تكسر!
أسلمتني ذكريات عبقت بفكري، إلى عالم من الأوهام، كيف أستعيد بقايا حب كان يوما ما يتربع على عرش قلبي؟ فاستبدلته بكم من الأحزان والآلام .
ملت برأسي المترنحة وكأني مخمور، وأنا الذي لم أعب كأسا بحياتي ، خمرة العشق هي التي أفقدتني رشدي ، فاطمة العصفور المهاجر، الذي يأتي من الجنوب من ( ناحية الغراف) ذات الجمال السومري, وذاك السحر الأخاذ يغرق بيم عشقها من لا يجيد العوم.. وأنا أول من رمتني بسهم عين ناعسة ، ونظرة مدنفة ،خلبت لبي و أطارت عقلي.
التقيت بها صدفة في بيت أحد معارفي. حفلة عائلية كنت مدعوا إليها ، المدعوون في هرج ومرج منشغلون ، يضحكون يتبادلون النكات، إلا أنا وهي، فكأننا في عالم آخر لا نسمع و لا نرى فيه أحدا سوانا،
.. ثقيلة هي كلمات البداية، لم أستطع أن أثبت في مكاني، راحت الأرض تميد بي, من يمدني بالشجاعة؟ من يعطيني القوة على الثبات وهذه الأرض رخوة ...؟ الصعود إلى القمة هو امتطاء عنقاء الجرأة. وأنا الذي ماكلمت أنثى ..! أي امتحان عسير؟
أضرمت في جسدي نيران لا يمكن احتمال سعيرها، حميا تستعر في قلبي ، أيقظت على طرف لساني كلمة فبدت وكأنها حالة احتضار.
- ما اسمك؟!
- فاطمة
طرق سمعي صوتها كأني، طرت أعانق النجوم، كان الصوت يثير بي رغبة في التحليق إلى عنان السماء، في عينيها كلام مخملي، في خطاها الواثقة يكمن سر إلهي، من أي النساء تكون؟
سألت نفسي: " أيمكن لكل هذا الجمال أن يشفق على بائس مثلي؟ "
من لي غير كوكب الشرق تثير شجوني في دنيا الخيال.. ( ويد تمتد نحوي كيد مدت لغريق .. وبريق يظمأ الساري له أين في عينيك ذياك البريق)
آه يا عمري زيدي وجعي .
دعيني أرسم الحب على لوحاتي الجامدة فأبث بها الحياة .
دعيني أطوع فرشاتي بألوان وردية محمرة فيها ألق من لون خدك وتلألأ عينيك، أرسم شعرك المتموج انعكاسا لأشعة الشمس الذهبية تتكئ على صفحات مياه متكسرة ، أرسم تلك الرموش على مروج عينيك كحلا تكتحلين به كما تكتحل ضفتي نهر الغراف بالأشجار.
كنت أقف قرب الباب وقد أرقني ثقل النعاس. طرقت الباب بحياء .. أي عذر أقوله وقد تشابك الكلام في رأسي وارتجت علي حتى البدايات.. أم أحمد تقف خلف الباب متلفعة بعباءتها.. قابلتني بابتسامة.. أذهبت بعض من حيائي سألتها بتردد ( حاتم هنا؟) مجرد عذر.. يبرر مجيئي هزت رأسها بالنفي.. وقبل أن أرجع همست-: خدمة :أريدك أن تسديها لي .. أن تأخذ فاطمة إلى الباب الشرقي لها شغل تريد أن تقضيه .
أصدق مقالتها ؟
لملمت بقايا من شجاعتي وداريت فرحتي بالتحجج، لكنها توسلت فقبلت ،
خرجنا مع القمر، نسير بمحاذاة بعض، تمس يدي يدها دون قصد فتسري بجسدي قشعريرة، ونمضي الطريق هي تستحضر بداخلها الكلام وأنا أبحث عن مدخل للحديث، جلسنا على ضفة النهر. بدأ الكلام يدب دبيبا ، ثم راح سؤال يجر سؤال،وتكرر اللقاء يوما بعد آخر وبدأ لحن الحب يعزف سيمفونيته بأوتار قلبينا.. يتماوج الماء بتناغم وشاعرية المكان والزمان، فينساب شلال من المشاعر الوجدانية بداخلي .
كنا نعيش حالة عشق غارقين بأحلامنا ، حتى صار حبنا مدار حديث ولغط بين الأقارب ، لم نقل شيئا لكن عيوننا كانت تنطق. وصارت رحلتنا اليومية إلى ذات المكان عادة ألفناها، تمتد فرحتنا وامتداد الأفق، ثم تسافر. لأعيش انتظار قاتل..مزيج من الهموم والأحزان والهواجس .. فبعد كل غياب تعود لتبث بروحي أسباب الحياة,
أرافقها إلى إحدى العمارات في ( الباب الشرقي).. كل يوم دون أن أعرف سببا لهذه الزيارة المتكررة و لهذه العمارة بالذات ، سمعت كلاما وتجاهلته بل أوصدت سمعي عن كل ما قيل أو يقال عنها، حتى دبت إلى نفسي الشكوك. وساورتني ريبة، وظنون("لمَ لم تفصح عن سر مجيئها, لمَ تتركني نهبا للشكوك؟")
رحت أسير خلفها ،حذرة هي تضيع بين النسوة تموه عليّ صعودها ،أفقدها بين غابة من الوجوه ، أطالع العيون التي كانت ترنو إلي ّبفضول، لعلها تكون واحدة من تلك النساء،" لكن أين ذهبت.. لا أعرف ؟" اختفت في شقة ما، فليس من تفسير سوى أنها تخون حبي.. نضجت الفكرة لدي، واستسلمت ليأس قاتل أقض مضجعي، اختفت في ذروة اضطرابي، وحاجتي الماسة لمعرفة أي تفسير، لا أحد يعرف عنها شيئا، أردت أن أبعث لها برسالة تجافي حقيقة ما بي من رغبة.. أطلب منها أن نفترق.. فلا أحتمل بعد هذا أي كلام.. من يوصل رسالتي..؟ وأنا الضائع بين متاهات الدروب ...
الحافلة تنهب الطريق، كم تمنيت أن يزيد من سرعته ليصل حد الجنون لأصل إليها كومض البرق. أكثر من أربعمائة كيلومتر، ورأسي تدور فيه الأفكار بلا قرار..تخامرني الشكوك احاول الوصول لنتيجة"أجيبي بصراحة .. أأنت؟" ويختفي السؤال يضيع بين الشك واليقين في دوامة أفكاري ، لا أعرف أحدا هنا ...! فهذه المدينة الصغيرة الغافية على ضفاف النهر، يعرف بعضهم بعضا ( لكن عمن أسأل؟ ومن الذي أسأل؟)
رجعت خالي الوفاض ، أهو ضرب من الجنون أم غباء أسلمني لمثل هذه المغامرة الحمقاء..؟ راح جسدي يتمايل وحركة السيارة وكأني لا أملك أي سيطرة عليه، فقد غلب علي النعاس وأحسست بثقل رأسي وأنا التمس لنفسي عذرا بالنوم
تقلبت في فراشي ،الساعة قاربت الثانية صباحا.. منذ زمن لم أسلم لإغفاءة طويلة، أخذت حبة (فاليوم) لتساعدني على أن أخادع أفكاري وأنام، ولكن دون جدوى.
طرقات خفيفة، أيقظت صمت هذا الليل البهيم، أنصت السمع لهذا الصوت الآتي من خلف الجدران.. تقلبت على حر ناري وأنا أتصيد أي كلمة لأسمعها, همس يرقى إلى سمعي ،يذوب اسمي بين شفاه أنثى
مسترخيا بدا كحلم.. " من .. من القادم بهذا الليل؟" البرد يصل حد النخاع، برد قد لا يشعر به أحد غيري
رأيتها كالقمر، كصحن من مرمر..كقبس من نور
.. فاطمة بدمها ولحمها لم يكن حلما أو هلوسة لأفكار
- فاطمة ماذا هل حدث شيء ..؟
حاولت أن أغلف خوفي وارتباكي بغلظة، وقسوة داريت فيهما ما يعتمر بصدري من شوق وحنين ، ودون أن ينبس أي منا بكلام.. فاضت عيوننا بدمع الشوق والوجد. اقتربت مني شممت عطرها، كدت أضمها إلى صدري أغمضت عيناي، وأنا أذوب في بحر عينيها ، لم تعد قدماي قادرتان على حملي،
كدت أن أكبو وأنا أقترب منها.. فجأة .. سمعت صوت بدا كطرق،
هوى شيء ما على رأسي كصعق، نزعت مني جنين أحلامي وبقايا نشوة متعلق بأذيالها.. أطفأت شموعي التي أوقدتها توا.. برياحها الصفراء الهمجية ، أم أحمد أتت تحمل كل غضبها ورمته بوجهي بصاقا..
سراب لا لم يكن سرابا، شممت عطر ( التي روز ) يفوح منها ذلك العطر الذي أهديته إليها.. رأيتها تدلف في ذلك الزقاق، لحقتها، جذبتها أم أحمد بقوة تعنفها بالكلام، أصواتهن بين لائم ومبرر. توقفتا فجأة، جفلت لتوقفهما.. عينا فاطمة منكسرة، نظرت إلي أم أحمد بشكل مقيت.. وكأنها تريد أن تلتهمني بنظراتها، :
- انظر يا ابن الناس ليس من شيمة ابن العشيرة أن يغرر بفتاة صغيرة.. فاذهب إن الليل ستار.. وإلا ؟ وقبل أن أفتح فمي، سدت الباب بوجهي سمعت فاطمة تبكي
- أنت أمانة عندنا ولن أسمح لأحد أن يمس هذه الأمانة.
تسمرت ساعات وأنا أنتظرها عند باب العمارة.. سمعت رجلان يتحادثان عند البوابة :
-هذه العمارة مشبوهة.. تأففا و مضيا بعد أن أطلقا عليّ رصاصة أصابتني في مقتل.. فقد تأكدت شكوكي.
تبعتها وهي تسير على غير هدى، سرت بحذر ورائها، رأيتها تجلس في ذات المكان الذي كنا نجلس فيه. اقتربت منها داعبت أناملي خصلات شعرها دون شعور، قامت من مكانها، اقتربت مني مسكت بيدي.. رأيت الدموع تنساب من عينيها
- أنا لا أفيدك ، أبحث لك عن فتاة بلا
وضعت يدي على فيها، وندت مني حسرة. كأني أخرجت كل ما في جوفي من هواء
- أعرف كل شيء.. حينها بهتت ورنت لي باستغراب
- تعرف كل شيء يا قلبي .تتعذب عذاباتي . وتكابد ما أكابده، دون أن تشر لي ولو بإشارة حتى... يا لقلبك الكبير؟
وكأني أسلمت نفسي لأمر واقع لابد أن أقبله على ما فيه.
-لأني أحبك
أغلقت سمعي عن كل ما رأيت وسمعت
اقتربت مني همت أن ترمي بجسدها عليّ:
- أ تريد الزواج مني رغم كل ما بي !؟
-نعم, قلتها وشفتاي ترتجفان
-الموت نذير شؤم يرافق كل خطوة أخطوها
وكأن ردة فعل أفرزت حالة من الرفض بداخلي
- عرفت أنك بغي .. وكفى .. وأنا راض بذلك.
ثم شردت بنظراتي عنها. أخاف أن تفضحني عيوني التي اغرورقت بالدمع
كادت عيناها أن تطفر من محاجرها، رمقتني بنظرة قاسية. فأحسست برعب يهز كياني .. - بغي ..! قالتها دون أن أفهم منها رفضا أو تأكيدا ، ثم أطرقت رأسها و مضت دون أن تنبس بأي كلام ،أهي رافضة لكلامي، أم مقرة به؟
حافظت على رباطة جأشي ، أفكاري التي رحت أنوء بها ، صارت كعجلات سيارة تنهب ذلك الطريق الترابي الموحش في صحراء عقلي ..لمن أشكو حالي ، وضعفي وقلة حيلتي .. الليل جثم على صدري ككتلة من الرمال ، تخنقني عبراتي ، أتعكز على الحائط ، كل شيء في بيتنا بدا غير مألوف لي حتى لوحاتي التي رسمتها صارت كأفاع تسعى إلي تريد أن تنقض علي لتغرس أنيابها في جسدي الآيل للانهيار ، خفت أن يصيبني مس من الجنون هربت من الغرفة ، لا أطيق هذا الخوف المركب ، رنوت إلى القمر كأنه يمد إلي خيوط شعاعه الفضي المتموج كخطوط أفعوان تحاول جري لغياهب المجهول بحبال مرعبة ، .. الكرى يثقل جفوني ، وفاطمة لازالت لغز محير يرميني في يم متلاطم الأمواج ، كلماتها كطفيلي ينخر ذاكرتي فيكون له بيتا ومسكنا، منذ أن اعترفت لي بأن في أحشاءها شيئا ما ينمو، كان ثمن لخداع حب أوهمت به وهروب وإنها ماجاءت إلا لتخفي دليل جرمها وتنزع من أحشائها روح تدب فيها حياة ، في هذه العمارة أرادت الخلاص فكان السقوط.
تركتني ورحلت ،ألقت بحمياها على جسدي النحيل ، وأودعت في رأسي جنون من هذيان العشق الذي حرمه عليّ أهلي قبل الغير (أريد أن أتزوجها ! )
انفجر عمي, كبركان :
أتريد .. أن يدنس اسم العائلة ؟!
قال أحدهم متهكما : ستصير ذو القرنين! تعالت ضحكات بدت لي كطنين دبور ، صوت عمي الأجش لازال يصم أذاني ((هددني بأن يهدر دمي .. إذا ما جلبت العار لهم ))
من منا بلا خطيئة .. لازالت تلك الكلمات توقظ بي قدسية من عدالة السماء
يا رب .. ساعدني ! قلتها وأنا أتوجه إليه بالدعاء ،امتد جسدي المحموم على أريكة فارقتها مذ أهدر قلبي عصارات عشقه بسخاء ، أصغيت السمع إلى همس يأتيني ، وكأنه آت من عالم آخر .. أغمضت عيني . عرفت أنها هلوسة سمعية ، جعلتني شبه مجنون!
تعال..تعال .
صوت عذب أسمعه يناديني يشدني إليه.. أرى وجهها الصبوح ألقا ( يبتعد عني كلما ازداد اقترابي منه)... خرجت من البيت قادتني قدماي لمرأب السيارات. أضواء تتراقص أمامي، حركة دائبة من البشر يغذون السير بين ذهاب وإياب .. تغفو فاطمة على إحدى ) ضفتي نهر الغراف نظرت من نافذة السيارة ، هنا يشرق كوكبان .. ربة الجمال فاطمة (عشتار هذا الزمان ) وربة النور الشمس الأزلية .. (شمش )السومريين.
الغبش يثير في النفس نوع من الحبور و الانتعاش،
إلا أنا .. وجد حائر ، وقدم متعبة تنوء بي أثقلها طول الطريق، أتصفح الوجوه ، أرنو إلى صبايا الغراف الباسمة الثغور، قد أرى فاطمة بين تلك الجموع ، أرنو إلى عيون الأطفال البريئة الحالمة المتطلعة إليّ بفضول لعلهم يخبروني في أي بيت من هذه البيوت يهجع حبي المأمول .. أتطلع إلى ضحكات عمال بناء جلسوا على قارعة الطريق ، إلى قطعان الماشية وهي تخترق الشارع
صباح الخير .. تفتح للصباح باب بللوري جديد .. أشاروا لي . هنا من جئت تبحث عنه ..هنا دكان بقالة أبيها .. هنا نهاية العالم تكمن، أو سر سعادة تنشد .. فأما حياة فيها سعادتنا أو ممات إن لم تزف روحي لها. لن أقبل بغير فاطمة بديل . هكذا قررت ، وعزمت
انتظرت .. أكثر من ساعة أنتظر قدوم الرجل . لم تكن ساعة بل كانت دهرا بأكمله .
كأني أجتر كلماتي اجترارا .كأني أتحدث بعد مخاض عسير
:- نعم أنا هو .. قلت له مؤكدا ، بعد أن قدمت نفسي له
:- أو تجرأ أيها الكلب .. وتأتي إلى هنا بقدميك ؟!
كتمت كل صرخة ، خفت أن أقول آه فتتألم فاطمة لألمي ، يا إلهي لا تدع جسمي مملوءًا بكدمات قد يؤذي منظرها فاطمة ، لم ألق مثل هذا الضرب في حياتي كان جسمي ككرة تتقاذفها الأقدام والأيادي, أحسست بشيء يسقط فوق رأسي لينقذني من جرعات الموت البطيئة هذه ، لم أفق إلا وأنا ممدد على سرير في مستشفى المدينة .. ملفوف جسمي كله بلفافات وكمادات ، وكأني مومياء فرعونية.
:- أنظر .. أنت الآن بحماية الشرطة ، وهم بانتظارك ، للإجهاز عليك ، قالت الممرضة وهي تساعدني على القيام ، رأيت في عينيها صدق نظرت من الشباك رأيت رجالا مدججين بالسلاح في عيونهم شر مستطير ، فقلت لها (أتبلغين فاطمة سلامي .. ؟) ضحكت وهي تقول (( يلعن الحب ، أبعد كل هذا!) تحاملت على نفسي اتكأت على الجدران وأنا أسير، الممرضة تسبقني خائفة مضطربة.
متلفع بشرشف ، يخفي مظهري عن العيون ، قادتني إلى مخرج خلف المستشفى لازالت الآنوار تتقاطع متنافرة في محيط الغرفة الأبيض, أأنا.جزء من هذا المكان؟
، أين فاطمة ؟ شدت على يدي ( إنسى فاطمة .. اليوم ستكون طعما لديدان الأرض .. اليوم سيغسل عارها .. وربما لمشيئة الله تبديل ( أضافت بحزن) لو أتيت قبل أن يفتضح أمرها؟ أودعتني .. بعيون متأسية ( لن أذهب .. سأموت معها ) قرأت في عينيها توسل ( اذهب....)
لازال جسدي ثقيل ..لازالت أرى عيون تتطلع نحوي ..أيمكن أن أكون في مكانين في وقت واحد!؟
. أصوات هائجة ولغط وصياح .. بدت تقترب مني أطلقت ساقي للريح ،حاولت الاختباء، إنهم يبحثون عني ، ( لا أستطيع الجري بعد يا إلهي ، تشنجت أقدامي ، استسلمت لقدري .. أحسست برائحة الموت تفوح ، وهم يقتربون ،يصرخون (لقد هرب .. من هنا) .. توزعوا على الطرقات . طوقوني وقف أحدهم قربي بيده سكينا كبيرة تلتمع.( ألم تر ثورا هائجا ) آه ، يا إلهي كاد قلبي أن يتوقف )
جسدي مشدود بحزام على سرير . لازالت روحي تطوف في أماكن شتى .. بين الجسد والروح مسافات كبيرة
ركبت الحافلة .. سرقت أحلامي كلها .. وضاع حبي انطوت كل صفحات عمري . ما الذي أقوله لها ، أأقول إني هربت خوفا من موت ستتجرعينه وحد ك بلا ذنب . نظرت بعين متوجسة إلى الخلف
كي أودع ذلك النهر، الذي حمل يوما ما بكفيه فاطمة ...أودع نخيلا لابد وأن فاطمة, جلست تحت ظلها الظليل.
أودعت قلبي هناك ..فيا ويلي
.صوت يهمس باسمي أتى من داخل الحافلة .. لم يكن بعيد ، صوت خافت خائف مضطرب .. تسلل إلى سمعي من أحد المقاعد
لم تكن هلوسة سمعية ، لم تكن من وحي الخيال .. نعم هي فاطمة بشحمها ودمها ..آه .. أ صدقا ما تراه عيني ؟ لم يكن حلما ، يا حبيبي .. لم يكن صدفة هذا اللقاء ..أشفقت على نفسي وأنا في ذات السرير .. لم يبرح جسدي مكانه .
نظرت إلى أقاربي الذين أحاطوني ،رأيتهم ينظرون إلي وفي عيونهم حزن ، أختي تمسك بيدي .. سمعت بعض من همسهم .. لازال يهذي . لازال اسمها على طرف لسانه
حرارته لم تنخفض منذ ليلة الأمس .. كنت أبحث عن فاطمة بين تلك الوجوه ..
(أين فاطمه) ؟ّ! (لقد أتت معي .كانت في نفس الحافلة )لا أعرف أكان الحديث يخرج من مخارج ألفاظي ، أم أنه لازال دفين في أعماقي .. مسكت شقيقتي يدي، وراحت تبكي ..نظرات حزن في عيني عمي تهد الجبال .. نفذ صبره ..وهو ينظر إلي جسد مسجى .. وعيون تبحث عن جواب
:- لعن الله فاطمة ( ثم أستدرك قائلا) استغفر الله .. ولم يكمل حديثه
(لقد أتت معي في نفس الحافلة ) عيونهم تريد أن تستنطق بعض من حديث مختبئ تحت طيّ لساني، أغمضت عيني وكأني رحت في غيبوبة .. حاولت أن أنصت لكل حديث .. لكل همس .. سمعت عمي ينفجر بالبكاء ، رحت أرنو إلى أختي وهي تبكي بصمت ولكن بحرقة (إياكم و أن يسمع بخبر فاطمة!) سمعت وعرفت اضطربت كل الأنوار راحت تتراقص على غير هدى ، دموعي تتقاطع فيها الأضواء ، كادت روحي تفيض .. وأنا استمع بقية الحديث.. عرفت إني مازلت هنا في المستشفى ولم ابرح مكاني مذ أن حملوني لهذا المستشفى في الناصرية منذ أكثر من أسبوع.
مع الفجر عدنا لبغداد .لازالت عيوني تفر بنظراتها نحو الغراف .. لازالت ضحكاتها مرتسمة في ذهني .
أكثر من عشرين عاما وأنا هنا ..لازلت أقف عند بوابة المرأب أنتظر أن تأتي فاطمة من ( الغراف )!!
تعليق