل ما رصدتيه من تأنيب وراكمتيه من شتائم، بل إن أسبابك لعدم التأنيب تسخر من كذبك: "يكفيك صراعك الداخلي الذي عشته وتعيشه وستعيشه "، حتى جملتك لا تريد أن تنتهي: "عشته وتعيشه وستعيشه". فأي حقد يتمنى لوالده صراعا مستمرا مدى حياته.

                            ليس هذا بالتمني يا والدي، ولكنها الحقيقة المجردة. عشتَ صراعا جعلك راغما تعترف لي بأبوتك، وعشت صراعا محتدما مع زوجتك جعلك توافق على سفري ، وستظل في صراع محتدم كلما طفَتْ سيرتي على سطح بحيرة خلافاتكم.

                            كما أنك لا تملين من لعب دور الضحية، فمهما فعلنا، ومهما حصل لك من أمور طيبة، تعودين لتفسيرها تفسيرا يصب في مظلمتك، وهكذا تقولين "لا أعرف كيف وافقتْ زوجتك أصلاً على دخولي المدرسة .. ربما قصدتْ أن تشغلني عندما أكبر بشيء حتى لا أواجهها أو أطالب بأشياء تراها هي أنها ليس من حقي"!!
                            ترى لو أنها حالت بينك وبين المدرسة ماذا كنت ستقولين؟ مثل ليّ الحقائق هذا لا ينم عن شيء غير ما تعانينه من حقد ونقمة على الحياة! وهي حالة مستعصية لا يرضيها شيء! حتى كتمتك سري وسر وجودك ترين فيه تضحية مؤلمة لك وفوائد لي، فأنت ترين أن كمتك السر دينا لا أستطيع سداده ومن ثم هو مصدر ألم لك: "أرأيت كيف كانت معادلتي صعبة وشائكة"!! سبحان الله، كلك فضائل وغيرك هم المستبدون الظالمون. وكأن "منّك" فضائلك لا يعيبها! فبئس التضحية وبئس الفضيلة!!

                            زوجتك تجيد التخطيط، وخاصة فيما يتعلق بي. فقبولها بي بعد أن عرفت حقيقتي خططت له بعناية، فأوحتْ لأولادها بيُتمي، ثم عندما عرفتُ منك الحقيقة خافت أن أصارح أخوتي فدبّرت بليلٍ معك على الموافقة على سفري. لذا كان من الصعب أن لا توافق على دراستي، لأنها كانت في قرارة نفسها مقتنعة بأن دراستي هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تكون سبيلا للتخلص مني دون أي ضوضاء.

                            فاعلمي رحمك الله أن ادعائك حفظ سري عن اخوتك لا مبرر له بعد كل هذا "المن" والتشفي. وإن كان كشف السر سيفضي إلى رفع الألم والحقد عنك فلا فضل لك إن لم تبوحي به وتكشفيه، ولعلك حين تعلمين الحقائق كاملة ستندمين. كنت في البدء أدعي يتمك ادعاءا أما الآن فلا شك لدي أنك حقا يتيمة تستثير الشفقة. والتفوق الدراسي الذي تدعينه تحت أسباب اليتم ومن ثم القهر، لا ينم عن نتائج واعدة، فقد أصبح مصدر فخر لك وحدك تدعين تحقيقه بسبب مزاعم اليتم في البدء ثم بسبب إدراكك الحقيقة. وكأني بك تقولين أنك لن تتفوقي لو لم تكن هذه حالك!! فبئس التفوق إن كانت هذه مبرراته.

                            لن ألِج هذه الدوامة الجديدة بالبوح لإخوتي. سأترك لك نفس الصراع النفسي الذي عانيته قبل إعترافك لي. وأنا واثقة بأنك ستصارحهم يوما لأن هذا واجبك، ولأن أخي الذي حرمته من السفر لا تزال نظراته الحيرى تتراءى أمامي وبلا شك سيعرف يوما سبب سفري وحرمانه هو.

                            ثم كفي عن تكرار فضلك في كتم السر، وكأنك في تكراره تلوحين به مهددة. فقد تكفي إشارة عابرة لمثل ذاك لا أن تكررينه تصريحا بعد كل سطر (وأنت قريبة وبعيدة): "حتى وأنا بعيدة عنهم الآن لن أفشي سرك حتى لا تتغير نظرتهم إليك"! وقد سبق أن قلت: إن كان في إفشائك سري علاجا لحقدك، فأنا على استعداد أن أنوب عنك في المهمة. لكنني أعلم علم اليقين أن ما بك لا يشفيه غير رحمة ربك!

                            لقد قلت لك سابقا بأنني شفيت تماما بمجرد أن فارقت قدماى أرض الوطن، رغم أن ألما نفسيا آخر قد تغلغل إلى دواخلي، وهو البعد عن بلدي وعن إخوتي الذين أحببتهم وأحبوني.

                            ضحكت بمرارة وأنا أقرأ خاتمة رسالتك بعد قرارك عدم العودة الذي لم أستغربه، فأنت تختمين: "ورغم كل شيء .. قبلاتي لك ولإخوتي.. ولزوجتك "! فما أن قرأت هذه الكلمات حتى انتابني شعور بأن لسانك كان في شق فمك الأيسر وأنت تدونينها منتشية بالنصر، ولا شك أن قبلاتك كانت قبلات الموت انتقاما. لكنك حتى هنا لم تستطيعي أن تنتهي، فللحقد أعاذنا الله من الحاقدين استمرارية يتلذذ بها الحاقدون. ولذلك لا تكتفين بهذه الرسالة بل تعديني بغيرها: "سأكتب لك دائما" ومن غريب الأمور أن يأتي هذا الوعد أو الوعيد بعد أن ادعيتي سماحك لي من كل قلبك، وأنك في النهاية ابنتي "سماح"!

                            لا أعلم من أين لك كل هذا الحقد الذي لا تخمد ناره، ولا أعلم من أين لك هذه الجرأة على والدك، فلا أنت تعلمتي (رغم ادعاء التفوق) من الذبيح عليه السلام، ولا أنت خفضتي جناح ذل! فلئن كانت خطيئتي خطيئة "رباط مقدس" فإن خطيئتك لا رباط لها! ولا تفسير لمثل جرأتك هذه إلا أن "العرق دساس" فانظري من أي الوالدين اعترقتي

                            أنا سماح إسما وصفة وسأظل يأبي.
                            أما العرق فهو بالفعل دساس.
                            أتدري كيف دساس هو في حالتي ؟
                            أمي عاشت وتزوجت وولدتني في غياب تام عن عالمك. وأنا عشت وترعرت في بيتك ولكن بعيدة عن أبوتك.
                            أنت كفلتني يتيمة وجعلتني أعيش اليتم بين ظهرانيكم، وها أنا أكفل نفسي حرة منطلقة كعصفور إنفك من ربقة الأسر وبعيدة عنكم بينما خيوط حياتي السابقة تلتفّ حول عنقي كإلتفاف فروع شجرة إستوائية حول ساقها.
                            أحبك أبي و أسامحك.
                            أحبك رغما عني، وأسامحك طائعة بكامل قواي العقلية والقلبية
                            سماح
                            التعديل الأخير تم بواسطة جلال داود; الساعة 19-10-2011, 11:57.

                            تعليق

                            • جلال داود
                              نائب ملتقى فنون النثر
                              • 06-02-2011
                              • 3893

                              #15
                              الأخت العزيزة الأستاذة عائده محمد نادر

                              لك أطيب تحياتي وتقديري

                              أشكرك على القراءة المتأنية والتعليق البهي.

                              هناك مساجلة قصصية تجري بينك وبين الزميل الهويمل أبو فهد

                              أسعدني ذلك كثيرا.

                              أنا شخصيا أحببتها لأنها جاءت ردا جميلا على النص وشرحا كبيرا لما بين السطور
                              مستفزة للحوافز تلك المساجلة

                              بل جاءت لتقف في خط موازٍ لأصل الرسالة

                              وهنا لابد وأن أقول للزميل الهويمل أحسنت زميلي
                              كنت رائعا وثاقب النظر

                              لا فض فوك

                              نصك جميل زميل داوود
                              فيه جرأة
                              فيه إدانة للجميع حتى الإبنة
                              وهل ستبقى المحاكمات بين الأبناء والآباء!
                              لا أدري لم الحياة تقسو علينا أحيانا
                              هل كي يشتد عودنا
                              أم أننا من يشد عودها كي تجور علينا أكثر
                              كانت الرسالة أكثر من معبرة وبكل الطرق
                              رأيتها تنحاز يمينا وشمالا
                              رأيتها تخفي بعض الأشياء وتبرزها في موقف آخر
                              ثم تنعت الأب بأنه مخمور ومساق وإذا بي أجده مساقا نحو وجعه الدفين وهو يعود مخمورا ربما لذنب يشعره ولايستطيع التكفير عنه
                              جاء التناقض ربما هنا والزوجة تسوقه لغرفة النوم وهو مخمور
                              إذن الزوجة هذه أيضا مظلومة
                              لاأدري
                              ربما سأعود مرة أخرى كي اجد المنفذ الحقيقي لهذا النص ومابين سطوره
                              حتى مداخلتي لاأدري إن كانت تصب في المصب الأصلي أم أني ابتعدت عنه
                              ودي ومحبتي لك
                              النص كان موجعا وفيه صدمة

                              قراءتك شاملة ولملمت أطراف لب النص. أرجو أن تعودي مرة أخرى. فالموضوع ذي شجون ويحتاج لأدوات تشريح كثيرة

                              دمت بألف خير
                              التعديل الأخير تم بواسطة جلال داود; الساعة 20-10-2011, 05:11.

                              تعليق

                              يعمل...
                              X