بينما كانت الشمس تزول عن مستقر لها في سماء مدينتي كانت تغرب حينها في مدينة أخرى وتشرق أيضا على مدينة ما ,وبزوالها نما ظلي في جانبي المظلم فكلما أوغلت في الزوال استطال نحو ليلٍ بدأ يبسط في الشرق نفوذه, وكأنه بذلك التمدد يفضح خبايا نفسي ويفصح عن مكنون ولائها للظلام ,وفي جانبي المواجه للشمس يتبتل عقلي في محراب الدعاء, يتوسل شآبيب النور تطهيره من جنابة الظل ,وعتقه من قرين مضادٍّ له في الأصل والاتجاه والولاء, وكأن عقلي يتجاهل قوانين فيزياءٍ تحكم الطبيعة ,ومنها أن الظل لا ينعدم إلا في الأجسام الشفافة التي تسمح بمرور الضوء من خلالها, وعليه يكون ذلك التوسل مجرد عناء يبذله عقلي في غير موضعه,وعلى الرغم من هذه الحقيقة المرة والارتباط القسري مع الظل ؛إلا أن عقلي يردد دوماً ..هناك أملٌ يتدرج في تقويس المسار المنحني للشمس..
غربت الشمس فأقبل ليلٌ كأنّه بحرٌ لجّي من فوقه ظلمات يغشى بعضها بعضا, غمر بطوفانه التلال والهضاب ,وبلغ قمماً كانت إلى وقت قريب تظهر آخر تلويحات السراج الراحل.
أضاءت نجوم السماء كقناديل رهبانٍ أُسرجت من شجرة مباركة, بزغ البدر فارتعشت مياه الأنهار ,وتلاطمت أمواج البحار, واضطرب نبض العاشقين ,إن للبدر أوان اكتماله قوة تجذب الأرواح الناهدة إلى الجمال ,ولو لم تكن للأرض جاذبية تقيدنا على سطحها؛ لكنا الآن نمرح في أخاديده ونتزلج على تلاله الثلجيّة.
تنهيدة ذكرى ..العشق بركان يثور في الليالي المقمرة..
ذات قمراء تسللت صَدفةٌ إلى سطح البحر ,ثم انفلقت عن درةٍ تكتنز الحسن والغواية, صعّرت الدرّة خدّها للبحر, وعرّضت خدّها الآخر لقبلات القمر..وهبت جسمها لمشيئة عاشقٍ طال عنها غيابه, وتعاظم إليها اشتياقه, ولما قضى من نعومتها وطراً قامت تغتسل بزلالٍ بدأ يذرفه السحاب ,إنها العذوبة الوحيدة في ذلك الأُجاج المتلاطم ,كانت دوماً تشكو للقمر تحرشات الملح في الأعماق ,وتتوسل إليه أن يعجل في اجتذابها نحوه, ولكن القمر لم يكن يأبه لتخوفها ولا يعير اهتماماً لتوسلّها , وفي تلك الليلة أبدا لها رغبته في حملها واجتذابها نحو السعادة ,مدّ تحتها بساطاً من ضوئه اللؤلئي وقال : هيت لكِ ,رمقته بطرف المعاتب ثم همست له قبل أن تغوص من جديد : لقد ولج البحر صدفتي وفض الملح عذوبتي !
هناك أملٌ يتدرج في تقويس المسار المنحني للشمس..يردد عقلي
كشف لي البدر تواطؤ ظلي مع قوى الظلام عندما رسم الحدود بينهما, فلم يعد بوسع ظلي التنكّر والتخفي تحت عباءة الليل .
ما الذي يحدث؟!.. كأني أرى بوادر خسوفٍ يعتري الكوكب الوضاح ,نعم إنّه يحجب ضوءه شيئا فشيئا ويعتليه صعوداً ,وعندما غطى الثلثين من بهائه ,افتقدت ظلي ,بحثت عنه فلم أجده , قلت في نفسي أيعقل أن ......؟ مستحيل !! رفعت يدي ملوحا وإذا بظلها يظهر في الثلث المضيء من البدر ,أعدت تحريكها للمزيد من التأكد , فظهرت تلويحاتي مجدداً,وعندها أمسكت أرنبة القمر من أذنيها, ولِم العجب ؟ ألست جزءاً من الأرض التي خسفت بظلها وجه القمر!!
هناك أملٌ يتدرج في تقويس المسار المنحني للشمس..يردد عقلي
هناك أملٌ يتدرج في تقويس المسار المنحني للشمس..يردد عقلي
هبّت ريح قوية ,تلبدت السماء بالغيوم ,لمع البرق ,حنّ الرعد,هطل المطر ,خمد عقلي ,اختفى ظلي ,لم أعد أعرف من أنا , هل أنا عقلي ؟ أم أنا ظلي ؟ أم أنني نقطة في مستقيم هما طرفاه ,ويقتضي العدل أن تكون في المنتصف؟.
لجأتُ إلى شجرة بربوة أصابها الوابل , استكنيت تحت أغصانها المتشابكة, أسندت صلبي على جذعها المُبتل ,أخذتني رائحة اللحاء المبلّل بالمطر إلى أرشيف الذاكرة ,فتناولت أوّل ملف وضع على رفوفها ..ملف الطفولة, جلست أقلّب صفحاته النديّة (تسلّق الأشجار,مشاكسة العصافير,قنص اليعاسيب,تحطيم القوارير,مداعبة السّخال ,الاستمتاع بنقيق الضفادع....) وأتساءل عن سر العلاقة بين نكهة المطر وذكريات الطفولة,هل هو نقاء الطبيعة يستدعي براءة الفطرة ؟ربما..وكعادتها اللحظات السعيدة تمر سريعاً حتى حين نتذكرها.
لمعة برقة أعادتني إلى عالم الرموز, ووضعتني على خط الصراع من جديد, فقمت أنظم قصيدة الحيرة بطلاسم الكهنوت,وأغنيها بلحن أوراق الخريف الموتى عندما تُحشر في يوم ريحٍ عاصف ,مخرتُ عباب كنهي بلا مجداف, وسبرت أغوار ذاتي في معزل عن النور .
من منهما المتحكم في كياني؟ من منهما جدير بطاعتي ؟ من منهما مستحق لعنايتي؟ هما ضدان فكيف ..ولِم .. يجتمعان فيني؟ هل يجب أن أكون أحدهما ولا أكون الآخر ؟ أسئلة تجر أسئلة ولا يلوح إجابة في الأفق.
هناك أملٌ يتدرج في تقويس المسار المنحني للشمس ..يردد عقلي
هناك أملٌ يتدرج في تقويس المسار المنحني للشمس ..يردد عقلي
توقف المطر ,انبلج فجر متذبذبٌ يشبهني , فهو لا يعرف هل ينتسب لليلٍ أم لِنهار ,تقاطرت ذرات الأكسجين ثلاثاً ثلاثاً؛ فانبعث شذا الأوزون المنعش وانتشر يعطّر الفضاء, جَبوبٌ ينبسط على امتداد النظر تزينه مراياً مائية خلفها السحاب,حتماً ستُسرُّ الشمس عندما ترى من يعكس ضوئها على الأرض!
بدأت أرى احمرار الصباح في الطيور الغابشة, ولكني لا أرى لها ظلا في الهواء! فهل ثمّة علاقة بين فقدان الظل والتحليق الحُر؟!
أشرقت الشمس,وكالمعتاد تمدّد ظلي لاحقاً بفلول الظلام الهاربة ,ولكن هذه المرّة باتجاه الغرب.
هناك أملٌ يتدرج في تقويس المسار المنحني للشمس .. يردد عقلي ..
ومع اعتلاء الشمس بدأ ظلي ينحسر ويعود أدراجه,ولما استقرت في كبد السماء كان قد تقلص إلى أدنى حالاته ,ولكنه ما يزال موجوداً.
أشرقت الشمس,وكالمعتاد تمدّد ظلي لاحقاً بفلول الظلام الهاربة ,ولكن هذه المرّة باتجاه الغرب.
هناك أملٌ يتدرج في تقويس المسار المنحني للشمس .. يردد عقلي ..
ومع اعتلاء الشمس بدأ ظلي ينحسر ويعود أدراجه,ولما استقرت في كبد السماء كان قد تقلص إلى أدنى حالاته ,ولكنه ما يزال موجوداً.
كان عقلي يعلم أن الظل لن ينعدم إلا بالتعامد التام للشمس على الأجسام الأرضية ,ولهذا كان يردد عبارته ..هناك أملٌ يتدرّج في تقويس .... ولكنه أدرك أن من الخطأ التعويل على الشمس وحدها في تحقيق التعامد الكامل ,إذ لابد من تحرّكٍ يتكامل مع حركتها ويلاقيها في مكانٍ ما ..وزمانٍ ما..
قام عقلي يجري حساباته الفلكية ويبحث عن المكان ..والزمان اللذَين يحققان صفرية الظل, وفجأة لاح المكان( الكعبة المشرفة) وكذا الزمان(الخامس عشر من شهر شعبان) أيضاً الوقت الذي بدا معلوماً(ساعة الزوال) .
حرّكني عقلي إلى هناك ,فكنت في الحرم المكي يوم السبت 15/شعبان 1432هــ الموافق 16/يوليو/2011م , وفي تمام الساعة 12:27نودي لصلاة الظهر,وفي تلك الأثناء تلاشى ظلالي تماماً وتحقق لعقلي ما كان يريد..ولكن للأسف.. بعد الآذان وُلِد ظلٌّ جديد.
خاطبني ذلك المولود في مهده قائلاً : لا تبتئس بصحبتي , فأنا قدرك الذي لا مناص منه حتى حين, انظر إلى القمر الذي هو أعلى منك منزلة وأعظم شأناً ,إنّه يتوسّطٌ بين نقيضين ,ظلام حالك, ونور ساطع, وله مثلك جانبٌ مظلم , إنّه يشبهك ولهذا فأنت تعشقه وتهيم فيه , الفرق بينكما أنه يتدرج في سبل الكمال ولكنه يكتمل ,وأنّه يحب النور مثلك ولكنه يعكسه.
حاول أن تكون قمراً يمشي على الأرض..
تعليق