أمنيات موءودة في مدافن الغربة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سالم وريوش الحميد
    مستشار أدبي
    • 01-07-2011
    • 1173

    أمنيات موءودة في مدافن الغربة

    أمنيات موءودة في مدافن الغربة
    قصة قصيرة
    بعد سنين الغربة عاد لينفث تنين فسقه ، عاد محملا بأكياس من نفايات الغرب ،وركام الحضارات ، شد العزم أن يشيع كل ما أعجب به ، من عري فاضح ، وما أنبهر به من أشكال للغانيات ، بضائع للرجال في أسواق النخاسة ،فلم ير غير جمال من غابات السيقان الملفوفة ، وصدور ناهدة ، وأعجاز . قبل أن يرحل كون فكرة في داخله وآمن بها إيمانا أعمى بل عشقها ، جاهر بها أصدقاءه ، حسدوه على حلم ما كان يحلم به لولا رغبة أبيه (هو ذا الغرب بكل مفاتنه رغد في العيش، وحرية تقطع الأنفاس) ( العن جوع السنين ، وحرمان الأيام ، والعن الشرق وعتمة لياليه)،هكذا قالوا له ، فانطلق يسبح في يم غير محكوم ،
    حدث شقيقته عن بحور الخمر وليال تزينها أقمار من النساء ، عن الحب المجاني المباح ، عن شواطئ العراة ،عن كل شيء، إلا شهادة ؛ كانت حلما لوالده قبل أن يموت ، فقد طواها في درج آمال كانت ولن تكون ، تأمل في البوم الصور ، نظرت أخته إلى قدود مياسة تعبق منهن رائحة الفجور ، راح يسترجع ذكريات كل صورة ، وحكاياته مع النساء ، طافت الفتاة في بحر خيالها ، ما عادت تنظر إلى تلك الصور تخيلتهن جبلا من الجليد يمتطيه الرجال ، نظرت إلى أخيها ، تقيأت كل أفكارها وما كان بخلدها يدور، رمت بألبوم الصور .
    راحت تلقي بحبوب الدخن إلى طيور الحب ، أصواتها تشيع الحياة في أروقة هذا البيت الكئيب ، استهجنت منظر أخيها ممتدا على الفراش بلا ساتر يحجب قبحه المقيت ، نظرت إلى رسم أبيها الموشح بالسواد، جلست كعادتها على كرسي أمام تلك الصورة ، ترجع برأسها للوراء عاد ت بها السنون ،إلى أيام حملت عبق الآمال ،وأحلاما كانت نذر نجاح ، أمها ترمي بدلو ماء وراءه، تعويذة للرجوع ، مست على شعرها ولمحت منه ابتسام ( التمس منها الدعاء ) آخر كلمات قالها وطار ، (النت) ينقل إليهم أخباره ،كإعلام مخادع ينقل النصر المزعوم ، ويخفي كل اندحار ، الآمال تكبر ، والأماني كل يوم في إزدياد ، تخيلوه طه قاهر الظلام ، أو مجدي يعقوب ، أو زها حديد أسطورة الزمان الجديد ، رنت إلى الحزن في عيون أبيها وكأنه ينظر خيبة أخيها العائد من بحر المجون ، إلى أحلامه التي وأدت وإياه ، إلى صبر السنين الذي تمازج وآلامه وذلك المرض العضال ، كان لا يحلم ببصيص أمل بالشفاء، بل بعودة أبنه يحمل شهادة الطب ، لكنه مات قبل أن يصدم ، مسحت الدموع من عينيها.ارتشفت قدحا من الشاي، رائحة عطر الشاي تنفذ إلى داخلها فتنعشها .. اقتربت من أخيها وبصوت معاتب رقيق ،
    قالت
    :أين الشهادة ، أين حلم أبي ....؟!
    ولكنها فجأة وكأن شيئا تحرك في أعماقها ، أوقد فيها نارا بدت تتلظى، طاقات كامنة جعلتها تثور كإعصار ،جاء كلامها كفرقعة بالون (أنت قاتل أبي ..فقد باع حياته للمرض مقابل أن تحصل على شهادة ) ضحك بصوت عالي وقال :- هذا ثمن غبائه ...!
    نظرت إليه بحنق ، تمنت أن تصفعه على وجهه ، أن تبصق عليه ، هالها أن يتفوه بمثل هذا الكلام عن أبيها ، خرجت إلى فناء الدار راحت ترنو إلى كلب صغير يلعب في الحديقة ، اقترب منها يهز ذيله ، تمرغ في الأرض ، وبدا يثب نحوها ، الليل يحمل نسائم باردة ، يثير الفراغ وعتمة الليل ، رعب المكان والزمان ، تسبح في بحر خيالاتها ، عن عودة حبيبها الذي يدرس تخصصا دقيقا في علم تشريح الأعصاب ، بعد نيله لشهادة (الدكتوراه )،هو تزوج أبحاثه ودراساته ، التي أنسته كل شيء حتى حبيبة طفولته ، خطيبته التي تركها في وطنه، كشجرة قميئة ، حيث يقيم في هولندا هناك ،ويعمل، ويدرس ، في لجة الأحداث ، نسي أنّ قلبا خافقا لازال في انتظاره ، تقدم العمر بها ، وكادت أن تسلم نفسها لليأس ، حرمت من شغب الأطفال من ضحكات تملأعليها البيت، واستسلمت لقدرها ، بين فينة وأخرى يعطيها جرعة لأمل موهوم ، يرسل إليها بخطاب يزرع الأمل في حنايا ضلوعها فتنتظر ذلك اليوم الموعود ، فتلك الغيوم التي تلبدت بها السماء ستولد مزنا بعد مخاض العسير .. قد تورق الأشجار بعد الخريف ، الحب لن يغلفه النسيان ، ( هكذا تقول )ورغم شوقها والتياعها إلا أنها ، لا تستعجله القدوم ، بل تتمنى له النجاح رغم ما فعل بها النوى من مكابدا ت ، وحسرات ، وآلام ، صار القلب مكمنا لها ، ومستودعا لعشق أمين ، خزن ملايين الذكريات والأماني ، لحبيب أخذته الغربة وعاشت على صدى من ذكراه .
    لم تأبه لبرودة الجو .سارت متأرجحة الأفكار بين أخيها الذي ضيعته الغربة ، وبين حبيبها الذي أوجدت الغربة منه عالما وباحثا يشار له بالبنان ، كان الشارع فارغا إلا من سيارات تخطف أضوائها الأبصار .تمر كلمح البرق ثم تختفي ...
    ترنيمات موسيقية أشبه بالهلوسة السمعية، كانت تطوف برأسها تخيلت نفسها (مايسترو) تقود (أوركسترا ) موسيقية تخيلت نفسها راقصة باليه في رائعة (جايكوفسكي)كسارة البندق ،كم حلمت أن يكون لها شأن في عالمها هذا المزدحم بالتناقضات ،
    ، أ لا تعيش( بوهيمية) أخيها ، حياة بلا منهجية لا يقيم وزنا لعرف ولا لدين ..
    حطت آمالها ، وأحلامها من برجها العاجي
    على
    ارض الواقع، وركنت إلى حزن عميق حين قال لها مصرا .....
    :- سأبيع البيت ...!
    أظلمت الدنيا ، في عينيها ، كاد أن يغشى عليها ، ودت أن تتقيأ كل ما في جوفها ، في هذه اللحظة بالذات ، أحست أنها بحاجة لحبيبها مثنى أن تشكوه ظلم الأيام ،وجور الزمان، تمنت أن أبيها لم يمت ، تمنت أن أخيها لم يعد.تمنت أن تشق الأرض وتبتلعها ....
    :- لا لن يباع البيت، فهو داري وقراري ، هنا ضحكي وبكائي، هنا آمالي وأحلامي ....
    فرت من عينها دمعة أحست بها ساخنة على وجنتيها وشعرت بها مرة تلذع لسانها ... رنا أليها بتحد ، وقال مؤكدا
    :- سأبيع البيت وسأسافر فقد مللت ، قبور الأحياء هذه .. لا طعم للحياة هنا. ....!
    أخذ حجة البيت وهم بالخروج ، كان في داخلها إصرار غريب لم يثني عزمها برده عن ما يبتغي ، قاومته بكل ما أوتيت من قوة ، كادت أن تتمزق حجة البيت بين أيديهما دفعها بكل قسوة ارتطم رأسها بالنافذة، كاد أن يغمى عليها ، الحجة لازالت بيدها أحست بوهن في جسدها ، تراخت قليلا ،و بلا شعور، ودون تفكير أعطت الحجة إليه أخذها بيده، فعلت وجهه بشائر الانتصار ، استدار نحو الباب ومسك قبضته للخروج..ودون وعي، هوت على أم رأسه بتمثال برونزي ، فسقط على الأرض.. لم يع شيئا حوله ..تدفق الدم من رأسه، كون له بركة صغيرة ...
    نقلوه إلى المستشفى ، غارق بدمائه،جلست تغني بوجع، راحت تمسح الغبار الذي علا صورة أبيها ، وأشعلت شمعة استذكار، وعود بخور ، اليوم مات أبيها وانقطع الرجاء ، اليوم أوصدت كل الأبواب .
    انطلقت سيارة الشرطة تبدد السكون بنذير منبهاتها ، نظرت إلى البيت الذي هجرته الأنفاس وثمة أمل بأن تعيد إليه الحياة ......... ستكون طيور الحب بانتظارها ، وسيبقى بيت أبيها هذا أيكها الذي لابد وإليه تعود.. سمعت زقزقة العصافير نغمة يتردد صداها بإلحاح في مخيلتها .. أدركت ألا أحد لها بعد هذا اليوم ، أخيها بين الحياة والموت ، وهي لا تعرف كم ستبقى في طوامير السجون .. طلبت من الضابط أن يعود .. توسلت إليه أن يعود بها إلى بيتها .. عاد مشفقا بعد أن أكثرت الرجاء ..ركضت مسرعة نحو القفص أطلقت كل ما فيه من طيور ،ففرت على غير هدى ، راحت تدور مضطربة ، لم تألف الحرية منذ أن ولدت ، وشيئا فشيئا راحت تختفي عن الأنظار أحست براحة ، أغمضت عينيها وهي تأخذ نفسا عميقا، أنعشتها رائحة الأرض المخضبة برشات من المطر الربيعي ، والتي غسلت كل الأشجار فبدت نضرة تعكس أشعة المصابيح بضوء تشتت خيوطه .
    رأته يقف عند مستطيل الباب؛ مثنى في طوله الفارع وبملامحه التي لم تغيرها السنون ، وتلك الابتسامة التي لا يعرف كنهها ، فاجأها بطلته البهية ، عقدت الدهشة لسانها ، ركضت نحوه ألقت بجسدها إليه ، أحست بدفء أنفاسه ، شعرت بحرارة تشع من جسده ، بكت بكاء مرا ، وبصوت متهدج اختلط بنشيجها الحزين قالت ( أبعد هذا الكم من السنون أتيت .....؟ آه.. كم اشتقت إليك ..!، كم سهرت وأنا أناجي خيالك ، كم أتعبني طول الانتظار ، كنت لا أنصت إلا للحن عزفك الأزلي فأوصدت قلبي بالوفاء لذكراك، عاش هذا القلب لك ولن يكون إلا إليك )
    شعر بدموعها تمتزج وذلك العرق المتصبب منه ، أحس بارتعاش في جسده ، تمنى أن يشاركها البكاء تمنى إن يطول اللقاء .. قال بصوت خافت بدا وكأنه احتضار مريض
    :- لقد حصلت على ما كنت أطمح إليه ، من أجلك ، كنت أشعر بعذاباتك ، أشعر بحزنك الدائم .. عدت لأرمم كل ما ثلم الدهر ، لنتزوج... لأبدد الانتظار بعد طول الصبر، جئت لأرضك البور لأعيد لها الحياة ،
    مسكها الضابط من يدها سحبها عنوة ،ظلت ممسكة بيد مثنى ، تمنت إن يطول احتضانه لها ....تمنت أن تغفو بين ذراعيه ..لكن الضابط جرها بقوة فتخلصت من يد مثنى ، عيناها شاخصة نحوه ، ركض خلفهم ، دون شعور ، صرخ بأعلى صوته
    :- سعا...................د
    أركبوها سيارة الشرطة
    وتواروا عن الأنظار
    على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
    جون كنيدي

    الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

يعمل...
X