..معركةٌ على حُضن أبي
و عادت المعارك من جديد ضارية أكثر حدّة ..
بينما تنزلُ فاطمة الدرجات لزيارة عمّاتها في الطابق السفليّ أُسرع أنا لاغتنام الفرصة، وأرتمي على مهد يوسُف أحمِله بين ذراعيّ في لفّته البيضاء وأضمّه بشوقٍ حارق.. أستنشق فيه رائحةَ الأبوّة الممزوجة برائحةِ القرنفل وزيت الزيتون ..
يُثبّتُ نظراته على وجهي كأنّه يستغربُ هذا الشوق إليه !
أُطَمئنه ...
ثمّ ما ألبثُ أبادله الإستغراب حين لا أجد من الكلمات ما يمسحُ عنه تلكَ الحيرة
حتى أبي لم يستطع فكّ هذا الإستفهام ..من أبيه
ولم يجِبني حين سألته : أبي .. لما تُحبّني ؟ !!
تختلطُ الأحاسيس وتتواصلُ نظرات الإستغراب المتبادلة في صمت وشرود دون أن يُشفق أحدنا على الآخر ..
تقطعُ خُطوات فاطمة صمتَنا واستغرابَنا وهي راجعة تنطّ على الدَّرج ،..
يذوب الموقف الصعب في هدوء ... بين خطوات فاطمة ونطّتها ..
.. أَسمع دَنْدَنتَها تقتربُ من الباب : " دُوهَا .. يا دُوهَا .. والكعبة بَنُوها.. و زمزم شربوها .
.. سيدي سافر مَكّه .... "*
أشحَنُ قُبلة قاسية على جبين يوسُف ليودّعني إلى مَهدِه الصَّغير ..
تسكُتُ فاطمة عن الدَنْدنة .. تطرقُ الباب .. تَسْتَأذن من نفسها ثمّ تدخُل ..
أبتعدُ عن يوسُف خِشية أن تراني ..
يَفضَحُنِي البريقُ في عينيّ !!
تَقفُ .. تتَأمّلني ... تجتاح ملامحها ريبة عجيبة .. كأنّها تشعر بوقوع خيانة ..
أتبادلُ الإيماء مع أمّها خِلسة ..
تقترب منّي ، تتفقّدني .. تشمّ أطرافي .. ثمّ تنظر إليّ والغضبُ يقلصّ ما بين حاجبيها الصغيرين :
- أشمّ رائحة يوسُف على قميصك .. كُنت إذًا تحمِلُه !!
لن أحبّك بعد اليومْ .. هه !!!
أُخرِج من جيبي قِطعة "شُكولاطا" أُميلها ذات اليمين وذات الشمال ..
تهتَزّ .. تتَظَاهر ..
في حرارة العناق أتذكَّر حُضن أبي .. وأتذكر معاركي الشّرسة مع أخي .. وكَيَفَ كُنّا نتسابق إلى حُضنهِ وهو عائدٌ بالمساء ..
من يفوز بالحُضن ، ومن يكتفي بالتشبثّ ...؟
كثيرا ما كنت أخسر جولات من تلك المعارك .. وأكتفي بمكان ضيّق على كتف أبي ..
لم تكن المعارك سهلة .. كانت ضارية .. طاحنة .. مسموحٌ فيها الخدش والعضّ والنتف ..
كبُر أبي الآن وهزُل جسده وغارت عيناه في هيكله ، ولم يعُد صدره كما كان يتسّع لكلينا ..
و عادت المعارك بيني وبين أخي ضارية ، أكثر حدّة ..
ولكن..تبدّلَت الأسلِحة ، وصار كلّ شيءٍ مُباحْ !
فحُضنُ أبي الآن صار أغلى ولا يتّسِعُ إلّا لواحدٍ منّا .
فصل :
كبُرَ أبي اليوم ، وهزُل جسدُه وغارت عيناه في هَيْكلِه .. ولم يعُد صَدره يتسِّع لكِلَينا .. أنا وأخي ..)و عادت المعارك من جديد ضارية أكثر حدّة ..
تفصيل
بينما تنزلُ فاطمة الدرجات لزيارة عمّاتها في الطابق السفليّ أُسرع أنا لاغتنام الفرصة، وأرتمي على مهد يوسُف أحمِله بين ذراعيّ في لفّته البيضاء وأضمّه بشوقٍ حارق.. أستنشق فيه رائحةَ الأبوّة الممزوجة برائحةِ القرنفل وزيت الزيتون ..
يُثبّتُ نظراته على وجهي كأنّه يستغربُ هذا الشوق إليه !
أُطَمئنه ...
ثمّ ما ألبثُ أبادله الإستغراب حين لا أجد من الكلمات ما يمسحُ عنه تلكَ الحيرة
لماذا أحبّك ؟
لم أكن أعلم أنّي لا أملك جَوابًا لهذا السؤال السهل !حتى أبي لم يستطع فكّ هذا الإستفهام ..من أبيه
ولم يجِبني حين سألته : أبي .. لما تُحبّني ؟ !!
تختلطُ الأحاسيس وتتواصلُ نظرات الإستغراب المتبادلة في صمت وشرود دون أن يُشفق أحدنا على الآخر ..
تقطعُ خُطوات فاطمة صمتَنا واستغرابَنا وهي راجعة تنطّ على الدَّرج ،..
يذوب الموقف الصعب في هدوء ... بين خطوات فاطمة ونطّتها ..
.. أَسمع دَنْدَنتَها تقتربُ من الباب : " دُوهَا .. يا دُوهَا .. والكعبة بَنُوها.. و زمزم شربوها .
.. سيدي سافر مَكّه .... "*
أشحَنُ قُبلة قاسية على جبين يوسُف ليودّعني إلى مَهدِه الصَّغير ..
تسكُتُ فاطمة عن الدَنْدنة .. تطرقُ الباب .. تَسْتَأذن من نفسها ثمّ تدخُل ..
أبتعدُ عن يوسُف خِشية أن تراني ..
يَفضَحُنِي البريقُ في عينيّ !!
تَقفُ .. تتَأمّلني ... تجتاح ملامحها ريبة عجيبة .. كأنّها تشعر بوقوع خيانة ..
أتبادلُ الإيماء مع أمّها خِلسة ..
تقترب منّي ، تتفقّدني .. تشمّ أطرافي .. ثمّ تنظر إليّ والغضبُ يقلصّ ما بين حاجبيها الصغيرين :
- أشمّ رائحة يوسُف على قميصك .. كُنت إذًا تحمِلُه !!
لن أحبّك بعد اليومْ .. هه !!!
تختفي باكية لتذوب في حُضن والدتها ..
تتركني وحيدا .. أمتصُّ بين شفتيّ اعترافًا ، وأكتُم بين رئتيّ عُذْرًا .. وأتأسّف لنفسي ولها ..أُخرِج من جيبي قِطعة "شُكولاطا" أُميلها ذات اليمين وذات الشمال ..
تهتَزّ .. تتَظَاهر ..
ثُمَّ ما يلبَثُ رأسُها يتراقصُ على نغمِ قطعةِ" الشكولاه"
تُقبل إليّ مسرعة وتَقْبَلُ حُضني.. لِنَسْتَسلِمَ فِي عناقِ مصالحةٍ ولَذّة ... فصل
في حرارة العناق أتذكَّر حُضن أبي .. وأتذكر معاركي الشّرسة مع أخي .. وكَيَفَ كُنّا نتسابق إلى حُضنهِ وهو عائدٌ بالمساء ..
من يفوز بالحُضن ، ومن يكتفي بالتشبثّ ...؟
كثيرا ما كنت أخسر جولات من تلك المعارك .. وأكتفي بمكان ضيّق على كتف أبي ..
لم تكن المعارك سهلة .. كانت ضارية .. طاحنة .. مسموحٌ فيها الخدش والعضّ والنتف ..
كان أبي بحكمته يجعلُ صدره فُسحة تسعُ كِلينا .. أنا وأخي ..
ولكن ليس قبلَ أن يستمتع ببعض اللقطات من المعركة ، ليُطلق ضِحكته المبحوحةِ في أرجاءِ البيت .. خَفتَت تلك الإبتسامة الآن وفقدتها الأرجاء ...
ياااه .. على الكبر ..
ياااه .. على الكبر ..
فصل مُعاد
كبُر أبي الآن وهزُل جسده وغارت عيناه في هيكله ، ولم يعُد صدره كما كان يتسّع لكلينا ..
و عادت المعارك بيني وبين أخي ضارية ، أكثر حدّة ..
ولكن..تبدّلَت الأسلِحة ، وصار كلّ شيءٍ مُباحْ !
فحُضنُ أبي الآن صار أغلى ولا يتّسِعُ إلّا لواحدٍ منّا .
هامش : في مثل هذا اليوم من سنة 1933 وُلد أبي ...
اليوم يكون قد مضى تماما 77 سنة من عمره..
فتحيّة لكلّ الآباء ... وقل ربّ ارحمهما كا ربّياني صغيرا
اليوم يكون قد مضى تماما 77 سنة من عمره..
فتحيّة لكلّ الآباء ... وقل ربّ ارحمهما كا ربّياني صغيرا
كَتَبَ يوسُف : الجزائر29 نوفمبر 2010
تعليق