مخاض في جهنّم ..!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الله لالي
    أديب وكاتب
    • 07-05-2011
    • 74

    مخاض في جهنّم ..!

    مخاض في جهنم.

    تصعد ثلاث درجات من السلم ثم تهبط ببطء وتثاقل مستندة إلى الدرابزين الخشبي ثم تعاود الصعود مرة بعد أخرى ، حبيبات من العرق تطفر من جبينها مثل حبّات اللؤلؤ تلتمع برهة ثم سرعان ما ينطفئ توهجها عندما تهوي على الأرض منغمسة مع التربة الكالحة ، غمرات الوجع تسري في بدنها مثل التيار الكهربائي الصاعق ، تنطلق في موجات متتابعة من البطن المنتفخ مثل البالون الهوائي ! صوت زوجها المتهدّج يأتيها في توسّل الصبيّ ، حريقا في حلقها يزيد معاناتها شدة :
    - تعقلي ! وهيّا معي إلى المستشفى ، أرفقي بحالك وبي وبهذا الجنين المستكنّ في أحشائك ! تغيم الدنيا في عينيها تأتيها الصور المرعبة مثل العاصفة الهوجاء ترجّ جمجمتها:
    - "… مشارط حديدية…آلات معدنية معقوفة ، نظرات نارية نافذة … قلوب من الصلب عليها ران كثيف … الوجوه الصفراء ذات العيون الطافية فوق محاجرها مثل عيون الضفادع المنفجرة على إثر انتشاق دخينة صبيّ عابث …"
    تتوسل… ترجو ، تسترحم الطبيبة بإلحاح مفرط:
    - أبعدي الحديد عني يا دكتورة ، الحديد يمزّق بدني… يخرق أمعائي ، خدّريني على الأقل … تمهلي قليلا ، أرجوك أريد أن آخذ نفسا عميقا…!
    يدا الطبيبة العجفوان تغوصان أكثر وبشراسة داخل الرحم المتلظي ، تنغرز الأصابع ممزّقة كل الحجب الصفيقة … تحفران بجنون بحثا عن لذة جنونية مبهمة ! تطفر من عينيها دموع منهمرة تمسك بيدي الطبيبة تحاول إبعادها عنها بيأس …
    الوهن يشلها ، يسفح كل قدرة لها على المقاومة فوق البلاط الرخامي ، تصرخ الطبيبة في وجهها بحقد لا مبرر له:
    - اهدئي يا.." أنت " لست أول امرأة تلد … إذا لم تكوني ترغبين في مساعـدة طبيبة فلم جئت إلى المستشفى إذن ؟!
    - لكنني أكاد أموت من الوجع … ترفقي بي قليلا لوجه الله … !
    - ترمي الطبيبة المشارط والآلات على الأرض محدثة رنينا وصلصلة مرعبة وتزأر مثل لبؤة جرباء:
    - همل…أما كان أحرى بمثيلاتك أن يبقين في أكواخهن القذرة ليلدن مثل البهائم والبغال.. (تذكرت أن البغال لا تلد… جلببتها موجة من الوجع الدفين ، جلجل في أعماق صدرها صوت زوجها):
    - أنت بغل …بغل… جدباء عاقر لا ثمرة فيك ولا خصب… وداعا يا دكتورتي العزيزة أنا آسف على السنين الخمس التي ضاعت من عمري معك هباء.
    - تقف بحلقها غصّة بحجم صحراء العطش التي أهدتها إيّاها كلماته المريرة، تشبثت فيه بأظافرها:
    - أرجوك لا ترحل …لا تحطم ذرة الأمل المتبقية!
    - الأمل …هه ، إنّ الأمل يا سيّدتي لا ينبت بدوحتك الذابلة !
    - وأحلامنا …!
    - أكلتها رحمك اليباب !
    - وحديث حبنا الأبدي الذي طالما غفوت على صدى نغماته الشجية !
    - أضغاث أحلام ورؤى أوهام !
    تنتفض مثل الملسوع … تنظر فيما حولها ترى الممرضات والغرفة البيضاء والمريضة المستغيثة… والرحم المفتوح يعد الحياة بزهرة جديدة...
    هي لا ترى من الأزهار غير أشواكها تحسّ بها تنغرز في عمق الفؤاد ؛ فيسيل الدم مدرارا قانيا يميل إلى السواد ، تنظر إلى الممرضة بحقد مهول ، بركة من الدماء بلون الورود تغطي مساحة من البلاط الباردة ، تصرخ في الممرضات أن يمسكن بها بكل ما يمكن من قوة …وعادت تعبث في رحمها بجنون هادر ! والمستشفى تتجاوب جدرانه بصرخات امرأة بدوية ساذجة جاءت لتجرّب حظها لأول مرة وتضع مولودها على يد طبيبة حاذقة (!) في مستشفى عصـري ! وتندفع إحدى الممرضات كالبرق لتتلقف كتلة لحم طرية ينبعث منها صراخ مدو ، يرعد الأرض من تحت قدمي الطبيبة فتحسّ بطعنة حادة على مستوى الرحم، ويأتيها صوت جاف وقاس يدويّ في جمجمتها:
    - أنت بغل… بغل ، جدباء … عاقر لا ثمرة فيك !
    ترمق الممرضة شزرا… تودّ لو تغرز المشرط في عينيها تسألها معنفة لم فعلت ذلك ، تجيبها والخوف يطوّقها:
    - كاد الصبي يسقط على الأرض … فأدركته قبل فوات الأوان !
    بركان مزمجر يعبث داخل صدرها تصرخ بحنق:
    - أو تعلمينني مهنتي أيتها الحقيرة ! تقذف بالقفاز المطاطي في وجهها وتتمتم:
    - قذارة… وسخ ، همل ! ثم تنفلت خارجة كالبقرة المجنونة…
    هذه المرة تصعد درجة رابعة وتنظر إلى أسفل " ما أبعد الأرض ! كأنها سفح جبل بعيد… بعيد ! " تطلب من زوجها أن يناولها يده ليساعدها على الهبوط … وما إن تقترب من الأرض حتى تبادره :
    - لست حمقاء … ناد أمّ الخير جارتنا القابلة ، فقد صمّمت أن لا ألد في جهنم بعد ذلك اليوم الأسود أبدا.


  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    #2
    ذكّرتني قصتك بقصّتي ..سنين عجاف ..
    عن عذاب المرأة العاقر خاصة حين تكون قابلة أو طبيبة ..
    لكني لا أعتقد أنها تكون دائما بهذا القبح و هذه القسوة و البشاعة .
    نصٌ محكم البناء.
    سررت بالقراءة لك أخي.
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

    تعليق

    • ريما ريماوي
      عضو الملتقى
      • 07-05-2011
      • 8501

      #3
      نصّ موغل بسبر غور تلك الأنثى البشعة وهي من يجب
      أن تكون متمثلة بملاك رحمة, أعرف نساء
      محرومات من الأمومة ولكنه يذبن
      حنانا وأمومة عندما يرين
      أطفالا صغارا,
      تلك الطبيبة قاتلة ومريضة
      نفسيا على الأكيد,
      نصّ غائر في ذات إنسانيّة مدمرة.
      نجح بنقل الصورة البشعة بكل حيثياتها,
      لذلك هو ناجح.

      شكرا لك آلمني ما قرأت!!

      تحياااتي.
      التعديل الأخير تم بواسطة ريما ريماوي; الساعة 31-10-2011, 07:46.


      أنين ناي
      يبث الحنين لأصله
      غصن مورّق صغير.

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        لست أدري لم أحسست أنها فى طريقها لتجهض نفسها
        بتلك الحركات على السلم بين صعود و هبوط
        ثم ارتطام بالارض
        لا يمكن أن تكون هذه إلا حالة اجهاض
        و ليست ولادة طبيعية
        تضخيم الأمر على هذا لتحقيق عدف القصة خاصة فى مثل هذه الامور ربما لن يفيد أحدا
        بقدر ما يخيف !

        أعجبني التداخل الزمانى
        و تحطيم البعد الزمني
        بعملية الفلاش باك و الارتداد و العودة
        لأنها خلقت جوا خارا من التوت و الترقب المحمود !

        قلوب من الصلب عليها ران كثيف
        هذه الجملة ما قصدت بها ؟
        هى سقط منها شىء ؟!
        أرجو المراجعة

        محبتي

        تمنيت تعاونكم مع الزملاء من الكتاب فى زيارة الأعمال المطروحة !
        sigpic

        تعليق

        • عائده محمد نادر
          عضو الملتقى
          • 18-10-2008
          • 12843

          #5
          الزميل القدير
          عبد الله لالي
          نص موجع
          هناك قلوب تقسو بلا .. داعي
          تجربة الطبيبة وإدخالها عمق الحدث كانت جميلة
          أحببت التداخل الزمني بين الوقت الراهن والفلاش باك كانت ومضات أخذتنا للعمق
          كن بخير زميلي
          مودتي لك
          الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

          تعليق

          يعمل...
          X