[align=justify]على قدر يمكنني رؤيتها, وهي تصب إناء الماء, نظرت إليها وقلبي اللّص يتقطر ولعا, وكل مافي من غدد صماء, وغدد تكلمت فجأة بفعل جمالها المفرط, تتلهف أن تقع من فمها كلمة أبرد بها ناري, برغم أن نعل الحذاء أحسسته جذوة جمر حمراء, ومع ذلك ما كانت لحرارتي أن ترتفع لولا أنها مالت (بقدر الماء) فتمايلت معها موازين الصدر, وفي جرأة منه احتضنها الزير فمالت رأسي وتبدلت الأرض بالسماء, ثم انزلقت (الطرحة) التي كانت تستر بها رمان الميزان..
تململت في جلستي, وتمنيت لو أطال السائق وقفته, بل دعوت الله ألا يكتمل الأوتوبيس الآن.
الكرسي الذي اخترته بجانب النافذة, واعتبرته موقعا استراتيجيا, طمع فيه أحد الركاب الريفيين أمثالي :
ـ بالإذن يا أستاذ ممكن أقعد جنب الشباك؟
ـ لا طبعا مش ممكن..!
لا أعرف كيف خرجت مني الكلمة, وسريعا حاولت أن أضبط زواياها, ليكون مبرري مقبولا :
ـ معلهش أصل بستفرغ كتير في السكة.. ممكن حضرتك تقعد جنب الشباك في الكرسي القدماني..
وكأنه رأى حمارا متجيفا حينما سمع كلمة "بستفرغ" .. وبلا إرادة قال:
ـ إيه القرف دة ع الصبح ؟
ـ بتقول ايه؟
ـ لا قصدي يعني بلاش تفطر لما تكون مسافر مشوار طويل.
وعاد فعلا إلى الكرسي "القدماني" حاملا (شيكارة) بيضاء لها رقبة معقودة, وبين الحين والحين يطوح أطراف التلفيعة خلف كتفه.. طرف يمين وطرف يسار, فتتخبط في وجهي لكن أتحمل.. هذا أفضل من أن يحرمني متعة النظر إلى الفتيات من النافذة.
عادت الفتاة بإناء آخر ملئان لتكمل باقي الزير.. فنشطت ذاكرتي, وحاولت هذه المرة الاستفادة من موقعي الإستراتيجي, وعزمت ألا أفوّت على نفسي الفرصة؛ فمن الجائز أن أمنحها غمزة, فتمنحي هي قبلة على الطائر.
وبدأت أول مغازلة, فتدربتي على الصفير سيكون له عائدا طريا, ولابد أن تستجيب..!
وتكملةً للحمولة, حضر راكب جديد, ونظره كان معلقا من بعيد على موقعي بجوار النافذة.. أخرجت كيسا بلاستيكيا وانتظرت حتى اقترب مني, ومع أول حديث له معي عن الكرسي, وضعت رأسي داخل الكيس, واستحضرت رغبتي الزائفة:
ـ أووع .. أووع .. أوووووووع.
فاستدار لي "أبو شيكارة" وأسمعني:
ـ اخص الله يقرفك عيّل.. واكل كلب ع الصبح..!
فتراجع الراكب الجديد, وارتضى بمكانه على الطرف, في الكرسي المقابل..
جاء السائق وسخّن الموتور, وأطل برأسه داخل الأوتوبيس:
ـ باقي نفر يا أسيادنا ونطلع.. معلهش استحمل شوية يا كابتن.
ـ لا على راحتك يا أسطى.. أنا مش مستعجل..
قلتها من باب حرصي على البقاء لوقت طويل مجاورا لفتاة الإناء .. لكن ردي "الماسخ", على حد تعبير أخينا صاحب الشيكارة لم يعجبه:
ـ لكن احنا مستعجلين..اتكلم عن نفسك يا أستاذ .
ـ إن الله مع الصابرين يا حاج.. طوّل بالك.
ـ يلة يا عم الأسطى .. ورانا مصالح عاوزين نرجع لبيوتنا بدري.
ـ باقي نفر يا أسيادنا قلت..!
ـ طلاق بالتلاتة وتكون على ذمة نفسها لازم تطلع .. أنا هدفع أجرته.
ولولا أنه أصر على دفع أجرة النفر الناقص, ما كان للسائق أن يطلع.. فلا يهمه إن طلق زوجته, أو أتى لها بضرة.. المهم أن يدفع !
ـ حاضر حاضر بس ثواني الموتور بيسخن.
ـ اللهم طولك يا روح.. سخن ياعم بس بسرعة الله يخليك .. ورانا أشغال هنتأخر عليها.
ـ إهمد شوية ياعم الحاج ولاّ هتدفع لي تمن الموتور ؟ إيه اليوم المقرقض ده من أوله..!
ـ على مهلك يا أسطى .. وعلى أقل من راحتك ..
أحضرت البنت إناء آخر, لكن هذه المرة خلعت الطرحة فبانت كعكة شعرها كالحنش الملفوف وسط العشب.. ونهديها ـ المتحرران بتلقائية أثناء الطَّأْطَأَة ـ كبلورتين غائرتين في بئر عسل أبيض.
استجمعت عضلات عيني لألتقط نظرة للبلورتين, قبل أن ينتهي السائق من تسخين السيارة.. ولو حكم الأمر سأنزل وأركب في السيارة التي تليها..
حاولت أن ألفت انتباهها .. بسبستُ لها, انتبهت.. بان عليها الخجل واحمرت وجناتها.. صارت كالآرجيل .. ابتسمت.. غمزت لها.. خبأت ضحكتها بيدها, ووضعتها على ثغرها اللولي.. وهيأتُ نفسي للقبلة المنشودة.. ضروري أن تأتيني قبل الإنطلاق مدعومة بموعد أو وعد بلقاء..
امتدت حرارة الحذاء لباقي أعضائي وخاصة السفلية.. بدأ جسدي يهتز.. وصلت السخونة لرأسي.. تصببت عرقا.. زاد الإهتزاز.. سألت السائق:
ـ إيه السخونية دي يا أسطى؟
فأجاب موضحا:
ـ معلهش أصل الموتور تحت الكرسي بتاعك..
وبدت الشماتة في سحنة صاحب الشيكارة واضحة.. بل ظهرت جليّة في ضحكته التي قصد الإفصاح عنها, لكن كل ذلك لم أعره هما؛ فالقبلة آتية وستهزم حراك الموتور بطراوتها..
عدت لمغازلة الفتاة التي بدأت تستجمع كبشة أناملها لقذف القبلة, لكن فاجأني الرجل بتلفيعته مرة ثانية.. ثم اعتذر وقال للسائق:
ـ خلاص يا أسطى؟
ـ خلاص يا حاج .. بسم الله توكلنا على الله ..
ـ سمعونا الفاتحة..
أدار السائق السيارة وبدأت عجلاتها في الحركة تمهيدا للغيار الأول.. فأيقنت أن القبلة قد طارت وخسرتها بسبب العجل "أبو شيكارة" .. نظرتُ إلى الفتاة, أحسست في نظرتها بشئ من الحزن.. صبغ خدودها بلون شاحب أضاع حمرتها وأبدل "الآرجيل" "بالكركم" .. أمعقول أن ذلك ما يطلقون عليه الحب من أول نظرة؟
وكأنها شعرت بتحرك السيارة, فاقتربت من النافذة.. كما لو كانت ستبلغني بالموعد المأمول.. أو كتبت اسمها وحددت المكان والزمان..
لكن تحرك الرجل في كرسيه, ووضع الشيكارة أمام النافذة ليحتمي بها من حرارة الشمس, ويمنع أشعتها من الوصول إلى رأسه المعممة.. وفي الحقيقة منعت عني الرؤية, وأفسدت ما كانت ستفعله البنت.. ودون إرادة ضربت الشيكارة بـ"البوكس" بعد أن فاض غيظي وطفح.. فنهرني الرجل:
ـ حاسب يا أستاذ الشيكارة فيها أمانة لازم توصل سليمة لأصحابها.
ويبدو أن آخر راكب كان أنصح منه, ومني بالطبع, وكدت أشكره حينما قال له:
ـ استحمله يا حاج باين عليه لسه تعبان.
وفورا زوّدت عدد الضربات, وسددت للشيكارة كذا "بوكس" حتى أزاحها الرجل تماما عن النافذة, فأخرجت رأسي من الزجاج وكررت:
ـ أووع .. أووع .. أووووووع.
ـ حاسب يا أسطى.. اقف لما نخلص من القرف دة.
توقفت السيارة, وكانت رأسي بالخارج قد قربت المسافة بيني وبين الفتاة, وسهلت عليها المهمة التي اعتزمتها بكل جرأة.. نعم أبصم بالعشرة أنها أجرأ من العبد لله.. حتى اقتربت تماما.. بسطتُ لها يدي آخذ منها الورقة التي خبأتها خلف ظهرها.. وقبل أن تضعها في يدي طأطأت وانحنت بجذعها أمامي.. ثم عادت واعتدلت, وعلى مسافة قصيرة جداً صوّبت لرأسي المدلاة بالخارج عدة ضربات بشئ انتزعته من قدميها لن أنساه طيلة حياتي.[/align]
تململت في جلستي, وتمنيت لو أطال السائق وقفته, بل دعوت الله ألا يكتمل الأوتوبيس الآن.
الكرسي الذي اخترته بجانب النافذة, واعتبرته موقعا استراتيجيا, طمع فيه أحد الركاب الريفيين أمثالي :
ـ بالإذن يا أستاذ ممكن أقعد جنب الشباك؟
ـ لا طبعا مش ممكن..!
لا أعرف كيف خرجت مني الكلمة, وسريعا حاولت أن أضبط زواياها, ليكون مبرري مقبولا :
ـ معلهش أصل بستفرغ كتير في السكة.. ممكن حضرتك تقعد جنب الشباك في الكرسي القدماني..
وكأنه رأى حمارا متجيفا حينما سمع كلمة "بستفرغ" .. وبلا إرادة قال:
ـ إيه القرف دة ع الصبح ؟
ـ بتقول ايه؟
ـ لا قصدي يعني بلاش تفطر لما تكون مسافر مشوار طويل.
وعاد فعلا إلى الكرسي "القدماني" حاملا (شيكارة) بيضاء لها رقبة معقودة, وبين الحين والحين يطوح أطراف التلفيعة خلف كتفه.. طرف يمين وطرف يسار, فتتخبط في وجهي لكن أتحمل.. هذا أفضل من أن يحرمني متعة النظر إلى الفتيات من النافذة.
عادت الفتاة بإناء آخر ملئان لتكمل باقي الزير.. فنشطت ذاكرتي, وحاولت هذه المرة الاستفادة من موقعي الإستراتيجي, وعزمت ألا أفوّت على نفسي الفرصة؛ فمن الجائز أن أمنحها غمزة, فتمنحي هي قبلة على الطائر.
وبدأت أول مغازلة, فتدربتي على الصفير سيكون له عائدا طريا, ولابد أن تستجيب..!
وتكملةً للحمولة, حضر راكب جديد, ونظره كان معلقا من بعيد على موقعي بجوار النافذة.. أخرجت كيسا بلاستيكيا وانتظرت حتى اقترب مني, ومع أول حديث له معي عن الكرسي, وضعت رأسي داخل الكيس, واستحضرت رغبتي الزائفة:
ـ أووع .. أووع .. أوووووووع.
فاستدار لي "أبو شيكارة" وأسمعني:
ـ اخص الله يقرفك عيّل.. واكل كلب ع الصبح..!
فتراجع الراكب الجديد, وارتضى بمكانه على الطرف, في الكرسي المقابل..
جاء السائق وسخّن الموتور, وأطل برأسه داخل الأوتوبيس:
ـ باقي نفر يا أسيادنا ونطلع.. معلهش استحمل شوية يا كابتن.
ـ لا على راحتك يا أسطى.. أنا مش مستعجل..
قلتها من باب حرصي على البقاء لوقت طويل مجاورا لفتاة الإناء .. لكن ردي "الماسخ", على حد تعبير أخينا صاحب الشيكارة لم يعجبه:
ـ لكن احنا مستعجلين..اتكلم عن نفسك يا أستاذ .
ـ إن الله مع الصابرين يا حاج.. طوّل بالك.
ـ يلة يا عم الأسطى .. ورانا مصالح عاوزين نرجع لبيوتنا بدري.
ـ باقي نفر يا أسيادنا قلت..!
ـ طلاق بالتلاتة وتكون على ذمة نفسها لازم تطلع .. أنا هدفع أجرته.
ولولا أنه أصر على دفع أجرة النفر الناقص, ما كان للسائق أن يطلع.. فلا يهمه إن طلق زوجته, أو أتى لها بضرة.. المهم أن يدفع !
ـ حاضر حاضر بس ثواني الموتور بيسخن.
ـ اللهم طولك يا روح.. سخن ياعم بس بسرعة الله يخليك .. ورانا أشغال هنتأخر عليها.
ـ إهمد شوية ياعم الحاج ولاّ هتدفع لي تمن الموتور ؟ إيه اليوم المقرقض ده من أوله..!
ـ على مهلك يا أسطى .. وعلى أقل من راحتك ..
أحضرت البنت إناء آخر, لكن هذه المرة خلعت الطرحة فبانت كعكة شعرها كالحنش الملفوف وسط العشب.. ونهديها ـ المتحرران بتلقائية أثناء الطَّأْطَأَة ـ كبلورتين غائرتين في بئر عسل أبيض.
استجمعت عضلات عيني لألتقط نظرة للبلورتين, قبل أن ينتهي السائق من تسخين السيارة.. ولو حكم الأمر سأنزل وأركب في السيارة التي تليها..
حاولت أن ألفت انتباهها .. بسبستُ لها, انتبهت.. بان عليها الخجل واحمرت وجناتها.. صارت كالآرجيل .. ابتسمت.. غمزت لها.. خبأت ضحكتها بيدها, ووضعتها على ثغرها اللولي.. وهيأتُ نفسي للقبلة المنشودة.. ضروري أن تأتيني قبل الإنطلاق مدعومة بموعد أو وعد بلقاء..
امتدت حرارة الحذاء لباقي أعضائي وخاصة السفلية.. بدأ جسدي يهتز.. وصلت السخونة لرأسي.. تصببت عرقا.. زاد الإهتزاز.. سألت السائق:
ـ إيه السخونية دي يا أسطى؟
فأجاب موضحا:
ـ معلهش أصل الموتور تحت الكرسي بتاعك..
وبدت الشماتة في سحنة صاحب الشيكارة واضحة.. بل ظهرت جليّة في ضحكته التي قصد الإفصاح عنها, لكن كل ذلك لم أعره هما؛ فالقبلة آتية وستهزم حراك الموتور بطراوتها..
عدت لمغازلة الفتاة التي بدأت تستجمع كبشة أناملها لقذف القبلة, لكن فاجأني الرجل بتلفيعته مرة ثانية.. ثم اعتذر وقال للسائق:
ـ خلاص يا أسطى؟
ـ خلاص يا حاج .. بسم الله توكلنا على الله ..
ـ سمعونا الفاتحة..
أدار السائق السيارة وبدأت عجلاتها في الحركة تمهيدا للغيار الأول.. فأيقنت أن القبلة قد طارت وخسرتها بسبب العجل "أبو شيكارة" .. نظرتُ إلى الفتاة, أحسست في نظرتها بشئ من الحزن.. صبغ خدودها بلون شاحب أضاع حمرتها وأبدل "الآرجيل" "بالكركم" .. أمعقول أن ذلك ما يطلقون عليه الحب من أول نظرة؟
وكأنها شعرت بتحرك السيارة, فاقتربت من النافذة.. كما لو كانت ستبلغني بالموعد المأمول.. أو كتبت اسمها وحددت المكان والزمان..
لكن تحرك الرجل في كرسيه, ووضع الشيكارة أمام النافذة ليحتمي بها من حرارة الشمس, ويمنع أشعتها من الوصول إلى رأسه المعممة.. وفي الحقيقة منعت عني الرؤية, وأفسدت ما كانت ستفعله البنت.. ودون إرادة ضربت الشيكارة بـ"البوكس" بعد أن فاض غيظي وطفح.. فنهرني الرجل:
ـ حاسب يا أستاذ الشيكارة فيها أمانة لازم توصل سليمة لأصحابها.
ويبدو أن آخر راكب كان أنصح منه, ومني بالطبع, وكدت أشكره حينما قال له:
ـ استحمله يا حاج باين عليه لسه تعبان.
وفورا زوّدت عدد الضربات, وسددت للشيكارة كذا "بوكس" حتى أزاحها الرجل تماما عن النافذة, فأخرجت رأسي من الزجاج وكررت:
ـ أووع .. أووع .. أووووووع.
ـ حاسب يا أسطى.. اقف لما نخلص من القرف دة.
توقفت السيارة, وكانت رأسي بالخارج قد قربت المسافة بيني وبين الفتاة, وسهلت عليها المهمة التي اعتزمتها بكل جرأة.. نعم أبصم بالعشرة أنها أجرأ من العبد لله.. حتى اقتربت تماما.. بسطتُ لها يدي آخذ منها الورقة التي خبأتها خلف ظهرها.. وقبل أن تضعها في يدي طأطأت وانحنت بجذعها أمامي.. ثم عادت واعتدلت, وعلى مسافة قصيرة جداً صوّبت لرأسي المدلاة بالخارج عدة ضربات بشئ انتزعته من قدميها لن أنساه طيلة حياتي.[/align]
تعليق