لَـمِّـع أحــلامك يا عبد الـودود ؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • البكري المصطفى
    المصطفى البكري
    • 30-10-2008
    • 859

    لَـمِّـع أحــلامك يا عبد الـودود ؟

    لَـمِّـع أحــلامك يا عبد الـودود ؟؟

    ها أنت قد فتحت ذراعيك لتعانق نسمة الصباح الوديع ...هذه مشاعرك الفياضة تغمرك بسعادة براقة وأحلامك الوردية تحجب عنك غيوم الأحزان التي ظللت حياتك من قبل ؛ أنستك آهات التوجع حين تستفيق من نومك وأنت صفر اليدين خاوي الوفاض لا تملك قوت يومك .....
    ها أنت تقود الابتسامة إلى شفتيك متدللة ؛ و تبسط ملاءة البشاشة على وجهك المكتنز المستدير ؛ وتمسح بيدك على لحيتك قائلا : " الحمد لله والشكر لله " كأنك تطهرت من أوحال الماضي الذي كبل قواك بأغلال البؤس والحرمان لسنين عديدة .
    ها أنت تدرك أن أخاك قد حط الرحال بأرض المهجر .. أرض الشمال ؛ حيث يتدفق الذهب الخالص . ستقتطف بعض اللآلئ التي تنير دربك المعتم .. تهتز أو تار الفرح في قرار نفسك فتغني أنشودة الصباح السعيد ......أنت لا تستطيع مفارقة أمك لحظة واحدة ، لكن أخاك امتطى صهوة المغامرة ، وحط الرحال هناك.... نم إذن قرير العين ؛ فالخير كل الخير سيأتي من هناك .
    لسنين عديدة ظلت الرسائل تتقاطر على عبد الودود في كل رسالة ألف حكاية : سلام حار.. ومحبة خالصة .. وعبارات تعانق معانيها بصدق الإخلاص؛ وحوالة بريدية من ألف درهم...وألفي درهم.... تتضوع منها رائحة الوفاء الذي يثلج الصدر؛ ويبعث النفس على الانتشاء.
    في يوم الجمعة أدى عبد الودود الفريضة ؛ ودعا الله أن يمن عليه من فضله؛ ونعيم جزائه... قبل أن ينتعل حذاءه ويقصد البيت ؛ ربت الفقيه على كتفه . التفت نحوه و بادله التحية فتجلت له بشائر الخير كالإشراقات المضيئة في عينيه .مازحه بصوت خافت : " اليوم عندك العشا ........" 1 كتم عبد الودود قهقهته في صدره لأنه في بيت الله . حرك رأسه بأسلوبه الخاص للموافقة . وقبل الطلب ببشاشته المعهودة ....عاد إلى البيت بخف حنين ؛ فأخبر أمه أن تهيئ طعام العشاء بما يناسب شخصية الفقيه ، من لحم إضافي ومرق سائغ ؛ مزود بذرات من الملح . يزين بحبات الزيتون و يوضع في صحن خاص بعد وجبة شاي احتفالية بكل المقاييس ؛ بكل طقوسها وأدواتها اللازمة : صينية لامعة وكؤوس مرصوفة بانتظام وقطعة من عشب النعناع تغمر المكان برائحتها الزكية .
    عندما أسدل الليل ستاره سمع الباب يطرق من جديد . قفز كالمتعطش للمفاجآت فقرقع المزلاج ثم فتح الباب وعاتب الفقيه بعبارات مازحة على تأخره ؛ و تمنيا دوام الصحة والعافية ( فالليل طويل )
    جلسا معا متقابلين ندا للند ؛ يتبادلان النظرات والكلام المعسول وحكايات المهاجرين الذين ينتشون بالمسرات الدائمة ؛ و يقتطفون ثمار مشقاتهم كغلال الحصاد المنهمر .. وكيف كانت المصادفة من نصيب الفقيه حين زار مكتب البريد لتسلم بعض أغراضه فعثر على رسالة يتيمة لعبد الودود تنظر من يحتضنها ويعجل بها إلى صاحبها......
    بعد العشاء لم يبق سوى فظ الظرف...
    في دوامة الأفكار المتراقصة التي تبرق معانيها في ذهن عبد الودود ؛ سحب الفقيه الرسالة من( قب)2 الجلباب كالكنز الثمين ؛ وسلمها إياه فداعبها بين أطراف أصابعه ؛ وحملق إلى غلافها مليا كأنه يسجل في ذاكرته لحظات استقبالها بكل هذه الحفاوة ؛ بكل هذه الطقوس الاستثنائية لكن لحظات الشعور بالانتشاء استحالت كابوسا يخنق أنفاسه عندما أحس أن القدر قد ساقه إلى أمية يغرق في يمها العفن إلى أخمص القدمين ؛ لا يعرف من المكتوب حرفا واحدا .. قذفت به الأفكار خارج الدائرة . ...تراشقت الأسئلة في ذهنه بعبارات العتاب الذي يقسو على نفسه : ما سلاحه في معترك الحياة إذا كان أميا ..؟ المال.وحده ..؟ حرث الأرض وانتظار فيئها...؟ أي قيمة لرجل يثرثر أكثر من اللازم ولا يعرف كيف يأخذ القلم ليخط على الورق إمضاءه الشخصي ؟ ويتودد إلى حافظ القران ليطلعه على أسراره أخيه المهاجر ...؟ تمنى لو خلا بنفسه ومزق الظرف ثم سحب منه الورقة وجال بصره فيها فاستسلمت الكلمات لشفتيه تطاوعانه على قراءتها وإدراك معانيها جملة وتفصيلا ........ لو حصل ذلك لصالح ذاته ؛ واستغنى عن وجبة إضافية لفقيه القرية الذي يطيل المكوث عنده حتى يضجر منه .. لكن ماذا يجدي العويل بعد الميت ... وما يجدي رثاء الحال في انتظار المحال ...؟ أحس كأن جرحا غائرا في قرار نفسه لا يندمل . سرح بخياله حتى نسي أنه في بيته...عطس الفقيه فاستفاق من هذيانه ؛ واضطربت جوارحه ؛ فشمت العاطس ثم فظ الظرف بحكمة متناهية وقال : باسم الله . لكنه تلقى صدمة أحلامه المخيبة للآمال وكأنها أطلت عليه من بابها الواسع .إذ لم يقع بصره على الحوالة البريدية ... بسط الرسالة أمام الفقيه كالملاءة التي تغري النفس بمباهج خطوطها المنتظمة وقال : اقرأ .. توكل على الله الحي القيوم ....
    شرع الفقيه في تلاو تها بصوت شجي يدغدغ المشاعر التقطت مسامع عبد الودود كل عبارات المحبة والأخوة الصادقة كالهدية المزجاة إليه في هذا اليوم السعيد ثم تلا الفقيه على مسمعه نص الموضوع يقول فيه:
    أخي العزيز ؛ لا تضجر من كلامي هذا ؛ فقد طعنت نفسي بخناجر تصرفي القاتل اتجاهك . كانت دراهمي تعيد العافية لجيبك ؛ وتنتشلك من دوامة الحيرة التي تشغل بالك، لكنها تنسج في نفس الآن كفن طموحاتك .
    أخي العزيز ؛ لقد طعنتُ نفسي لأنني شيدت برج أحلامك فوق أرض هشة ؛ قوامها التواكل. و بسبب مبالغي المالية تباطأت خطاك بعدما كنت تركض مسرعا في اتجاه الحلم ؛ ودعتَ الأرض التي كانت لا حدود لها في منتزه قلبك . كنت تشفق عليها وتجود عليك بما يسد حاجاتك . لقد أضحت اليوم مرتعا خصبا للجرذان و الأعشاب الضارة . وبهذا تهاوت عزيمتك إلى القاع . ها أنت مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لقطع حبل زادي المتدفق عليك ؛ لا لقطع حبل قرابتي ومودتي.
    أخي العزيز ؛ لا أطيل عليك ؛ ولا أظنك تعتصر أفكاري لتدرك سرها ؛ فأنت السعيد بما أقول لك لا بما أعطيك .
    وتقبل مني أزكى التحيات

    أخوك المهاجر
    التوقيع....




    أنهى الفقيه الرسالة ورفع رأسه فبدا عبد الودود كما لو أنه أغمي عليه ؛ قام متكاسلا ؛ أخذ الكوب وارتشف جرعات من ماء جرجرت في حلقه ؛ فاتجه صوب الباب برفقة الفقيه دون أن ينبس بكلمة. ودعه وصفق الباب خلفه ثم أدار المفتاح في القفل بانكسار نفسي كالمتهالك ؛ لم تطاوعه يداه على سحب المفتاح إلا بعد لحظات . عاد يجر ذيول الخيبة و يتمتم بكلمات ثم يتعود بالله من الشيطان الرجيم فأخذ الرسالة المبسوطة وتأمل حروفها وكلماتها فبدت له كأنها تصرخ في وجهه؛ اغرورقت عيناه بالدمع ثم طواها ولف بها المفتاح حتى استحالت في قبضة يده قطعة صغيرة . وضعها في كوة مطلة على الخارج ثم آوى إلى فراشه وغط في نومه في انتظار الصبح .


    1= : أنا مدعو عندك للعشاء .
    2= جزء من الجلباب المغربي ؛ مثبت في أعلاه ؛ يسدل فوق الظهر كالكيس ؛ ويغطي الرأس كالعمامة عند الحاجة إلى تغطيته .
    التعديل الأخير تم بواسطة البكري المصطفى; الساعة 03-11-2011, 20:49.
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    ربما العنوان لم يحالفك الحظ فى اختيار الأفضل
    وأنت وما ترى
    النص كان جميلا بلغته و طريقة التناول و القص
    كان متدفقا و ممتدا على رقعة الحديث
    فى انسيابية و عذوبة رغم قسوة الأمر

    نعم آن لعبد الودود أن يركل التواكل
    و أن يعود إلى بذل العرق
    إلى أرضه و زهوره
    ليشعر بقيمة الحياة
    و قيمة نفسه هو .. كإنسان لا بد أن يكون له وجود
    و ليس دابة أو بهيمة تعيش متواكلة على أى من البشر !

    أهلا بك أخي الجميل

    محبتي

    أرشح هذا النص للذهبية لشهر نوفمبر
    sigpic

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      الزميل القدير
      البكري مصطفى
      لن أقول عنها كثيرا
      لأني سأرشحها للذهبية
      لكني أذكرك بان التكثيف أجمل وأجمل
      نص دلالي عميق
      وصلت رسائله لنا
      الجهل
      الكسل
      الإتكال على الغير ووو
      العنوان طويل جدا
      ودي ومحبتي لك
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • البكري المصطفى
        المصطفى البكري
        • 30-10-2008
        • 859

        #4
        الأستاذ العزيز ربيع عقب الباب تحية عطرة :

        سمة الوفاء والإخلاص ظاهرة في تتبعك خطوات هذه النصوص القصصية ؛ وتقو يمها وقد سررت بترشيحك هذا النص للذهبية ؛ وكان أملي في الكتابة السردية أن أعبر عما أشعر به ، وأن أشرك القارئ في هذا الإحساس ؛ و أترجم بعض الآمال في الإصلاح من أجل تجاوز الآلام الماضية . وكنت من الذين شاركوني ذلك كله بذوقك الرفيع ؛ وتقويمك وملاحظاتك . فشكرا لك مجددا على عنايتك .

        حقيقة أوحت إلي دلالة العنوان بشيء مما قلته قبل أن تتفضل بملاحظتك . وقد استدركت هذا الأمر بوضع علامتي استفهام في نهاية الجملة (؟؟) كي يقرأ المتلقي جملة العنوان بالتنغيم؛ باعتبارها استلزاما حواريا ؛ يعكس - ضمنيا - بعض التوبيخ أو السخرية من وضع عبد الودود . فهذا العنوان مرتبط بسياقه التداولي .عندما يقرأ في ضوء هذا السياق ينسجم مع النص .

        أجدد لك أخي الكريم تحيتي وتقديري.

        تعليق

        • البكري المصطفى
          المصطفى البكري
          • 30-10-2008
          • 859

          #5
          الغالية عائده محمد نادر؛ تحيتي وتقديري.
          أقدر إحساسك النبيل وذوق الرفيع ؛ ملاحظاتك جميلة ؛ ومفيدة . فالأفكار والجهود تتآزر لتبني صرح المجد القصصي العربي .
          أشكرك على ترشيحك النص للذهبية وبذلك فقد قلت الكثير .
          طابت أوقاتك

          تعليق

          • عائده محمد نادر
            عضو الملتقى
            • 18-10-2008
            • 12843

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة البكري المصطفى مشاهدة المشاركة
            الغالية عائده محمد نادر؛ تحيتي وتقديري.
            أقدر إحساسك النبيل وذوق الرفيع ؛ ملاحظاتك جميلة ؛ ومفيدة . فالأفكار والجهود تتآزر لتبني صرح المجد القصصي العربي .
            أشكرك على ترشيحك النص للذهبية وبذلك فقد قلت الكثير .
            طابت أوقاتك
            والآن زميلي
            ألم تفكر بتقليص العنوان
            ليكن ( لمع أحلامك يا عبد الودود )
            وأنت مؤكد حر زميلي
            هو رأي فقط
            ودي ومحبتي لك
            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

            تعليق

            • محمد سلطان
              أديب وكاتب
              • 18-01-2009
              • 4442

              #7
              الزميل الرفيع : البكري مصطفى

              نصك أبهرني بغلته وجمال تدفق مشاعره ..
              لا أجاملك قلت من أجود النصوص التي قرأتها في تاريخ هذا الملتقى ..
              صفقت لك وخاصة عند المقدمة اللئيمة التي جاءت قبل الحدث.. كانت توطئة أكثر من رائعة .. أعجبتني لغة النص الحالمة القريبة من الرومانسية ..

              أحييك عليها وأهلا ومرحبا بك وشكرا على المتعة التي هنا..
              التعديل الأخير تم بواسطة محمد سلطان; الساعة 03-11-2011, 02:34.
              صفحتي على فيس بوك
              https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

              تعليق

              • البكري المصطفى
                المصطفى البكري
                • 30-10-2008
                • 859

                #8
                العزيزة عائده تحيتي العطرة :
                منذ ولادة هذا النص أدركت من بعض القراء الأعزاء من داخل الملتقى ؛ ومن الذين هدهدوه في المهد؛ أنهم شعروا بلباسه الفضفاض ( العنوان الطويل ) وقد حاولت تشذيبه ولملمة سدوله آخذا بعين الاعتبار مقترحاتك . تخطر ببالي أحيانا عبارات مثل : النهاية – نهاية حلم - أسطر منتفضة – دموع لم تشف الجرح . كلها تصب في اتجاه النص .
                شكرا لك على عنايتك ؛ و كل الفضل لك.

                تعليق

                • البكري المصطفى
                  المصطفى البكري
                  • 30-10-2008
                  • 859

                  #9
                  الأخ الفاضل والأديب العزيز محمد ابراهيم سلطان تحيتي وتقديري :
                  بذوقك الرفيع شعرتَ بمتعة النص؛ وسررتُ كثيرا لذلك لأنك كنت ممن شملتهم آمالي ؛ وكل آمالي أن أشرك القارئ اللبيب فيما أحسه و أشعربه . في تذوق جمال العبارة وإدراك المعنى .
                  دمت أديبا مقتدرا .

                  تعليق

                  يعمل...
                  X