لَـمِّـع أحــلامك يا عبد الـودود ؟؟
ها أنت قد فتحت ذراعيك لتعانق نسمة الصباح الوديع ...هذه مشاعرك الفياضة تغمرك بسعادة براقة وأحلامك الوردية تحجب عنك غيوم الأحزان التي ظللت حياتك من قبل ؛ أنستك آهات التوجع حين تستفيق من نومك وأنت صفر اليدين خاوي الوفاض لا تملك قوت يومك .....
ها أنت تقود الابتسامة إلى شفتيك متدللة ؛ و تبسط ملاءة البشاشة على وجهك المكتنز المستدير ؛ وتمسح بيدك على لحيتك قائلا : " الحمد لله والشكر لله " كأنك تطهرت من أوحال الماضي الذي كبل قواك بأغلال البؤس والحرمان لسنين عديدة .
ها أنت تدرك أن أخاك قد حط الرحال بأرض المهجر .. أرض الشمال ؛ حيث يتدفق الذهب الخالص . ستقتطف بعض اللآلئ التي تنير دربك المعتم .. تهتز أو تار الفرح في قرار نفسك فتغني أنشودة الصباح السعيد ......أنت لا تستطيع مفارقة أمك لحظة واحدة ، لكن أخاك امتطى صهوة المغامرة ، وحط الرحال هناك.... نم إذن قرير العين ؛ فالخير كل الخير سيأتي من هناك .
لسنين عديدة ظلت الرسائل تتقاطر على عبد الودود في كل رسالة ألف حكاية : سلام حار.. ومحبة خالصة .. وعبارات تعانق معانيها بصدق الإخلاص؛ وحوالة بريدية من ألف درهم...وألفي درهم.... تتضوع منها رائحة الوفاء الذي يثلج الصدر؛ ويبعث النفس على الانتشاء.
في يوم الجمعة أدى عبد الودود الفريضة ؛ ودعا الله أن يمن عليه من فضله؛ ونعيم جزائه... قبل أن ينتعل حذاءه ويقصد البيت ؛ ربت الفقيه على كتفه . التفت نحوه و بادله التحية فتجلت له بشائر الخير كالإشراقات المضيئة في عينيه .مازحه بصوت خافت : " اليوم عندك العشا ........" 1 كتم عبد الودود قهقهته في صدره لأنه في بيت الله . حرك رأسه بأسلوبه الخاص للموافقة . وقبل الطلب ببشاشته المعهودة ....عاد إلى البيت بخف حنين ؛ فأخبر أمه أن تهيئ طعام العشاء بما يناسب شخصية الفقيه ، من لحم إضافي ومرق سائغ ؛ مزود بذرات من الملح . يزين بحبات الزيتون و يوضع في صحن خاص بعد وجبة شاي احتفالية بكل المقاييس ؛ بكل طقوسها وأدواتها اللازمة : صينية لامعة وكؤوس مرصوفة بانتظام وقطعة من عشب النعناع تغمر المكان برائحتها الزكية .
عندما أسدل الليل ستاره سمع الباب يطرق من جديد . قفز كالمتعطش للمفاجآت فقرقع المزلاج ثم فتح الباب وعاتب الفقيه بعبارات مازحة على تأخره ؛ و تمنيا دوام الصحة والعافية ( فالليل طويل )
جلسا معا متقابلين ندا للند ؛ يتبادلان النظرات والكلام المعسول وحكايات المهاجرين الذين ينتشون بالمسرات الدائمة ؛ و يقتطفون ثمار مشقاتهم كغلال الحصاد المنهمر .. وكيف كانت المصادفة من نصيب الفقيه حين زار مكتب البريد لتسلم بعض أغراضه فعثر على رسالة يتيمة لعبد الودود تنظر من يحتضنها ويعجل بها إلى صاحبها......
بعد العشاء لم يبق سوى فظ الظرف...
في دوامة الأفكار المتراقصة التي تبرق معانيها في ذهن عبد الودود ؛ سحب الفقيه الرسالة من( قب)2 الجلباب كالكنز الثمين ؛ وسلمها إياه فداعبها بين أطراف أصابعه ؛ وحملق إلى غلافها مليا كأنه يسجل في ذاكرته لحظات استقبالها بكل هذه الحفاوة ؛ بكل هذه الطقوس الاستثنائية لكن لحظات الشعور بالانتشاء استحالت كابوسا يخنق أنفاسه عندما أحس أن القدر قد ساقه إلى أمية يغرق في يمها العفن إلى أخمص القدمين ؛ لا يعرف من المكتوب حرفا واحدا .. قذفت به الأفكار خارج الدائرة . ...تراشقت الأسئلة في ذهنه بعبارات العتاب الذي يقسو على نفسه : ما سلاحه في معترك الحياة إذا كان أميا ..؟ المال.وحده ..؟ حرث الأرض وانتظار فيئها...؟ أي قيمة لرجل يثرثر أكثر من اللازم ولا يعرف كيف يأخذ القلم ليخط على الورق إمضاءه الشخصي ؟ ويتودد إلى حافظ القران ليطلعه على أسراره أخيه المهاجر ...؟ تمنى لو خلا بنفسه ومزق الظرف ثم سحب منه الورقة وجال بصره فيها فاستسلمت الكلمات لشفتيه تطاوعانه على قراءتها وإدراك معانيها جملة وتفصيلا ........ لو حصل ذلك لصالح ذاته ؛ واستغنى عن وجبة إضافية لفقيه القرية الذي يطيل المكوث عنده حتى يضجر منه .. لكن ماذا يجدي العويل بعد الميت ... وما يجدي رثاء الحال في انتظار المحال ...؟ أحس كأن جرحا غائرا في قرار نفسه لا يندمل . سرح بخياله حتى نسي أنه في بيته...عطس الفقيه فاستفاق من هذيانه ؛ واضطربت جوارحه ؛ فشمت العاطس ثم فظ الظرف بحكمة متناهية وقال : باسم الله . لكنه تلقى صدمة أحلامه المخيبة للآمال وكأنها أطلت عليه من بابها الواسع .إذ لم يقع بصره على الحوالة البريدية ... بسط الرسالة أمام الفقيه كالملاءة التي تغري النفس بمباهج خطوطها المنتظمة وقال : اقرأ .. توكل على الله الحي القيوم ....
شرع الفقيه في تلاو تها بصوت شجي يدغدغ المشاعر التقطت مسامع عبد الودود كل عبارات المحبة والأخوة الصادقة كالهدية المزجاة إليه في هذا اليوم السعيد ثم تلا الفقيه على مسمعه نص الموضوع يقول فيه:
أخي العزيز ؛ لا تضجر من كلامي هذا ؛ فقد طعنت نفسي بخناجر تصرفي القاتل اتجاهك . كانت دراهمي تعيد العافية لجيبك ؛ وتنتشلك من دوامة الحيرة التي تشغل بالك، لكنها تنسج في نفس الآن كفن طموحاتك .
أخي العزيز ؛ لقد طعنتُ نفسي لأنني شيدت برج أحلامك فوق أرض هشة ؛ قوامها التواكل. و بسبب مبالغي المالية تباطأت خطاك بعدما كنت تركض مسرعا في اتجاه الحلم ؛ ودعتَ الأرض التي كانت لا حدود لها في منتزه قلبك . كنت تشفق عليها وتجود عليك بما يسد حاجاتك . لقد أضحت اليوم مرتعا خصبا للجرذان و الأعشاب الضارة . وبهذا تهاوت عزيمتك إلى القاع . ها أنت مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لقطع حبل زادي المتدفق عليك ؛ لا لقطع حبل قرابتي ومودتي.
أخي العزيز ؛ لا أطيل عليك ؛ ولا أظنك تعتصر أفكاري لتدرك سرها ؛ فأنت السعيد بما أقول لك لا بما أعطيك .
وتقبل مني أزكى التحيات
أخوك المهاجر
التوقيع....
أنهى الفقيه الرسالة ورفع رأسه فبدا عبد الودود كما لو أنه أغمي عليه ؛ قام متكاسلا ؛ أخذ الكوب وارتشف جرعات من ماء جرجرت في حلقه ؛ فاتجه صوب الباب برفقة الفقيه دون أن ينبس بكلمة. ودعه وصفق الباب خلفه ثم أدار المفتاح في القفل بانكسار نفسي كالمتهالك ؛ لم تطاوعه يداه على سحب المفتاح إلا بعد لحظات . عاد يجر ذيول الخيبة و يتمتم بكلمات ثم يتعود بالله من الشيطان الرجيم فأخذ الرسالة المبسوطة وتأمل حروفها وكلماتها فبدت له كأنها تصرخ في وجهه؛ اغرورقت عيناه بالدمع ثم طواها ولف بها المفتاح حتى استحالت في قبضة يده قطعة صغيرة . وضعها في كوة مطلة على الخارج ثم آوى إلى فراشه وغط في نومه في انتظار الصبح .
1= : أنا مدعو عندك للعشاء .
2= جزء من الجلباب المغربي ؛ مثبت في أعلاه ؛ يسدل فوق الظهر كالكيس ؛ ويغطي الرأس كالعمامة عند الحاجة إلى تغطيته .
ها أنت قد فتحت ذراعيك لتعانق نسمة الصباح الوديع ...هذه مشاعرك الفياضة تغمرك بسعادة براقة وأحلامك الوردية تحجب عنك غيوم الأحزان التي ظللت حياتك من قبل ؛ أنستك آهات التوجع حين تستفيق من نومك وأنت صفر اليدين خاوي الوفاض لا تملك قوت يومك .....
ها أنت تقود الابتسامة إلى شفتيك متدللة ؛ و تبسط ملاءة البشاشة على وجهك المكتنز المستدير ؛ وتمسح بيدك على لحيتك قائلا : " الحمد لله والشكر لله " كأنك تطهرت من أوحال الماضي الذي كبل قواك بأغلال البؤس والحرمان لسنين عديدة .
ها أنت تدرك أن أخاك قد حط الرحال بأرض المهجر .. أرض الشمال ؛ حيث يتدفق الذهب الخالص . ستقتطف بعض اللآلئ التي تنير دربك المعتم .. تهتز أو تار الفرح في قرار نفسك فتغني أنشودة الصباح السعيد ......أنت لا تستطيع مفارقة أمك لحظة واحدة ، لكن أخاك امتطى صهوة المغامرة ، وحط الرحال هناك.... نم إذن قرير العين ؛ فالخير كل الخير سيأتي من هناك .
لسنين عديدة ظلت الرسائل تتقاطر على عبد الودود في كل رسالة ألف حكاية : سلام حار.. ومحبة خالصة .. وعبارات تعانق معانيها بصدق الإخلاص؛ وحوالة بريدية من ألف درهم...وألفي درهم.... تتضوع منها رائحة الوفاء الذي يثلج الصدر؛ ويبعث النفس على الانتشاء.
في يوم الجمعة أدى عبد الودود الفريضة ؛ ودعا الله أن يمن عليه من فضله؛ ونعيم جزائه... قبل أن ينتعل حذاءه ويقصد البيت ؛ ربت الفقيه على كتفه . التفت نحوه و بادله التحية فتجلت له بشائر الخير كالإشراقات المضيئة في عينيه .مازحه بصوت خافت : " اليوم عندك العشا ........" 1 كتم عبد الودود قهقهته في صدره لأنه في بيت الله . حرك رأسه بأسلوبه الخاص للموافقة . وقبل الطلب ببشاشته المعهودة ....عاد إلى البيت بخف حنين ؛ فأخبر أمه أن تهيئ طعام العشاء بما يناسب شخصية الفقيه ، من لحم إضافي ومرق سائغ ؛ مزود بذرات من الملح . يزين بحبات الزيتون و يوضع في صحن خاص بعد وجبة شاي احتفالية بكل المقاييس ؛ بكل طقوسها وأدواتها اللازمة : صينية لامعة وكؤوس مرصوفة بانتظام وقطعة من عشب النعناع تغمر المكان برائحتها الزكية .
عندما أسدل الليل ستاره سمع الباب يطرق من جديد . قفز كالمتعطش للمفاجآت فقرقع المزلاج ثم فتح الباب وعاتب الفقيه بعبارات مازحة على تأخره ؛ و تمنيا دوام الصحة والعافية ( فالليل طويل )
جلسا معا متقابلين ندا للند ؛ يتبادلان النظرات والكلام المعسول وحكايات المهاجرين الذين ينتشون بالمسرات الدائمة ؛ و يقتطفون ثمار مشقاتهم كغلال الحصاد المنهمر .. وكيف كانت المصادفة من نصيب الفقيه حين زار مكتب البريد لتسلم بعض أغراضه فعثر على رسالة يتيمة لعبد الودود تنظر من يحتضنها ويعجل بها إلى صاحبها......
بعد العشاء لم يبق سوى فظ الظرف...
في دوامة الأفكار المتراقصة التي تبرق معانيها في ذهن عبد الودود ؛ سحب الفقيه الرسالة من( قب)2 الجلباب كالكنز الثمين ؛ وسلمها إياه فداعبها بين أطراف أصابعه ؛ وحملق إلى غلافها مليا كأنه يسجل في ذاكرته لحظات استقبالها بكل هذه الحفاوة ؛ بكل هذه الطقوس الاستثنائية لكن لحظات الشعور بالانتشاء استحالت كابوسا يخنق أنفاسه عندما أحس أن القدر قد ساقه إلى أمية يغرق في يمها العفن إلى أخمص القدمين ؛ لا يعرف من المكتوب حرفا واحدا .. قذفت به الأفكار خارج الدائرة . ...تراشقت الأسئلة في ذهنه بعبارات العتاب الذي يقسو على نفسه : ما سلاحه في معترك الحياة إذا كان أميا ..؟ المال.وحده ..؟ حرث الأرض وانتظار فيئها...؟ أي قيمة لرجل يثرثر أكثر من اللازم ولا يعرف كيف يأخذ القلم ليخط على الورق إمضاءه الشخصي ؟ ويتودد إلى حافظ القران ليطلعه على أسراره أخيه المهاجر ...؟ تمنى لو خلا بنفسه ومزق الظرف ثم سحب منه الورقة وجال بصره فيها فاستسلمت الكلمات لشفتيه تطاوعانه على قراءتها وإدراك معانيها جملة وتفصيلا ........ لو حصل ذلك لصالح ذاته ؛ واستغنى عن وجبة إضافية لفقيه القرية الذي يطيل المكوث عنده حتى يضجر منه .. لكن ماذا يجدي العويل بعد الميت ... وما يجدي رثاء الحال في انتظار المحال ...؟ أحس كأن جرحا غائرا في قرار نفسه لا يندمل . سرح بخياله حتى نسي أنه في بيته...عطس الفقيه فاستفاق من هذيانه ؛ واضطربت جوارحه ؛ فشمت العاطس ثم فظ الظرف بحكمة متناهية وقال : باسم الله . لكنه تلقى صدمة أحلامه المخيبة للآمال وكأنها أطلت عليه من بابها الواسع .إذ لم يقع بصره على الحوالة البريدية ... بسط الرسالة أمام الفقيه كالملاءة التي تغري النفس بمباهج خطوطها المنتظمة وقال : اقرأ .. توكل على الله الحي القيوم ....
شرع الفقيه في تلاو تها بصوت شجي يدغدغ المشاعر التقطت مسامع عبد الودود كل عبارات المحبة والأخوة الصادقة كالهدية المزجاة إليه في هذا اليوم السعيد ثم تلا الفقيه على مسمعه نص الموضوع يقول فيه:
أخي العزيز ؛ لا تضجر من كلامي هذا ؛ فقد طعنت نفسي بخناجر تصرفي القاتل اتجاهك . كانت دراهمي تعيد العافية لجيبك ؛ وتنتشلك من دوامة الحيرة التي تشغل بالك، لكنها تنسج في نفس الآن كفن طموحاتك .
أخي العزيز ؛ لقد طعنتُ نفسي لأنني شيدت برج أحلامك فوق أرض هشة ؛ قوامها التواكل. و بسبب مبالغي المالية تباطأت خطاك بعدما كنت تركض مسرعا في اتجاه الحلم ؛ ودعتَ الأرض التي كانت لا حدود لها في منتزه قلبك . كنت تشفق عليها وتجود عليك بما يسد حاجاتك . لقد أضحت اليوم مرتعا خصبا للجرذان و الأعشاب الضارة . وبهذا تهاوت عزيمتك إلى القاع . ها أنت مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لقطع حبل زادي المتدفق عليك ؛ لا لقطع حبل قرابتي ومودتي.
أخي العزيز ؛ لا أطيل عليك ؛ ولا أظنك تعتصر أفكاري لتدرك سرها ؛ فأنت السعيد بما أقول لك لا بما أعطيك .
وتقبل مني أزكى التحيات
أخوك المهاجر
التوقيع....

أنهى الفقيه الرسالة ورفع رأسه فبدا عبد الودود كما لو أنه أغمي عليه ؛ قام متكاسلا ؛ أخذ الكوب وارتشف جرعات من ماء جرجرت في حلقه ؛ فاتجه صوب الباب برفقة الفقيه دون أن ينبس بكلمة. ودعه وصفق الباب خلفه ثم أدار المفتاح في القفل بانكسار نفسي كالمتهالك ؛ لم تطاوعه يداه على سحب المفتاح إلا بعد لحظات . عاد يجر ذيول الخيبة و يتمتم بكلمات ثم يتعود بالله من الشيطان الرجيم فأخذ الرسالة المبسوطة وتأمل حروفها وكلماتها فبدت له كأنها تصرخ في وجهه؛ اغرورقت عيناه بالدمع ثم طواها ولف بها المفتاح حتى استحالت في قبضة يده قطعة صغيرة . وضعها في كوة مطلة على الخارج ثم آوى إلى فراشه وغط في نومه في انتظار الصبح .
1= : أنا مدعو عندك للعشاء .
2= جزء من الجلباب المغربي ؛ مثبت في أعلاه ؛ يسدل فوق الظهر كالكيس ؛ ويغطي الرأس كالعمامة عند الحاجة إلى تغطيته .
تعليق