في بيتنا مطر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الرحمن محمد الخضر
    أديب وكاتب
    • 25-10-2011
    • 260

    في بيتنا مطر

    في بيتنا مطر..


    عبد الرحمن محمد الخضر


    المطر يقبع في السطح , يحفر في الإسمنت والخشب , ويفتح إلى السقف ثغرة إثرثغرة..
    في شمال السقف يكمن عنكبوت في شبكة بيضاء، تورطت فيها مجاميع من النمل والبعوض وفراشتان وجرادة وخنفوس وديزنة ذباب..
    " المطر يتبق بق في الخارج "
    سحبت عيني من السقف فمال رأسي يسارا، ويرصان في الجدار لا يبرحانه كبصمتين في عقد.
    سحبت عيني إلى الأسفل فحطت في الركن بين أقدام, وأعناق, وقضبان , وأصابع , وسيقان , وأفخاذ , وحواجب , وصدور, ومهابل , ورموش , وبطون , وأنوف , وأيد , وعيون , وأجفان , وأكف , وشوارب , وآذان أفرغت فوق فاطمة وتناثر بعضها على جانبيها وعند طرفيها ..
    " البرق يلمع في الخارج ويتوهج بيننا في شقين من الجدار "
    سحبت عينيٌ نحوي فحطت اليسرى أيمن المخدة وحطت اليمنى القاع بين قوافل الماء..
    " فاطمة بي رغبة إليك . كيف من بينهم ؟ "
    لملمت عيني اليمنى بين القوافل حطت يمين المخدة وقفزت اليسرى إلي يمين اليسار..
    دسست ذراعي اليسرى تحت يسار اليسار ووضعت كف يميني خلف جبهتي , غاصت أنفي في المخدة وشهقت أذناي..
    أدخلت في جوفي جبلا من الأنفاس شهق بظهري إلى قمته وراح يطحن صدري في السرير.
    زفرت كثعبان يتلوى في وكره وأوصد صدري منافذه , شدها من كتفي إلى كتفي ومن منتصف القولون المستعرض إلى منبت لساني .
    إنفجرت الزفرة بين حدود البنكرياس ورأس المعدة وشمال غرب الكبد عند مثلث القفص الصدري فانقلبت صدرا على ظهر.
    انفلتت قطرتا ماء من السقف ودخلتا جوف فمي مع مرفقاتهما .
    زحزحت سريري إلى اليسار : ثمة مساحة جافة هنا لكن رأس السرير لازال يغرورق.

    زحزحته إلى اليمين مع سحبة إلى الجنوب . تمددت .
    راحت قطرة تلذع ذقن سرتي , وقطرة تقرع منتصف جبهتي.
    تدثرت وأشنفت سمعي إلى القطر.
    قطرة فوق بطن . قطرة فوق جفن . بين جفنين . في سرة . فوق شفة . بين شفتين . بين فخذين . على دثار .
    قطرة تطن في صحن . وقطرة تتغرغر في التراب. أقوام من الإيقاعات تضرب في كائنات وأشياء الغرفة .
    خيول البقابق تزحف في مسمعي.
    راحت فاطمة تدثرهم بما اتفق من أغطية تمددها فوق أجسادهم العارية , تسحبها إلى طرف فتنحسر عن طرف . تلملمهم هنا فينفرطون هناك .
    رحت ألملم معها . نكومهم في المساحات الجافة كومة.. كومة..
    لكن كل المساحات ابتلت . انتثرت كومة وانتثرت أخرى .
    بكى أحدهم . انفتح فم ثان وثالث . انفتحت الأفواه كلها.
    في كل نقطة في السقف قطرة تتخلق فيها قطرات تكبر, تثقل , تترهل , تمط أنوفها إلينا وتهوي.
    إعتجن التراب بماء الأجساد . تلطع وسال.
    وقفت , ووقفت فاطمة , ووقف الصغار بين قوافل الماء .
    اتجهت إلى باب الغرفة فتحته وخرجت إلى الحوش أهطل مطرا
    وخرجت في إثري فاطمة تهطل مطرا
    فوجدنا فوقنا سماءا حنونة زرقاء لا يخدش ألقها سحابة يتربعها قمر وهاج .
    جثت فاطمة على ركبتيها وقطبت عينيها إلى السماء :
    لماذا المطر غزير هكذا في بيتنا يا إلهي ؟ وتهطل مطرا .
    وأنا أبحلق في هذا الصفو الأزرق الذي لا تحده حدود وأرفع كفي وأدعو :
    اللهم اجعل سقف بيتنا صحوا كهذه السماء وأهطل مطرا .
    وحولنا يتحلق الصغار يحاولون شيئا مثلنا ويهطلون مطرا.
  • سعاد ميلي
    أديبة وشاعرة
    • 20-11-2008
    • 1391

    #2
    عندما تحاصرنا القطرة من اليمين ومن اليسار ومن فوق ومن تحت ومن كل جهة من جهات هذا البيت الذي يتقاطر مطرا وأهله.. نجد أنفسنا كقراء.. أمام مشاهد واقعية ولكن بلغة تجريدية.. تتحول لصور باذخة نثرا وسردا..
    الحقيقة أجد نفسي أتساءل بأي روح تكتب أيها الصديق المبدع ألا قربتنا من فكرك أكثر؟
    أجدك هنا تؤسس لسرد خاص بك .. سرد يتميز بأدبه الساخر وسرده التصويري العميق.. تكتب لغتك بروح تتألم لغيرها و تتماهى في معاناة الواقع..
    لتُخرج لنا من مجرد قطرة عالم من اللوحات السريالية تمس عين الواقع وأوجاعه .. كأني بها لعنة أصيب بها أهل البيت الصغير في هذا النص العجيب.. وما حوله لا تشوبه سحابة ألم ومطر أحزان.. انما هو صافي كصفاء السماء بالخارج.. انه انتظار الأمل القادم.. هو قريب من البيت ولكن لا يدخله..!!!
    ترى هل تكتب بلغة لا تقرأها إلا ذاتك أنت..؟!
    ونحن القراء تشوشت لدينا الصورة.. لفهم هذه التراجيدية القطرية.. ؟؟؟
    ولكن لا.. أنت فعلا متفرد النبض.. وأنا معجبة بهذا الكم من اللوحات السردية الغارقة في التجريب..

    لك كل الود أيها المبدع المتفرد عبد الرحمان محمد الخضر.. و للإبداع جنونه حقا.. وهنا وجدته بلغة سلسة حينا وتجريدية حينا آخر.. لغة تغرق في العمق الإنساني بآلامه وأشجانه وواقعه البائس ..
    مودتي وأكثر
    مدونة الريح ..
    أوكساليديا

    تعليق

    • حنان الحويطات
      أديب وكاتب
      • 28-11-2011
      • 87

      #3
      القدير عبد الرحمن محمد

      شعرت ببرودة أحدثها هذا النص ......
      لغة رائعة ...تصوير جدير بالأشادة

      شكراً لك
      غيمة الأمل مُدّي يدك وصافحيني
      لا يغرنك حديثي الحزين !
      فلي قلب مبتسم وعيون تعشق النور وروح طفولية ...!

      تعليق

      • سائدة ماهر
        محظور
        • 09-01-2012
        • 75

        #4
        أسلوب بليغ بالسرد

        تعليق

        • عبد الرحمن محمد الخضر
          أديب وكاتب
          • 25-10-2011
          • 260

          #5
          الأخت سائدة ماهر
          كم أنا ممتن أن أكون ضمن بواكيرك في هذا المنتدى
          والبادئ دائما أكرم ... أشكر لك قطفة المعنى التي أتحفت بها النص مودتي وتقديري

          تعليق

          • السيد سالم
            أديب وكاتب
            • 28-10-2011
            • 802

            #6
            صح لسانك
            لايستغربمنك ماهو رائع وفريد
            سلمت يمينك من كل سوء
            وبنتظار جديدطرحك
            د. السيد عبد الله سالم

            تعليق

            يعمل...
            X