مقامة ثمن القمامة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • هشام البوزيدي
    أديب وكاتب
    • 07-03-2011
    • 391

    مقامة ثمن القمامة


    مقامة ثمن القمامة

    حدثنا أبو النوادر السوسي قال:

    لقيني في مراكش صعلوك, يبُزًُكَ في الخصام ويعلوك, ذو مكر ودهاء, وفخر وزُهاء, و لسان مهماز, وكلب يدعى هزهاز. لمحته من قريب, في زيه الغريب, فإذا هو قصير أسمر, أشعث أغبر, فقلت في نفسي:
    "ثوب رث, على رجل غث, لعله مخبول, أو مغرم متبول."

    ولما حاذاني تأملني مليّا, وتبينت حاله جليّا, فإذا هو مفتول العضل, في صوته صهَل, وبيده كراع ينهسه, وعند كلبه عظم ينهشه, فجاءني وسلم, ثم تنحنح وتكلم, وقال:
    "إني من أهل الفِراسة, ولو شئت لنلت الرئاسة, لكني آثرت الخمول, وتخففت من الحمول, فليس لي من دنياي, غير عقلي وعصاي, ورزقي على من يطعم الطير, ويقدر الشر والخير, ففيم ازدريتني إذ رأيتني, وحقَرتني وما عرفتني, أولم تساورك الظنون, فنسبتني للمس والجنون؟ ومابي غرام ولا هوى, فكل ما ترى بي من الطوى, وإن تشأ حدثتك وأطربتك, وأسعدتك وأغضبتك, وأبكيتك وأضحكتك, فأنا رحّال بن المحجوب, الفقير المجذوب."

    ولما فرغ من كلامه, وقد أقبل الليل بظلامه, قلت:
    "هلم إلى العشاء, واطلب ما تشاء."
    فألقى الكراع فالتقطه الجرو, وكان هزيلا أغبر الفرو, وبادر رحّال الفرصة وتغنّم, وتبعني يشدو ويترنّم:

    وطاوي ثلاث ضامر الكشح ممحل***بحمراء لم يشبع بها سائل فولا
    وذي نخوة فيه من الجود وفرة***يرى الجوع فيها من ذمامته غولا
    دعاني رجاء الأجر واختص بالندى***كحال الفتى الطائي بل ساد بَهلولا


    وإنما دعوته فرحا بلسانه الفصيح, ورأيته يتطلع إلى مطعم فسيح, فولجنا المكان سوية, ومشى مطرقا في روية, ولما جاء النادل سأله رحّال:
    "أي شيء عندكم؟"
    فأجابه كالسيل يتدفق, لا يحفل بسامعه ولا يترفق:
    "عندنا لحم وخضار, وسمك ومحار, وأصناف الطواجن, بالضأن والدواجن, وكسكس وسميد, و"برغل" وعصيد, وجوز ولوز, ومشوي و"محشي", وشطائر "بورغر", ودجاج غِرغر, وجبن ولبن, و"مخللات" ومقبلات, وسلطات بالأعشاب البرية, وأخرى بالطحالب البحرية , والحساء في الطناجر, وكل ما يطيب في الحناجر, وطبق اليوم محشي الباذنجان, بالطماطم واللحم والأجبان, وأجود فواكه الموسم, والبوظة بالعسل والسمسم, وحلوى تنسيك البلوى, بالبندق والفستق, وخبز خمير وشاي وعصير, وقهوة ذات رغوة, وكل ما كان مأكولا, وماء معدني وشراب الكولا..."

    فاختلج رحّال وتململ, وصوّت وولول, واحمر واصفر, وأشاح بوجهه وازورّ, فقلت: "ما لك وأي شيء أصابك؟" قال: "إني منذ ثلاث آكل من القمامة, حتى غدوت أخف من ثمامة, ثم جاء هذا الغلام الحسن الهندام, الفصيح اللسان, ذو الثنايا الحسان, فما زال يعدد أصول المآكل, ويفرع عليها المسائل, ويشقق لها الأسماء والألقاب, ويكشف عن مقاديرها النقاب, حتى تحيرت وتخيلت أني تخيرت فأكلت, فوالله ما أذكر مما قال شيئا إلا الباذنجان, ولا أرى إلا أن به مسا من الجان, فقلت: "هون عليك, وما عليك إلا أن تأمره, ومهما اشتهيت اليوم من شيء تره." فقال للنادل: "هات قصعة, تكفي تسعة, واملأها بتلك الأصناف حتى تغدو كالتلة, وهات من الخبز سلة, ومن الماء قِربة, ثم أسألك قُربة, إياك ثم إياك و الباذنجان, وحبذا من القهوة اليمنية فنجان", فنظر إليه النادل وهمهم, وحرك رأسه وغمغم, ثم ولّى وتركنا, فطفقت أتعجب أي شيطان دعوت, وتمنيت أن يكفني المال ورجوت, فرمقني في مكر تدور عيناه, وأستند بخده على يمناه, وقال: لعلك تحسبني أبا عبيد, وإنما أنا أبو حُميد, آليت ألا أقوم حتى أشبع, وألا تقوم حتى تدفع, فأبرر يميني فإني لا أطيق الصوم ولا الإطعام, ولا تؤاكلني فإنه أكمل للأجر والإكرام. فعجبت لتفننه في الإقناع, وفي خبث طويته تحت القناع.

    ثم أقبل النادل يجر عربة, ولاح لي جذلان يبدي طربه, جاء بقصعة تكفي الرهط, وتشبع الوهْط, فإذا فيها من كل حلو ومالح, وحار وبارد, عانق فيها السمك الدجاج, وسالت البوظة في مسالك ذات فجاج, وحفتها الخضار يشيعها المحار في وفد من فواكه البحر, ورشت من أعلاها باللوز والسكر والجوز والزعتر, فما كان من رحال إلا أن وضعها على الأرض, وبدأ يصول ويجول, ويلتقم ويلتهم, ويضرس ويهرس, ويمضغ ويسرط, ويتجشأ ويظرط, حتى تمعر وجهي وهممت أن أقوم, وتخيلته جنيا يقضم الزقوم, فشد ثوبي وأمسكني, وقال أنا أبو حُميد فأبرر يميني, فبقيت على مضض, وجلست على قضض, فمكث ساعة يفترس, ولا يلقي بالا للناس ولا يحترس, حتى بدا قعر القصعة أو كاد, وأمست كمثل ديار عاد, وقال: "ادفع الآن أيها الشهم", وقام يمشي كأنه السهم, ثم جاء النادل فطلب أربعمائة درهم, فراجعته وكان بيننا أخذ ورد, واستيقننت أن ليس من السداد بد, فدفعت ما معي إلى آخر فلس, وخرجت كأني دابة بلا حلس, فإذا رحال مستندا إلى عمود كهرباء, وقد غير هيئته كالحرباء, رأيته مع النادل يتضاحكان, بعد أن اقتسما الغنيمة ففهمت ما كان, لقد التهم الخبيث كل فُضلة في المطعم, إنه يأكل القمامة, أجل ما أصدق كلامه, لكنه كتمني أنه يقبض الثمن, فمن يدفع ثمن القمامة غيري؟ فمن؟


    التعديل الأخير تم بواسطة هشام البوزيدي; الساعة 20-05-2017, 17:55.

    [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

    لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
    قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
    [/gdwl]
  • عبد الرحيم صادقي
    أديب وكاتب
    • 04-02-2011
    • 326

    #2
    قرأتها وأعجبتني
    ولي عودة بإذن الله

    تعليق

    • توفيق صغير
      أديب وكاتب
      • 20-07-2010
      • 756

      #3
      [gdwl]
      أخي وأستاذي هشام

      للحظاتٍ وأنا أتابعُ هذا الدَّرْس، لم أدر هلْ أغْبطُ النَّفس، أم أشحِّذُ الضرس (ههه) ؟؟ ... فكِلا الطبقين فاخِريْن : هديةٌ لي أحفظُها بين البُطين والبُطين، ومأدُبة فاخرة تُسيل اللعابَ وتسُرُّ العينيْن.

      لله درُّك وأضحَكَ الله سنَّكَ .. أعدُك بالثأر لصاحبك في القريب العاجل، وويْلٌ للصعلوك ما أتى وللنادل.

      نعْمَّا أهديتني وبورك للمُهدي... أضْحَى مُبارَك لك وللعائلة سَلفًا
      [/gdwl]

      [frame="11 98"][type=283243][align=center]لنعْضُدْ ضَادَنَا[/align][/type][/frame]

      تعليق

      • عبد الرحيم صادقي
        أديب وكاتب
        • 04-02-2011
        • 326

        #4
        أولا، مرحبا بأبي حميد رحال بن المحجوب.
        وثانيا، اشتملت المقامة على عناصر هذا الفن الرئيسة. واستحقت الإعجاب لذلك. فهنا الروح الساخرة، وهنا النقد والفكاهة، وهنا مرض اجتماعي يستدعي التوجيه والإصلاح. بل ههنا الكدية، وكأني بأبي الفتح الإسكندري هائما على وجهه، عُدته المكر والحيل. فلله درك يا هشام!
        أحسنت صنعا يا رجل!
        تحياتي وتقديري

        همسة: وأستند بخده...
        فأبرر يميني/ ثم مرة أخرى: وقال أنا أبو حُميد فأبرر يميني.

        تعليق

        • هشام البوزيدي
          أديب وكاتب
          • 07-03-2011
          • 391

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة توفيق صغير مشاهدة المشاركة
          [gdwl]
          أخي وأستاذي هشام

          للحظاتٍ وأنا أتابعُ هذا الدَّرْس، لم أدر هلْ أغْبطُ النَّفس، أم أشحِّذُ الضرس (ههه) ؟؟ ... فكِلا الطبقين فاخِريْن : هديةٌ لي أحفظُها بين البُطين والبُطين، ومأدُبة فاخرة تُسيل اللعابَ وتسُرُّ العينيْن.

          لله درُّك وأضحَكَ الله سنَّكَ .. أعدُك بالثأر لصاحبك في القريب العاجل، وويْلٌ للصعلوك ما أتى وللنادل.

          نعْمَّا أهديتني وبورك للمُهدي... أضْحَى مُبارَك لك وللعائلة سَلفًا
          [/gdwl]


          حياك الله أخي توفيق وبياك, وجعلني في الدارين من أهل السعادة وإياك, ونفعنا بالحكمة ولو من في صعلوك, فرب مدفوع بالأبواب يهابه الملوك, وأنت أيها النبيل أحق الخلان بالهدية, فأنت من أغراني بالمكث في هذه الروضة الندية, فمرحبا بكم جميعا على مائدة بن المحجوب, في مجلس أبي النوادر المحبوب.
          التعديل الأخير تم بواسطة هشام البوزيدي; الساعة 11-11-2011, 08:09.

          [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

          لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
          قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
          [/gdwl]

          تعليق

          • هشام البوزيدي
            أديب وكاتب
            • 07-03-2011
            • 391

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة عبد الرحيم صادقي مشاهدة المشاركة
            أولا، مرحبا بأبي حميد رحال بن المحجوب.
            وثانيا، اشتملت المقامة على عناصر هذا الفن الرئيسة. واستحقت الإعجاب لذلك. فهنا الروح الساخرة، وهنا النقد والفكاهة، وهنا مرض اجتماعي يستدعي التوجيه والإصلاح. بل ههنا الكدية، وكأني بأبي الفتح الإسكندري هائما على وجهه، عُدته المكر والحيل. فلله درك يا هشام!
            أحسنت صنعا يا رجل!
            تحياتي وتقديري

            همسة: وأستند بخده...
            فأبرر يميني/ ثم مرة أخرى: وقال أنا أبو حُميد فأبرر يميني.
            هذه كلمات أعتز بها أخي عبد الرحيم, فمعك أرجو أن أنتقي أطايب الكلام وأن أرتقي ببيت المقامة في دولة الملتقى, وقد عالجت فاتحة مقامات رحال بلمسة, فبورك يراعك وجُزيت خيرا على الهمسة.

            [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

            لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
            قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
            [/gdwl]

            تعليق

            • غسان إخلاصي
              أديب وكاتب
              • 01-07-2009
              • 3456

              #7
              أخي الكريم هشام المحترم
              مساء الخير
              لقد أسهبت فوفيت
              لقد كتبت مزيجا فقفيت
              وأترفت الخيال فأصميت
              ورفعت من شأن المقامة فأسريت
              وأعطيت من حيل الكدية فاعتليت
              نعم كانت مقامتك سليلة الرؤى فأغليت
              بوركت ، وسلم الله لسانك .
              نعم الكاتب والمهداة إليهما فهما قد نالا ما تمنيت
              تحياتي وودي لك
              (مِنْ أكبرِ مآسي الحياةِ أنْ يموتَ شيءٌ داخلَ الإنسانِِ وهو حَيّ )

              تعليق

              • منيره الفهري
                مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
                • 21-12-2010
                • 9870

                #8
                السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

                يبقى أنا من يحب هذا الفن من الكتابة
                غيرأني لا أقدر منه اقترابا
                لأني أخاف أن أكتب اللاتين
                و عوضا أن أقول أبو حميد..أقول لامرتين
                فيضحك مني محجوب
                و يغرمني المال المحسوب
                فأخسر نقودي
                و يهزل عودي
                و يغضب مني موليار
                و يشتكيني لجافيير
                شديد البؤساء
                و صاحب المكر و الدهاء
                و يقوم من قبره هيقو
                و ربما ينفيني للطوقو
                و الخوف أكثر من توفيق
                و أحرفي حتمًا لن يطيق
                لتعسفي على المقامة
                و لا ملامة ..لا ملامة
                إن أنا لم أر البوزيدية
                المقامة البهية
                و شكرا على الاهداء
                يا صاحب الإبداع و العطاء

                ههههه و الله فعلا أحب جدا فن المقامة و أتمنى من كل قلبي أن أحسنها
                و هذه أول مصافحة لي مع هذا الفن الجميل
                شكرا أخي هشام على الاهداء
                راااااائعة و أكثر
                استمتعت فعلا بقراءتها
                و نابني من الضحك نصيب

                تعليق

                • هشام البوزيدي
                  أديب وكاتب
                  • 07-03-2011
                  • 391

                  #9

                  الفاضلة منيرة الفهري, إن كنت تحبين المقامة فهي إذن بخير, فهي بحاجة للمعجبين, تتزين وترفع رأسها تترقب من يخطب ودها, ولا أظن بن المحجوب يمانع أن يلج باب هذا الفن من يحمل إليه نفسا من اللغات والثقافات الأخرى, فهو قطعا لن يضحك من المنافسة بل سيأخذها مأخذ الجد, أما المال فإنه يستخلصه من كل من يقترب منه, فخذي حذرك لعلك تسلمين من حيله, ولا أضمن لك شيئا.
                  سررت بقبولك للهدية ولإعجابك بالمقامة.

                  [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

                  لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
                  قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
                  [/gdwl]

                  تعليق

                  يعمل...
                  X