رمال ومواويل
الجزء الاول
ظلت أوراق الصفصاف , الصفراء تغتسل عارية تحت أشعة الشمس الباهتة كجثة ألقتها الأغصان في ذاك الصباح الشتوي البارد,,,, وموجات خفيفة تهدهد الشريط الرملي حالمة مسترسلة,, وكأنها غانية بحّ صوتها تحت الحاح المعجبين في ليلة مضت.
وكم شهدت تلك الرمال الصمّاء من مشاهد لقاء ووداع وأحلام صبا ,,, كان نايه حزينا ذلك الصياد الغريب وحتى الفرح كان يمتزج بحزن أزلي ومواويل ,,, لم تبق الأمواج من آثار ذلك العاشق سوى وتد كان يربط به زورقه الصغير,, وخيوط شبكة صيد بالية لم يشأ أن يسحبها حين فارق الشاطئ متعجلا بالهروب لا يلوي على شيء.
كان الهواء رطبا باردا وكأن قطرات من الماء تقفز فيرشقها في الوجوه كشفرات حلاقة ,,,
وثمة خيط أبيض من الثلج بدأ يتشكل على حافة الرمل في جانبي النهر,, وأسماك ميتة فقدت بريقها,,,,, احتمت مجموعة من الصبية بطرف الجرف من الهواء الحالق متحلقين على نار
أخافها البرد فالتفت بدخانها ودموع الصبية وإنوفهم الحمراء,, ,حتى النعاج لم تجد سوى آثار من الأعشاب اليابسة من الموسم السابق وبراعم خلّفها الخريف,,,,
مرت متشحة بالسواد,, سوى ذلك الوجه البلوري الذي زاده البرد حمرة,,,, انتبه الصبية إليها ,مستغربين فلم تكن تحمل جرة حتى فما الذي أتى بها ؟ وكلما اقتربت من الماء كانت تتخفف من ملابسها ,, نعليها , والعباءة ثم الملاءة السميكة حتى بدى شعرها كسعفات نخلة سامقة وسط عاصفة هوجاء,,,, التفتت يمنة ويسرة وكأنها تبحث عنه في الأفق البعيد ,, عن أثر لذلك الهارب بين الرمال , التي شهدت أول قصة حب لها,, ثم توجهت نحو الماء كفارس تخلص من كل ما يثقله متقدما نحو الميدان بعد ان فقد الأمل بالنصر ,, ففضل الإنتحار صونا للكرامة.
لم تشعر بما حولها لا صبية ولا نعاج ولا نار خافتة خلف الدخان,,, أغمضت عينيها وقفزت
في ذاك المائج كمن لا يرجو النجاة,, ابتلعها الماء وتطايرت قطرات كبيرة كقطع زجاج,,
هنيهة وارتفع ذلك الجسد الشاب حتى الصدر نتيجة لردة الفعل لضربها سطح الماء , وصوت
مبحوح يشبه الشهيق لم يفهم الأطفال منه شيء,,, لتغوص في الأعماق وكأن ماردا يسحبها الى أللاعوده,,, وخصلات من شعرها تطفو على الماء كنبات مائي ,,يؤرجحه الموج قليلا ثم يختفي,
تصايح الصبية وتراكض الكثيرون على صدى أصواتهم,, وعلى الرغم من برودة الجو غامر الكثيرون دون جدوى فقد أطبق الماء فاه وقضي الامر.
في اليوم الثاني بدأ القيل والتأويل ,, وكتب كبير الشرطة في تقريره بان الضحية سقطت وهي تملأ الجرة بالماء ودسّ الوالد المفجوع رزمة نقود في جيب الشرطي بعد ان أعلمته الوالدة بشكوكها الأكيدة.
أغلق المحضر,,, وكان الله حليم ستّار,,,
في مسجد القرية الوحيد أقيم مجلس الفاتحة ,,ووسط همز ولمز المتطفلين بأسئلتهم المكررة تلقى العزاء,
كانت العاشقة قد قضت الشهرين المنصرمين تراقب بشوق ذلك الشاطئ ,, أملا بعودته,, وعبثا فأمثاله لا يعودون أبدا,,, وكم حلمت به وهو قادم ليصلح ما انكسر و يحملها على زورقه الصغير وسط فرحة أهلها وزخات الرصاص تكسر صمت الشاطئ ورماله الصمّاء.
هذه الليلة شعرت ودون أدنى شك أن شيئا بات يتحرك بين أحشائها وأيقنت إنها النهاية,,,
هل تحرق نفسها ؟ ثم ترددت فالأمر مؤلم وقد لا تموت وتبقى مشوهة,,, تعيش وترضى بالفضيحة لأبيها الذي تحبه وأعمامها ؟ وأخيرا استقر الأمر على ما أقدمت عليه هذا الصباح
فمياه دجلة ورماله الصمّاء لن تفضحها وقد شهدت على حبها وما أقسم به صاحب الناي ,,,
والمواويل
وللحديث بقيه
الجزء الاول
ظلت أوراق الصفصاف , الصفراء تغتسل عارية تحت أشعة الشمس الباهتة كجثة ألقتها الأغصان في ذاك الصباح الشتوي البارد,,,, وموجات خفيفة تهدهد الشريط الرملي حالمة مسترسلة,, وكأنها غانية بحّ صوتها تحت الحاح المعجبين في ليلة مضت.
وكم شهدت تلك الرمال الصمّاء من مشاهد لقاء ووداع وأحلام صبا ,,, كان نايه حزينا ذلك الصياد الغريب وحتى الفرح كان يمتزج بحزن أزلي ومواويل ,,, لم تبق الأمواج من آثار ذلك العاشق سوى وتد كان يربط به زورقه الصغير,, وخيوط شبكة صيد بالية لم يشأ أن يسحبها حين فارق الشاطئ متعجلا بالهروب لا يلوي على شيء.
كان الهواء رطبا باردا وكأن قطرات من الماء تقفز فيرشقها في الوجوه كشفرات حلاقة ,,,
وثمة خيط أبيض من الثلج بدأ يتشكل على حافة الرمل في جانبي النهر,, وأسماك ميتة فقدت بريقها,,,,, احتمت مجموعة من الصبية بطرف الجرف من الهواء الحالق متحلقين على نار
أخافها البرد فالتفت بدخانها ودموع الصبية وإنوفهم الحمراء,, ,حتى النعاج لم تجد سوى آثار من الأعشاب اليابسة من الموسم السابق وبراعم خلّفها الخريف,,,,
مرت متشحة بالسواد,, سوى ذلك الوجه البلوري الذي زاده البرد حمرة,,,, انتبه الصبية إليها ,مستغربين فلم تكن تحمل جرة حتى فما الذي أتى بها ؟ وكلما اقتربت من الماء كانت تتخفف من ملابسها ,, نعليها , والعباءة ثم الملاءة السميكة حتى بدى شعرها كسعفات نخلة سامقة وسط عاصفة هوجاء,,,, التفتت يمنة ويسرة وكأنها تبحث عنه في الأفق البعيد ,, عن أثر لذلك الهارب بين الرمال , التي شهدت أول قصة حب لها,, ثم توجهت نحو الماء كفارس تخلص من كل ما يثقله متقدما نحو الميدان بعد ان فقد الأمل بالنصر ,, ففضل الإنتحار صونا للكرامة.
لم تشعر بما حولها لا صبية ولا نعاج ولا نار خافتة خلف الدخان,,, أغمضت عينيها وقفزت
في ذاك المائج كمن لا يرجو النجاة,, ابتلعها الماء وتطايرت قطرات كبيرة كقطع زجاج,,
هنيهة وارتفع ذلك الجسد الشاب حتى الصدر نتيجة لردة الفعل لضربها سطح الماء , وصوت
مبحوح يشبه الشهيق لم يفهم الأطفال منه شيء,,, لتغوص في الأعماق وكأن ماردا يسحبها الى أللاعوده,,, وخصلات من شعرها تطفو على الماء كنبات مائي ,,يؤرجحه الموج قليلا ثم يختفي,
تصايح الصبية وتراكض الكثيرون على صدى أصواتهم,, وعلى الرغم من برودة الجو غامر الكثيرون دون جدوى فقد أطبق الماء فاه وقضي الامر.
في اليوم الثاني بدأ القيل والتأويل ,, وكتب كبير الشرطة في تقريره بان الضحية سقطت وهي تملأ الجرة بالماء ودسّ الوالد المفجوع رزمة نقود في جيب الشرطي بعد ان أعلمته الوالدة بشكوكها الأكيدة.
أغلق المحضر,,, وكان الله حليم ستّار,,,
في مسجد القرية الوحيد أقيم مجلس الفاتحة ,,ووسط همز ولمز المتطفلين بأسئلتهم المكررة تلقى العزاء,
كانت العاشقة قد قضت الشهرين المنصرمين تراقب بشوق ذلك الشاطئ ,, أملا بعودته,, وعبثا فأمثاله لا يعودون أبدا,,, وكم حلمت به وهو قادم ليصلح ما انكسر و يحملها على زورقه الصغير وسط فرحة أهلها وزخات الرصاص تكسر صمت الشاطئ ورماله الصمّاء.
هذه الليلة شعرت ودون أدنى شك أن شيئا بات يتحرك بين أحشائها وأيقنت إنها النهاية,,,
هل تحرق نفسها ؟ ثم ترددت فالأمر مؤلم وقد لا تموت وتبقى مشوهة,,, تعيش وترضى بالفضيحة لأبيها الذي تحبه وأعمامها ؟ وأخيرا استقر الأمر على ما أقدمت عليه هذا الصباح
فمياه دجلة ورماله الصمّاء لن تفضحها وقد شهدت على حبها وما أقسم به صاحب الناي ,,,
والمواويل
وللحديث بقيه
تعليق