(محلاك ياعيد.....؟)
تمحو الذاكرة وتثبت ؛ ولكل تذكر أجل ......
عندما كان يستسلم لنوم عميق ليلة العيد ؛ يصحو فجأة قبيل الفجر على وقع أصوات وحركات تملأ أرجاء المكان .ويجد في كفيه هدية ثمينة ؛ قمر حناء يتوسط نجيمات صغيرة مرسومة بعناية فائقة أثناء نومه ؛ رعاية جدته لم تفارقه ؛ لم تفوت عليه فرصة الحناء وهو نائم ، حتى خروف العيد يأخذ حظه من نفس الكعكة . يخضب رأسه بالحناء ..... طالما كانت جدته تريد إسعاد كل من في البيت بحكاياتها العجيبة؛ وأحاجيها الممتعة . الكل تسقيه من معين حنانها الذي لا ينضب......
أمعن النظر في قمر الحناء المرسوم على بساط كفيه الصغيرتين فشرع يقبضهما ويبسطهما مرات عديدة ليرى كم أن الأمر مختلف تماما بين الأمس واليوم ......
كل شيء متأهب لخوض معركة العيد ؛ إعداد لوازم النار ؛ وبري السكاكين ؛واختبار حدتها في انتظار إراقة الدماء . عندما يرفع عمه العلم شامخا ويكبر بأعلى صوته يتحلق الناس والصبيان حوله لينطلق الموكب نحو المصلى ... مرة واحدة في السنة يحصل بينهم هذا التضامن الفريد؛ والالتفاف الحميم . إنها هداية ربانية ....... ينخرط الصبي في الموكب بين المسبحين والمكبرين في إيقاع رتيب مرددا أصوات الكبار ؛ وظلال البهجة تغمر كيانه في انتظار ساعة الحسم .
عند المصلى يأخذ (الفقيه) بزمام الأمر مع بعض مساعديه . تنتظم الصفوف ؛ وتقام الصلاة ؛ فيشرع في إلقاء خطبته التي حفظها عن ظهر قلب لكثرة ما كررها على مسامع الناس كل سنة ...... الأهم في تقدير (الفقيه ) أداء الشعيرة الدينية وليس الفهم والإفهام . فلم يحمل نفسه ما لا تطيـق ؛ هذه جموع من الناس تائهة في الجهل ، تلوك ألسنتهم الآيات دون فهم ولا يحسنون حتى قراءة الفاتحة .فلم يكلف نفسه كل هذا العناء ؟؟ وقد استقر في ذهنه أن زاده المعرفي لا يتجاوز _ قيد أنملة _ حفظ القرآن .
على امتداد الحائط المجاور للمصلى يجلس كثير منهم القرفصاء .... يتبادلون النظرات .. والكلام المعسول الذي تنم عنه قهقهاتهم المحتشمة ؛ يتحدثون بصوت خافت عن الحر و القر، والغلاء والرخاء في انتظار إنهاء الخطبة ؛ والشروع في إراقة الدماء بعد ما تدق ساعة الحسم.... ... سيوفهم ممدودة أمامهم ( سكاكين مبرية متعددة الأشكال ؛ مختلفة الأحجام ؛ تلف مقابضها قطع من الصوف المخضب بالحناء وسنابل من( دوم ). بشائر النصر بادية على وجوههم ؛و مظاهر الانتشاء تلوح في عيونهم ؛ لذلك يشربون الدخان في حرمة المكان ......
أظن أن أمورا كثيرة اختلطت في ذهنه لحداثة سنه . في صميم هذا الطقس الاحتفالي البهيج (يوم العيد ) أشياء محيرة . .....عندما يتحلق الناس من جديد حول الفقيه؛ ويرفعون أكفهم في عنان السماء مرددين (آمين ) لاختتام مشهد العيد يصاب بالهلع . لأن معركة الذبح ستفتح الباب على مصراعيه لطقوس مخيفة . عندما ينفض الجمع .... يعود مسرعا إلى البيت بخطى حثيثة قبل فوات الأوان . تنادي جدته بأعلى صوتها : " أوصدو ا الأبواب وأحكموا إغلاقها . لا أحد يبرح المكان " . وتضيف أمه : " امكثوا جميعا هنا .لا أحد منكم يخرج قبل أن نشم رائحة الدخان ............."
رسائل محيرة لا يعرف لها مغزى ؛ لكنه يعلم أن حضر التجوال خارج البيت قاعدة راسخة في قائمة بنود الرعاية الأسرية . حضر التجوال في هذا الوقت بالذات يحميه من البطش الموهوم ؟
بعيد صلاة المغرب تتناهى إلى سمعه هتافات وزغاريد نسائية ؛ تبعث على المسرة كأنها تترجم إعلانا بالنصر . إنها لحظات تشييع ( بوهروس) تدعو ه أمه إلى غض الطرف .فيغض طرفه . ثم تتسلل في جنح الظلام ؛ وبيدها كيس بلاستيكي محشو ببقايا العظام .. . إنها نهاية العراك مع العيد ... يتسمر في مكانه مشدوها قبل أن يسمع زغاريد أمه وقد أدت المهمة بنجاح ...ألقت بالكيس فوق حطام (الطلح ) دون أذى . .. بدا له أن الأرواح تسكن كل مكان ؛ تنشط كل يوم العيد غاية النشاط ؛ لا ترحم و لا تعفو . لا تصافح رغم العيد؛ لكنها تصطدم بجدار .. (الحذر الحذر .. )
.................................................. محلاك يا عيد.
إضاءة : محلاك يا عيد : أول جملة من أغنية تطرب آذان المغاربة صباح كل عيد عند بثها في قنوات إذاعية وتلفزية . والمراد ما أحلاك يا عيد ...ا
بوهروس ّ : بقايا عظام رأس الخروف الذي يطبخ يوم العيد دون سواه
تعليق