سامحني أبي.. الوطن أجمل من ذلك!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • هشام البوزيدي
    أديب وكاتب
    • 07-03-2011
    • 391

    سامحني أبي.. الوطن أجمل من ذلك!



    نظر من الشرفة وهو يرتعش, تابع الحركة في الشارع بعينين خائفتين, كانوا مائتين يزيدون قليلا أو ينقصون, لكن كانوا كالبحر في هيبته وهديره, تذكر شاطئ طرطوس, تذكر رماله وأمواجه وجرت على خده دمعة, ما أجملك يا وطن! ما أبهاك وما أحلمك!

    سمع طلقات متتالية سرعان ما اختفى أزيزها وسط التكبير المتعالي, رأى طفلا يسقط أرضا يتشحط في دمه, كان الرصاص ينهمر على كل من يدنو منه, فحص برجله التراب لحظات ثم همد. ألصق فادي وجهه بالزجاح, شعر بشيء يختفي من داخله, لقد فارقه الخوف, كم سمع من أبيه وهو طفل: "قائدنا إلى الأبد, ملهمنا البطل, الرئيس الحكيم..." كان يحشو عقله الصغير بهذا الهراء خوفا عليه أن ينطق بكلمة مهلكة.

    إنه هناك في سريره يفترش سنواته الخمسين ويلتحف الذل وينخره الخوف, إنه يغلق عليه الباب ليلا منذ اندلاع الثورة خشية أن ينزل للتظاهر, إنه يريده أن يحيا, لكن هل هذه حياة؟ أخذ ورقة وكتب عليها: " سامحني أبي.. الوطن أجمل من ذلك!" ثم نزل من النافذة, تمسك بعمود الكهرباء وانزلق بجسمه الغض كأنه يولد من جديد.

    وجد نفسه في مؤخرة المظاهرة, وانطلق يصدح بالتكبير: الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. شعر بقوة لم يعهدها من قبل, وتخيل القناص فوق المباني مختبئا, ابتسم وفتح أزرار قميصه الأبيض فبدا جسمه النحيل, وضع يده على صدره, لقد هدأ قلبه وغشيته سكينة عجيبة, لم يعد يقفز داخل صدره كما كان خلال أسابيع قضاها يرقب سير الحالمين بالحرية من خلف الزجاج, لقد صار واحدا منهم, سمع صوت رشاش يقطع ظلام الليل ليختلط بصوت التكبير, لكن الناس لم تفر, بقي مرفوع الهامة يمشي في ظلمة الليل ويرقب الفجر الآتي, اخترق الصفوف بصدره العاري, شم ريحا زكية تملأ أنفه, وانطلق مع الجموع يخط على أرض الوطن ملحمة البذل, مضى يرفع شعار الحياة في وجه تجارالموت: "الموت ولا المذلة.. الموت ولا المذلة.. الموت ولا المذلة.."

    كان صدى هذه الكلمات ينزل على المختبئين في أسرتهم المتلفعين بدموعهم كالرعد القاصف, لقد اختاروا استمرار المذلة, فيما آثر الأحرار الموت كي يحيا الحلم بوطن تظله الحرية والعزة والكرامة, شعر فادي بطعم هذه الكلمات, إنه لن يعود لتجرع المهانة بعد اليوم, لقد حسم أمره, إما حياة وإما موت, أما المذلة فقد آن الأوان لغسلها عن ثرى الوطن, عاد الرصاص يجلجل فوق الرؤوس فارتفعت الحناجر بالتهليل: "لا إلــه إلا الله.. لا إلــه إلا الله.. لا إلــه إلا الله.. لا إلــه إلا الله.. لا إلــه إلا الله.. لا إلــه إلا الله.."

    إن فادي يقول هذه الكلمة منذ عقل, لكنها تحمل إليه الآن معنى جليلا لم يتبينه من قبل, إنه يحس بهيبتها وسلطانها بعد ستة عشر ربيعا على هذا الوطن الأسير, لا إله إلا الله, فكيف أخافكم, ليس لكم من الأمر شيء, أحس بالكلمة العجيبة تملأ صدره وتضخ في شرايينه قوة هائلة, رفع بها صوته وقد صار على رأس المظاهرة: لا إله إلا اللــه, ما أكملها حتى سمع صوتا مدويا يهز كيانه, ثم أحس بشيء دافئ يملأ فمه, سال الدم القاني على صدره, سقط ليعانق الأرض وليسقيها ويطهرها من المذلة وليغرس فيها بذرة العزة, سقط فادي بعد أن اخترقت قفاه رصاصة غدر تحمل ختم وطن آخر.



    [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

    لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
    قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
    [/gdwl]
  • ريما ريماوي
    عضو الملتقى
    • 07-05-2011
    • 8501

    #2
    روووعة استاذ هشام أما الجيل المنهار فلم يأت انهياره من فراغ,
    تكوّن نتيجة الكبت والدحر والتقتيل والإبادات الجماعيّة.
    جيل اليوم ولد في هذه الحالة,إذا أراد الرجوع إلى الكرامة
    والحريّة فلا بد له من الثورة.

    أعجبني النصّ جدا وكنت مع فادي بكل لحظة, حتى اللحظة
    الأخيرة عندما استشهد بطلقة الغدر من أبناء وطنه,
    ويؤلمني جدا ما صار الحال عليه.
    الله ينصر الشعب على جميع الأعداء المتربصين
    ويحقق له ما يريد.

    شكرا لك, مودتي وتقديري.


    تحياااتي.


    أنين ناي
    يبث الحنين لأصله
    غصن مورّق صغير.

    تعليق

    • أمين خيرالدين
      عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
      • 04-04-2008
      • 554

      #3
      الكاتب هشام البوزيدي
      "سامحني أبي... الوطن أجمل من ذلك"


      فادي الوطن موجود في كل مكان
      لم ولن يموت
      يحلم بوطن جميل نظيف من الطغيان وأوساخهم
      فيه الإنسان إنسان، لاكا"لإبريق المكسور على أبواب الأوطان"

      الله واكبر على الظالمين، الطغاةن ،مصاصي دماء الشعوب،
      المتربعين على الصدور عقدا وعقدين وثلاثة وأربعة
      لا لشيء، إنما لتموت الشعوب فقرا، وذلاًّ وعبودية


      قصة جميلة مؤثرة، توقظ تداعيات مؤلمة
      لما يعيشه وطننا العربي في كل مكان
      تحياتي وودي
      [frame="11 98"]
      لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

      لكني لم أستطع أن أحب ظالما
      [/frame]

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        الزميل القدير
        هشام البو زيدي
        سأتقدم بكلمتي للأحرار دون التعليق على النص
        جربت هذه المشاعر زميلي
        وأنا أتدافع مع الأحرار ضد الجند, كانوا قساة, وساحة ( التحرير ) بعد أمتار
        يحاولون منعنا, وفارت الدماء وغلت في عروقنا
        شعور لم أحس به مطلقا
        كنت كالطائر الحر
        ولم أهب( وكوني امرأة ) أن يضربني أحد هؤلاء المدججين بكل الأسلحة, ونحن لا نتملك سوى الإيمان بالوطن وحريته.
        وقفنا كالطود الشامخ, خافوا, تكدسوا حولنا ( قوات سوات ) وهذه أسوء قوة لأنهم وحوش وليسو بشر.
        مهما وصفت لك عن المشاعر, لن تصل عشر ما أحسسته, وأنا عزلاء, أمام مسلحين ومعي من معي من المطالبين بحرية العراق وتحريره
        طوبى للأحرار المخلصين
        بردا وسلاما على سورية وأهلها
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • هشام البوزيدي
          أديب وكاتب
          • 07-03-2011
          • 391

          #5


          الأستاذة الكريمة ريما:
          شرفت بقراءتك وبصدق كلماتك.
          وما دمت أول من علق على القصة فلأتحدث عن قصتها: شاهدت الشريط الوثائقي الذي يصور ثورة الشعب السوري (الرابط هنا مشكورين) فسمعت أحد الشباب يقول: "إنهم لا يقتلوننا فقط, إنهم يقتلون الحلم." هذه هي الكلمة التي ولدت هذه القصة التي كتبتها على عجل. وإنما أردت أن أبثكم حزنا يعتصر القلب وأن أحيي شعبا يمشي على الجمر لينعم بالكرامة.


          [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

          لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
          قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
          [/gdwl]

          تعليق

          • هشام البوزيدي
            أديب وكاتب
            • 07-03-2011
            • 391

            #6

            الأستاذ المكرم أمين خير الدين:
            فادي يحيا في كل واحد منا, شامخا كريما شهما أبيا, فادي ولد ومات ليفدي كل عزيز, وحين يدنس الجبارون الأرض وينتهكون العرض فإن فتيانا في عمر الورود يهبون ليعلموهم معنى الفداء. لك الله يا حمزة الخطيب.

            بوركت يا أمين.


            [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

            لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
            قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
            [/gdwl]

            تعليق

            • هشام البوزيدي
              أديب وكاتب
              • 07-03-2011
              • 391

              #7

              الأستاذة المكرمة عائدة:
              سرني أنك أشركتنا في تجربتك ومشاعرك, ولك ولبقية الأحرار أهدي ودي وسلامي.
              شكرا لك ولقلمك الصادق.

              [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

              لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
              قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
              [/gdwl]

              تعليق

              يعمل...
              X