البحّار
أو حارس الماء
حين انتهوا من التذرية ، و آن تخزين المحصول ،
كان الكبير و كما عادته ،
يصر على تعيين الحصص الخارجة أولا ،
بعد ما يعرج على جموع المرابضين حول الجرن ،
و يمنحهم استحقاقاتهم .
هتف كبير الأبناء :" حصة البحار ضعوها على جنب ؛ لأحملها إليه ".
بسخرية عقب الكبير : " نعم الناس مقامات .. ومقام البحار في عليين .. و لم لا يأتي و الصرمة فوق رقبته ، ليأخذها ؟! ".
اهتز إبراهيم حين حاصرته عينا الكبير ، افتعل الانشغال ؛ ليلتقط ما انفلت من هدوئه :" أبدا .. عندي مصلحة بالقرب من عشته ".
لا ينسى عبد الواحد أبدا لمسعود البحار ، أنه كان دائما كلبا لئيما ، نباح صافرته ، وصوت اصطكاك دراجته على الزراعية ، و بين المزارع ، مصيبة داهمة ، و بلاغ طائر ، سواء أذنبوا في حق الماء أو لم يذنبوا ، رغم عدم الإخلال بحصته في مواسم الحصاد . في مرة أخيرة كاد يتسبب في موت إبنيه غرقا ، حين أبلغ عنهما مدير الري العمومي ، فأتي على وجه السرعة ، و كانا قد أفلحا في فتح جزء من الهويس ، يسمح بعبور الماء الكافي لري أرضهم ، و هروب ابن خال لهما كان يرصد الحركة على البر بحماره ، دون صوت أو تحذير بأمر القادم ، و لولا توجسهما من فراره ، ما وقفا على حقيقة الأمر ، وما أبصرا مدير الري ، حتى غطسا معا ، بينما يضحك و بتهكم يردد :" إما أن تخرجا أو تموتا غرقا .. أنا لن أتزحزح عن هنا ".
كما لن ينسى عبد الواحد أيضا ما لحق بأولاده من سجن و إهانة بسبب الري ، رغم أنهم لم يقصروا ، على مدي السنين ، في إثبات حسن نواياهم .
توجس خيفة من إبراهيم ، و من أمره العجيب ، بحمل حصة البحار إليه ، فهو الوحيد بين أبنائه .. لا يغفر و لا ينسى ، و مهما طال الوقت . و رغم ذلك لم يحاوره ، و لم يثنه عن قراره .
حين كان على الزراعية يستحث حماره ، كانت دموعها تتهاطل ، تشكل ضبابة كثيفة أمام عينيه ، و خجلها يتقاطر عرقا و حمرة قانية ، بينما الولد الصغير يلتزق بها ، يتداخل فى حزنها باكيا :" حتى اسأل ابنك .. ما احترم نفسه ، و لا خجل ، و أنا فزعة ، أبتعد و أبتعد ، وهو يتحرك كمصيبة داهمة ، و لولا ظهور مدير الماء قادما من بعيد ، ما عتقني ، و لا رحم ضعفي ".
كتلة من جحيم كان ، يرتعد جسده بقسوة غريبة :" و لم لم تقولي .. لم سكتِ حتى الآن .. لم يا بنت الـ ...... ".
بكم جلبابها مسحت وجهها :" أقول .. أنا عرفاك أحمر ، لن تطيق ، و أنا أبخل بك على هذا الكلب .. أقول .. أنا ما كاشفتك الآن إلا لتعذرني في عدم سروحي إلى الغيط .. لا عشت و لا كنت يوم أعصى لك أمرا ، فأنت ستري و غطائي ، و فرحي و نعيمي ، و مستودع سري ".
طار عقله تماما ، حلق بعيدا عنه ، هجم عليها لاطما ، و هى تحط على الأرض بعينين دامعتين ، و راحة عجيبة تلفها ، كأنها وضعت حملا ثقيلا ، بعد طول عناء ، و الصغير يضمها ، يتلقى الضربات عنها :" و ما ذنبي .. ما ذنبي .. كنت بعيدة في حالي مع ولدي ، و إذا به يقتحم علينا خلوتنا ، و حاله ممتد أمامه كفضيحة ".
فاتت شهور من قيظ و حريق ، وظل يتحين وقتا مناسبا ؛ ليتخلص من هذا الجحيم ، و حين كان يوقف حماره أمام بيته الواطئ ، مناديا :" يا مسعود .. يا ريس مسعود ".
أقبل مسعود من الغيطان المحيطة ، مهللا له ، فاردا ذراعيه ، حاضنا إبراهيم ، فسحبه إلى داخل الوكر ، و بغتة يحكم قبضته على قضيبه و كيسه ، يضغط بقوة ، يعصر كعاصرة رهيبة ، فينهار مسعود على الأرض ، يتلوى كدودة تتمزق .
إبراهيم يتفنن في إيلامه ، ثم يستل مطواة من جيب سرواله ، يمزق بها جلبابه و سرواله ، ليصبح أمامه جسدا عاريا قبيحا . و ضغطه لا يخف إلا ليشتد : أنا في عرضك يا حاج إبراهيم .. آآآآآآآآآآآآه .. الما ء لكم ، لن أتدخل بينكم و بين الرى .. البحر بحركم ، و ما أنا إلا غريب ".
لم يتذكر بعد ، لم يستشعر ألم إبراهيم بعد ، لم يحس بحجم ما فعل .. و هنا كان يرشق ذراع المطواة في إسته : " قل أنا مرة .. قل و إلا ذبحتك" .
كان الغضب يشتد ، و النار تعربد في بدنه ، لم تهدأ ، ولن تهدأ إلا بسلبه كل شيء : الأنفاس ، الحركة .. الإحساس بالألم ، يزيده نقمة عليه ، يدفعه للتنكيل به ، بل لقتله .. لذا لم يشعر بوجود عبد الواحد ، إلا حين رفعه من خلف ، و دفعه أمامه : يكفي هذا .. يكفي .. هيا بنا "
ثم تفل في وجه مسعود المتفتت مايزال بين قبضة إبراهيم ، و ربت بحميمية علي كتفي ولده ، و دفعه بعزم مكين إلى خارج الوكر !
تعليق