خواطر قنبلة قبلا برهة الانفجار

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يحي الحسن الطاهر
    أديب وكاتب
    • 20-03-2011
    • 111

    خواطر قنبلة قبلا برهة الانفجار

    خواطر قنبلة..قبل برهة الانفجار..قصة قصيرة
    يحي الحسن الطاهر
    كانت الثواني تتقاطر من صنبور الوقت في الساعة الحائطية القديمة المعلقة على باب غرفته ، منسكبة في الجدول الرقراق للأبدية ، كانت بلورات الثواني المتقاطرة تعكس بجلاء لافت ما يجول بالغرفة من أنين مكتوم في جوف القنبلة الموقوتة التي أخفيت بعناية خلف أكداس من مخلفات الأثاثات القديمة للغرفة .
    تك ..تك..تك..
    ...كانت الدقات الخفيضة للقنبلة وهي تسارع الخطى مع انهمار الثواني يشير إلى قرب موعد انفجارها...قم أيها الصغير من مكانك..قم والعب في أي مكان آخر..
    قالت القنبلة وهي تحدق في فزع وشفقة إلى الطفل، الذي لاهيا عن كل ما يدور حوله كان منشغلا بألعابه الصغيرة غير آبه تماما للحضور الطيفي للموت.. وهو يتمشى في بهو الوقت جيئة وذهابا ، مرتديا بنطالا حاكته أنامل قطرات الثواني ، وطرزت حواشيه المدببة بخيوط من لهب مزمجر وانين مكتوم ..
    لا أود أن أنفجر ، قالت القنبلة وهي تحادث ذاتها بتصميم واثق، لا أود أن أكون رسولا للموت ، فأنا أنتمي للحياة ، ولا أدر حقا لم شاء لي القدر أن أكون أنا بالذات بهذه القدرية اللعينة ، كنت أرغب أن أكون شيئا أكثر منفعة ..فأنا أحب الصغار ..ماذا لو كنت أي شيء آخر؟ سيارة تقلهم في نزهاتهم البريئة مع أبوين سعيدين ؟ أو حتى دمية خرساء.. أو ناطقة.. لا يهم ..فقط لا أرغب في هذه الهوية المقيتة ...آلة للموت !! يا للبشاعة
    فجأة سمعت القنبلة صوتا عاليا لوالدة الطفل ، كانت تناديه من بعيد لكي يتناول طعامه ..فرحت وجعلت تحاول أن تلفت نظر الطفل بأن تعلي من دقاتها المخيفة عله ينتبه..ولكن سادرا في غي لعبته الجميلة كان الطفل يمعن في براءة في تجاهل كل همس وصوت.
    تك..تك..تك..
    انهاالحادية عشر إلا خمس دقائق ..قرب موعد الانفجار ..صاحت القنبلة وهي تتحسس الحراك النشيط لجنينها البشع...وتعجبت في حيرة عظيمة :
    كيف تنجب الموت ..كيف لولادة أن تكون إزهاقا للحياة..هذا المولود اللعين موسوم بالخراب ..بالدمار الكلي ..تمنت القنبلة بكل ضراعة :
    ليت شيئا ما يحدث..ليت هذه الأسرة المسكينة تذهب إلى أي مكان..أو ليتني لا أنفجر..أطلت الأم برأسها من باب الغرفة وهي تستغرب عدم حضور طفلها رغما عن نداءها الملح..
    رأتها القنبلة من مكمنها البعيد ...جعلت تناديها:
    هيا أيتها الطيبة ..أنا أتخفى هنا ..هيا أخبري أحدهم ..أنا قنبلة ..ستموتون جميعا ..هيا ...ولكن الأم غير مبالية فيما يبدو ..جاءت لصغيرها معاتبة :
    ألم تسمعني أناديك يا صغيري ؟ هيا أترك اللعب قليلا ..هيا فالجميع في انتظارك ..وسنذهب إلى الحديقة ونشتري لك لعبا جديدة.. وحلوى ..
    فرحت القنبلة ..ولكن فرحتها لم تدم ثوان معدودة حتى سمعت الصغير يغمغم:
    أمي ..لا أريد أن أتناول الطعام الآن ..ولا أريد أي حلوى أو حديقة ...فقط أريد أن ألعب ...
    تك ...تك...تك..
    الحادية عشر إلا ثلاث دقائق..
    قم أيها العاق ...قالت القنبلة في غيظ عظيم ..وهي تنظر إلى الطفل الذي كان يصيح في عربته الصغيرة وهي تجرى في أنحاء الغرفة..ومضت فكرة مشرقة كبرق سني في خاطرها:
    أليس من خواص مادتي أن تجتذب الحديد؟حسنا دعني أحاول أن أجتذب هذه العربة اللعينة وحين يحاول الطفل الوصول إليها فحتما سيهتدي إلى مكمني...سيحاول بفضول الأطفال المعهود أن يتعرف علي..وهاهي أمه هناك مازالت تستصرخه أن يأتي ..وحين تراني في يديه الصغيرتين... ولا أبال بعدها بما سيحدث لي حين يأخذوني إلى أحدهم.. كي يبطل مفعولي..لن أبالي حتى لو ألقي بي بعيدا ..هناك..بلا هوية .. كانت الخواطر تنفجر من خيال القنبلة ...ولكن من قال بأن بداخلي مغناطيسا؟ وحتى لو كان هنالك واحدا.. فهو لا يجتذب سوى الموت والدمار فيما يبدو...ولكن هل تبقى وقت لذلك ..جعلت تحدق في ساعة الحائط.. بينما جنينيها يتدافع في أحشائها.. ويتلوى..أحست بدنو مخاضها ..ثم حدث شيء غريب ..قام الطفل يجري باحثا عن عربته ..صارت ترقبه في لهفة ...هاهو يدنو مني ...ماذا أفعل ..ها انه يبتعد ..وأمه تساعده في البحث ...الثواني لها ثمنها يا سيدتي...صاحت القنبلة.. وهي تتلوى بأنين من مخاضها الوشيك ومن فزعها بما يحمله مخاضها من موت..هيا يا سيدتي..أنا هنا...تحت الطاولة..هيا ..أراك تماما ...نعم ..أنحني قليلا ...هنا ..نعم..هنا...
    تك...تك...تك...
    الحادية عشر إلا دقيقتين فقط..
    لم تتمكن القنبلة إن توقف سيل ذكرياتها التي صارت تنهمر بقوة متحدية..انهمار الثواني..وهذا الرنين المزعج في جوفها منذرا بدمار وشيك..رأت نفسها في زمان بعيد ...مجرد كتلة خامدة من الحديد.. ملقاة في جوف صخرة ..كان الهدوء يغلف كل شيء حينها بغلالاته الشفافة ..كان هناك نهر يهدر أسفل الصخرة ..ولكن مالهدير موجه يشبه هذا الرنين المخيف للثواني المتسارعة بوجيبها إلى الاغتسال في نهر الأبدية ؟ تساءلت القنبلة أتكون هذه إشارة لما سيكون عليه حالها فيما سيجيء من الوقت ؟ ثم هذا الطفل ..أقسم إني رأيته يمرح تحت الصخرة مع أخوته ..وأذكر تماما إن أمه كانت تناديه ..تماما مثلما تفعل الآن ... وكان هو يتغافل .. وكل شيء ..وكنت مغتاظة جدا وقتها من تغافله ..ولكني لا أخفي إنني كنت أجد له عذرا فيه...فالأطفال لا يحبون سوى اللعب...كنت أحاول أن أتواصل بشكل ما مع أمه ..كي تسمح له بالمزيد من الوقت .. وكانت أمه منشغلة عني تماما ...لماذا يبدو البشر بهذا الغباء أحيانا ؟ كثيرا ما شهدت بعض الحيوانات الصغيرة وهي ترعي بجانبي ...تقبل على خطر ما ...مثل السقوط من جرف الصخرة ..وحين أنبهها ...سرعان ما تدرك وتنسحب بسرعة وهدوء .. ماهذا ..أكاد أجن ..أيتكرر كل شيء ..حسنا ..لعلي خلقت كي أكون قنبلة ..ولكني أرفض هذه القدرية..نعم أرفضها ...وسترون ما سأفعل ..تك..تك..تك..لن أنفجر مطلقا ...وليكن ما يكون ..نعم سأكون استثناءا لرفض القدر ..سأنتج قدري الخاص الذي اخترت ..
    الحادية عشر إلا دقيقة ..
    أحست القنبلة بيد صغيرة وطرية تلمس أحشائها ..رأت الصغير ينظر إليها في ذهول ..كلا ..يبدو إنها مجرد هلوسة ...فهاهو ذاك يجري بعيدا ..ويمسك بالعربة فرحا ...أمي ...قد وجدت العربة ..تعالوا نأكل هنا ...ما رأيك..
    لا ...صاحت القنبلة بأعلى صوتها ...لا تأكلوا هنا فتصبحوا وجبة شهية لجنيني الشره ..لا أذهبوا بعيدا ...بعيدا ..اعتراها الإعياء والوهن الذي تعرفه كل من عرفن المخاض..إعياء ما قبل الولادة..
    جاءت الأم عجلى إلى الطفل..
    تعال يا صغيري ...هيا ..أعددت لك كل ما تحب من طعام...
    تك ...تك...تك..
    هيا أيها الصغير الشقي...هيا أذهب مع أمك ..
    ثوان معدودة تبقت ...
    صارت الثواني تتقاطر ببطء أكثر بصورة أدهشت القنبلة...أيكون قد حدث شيء ما ؟ تساءلت وهي تحدق إلى ساعة الحائط التي كانت تسير كالمعتاد ...إنها هلوستي إذن ...لا أود أن أنفجر..ماذا أفعل؟
    جدة 29/10/2011

    sigpic

    سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
    yahia.change@gmail.com
    http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
    https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    - يمكن القول أن السمة الرئيسة لبنية السرد هنا هى فنية " الأنسنة " أى فنية إضفاء الروح الإنسانية على الجماد ، وهى فكرة تحلق بالنص إلى أن يكون نصا للإنسانية لما يكنزه من تخييل يكنز فكرة شديدة الروعة والعمق

    - وربما لعمق هذى الفنية فى الكتابة يمكن اعتبار التخييل هنا هو جوهر السرد وكانز فكرته ، فكرة الروح الكامنة فى الحياة حولنا وافتراض نقاء هذى الروح ، بل إن القنبلة فى النص تستحيل أما تستشعر إثم جنينها الأليم على الحياة من حولها ، فيما يحمل التخييل إضاءة قوية على عمق التخييل وتشعبه فى تفاصيل جمالية تدل على حنكة واحتراف

    - هنا فى السرد نحن أمام القنبلة التى تحيا حياتها الخاصة وتستشعر إثما ليس لها ذنب فى فعله فهى هنا فى السرد قد صارت كيانا حيا عبر الاستعارة ، صارت كيانا إنسانيا واعيا نبيلا

    - وهذا يعرج بنا إلى أن الفكرة التى يقوم عليها النص هى فكرة النقاء المفترضة فى الحياة حولنا بما يكثف من فكرة مسولية الإنسان وإثمه واعتدائه على الحالة النقية للأشياء ، فالقنبلة التى كانت قطعة حديد صارت موتا موقوتا ، فإذا بها تحن إلى فطرتها البسيطة الطيبة ، وتستحيل موتا رحيما حانيا مشفقا ، وهذى الفكرة تنشر إيحاء رهيفا هو قدرة الإنسان إلى أن يرجع هو نفسه إلى فطرته النقية مهما ران عليها ، فإذا كان التخييل يجلو لنا روح القنبلة وحنينها لتلك الفطرة فما بالنا بالكيان الإنسانى الذى يملك الأدوات والقدرة الحقيقة فى أن يغير ويبدل من شره وفساده

    - لذا يمكن القول أن الفكرة تتناغم برهافة مع فنية التخييل وتستحيل إلى تحفيز جمالى للبحث فى فطرة النفس والتشبث بحالة النقاء التى ربما تكون خفية يرين عليها ما يرين

    - ربما فيما يخص الحبكة كان على السرد ألا يبدأ خيطا دلاليا جديدا فى ختام النص أعنى فكرة كون القنبلة قطعة حديد وكانت لها مصادفة أن لعب حولها الطفل وأمه لكنها كانت آنذاك مجرد قطعة خام لا خطر لها

    - إن هذا الخيط الدلالى كان يمكنه وحده أن يصير قصة وسردا منفصلا ومفتتحا للنص ، لكن المشكلة أننا تنشبع بتلقى فكرة قلق القنبلة وروحها الخيرة التى تحاذر الخطر ، بما لا يجعل مجال التلقى مهيئا للتزحزح عن فكرة القلق ولحظته الحرجة إلا تداعى ذكريات القنبلة عندما كانت حديدا خاما ، هذا التداعى يخصم من فنية الثوانى التى تتقطر فى قلق وحيرة وتحفز


    - أى أن المشهد السرد مزدحم متوهج بقلق الانفجار فلم يكن بحاجة للالتفات إلى مشهدية ذكريات القنبلة


    2- ربما لى هذى الملاحظة اللغوية :-

    - الذي لاهيا عن كل ما يدور حوله كان منشغلا بألعابه

    حيث لا يبدو جليا علة النص مما يجعلنا أمام تشويش نحوى يربك القارىء
    - مرتديا بنطالا حاكته أنامل قطرات الثواني

    هنا نحن أمام صورة فنية لكنها متداخلة عبر توالى علائق الإضافة بما يجعلها صورة أقرب للتكلف وبعيدة عن السلاسة التى مازت النص ، فمثلا لو كان السياق " حاكته أنامل القطرات " لكان أقرب إلى روح النص فى رأيى

    - ولا أدر حقا - الصواب أدرى دون حذف

    - ولا أبال بعدها بما سيحدث لي – الصواب أبالى دون حذف

    - وحتى لو كان هنالك واحدا.- الصواب واحد بالرفع

    تعليق

    • يحي الحسن الطاهر
      أديب وكاتب
      • 20-03-2011
      • 111

      #3
      سأعود أليك أيها الرائي ...لن أدعوك ناقدا: لأنك تنتج نصك الجمالي الموازي للنصوص التي تفككها ...وكأن قد شهدت كاتبها يجدل ضفائرها ...لك محبتي العميقة

      sigpic

      سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
      yahia.change@gmail.com
      http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
      https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

      تعليق

      • وسام دبليز
        همس الياسمين
        • 03-07-2010
        • 687

        #4
        قصة جميلة تحمل الكثير من الإبداع والتشويق لكن كيف جاءت القنبلة إلى الغرفة وفي حال إنفجارها لن تهدم غرفة فقط بل منزل هذه العائلة وكل ما يحيط به لكن القصة رائعة تمسكنا بخيوطها منذ اللحظة الأولى تعوّد الإنسان على استخدام كل القوى وكانت الكارثة حين استخدمها للموت والخراب

        تعليق

        • يحي الحسن الطاهر
          أديب وكاتب
          • 20-03-2011
          • 111

          #5
          شكرا لهمس ياسمينك

          صدقيني يا صديقتي:


          لقد سمعت همس ياسيمينك قبل صياح الديك ثلاثا:


          مرة


          وأنا أقرأ ما كتبتيه حول نصي المتواضع..


          ومرة


          وأنا أقرأ نصي من خلال قراءتك له..


          ومرة


          وأنا أقرئك من خلال نصك ..


          ووجدتني في كل الأحوال...مترامي الأطراف تحت مفرق بوح ياسمينك الذي بقدر ما يهمس...يبوح ..


          أشكرك على ما عبقت به نصي المسكين من فحيح ياسمينك ...ولك مودتي في الخالدين
          التعديل الأخير تم بواسطة يحي الحسن الطاهر; الساعة 03-11-2011, 07:40.

          sigpic

          سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
          yahia.change@gmail.com
          http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
          https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

          تعليق

          يعمل...
          X