بأي حال عدت.. يا عيد ؟؟؟
خربشات على هامش يوم العيد
عقارب الساعة تشير الآن إلى السابعة والنصف صباحا من يوم جديد , يوم لا ككل الأيام انه يوم عيد, استيقظت أو قل تركت الفراش حيث كان جسدي ممددا طيلة ليلة بيضاء لم يغمض لي فيها جفن, أصخيت السمع علني أسمع حركة بالبيت أو صوت وحيدتي وهي تنادي ( بابا قم كفاك نوما الناس في طريقها إلى المصلى , قم بابا الكسلان قم ) , سقطت دمعة حارة على خدي , السكون يخيم على المكان لا حركة ولا صوت , فقط كانت لحظات شرود حملتني إلى ماض جميل وقريب , اغتسلت وارتديت ملابسي وقصدت المصلى …. الناس حولي كالنوارس بجلابيبهم وقمصانهم البيضاء، كنت الوحيد الذي يرتدي قميصا طويلا أسود, الجميع يتبادل تهاني العيد وأنا أسير وحيدا شاردا ومن حين لآخر أطلع على شاشة الهاتف علني أجد رسالة أو مكالمة واردة ربما لم أنتبه إليها , وأعود لشرودي الذي لم أنتبه منه إلا على مكالمة من وحيدتي تبارك لي العيد بنبرة لم أعدها منها, نبرة يغلب عليها الحزن حاولت أن أرد عليها دون أن أشعرها بحزني والقلب ينفطر من شدة الكمد واعدا إياها بأن أحضر لرؤيتها بعد الصلاة , أغلقت الهاتف وسافرت بروحي وعقلي صوب الشمال على بعد عشرات الكيلومترات حيث تستقر نفسي بواد امتزجت مياهه بروحها ونفسها، وكلي شوق في أن تغسل مياهه الحزن الذي يسكنني ولم أنتبه إلا على صوت المصلين وهم يرددون ( الله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد ) تسبيح يردده المصلون قبل الصلاة يوم العيد, اخترت مكانا قرب شيخ تبدو عليه علامات الوقار والتقوى سلمت عليه وباركت له العيد وطلبت منه أن يدعو لي, أصوات المصلين ترتفع بالتكبير والتسبيح وأنا أكبر وأسبح معهم ودموعي تسيل مبللة صدر قميصي من جراء الجو الروحاني الذي يخيم على المكان وكذا الحزن الذي ينتابني، انتبه الشيخ إلى ذلك ( الله معك بني, الظاهر أنك تحمل جبلا من الهموم, أسأل الله أن يفرج عنك، لا تحزن بني فكلما اشتد الكرب فذاك علامة قرب الفرج ), كلمات أدخلت بعض الطمأنينة على قلبي … لكن هيهات.. هيهات ..فبمجرد انتهاء الصلاة عاودني الحزن وبشدة، وأنا أعلم بأنني سأعود لوحدتي ولن أمارس طقوسي التي اعتدت عليها صبيحة كل عيد .
في مثل هذا اليوم من كل عيد وبعد انتهاء الصلاة كنت أستعجل العودة إلى بيتي أو بيت أصهاري بعد أن أمر على مخبزة أحمل منها بعض الحلويات لأشارك صغيرتي ووحيدتي شغبا خاصا على مائدة الإفطار … عدت منكسرا إلى وحدتي وقلبي ينزف وتفكيري مشتت بين الحزن الذي أحسسته في نبرات ابنتي والتفكير في طفلة يتيمة فسحت لها مكانا في حياتي, أتساءل كيف أصبحت؟ أحسست برغبة كبيرة في الاتصال بها عبر الهاتف أريد الاطمئنان عليها،وكلما هممت بالاتصال أتذكر رجاءها بأن لا أتصل بها وأن احترم رغبتها وأن أتركها لحزنها الذي تعيشه كل صبيحة عيد …الخوف والحزن سكاكين تنغرس في قلبي , يا الهي كيف لي أن أطمئن عليها وأنا أستطيع ذلك وفي نفس الوقت لا أستطيع .. حيرة كبيرة .. صداع في الرأس .. ضيق في التنفس لا شهية لي , بل لا أحس بالجوع .. أستعجل الدقائق لأرى ابنتي، الساعة الآن التاسعة .. ربي امنحني الصبر لأنني لا أستحمل انتظار مرور الستون دقيقة المتبقية على لقائها.. ساعة كأنها الدهر.. سافر تفكيري مرة أخرى إلى الواد الرقراق
كيف حال أميرته الآن .. هل هي نائمة ؟ مستيقظة ؟ كيف هي حالتها الصحية ؟ اختناق في الصدر وغصة في الحلق وقلب أحس به ينخلع من مكانه من حدة نبضاته المتسارعة خوفا عليها.. أخاف أن أعود للبيت الآن وللوحدة القاتلة… الشوارع بدأت تقل فيها الحركة بعد أن التحق المصلون ببيوتهم وأهاليهم .. وحدة في البيت .. وحدة في الشارع .. وحدة في الحياة … وحدة وأنا وحدي ووحدة وأنا في الزحام … يا رب ما هذا الإحساس الذي يقتلني.. حاولت مرة أخرى أن أتصل بطفلتي الأخرى لكنني أتراجع أمام وعدي الذي قطعته لها.. الساعة العاشرة، وجه ملائكي أمامي وابتسامة عريضة على شفتين قرمزيتين انشرح لها صدري وعينين زادهما الحزن جمالا وعمقا, فتحت ذراعي, فتحت ذراعيها, ضممتها إلى صدري بقوة ولوقت طويل.. أمسكت بوجهها الطفولي بين يدي أتأمله شعرت بوخز في قلبي حين رأيت دموعها الصامتة والتي تقول الكثير والتي تترجم جبلا من الحنان… حاولنا مشاغبة بعضنا البعض كل بطريقته أملا في خلق جو من البهجة وفي خلق جو يليق بيوم عيد, لم نستطع التمثيل أكثر, طلبت منها أن تلتحق بوالدتها وخالاتها لتشاركهم مائدة الإفطار ضممتها إلى صدري مرة أخرى وبقوة أكثر من سابقتها وطبعت قبلة على خدها المبتل بالدموع والتي لازالت ملوحتهما على شفتي … تمالكت نفسي حتى لا أزيد من حزنها, رغم أني أحبس شلالا من الدموع.. أغلقت الباب من ورائها .. لم أقوى على الابتعاد كثيرا، استندت على الحائط وأطلقت العنان لشلال الدموع الذي كنت أحبس انفلاته…. كيف هو حال طفلتي الأخرى التي
دخلت حياتي وغيرتها رأسا على عقب , ماذا تفعل الآن ؟ … قوة غريبة تدفعني لملاقاتها والاطمئنان عليها, نفس القوة حملتني دون تفكير إلى محطة القطار وما هي إلا دقائق حتى كنت أمام شباك التذاكر ( تذكرة إلى سلا من فضلك ) موعد القطار على بعد عشرين دقيقة… الرصيف خال من المسافرين الا من القليل منهم.. عدت لوحدتي وأنا أقطع طول الرصيف ذهابا وإيابا ولا رفيق لي سوى هواجسي وخوفي على أعز طفلتين في الكون بالنسبة لي … لم يقطع تفكيري غير تساؤل تبادر إلى ذهني , هل سفري سيدخل الفرحة على قلب أميرة الرقراق كما أحب أن أناديها أم أنه سيزيد من كآبتها وحزنها ومتاعبها.. لا أدري ما يقع لي هذا الصباح وأنا أفكر في أمر السفر أشياء غريبة لكن أظن أنها ليست اعتباطية وأنا أفكر كما قلت في أمر السفر سمعت صوتا اهتز له قلبي صوت يشبه صوت والدتي رحمها الله , صوت أشتاق إليه كثيرا وأشتاق لصاحبته أكثر صوت يقول لي ( بني لا تسافر .. لا تنغص على الأميرة يوم العيد عليك أن تفي بوعدك الذي قطعته لها ) قلت ما يقع ليس اعتباطا وهذا ما سيتبين فيما بعد.. حملني الشوق إلى والدتي .. وتذكرت الحزن الذي رأيته في عيون وحيدتي وكذا الحزن الذي رأيته في عيون أميرتي وعتابها ورغبتها في أن أتركها لحزنها.. ضاقت بي الدنيا كرهت الحياة, نظرت إلى التذكرة التي بيدي وفي لحظة ضعف سمعت من يوسوس لي في أذني ( لا تعد لوحدتك عليك بالسفر.. لديك تذكرة واحدة للذهاب، ولديك قطار واحد سيدخل المحطة قريبا ولديك وجهتين أولهما حيث تنوي الذهاب, وثانيهما السفر إلى عالم لا تحتاج معه إلى تذكرة عودة .. تذكرة واحدة وقطار واحد كلاهما يوصلانك إلى إحدى الوجهتين .. لا تعد إلى حزنك القطار قادم اختر بسرعة هل السفر إلى الطفلة الأميرة أم السفر الى عالم لا عودة منه .. لا تعد إلى وحدتك لا تعد .. ) انتابني فزع شديد هرعت إلى الشباك طلبت من الموظف استعادة ثمن التذكرة .. تذكرت صوت والدتي تمنيت لو أنني الآن أتوسد ركبتيها وهي تمرر يدها على رأسي وتخلل بأصابعها شعري وأنا أشكو لها حالي .. ياااااااه كم أشتاق إليك أمي .. قفزت في أول طاكسي ( مقبرة الغفران من فضلك ) .. الساعة الآن حوالي الثانية عشرة والنصف تقريبا المقبرة تعج بالزوار وبالمشيعين لأموات اختارهم الله إلى جواره هذه الصبيحة , في خضم هذا الزحام سابقت الريح والزمن بخطى سريعة أريد الوصول إلى قبرها لم أعد أنتبه للضوضاء ولا لوجود الناس كأني الوحيد بالمقبرة طلبت من أحد الأشخاص الذين يقتاتون من تنقية تربة القبور ويبيعون ماء الود بأن يمدني بقنينة من ماء الورد … لاحت لي وأنا أتخيل وجهها الصبوح ابتسامتها الرائعة.. هل أعانقها وكيف لي بذلك .. ركعت على تربتها أقبلها أفرغت قنينة الورد عليها عدت لتقبيلها ودموعي تمتزج بماء الورد مرغت وجهي بها وأنا أبكي في صمت… دعوت لها بالرحمة بعد قراءة آيات من الذكر الحكيم ..عدت ووضعت رأسي على القبر وأتخيل بأنني أتوسد ركبتها ,أخذت أشكو لها همومي وأحزاني ودموعي الحارة على خدي … لم أشعر بالوقت يمر ولا أحس بمن حولي .. لم يخرجني من هذا الجو إلا رسالة هاتفية من طفلة الرقراق تبارك لي العيد وتطمئن علي … وبعد أن قمت بالرد عليها شعرت ببعض الاطمئنان على الأقل هي بخير… أحسست بالجوع لأول مرة هذا اليوم والساعة وقتها الواحدة والنصف ودعت والدتي بقبلة على تربتها ودموع في مقلتي.. وما هي إلا لحظات حتى توصلت برسالة أخرى من طفلة الرقراق تطلب مني أن لا أتصل بها لأنها تريد الاختلاء بحزنها وأنها ستغلق الهاتف.. عاودني الحزن .. أين سأذهب الآن والدتي وقد ودعتها ابنتي لا أريد أن أفسد عليها جو العيد لو حاولت الذهاب إليها .. طفلتي الأخرى ازداد خوفي عليها ولا يمكنني الاتصال بها .. الجوع يزداد، المحلات التجارية لا توجد قرب المقبرة .. أريد إطفاء رغبتي ليس اشتهاء لكن حتى أقوى على السير لأن رجلاي لم تعودا تقويان على حملي ولم تعد لي القوة.. اشتريت كعكا من شخص يفترش الأرض بسلعته قرب المقبرة تناولته دون أن أعرف مدى صلاحيته .. عدت لحزني والكمد يقتلني أين سأقضي النهار ؟ أين سأهرب من حزني ووحدتي
يا الهي رفقا بي .. تذكرت حبيبي البحر تذكرت الحبيب الذي لا يمل شكواي.. توجهت إليه ولا رغبة لي في الجلوس بأي مقهى, لا أعرف كيف أخذتني رجلاي إلى صخرة قرب ضريح سيدي عبد الرحمان صخرة لم أجلس بها مند سنين عدة، صخرة اعتدت قبل عدة سنوات أن أذهب إليها رفقة رفيق دربي في الطفولة والدراسة والنضال توأم روحي المرحوم علي، لممارسة هواية صيد الأسماك .. الضريح خال من الزوار إلا من بعض المسنات ربما هن المكلفات بالضريح، جو موحش , البحر أمواجه عالية بعض الشيء , المياه لا تبدو زرقاء صافية .. تذكرت وجه توأم روحي وابتسامته, تذكرت شغبنا ونحن بالصخرة.. تذكرت يوم دفعني إلى البحر بثيابي وهو يضحك .. تذكرت مشاركاتنا في الاحتجاجات والإضرابات الطلابية في الثانوية والجامعة … تذكرت عهدنا بأن لا نفترق وأن نسير في درب النضال إلى النهاية .. وأنا أتذكر كل هذا لاح لي طيفه ونظرات عتاب في عينيه كأنها تقول لي لماذا لم تكمل السير في الطريق الذي رسمناه معا أين وعدنا الذي تواعدنا عليه.. أجبته ولا أدري هل فعلا كنت أكلمه جهرا أم كنت أتكلم سرا (أنت من أخل بالوعد يا توأم الروح أنت من تركني أكمل الطريق لوحدي وأنت تعرف أننا نستمد قوتنا من بعضنا ومن تواجدنا جنبا إلى جنب .. ) وأنا أناجيه لاح لي طيف والدتي رحمها الله في الأفق وهي تسرع الخطى للوصول إلى البحر… يا الهي طيفان لأعز إنسانين أمامي .. واحد يعاتبني وطيف يربت على كتفي يواسيني.. رباه أريد معانقتهما ولا أستطيع .. ما هذا يا الهي طيف ابنتي والدموع على خديها.. طيف أميرتي والحزن في عينيها .. طيفان بجانبي وطيفان أمامي يتراجعان بخطوات إلى الوراء إلى عمق البحر ( أمي , علي, أرجوكما لا تتركاني لا أستحمل البعاد لا أريد العودة إلى وحدتي.. ) لوحا لي بأيديهما وتوغلا أكثر في عمق البحر.. بحثت عن طيفي طفلتيّ بجانبي لم أجدهما .. لا أريد البقاء وحدي لا أستحمل وحدتي . نفس الصوت الذي وسوس لي في أذني بمحطة القطار عاود الوسوسة ( ما يمنعك من الالتحاق بأمك وتوأم روحك علي وتترك طفلتيك بسلام ولا تنغص عليهما حياتهما, ما يمنعك ؟ تشجع لا يفصلك عن العالم الآخر غير هذا الحاجز الرملي وسترتاح وستريح من تحبه ويحبك..) ياااااااااه يا ربي ما الذي يقع لي ؟ ما هذا الإحساس الغريب الذي يسيطر على تفكيري .. ما هذا الإحساس الذي يؤرقني ويطبق على صدري, و أنا في هذه الحالة من اليأس والضعف سمعت صوتين بداخلي أعرفهما صوت ابنتي وصوت أميرة الرقراق ( لا يحق لك أن تتصرف في حياتك ؟ حياتك لم تعد ملك لك، إنها أصبحت ملك لنا .. لا تكن أنانيا وجبانا وتسرق منا حياتك التي هي حياتنا ) ارتعبت واصطكت أسناني من الخوف وأنا أفكر هل فعلا كنت سأقدم على ما وسوس لي به الهاتف ؟ يا الهي لم هذا الضعف لماذا لا أستحمل من أجل أغلى طفلتين في العالم بالنسبة لي ؟ فجأة ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي وأنا أقول يا لسخرية للقدر حتى حياتي لا أملك التصرف فيها ولا أستطيع أن أفعل بها ما أشاء سقطت دمعة شعرت بها كأنها ترسم أخدودا غائرا على خدي .. لا مفر لي من الوحدة لا مفر لي من الحزن لا أملك سوى حزني ووحدتي وقلب نقي جريح نعم هذا كل ما أملك و لا يمكنني التخلص منه لا بالبيع ولا حتى بالهبة أملك سلعة بائرة لا أحد يرغب في امتلاكها سلعة علي أن أبقي عليها وأن أؤدي عليها ضريبة التعاسة ما تبقى من حياتي ( من يشتري حزني ووحدتي وقلب جريح , من يريد أن أهبه ممتلكاتي التعيسة من ؟ افتتح المزاد ألا أونا ألا دوي ألا ثري من يفتتح المزاد من ؟ ) ما هذا الهراء الذي انتابني هل هي بوادر الجنون !!!!!!!! ؟؟؟؟؟؟ .. لا أحتمل نفسي و لا أدري أين سأذهب, حتى البحر حبيبي ضاق بي, عدت أجر قدمي المثقلتين وحزن رهيب يسكنني
عدت إلى مصيري ووحدتي إلى بيتي أضمد جراحي لوحدي وكلي شوق بأن أطمئن على طفلتين هما كل حياتي.
غادرت الفرحة دنياي, وأخذت معها الابتسامة وخلفت جفافا على الشفاه وغصة في الحلق وجمارا في الصدر وجرحا نازفا في القلب ويا ليت القلب يتحمل.
خربشات على هامش يوم العيد
عقارب الساعة تشير الآن إلى السابعة والنصف صباحا من يوم جديد , يوم لا ككل الأيام انه يوم عيد, استيقظت أو قل تركت الفراش حيث كان جسدي ممددا طيلة ليلة بيضاء لم يغمض لي فيها جفن, أصخيت السمع علني أسمع حركة بالبيت أو صوت وحيدتي وهي تنادي ( بابا قم كفاك نوما الناس في طريقها إلى المصلى , قم بابا الكسلان قم ) , سقطت دمعة حارة على خدي , السكون يخيم على المكان لا حركة ولا صوت , فقط كانت لحظات شرود حملتني إلى ماض جميل وقريب , اغتسلت وارتديت ملابسي وقصدت المصلى …. الناس حولي كالنوارس بجلابيبهم وقمصانهم البيضاء، كنت الوحيد الذي يرتدي قميصا طويلا أسود, الجميع يتبادل تهاني العيد وأنا أسير وحيدا شاردا ومن حين لآخر أطلع على شاشة الهاتف علني أجد رسالة أو مكالمة واردة ربما لم أنتبه إليها , وأعود لشرودي الذي لم أنتبه منه إلا على مكالمة من وحيدتي تبارك لي العيد بنبرة لم أعدها منها, نبرة يغلب عليها الحزن حاولت أن أرد عليها دون أن أشعرها بحزني والقلب ينفطر من شدة الكمد واعدا إياها بأن أحضر لرؤيتها بعد الصلاة , أغلقت الهاتف وسافرت بروحي وعقلي صوب الشمال على بعد عشرات الكيلومترات حيث تستقر نفسي بواد امتزجت مياهه بروحها ونفسها، وكلي شوق في أن تغسل مياهه الحزن الذي يسكنني ولم أنتبه إلا على صوت المصلين وهم يرددون ( الله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد ) تسبيح يردده المصلون قبل الصلاة يوم العيد, اخترت مكانا قرب شيخ تبدو عليه علامات الوقار والتقوى سلمت عليه وباركت له العيد وطلبت منه أن يدعو لي, أصوات المصلين ترتفع بالتكبير والتسبيح وأنا أكبر وأسبح معهم ودموعي تسيل مبللة صدر قميصي من جراء الجو الروحاني الذي يخيم على المكان وكذا الحزن الذي ينتابني، انتبه الشيخ إلى ذلك ( الله معك بني, الظاهر أنك تحمل جبلا من الهموم, أسأل الله أن يفرج عنك، لا تحزن بني فكلما اشتد الكرب فذاك علامة قرب الفرج ), كلمات أدخلت بعض الطمأنينة على قلبي … لكن هيهات.. هيهات ..فبمجرد انتهاء الصلاة عاودني الحزن وبشدة، وأنا أعلم بأنني سأعود لوحدتي ولن أمارس طقوسي التي اعتدت عليها صبيحة كل عيد .
في مثل هذا اليوم من كل عيد وبعد انتهاء الصلاة كنت أستعجل العودة إلى بيتي أو بيت أصهاري بعد أن أمر على مخبزة أحمل منها بعض الحلويات لأشارك صغيرتي ووحيدتي شغبا خاصا على مائدة الإفطار … عدت منكسرا إلى وحدتي وقلبي ينزف وتفكيري مشتت بين الحزن الذي أحسسته في نبرات ابنتي والتفكير في طفلة يتيمة فسحت لها مكانا في حياتي, أتساءل كيف أصبحت؟ أحسست برغبة كبيرة في الاتصال بها عبر الهاتف أريد الاطمئنان عليها،وكلما هممت بالاتصال أتذكر رجاءها بأن لا أتصل بها وأن احترم رغبتها وأن أتركها لحزنها الذي تعيشه كل صبيحة عيد …الخوف والحزن سكاكين تنغرس في قلبي , يا الهي كيف لي أن أطمئن عليها وأنا أستطيع ذلك وفي نفس الوقت لا أستطيع .. حيرة كبيرة .. صداع في الرأس .. ضيق في التنفس لا شهية لي , بل لا أحس بالجوع .. أستعجل الدقائق لأرى ابنتي، الساعة الآن التاسعة .. ربي امنحني الصبر لأنني لا أستحمل انتظار مرور الستون دقيقة المتبقية على لقائها.. ساعة كأنها الدهر.. سافر تفكيري مرة أخرى إلى الواد الرقراق
كيف حال أميرته الآن .. هل هي نائمة ؟ مستيقظة ؟ كيف هي حالتها الصحية ؟ اختناق في الصدر وغصة في الحلق وقلب أحس به ينخلع من مكانه من حدة نبضاته المتسارعة خوفا عليها.. أخاف أن أعود للبيت الآن وللوحدة القاتلة… الشوارع بدأت تقل فيها الحركة بعد أن التحق المصلون ببيوتهم وأهاليهم .. وحدة في البيت .. وحدة في الشارع .. وحدة في الحياة … وحدة وأنا وحدي ووحدة وأنا في الزحام … يا رب ما هذا الإحساس الذي يقتلني.. حاولت مرة أخرى أن أتصل بطفلتي الأخرى لكنني أتراجع أمام وعدي الذي قطعته لها.. الساعة العاشرة، وجه ملائكي أمامي وابتسامة عريضة على شفتين قرمزيتين انشرح لها صدري وعينين زادهما الحزن جمالا وعمقا, فتحت ذراعي, فتحت ذراعيها, ضممتها إلى صدري بقوة ولوقت طويل.. أمسكت بوجهها الطفولي بين يدي أتأمله شعرت بوخز في قلبي حين رأيت دموعها الصامتة والتي تقول الكثير والتي تترجم جبلا من الحنان… حاولنا مشاغبة بعضنا البعض كل بطريقته أملا في خلق جو من البهجة وفي خلق جو يليق بيوم عيد, لم نستطع التمثيل أكثر, طلبت منها أن تلتحق بوالدتها وخالاتها لتشاركهم مائدة الإفطار ضممتها إلى صدري مرة أخرى وبقوة أكثر من سابقتها وطبعت قبلة على خدها المبتل بالدموع والتي لازالت ملوحتهما على شفتي … تمالكت نفسي حتى لا أزيد من حزنها, رغم أني أحبس شلالا من الدموع.. أغلقت الباب من ورائها .. لم أقوى على الابتعاد كثيرا، استندت على الحائط وأطلقت العنان لشلال الدموع الذي كنت أحبس انفلاته…. كيف هو حال طفلتي الأخرى التي
دخلت حياتي وغيرتها رأسا على عقب , ماذا تفعل الآن ؟ … قوة غريبة تدفعني لملاقاتها والاطمئنان عليها, نفس القوة حملتني دون تفكير إلى محطة القطار وما هي إلا دقائق حتى كنت أمام شباك التذاكر ( تذكرة إلى سلا من فضلك ) موعد القطار على بعد عشرين دقيقة… الرصيف خال من المسافرين الا من القليل منهم.. عدت لوحدتي وأنا أقطع طول الرصيف ذهابا وإيابا ولا رفيق لي سوى هواجسي وخوفي على أعز طفلتين في الكون بالنسبة لي … لم يقطع تفكيري غير تساؤل تبادر إلى ذهني , هل سفري سيدخل الفرحة على قلب أميرة الرقراق كما أحب أن أناديها أم أنه سيزيد من كآبتها وحزنها ومتاعبها.. لا أدري ما يقع لي هذا الصباح وأنا أفكر في أمر السفر أشياء غريبة لكن أظن أنها ليست اعتباطية وأنا أفكر كما قلت في أمر السفر سمعت صوتا اهتز له قلبي صوت يشبه صوت والدتي رحمها الله , صوت أشتاق إليه كثيرا وأشتاق لصاحبته أكثر صوت يقول لي ( بني لا تسافر .. لا تنغص على الأميرة يوم العيد عليك أن تفي بوعدك الذي قطعته لها ) قلت ما يقع ليس اعتباطا وهذا ما سيتبين فيما بعد.. حملني الشوق إلى والدتي .. وتذكرت الحزن الذي رأيته في عيون وحيدتي وكذا الحزن الذي رأيته في عيون أميرتي وعتابها ورغبتها في أن أتركها لحزنها.. ضاقت بي الدنيا كرهت الحياة, نظرت إلى التذكرة التي بيدي وفي لحظة ضعف سمعت من يوسوس لي في أذني ( لا تعد لوحدتك عليك بالسفر.. لديك تذكرة واحدة للذهاب، ولديك قطار واحد سيدخل المحطة قريبا ولديك وجهتين أولهما حيث تنوي الذهاب, وثانيهما السفر إلى عالم لا تحتاج معه إلى تذكرة عودة .. تذكرة واحدة وقطار واحد كلاهما يوصلانك إلى إحدى الوجهتين .. لا تعد إلى حزنك القطار قادم اختر بسرعة هل السفر إلى الطفلة الأميرة أم السفر الى عالم لا عودة منه .. لا تعد إلى وحدتك لا تعد .. ) انتابني فزع شديد هرعت إلى الشباك طلبت من الموظف استعادة ثمن التذكرة .. تذكرت صوت والدتي تمنيت لو أنني الآن أتوسد ركبتيها وهي تمرر يدها على رأسي وتخلل بأصابعها شعري وأنا أشكو لها حالي .. ياااااااه كم أشتاق إليك أمي .. قفزت في أول طاكسي ( مقبرة الغفران من فضلك ) .. الساعة الآن حوالي الثانية عشرة والنصف تقريبا المقبرة تعج بالزوار وبالمشيعين لأموات اختارهم الله إلى جواره هذه الصبيحة , في خضم هذا الزحام سابقت الريح والزمن بخطى سريعة أريد الوصول إلى قبرها لم أعد أنتبه للضوضاء ولا لوجود الناس كأني الوحيد بالمقبرة طلبت من أحد الأشخاص الذين يقتاتون من تنقية تربة القبور ويبيعون ماء الود بأن يمدني بقنينة من ماء الورد … لاحت لي وأنا أتخيل وجهها الصبوح ابتسامتها الرائعة.. هل أعانقها وكيف لي بذلك .. ركعت على تربتها أقبلها أفرغت قنينة الورد عليها عدت لتقبيلها ودموعي تمتزج بماء الورد مرغت وجهي بها وأنا أبكي في صمت… دعوت لها بالرحمة بعد قراءة آيات من الذكر الحكيم ..عدت ووضعت رأسي على القبر وأتخيل بأنني أتوسد ركبتها ,أخذت أشكو لها همومي وأحزاني ودموعي الحارة على خدي … لم أشعر بالوقت يمر ولا أحس بمن حولي .. لم يخرجني من هذا الجو إلا رسالة هاتفية من طفلة الرقراق تبارك لي العيد وتطمئن علي … وبعد أن قمت بالرد عليها شعرت ببعض الاطمئنان على الأقل هي بخير… أحسست بالجوع لأول مرة هذا اليوم والساعة وقتها الواحدة والنصف ودعت والدتي بقبلة على تربتها ودموع في مقلتي.. وما هي إلا لحظات حتى توصلت برسالة أخرى من طفلة الرقراق تطلب مني أن لا أتصل بها لأنها تريد الاختلاء بحزنها وأنها ستغلق الهاتف.. عاودني الحزن .. أين سأذهب الآن والدتي وقد ودعتها ابنتي لا أريد أن أفسد عليها جو العيد لو حاولت الذهاب إليها .. طفلتي الأخرى ازداد خوفي عليها ولا يمكنني الاتصال بها .. الجوع يزداد، المحلات التجارية لا توجد قرب المقبرة .. أريد إطفاء رغبتي ليس اشتهاء لكن حتى أقوى على السير لأن رجلاي لم تعودا تقويان على حملي ولم تعد لي القوة.. اشتريت كعكا من شخص يفترش الأرض بسلعته قرب المقبرة تناولته دون أن أعرف مدى صلاحيته .. عدت لحزني والكمد يقتلني أين سأقضي النهار ؟ أين سأهرب من حزني ووحدتي
يا الهي رفقا بي .. تذكرت حبيبي البحر تذكرت الحبيب الذي لا يمل شكواي.. توجهت إليه ولا رغبة لي في الجلوس بأي مقهى, لا أعرف كيف أخذتني رجلاي إلى صخرة قرب ضريح سيدي عبد الرحمان صخرة لم أجلس بها مند سنين عدة، صخرة اعتدت قبل عدة سنوات أن أذهب إليها رفقة رفيق دربي في الطفولة والدراسة والنضال توأم روحي المرحوم علي، لممارسة هواية صيد الأسماك .. الضريح خال من الزوار إلا من بعض المسنات ربما هن المكلفات بالضريح، جو موحش , البحر أمواجه عالية بعض الشيء , المياه لا تبدو زرقاء صافية .. تذكرت وجه توأم روحي وابتسامته, تذكرت شغبنا ونحن بالصخرة.. تذكرت يوم دفعني إلى البحر بثيابي وهو يضحك .. تذكرت مشاركاتنا في الاحتجاجات والإضرابات الطلابية في الثانوية والجامعة … تذكرت عهدنا بأن لا نفترق وأن نسير في درب النضال إلى النهاية .. وأنا أتذكر كل هذا لاح لي طيفه ونظرات عتاب في عينيه كأنها تقول لي لماذا لم تكمل السير في الطريق الذي رسمناه معا أين وعدنا الذي تواعدنا عليه.. أجبته ولا أدري هل فعلا كنت أكلمه جهرا أم كنت أتكلم سرا (أنت من أخل بالوعد يا توأم الروح أنت من تركني أكمل الطريق لوحدي وأنت تعرف أننا نستمد قوتنا من بعضنا ومن تواجدنا جنبا إلى جنب .. ) وأنا أناجيه لاح لي طيف والدتي رحمها الله في الأفق وهي تسرع الخطى للوصول إلى البحر… يا الهي طيفان لأعز إنسانين أمامي .. واحد يعاتبني وطيف يربت على كتفي يواسيني.. رباه أريد معانقتهما ولا أستطيع .. ما هذا يا الهي طيف ابنتي والدموع على خديها.. طيف أميرتي والحزن في عينيها .. طيفان بجانبي وطيفان أمامي يتراجعان بخطوات إلى الوراء إلى عمق البحر ( أمي , علي, أرجوكما لا تتركاني لا أستحمل البعاد لا أريد العودة إلى وحدتي.. ) لوحا لي بأيديهما وتوغلا أكثر في عمق البحر.. بحثت عن طيفي طفلتيّ بجانبي لم أجدهما .. لا أريد البقاء وحدي لا أستحمل وحدتي . نفس الصوت الذي وسوس لي في أذني بمحطة القطار عاود الوسوسة ( ما يمنعك من الالتحاق بأمك وتوأم روحك علي وتترك طفلتيك بسلام ولا تنغص عليهما حياتهما, ما يمنعك ؟ تشجع لا يفصلك عن العالم الآخر غير هذا الحاجز الرملي وسترتاح وستريح من تحبه ويحبك..) ياااااااااه يا ربي ما الذي يقع لي ؟ ما هذا الإحساس الغريب الذي يسيطر على تفكيري .. ما هذا الإحساس الذي يؤرقني ويطبق على صدري, و أنا في هذه الحالة من اليأس والضعف سمعت صوتين بداخلي أعرفهما صوت ابنتي وصوت أميرة الرقراق ( لا يحق لك أن تتصرف في حياتك ؟ حياتك لم تعد ملك لك، إنها أصبحت ملك لنا .. لا تكن أنانيا وجبانا وتسرق منا حياتك التي هي حياتنا ) ارتعبت واصطكت أسناني من الخوف وأنا أفكر هل فعلا كنت سأقدم على ما وسوس لي به الهاتف ؟ يا الهي لم هذا الضعف لماذا لا أستحمل من أجل أغلى طفلتين في العالم بالنسبة لي ؟ فجأة ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي وأنا أقول يا لسخرية للقدر حتى حياتي لا أملك التصرف فيها ولا أستطيع أن أفعل بها ما أشاء سقطت دمعة شعرت بها كأنها ترسم أخدودا غائرا على خدي .. لا مفر لي من الوحدة لا مفر لي من الحزن لا أملك سوى حزني ووحدتي وقلب نقي جريح نعم هذا كل ما أملك و لا يمكنني التخلص منه لا بالبيع ولا حتى بالهبة أملك سلعة بائرة لا أحد يرغب في امتلاكها سلعة علي أن أبقي عليها وأن أؤدي عليها ضريبة التعاسة ما تبقى من حياتي ( من يشتري حزني ووحدتي وقلب جريح , من يريد أن أهبه ممتلكاتي التعيسة من ؟ افتتح المزاد ألا أونا ألا دوي ألا ثري من يفتتح المزاد من ؟ ) ما هذا الهراء الذي انتابني هل هي بوادر الجنون !!!!!!!! ؟؟؟؟؟؟ .. لا أحتمل نفسي و لا أدري أين سأذهب, حتى البحر حبيبي ضاق بي, عدت أجر قدمي المثقلتين وحزن رهيب يسكنني
عدت إلى مصيري ووحدتي إلى بيتي أضمد جراحي لوحدي وكلي شوق بأن أطمئن على طفلتين هما كل حياتي.
غادرت الفرحة دنياي, وأخذت معها الابتسامة وخلفت جفافا على الشفاه وغصة في الحلق وجمارا في الصدر وجرحا نازفا في القلب ويا ليت القلب يتحمل.
تعليق