الجزء1
قال انه سيخرج للمقهى كي يكتب بعض المقالات، سمعته يتحدث عن الكتابة ، وتذكرت أني لا أستطيع أن اكتب إلا بشروط تفرض نفسها علي ، كأني لعبة في يدها. ضحكتو انصرفت بعد انصرافه. لكن مخيلتي لازالت تنضح بحوار ساخن داخلها: لماذا لا اكتب إلاعندما اشعر بالحب أو بالألم؟؟ سؤال فتح علي أبواب حوارات داخلية لا تنتهي . آه لو أجيب...قاطعني صوتي الخفي كعادته ، صوتي الذي لا يظهر إلا في الوقت الضائع عندمااستسلم لغفوة وحدتي .
ابتسم الصوت الذي لا لون له و لاشفاه له إلاشفاه الاستفزاز .ثم استطرد قائلا : أيتها المجنونة أتكتبين فقط في لحظتين؟: لحظةالحب ، وهي لحظة مليئة بتجارب حب لن أحصيها لأنك ستبكين كعادتك، وطبعا سأتركهالحين أخر . لحظة الحب هي لحظة الألم الوحيدة لحظة العبور من ضفة الحب إلى ضفة الألم، الم تحدث عنه شوبنهاور لولاه لماتفلسف الإنسان ، ولولاه لما أبدعت أيتها المجنونة ...
ارتباط كتابتك بلحظتي الحب و الألم هوارتباط بالتجلي في الوجود ، تجليك كما أنت و كما تقولين دوما : كطفلة..
دار هذا المونولوج الداخلي في ثناياي و تفاجئت من هول معرفتي بنفسي رغم إنكاريالدائم لها ....قاطعني صوتي بطرح سؤال اخجل من طرحه على نفسي و اخجل من الجوابعليه .فهم صوتي ملامح وجهي الخجول و عدل عن طرح سؤاله إلى حين ...
نظرت في داخلي باستغراب مما يحدث لي و طلعتمع وجهي حمرة كالجمرة التي تكويني لاني أعرف أن مصيري الذي اهرب منه ،و أن هدوئيمؤقت ، وان الكلام لا يمكن ان اهرب منه خاصة إذا طوقني صوتي الخفي و أغلق كل الأبوابالتي يمكن ان اهرب منها ...قال :لا يمكن أن تهربي من مواجهة نفسك أيتها المسكينة .
لماذا تلاحقني أيها الصوت ؟ لماذا تكتب عليأن أحياه رغما عني و في حياتي الجواب على سؤالك؟
رحت أجيب بلا انقطاع ، كمن يتم استنطاقهجراء تعذيب، انك سؤالي ، جلادي الذي لاأراه
تجلدني بسؤالك ألف جلدة ، و تغرق قلبي فيبحر اللاجواب حتى يختنق ، تصعق شراييني به ، أعدمني و خلصني منه ، اصعقني و اشنقنيشنقة واحدة فقط لأنتهي و لا أعود بعدها
لا تعذبني أكثر. العذاب الداخلي يغلق عليَسردابه الذي تهت فيه ، ظلمة الفكر و غموض الممر يقودني إلى مكان مجهول ، مجهولجدا. ..حاولت لملمة جثتي ، وعظامي المفقودة، شراييني المشتتة و التي أحرقت ،جمعتهاو سرت في طريقي لا ادري أيمينا أسير أم شمالا، غربا ام شرقا، المهم أني أسير منكسرة ، قادتني غريزتي إلىجواب أول على سؤالي: لماذا احبك في كلالرجال؟ لماذا ابحث عنك فيهم؟
ألاني فقدت أبي؟، و أنا مازلت بعد لم اشبعمن حبه، هذا جوابي الذي اقنع به حيرتي ، كان يحملني فوق كتفيه أو يمتطي بي صهوةحصانه الأسود، صحيح أني كنت صغيرة جدا ، لكن حبه لم يكن صغيرا جدا، كان اكبر من إن يحملني ويحمله لو عرف به ، أكيد سيلقي بأحدنا أنا أو الحب ، كان اكبر من أن يفهمه رجل فيمثل سنه أو في مثل ثقافته . ثقافة تقول له : هذه بمرتبة ابنتك. لكني في داخلي اهزأبثقافته الساذجة .و لست حينها إلا ما أريد أن أكون ، أضع نفسي في مرتبة حبيبته التي تأبى على النزول من فوق كتفيه.
مازال صوتي الخفي يبتسم ، لا اعرف أيبتسماستخفافا و استهزاءا ، ام يبتسم لأنه يجر ألان لسان قلمي على البوح ، بوح لم استطعه إلا في حضرة الحب أو الألم.
فجأة توقف الصوت عن إسماعي ابتسامته التيلا صوت لها سوى صوت الخوف من الانكشاف، انكشاف وجودي و تكشف ذاتي أمام ذاتها..
عدلت من طريقة جلوسي لاني عرفت حينها إن الأمرفيه قليل من الجدية .
هاأنت أيتها المجنونة العاقلة تتعرين أمامسلطتي ، يكفي أن أشير إليك كي تتعرين كما تتعرى مومس في حضن رجل عابر،
ضحكت باستهزاء : اعرف لذلك لم اعد أخاف من ترددي في الإجابة على سؤالالحب و سؤال الرجل او الرجال
فرح صوتي و قد بدا الأمر مثيرا ، حين صدمنيبسؤال كأني اجلس على كرسي الاعتراف و كأنه يبحث عن أسئلة ليطرحها بسرعة ،و لأنه يعرف أني لن اهرب منها: هل وجدتفي من تجعلي من كتفيه صهوة تركبينها، حبك الذي كان الأب قد تركك بدونه ورحل؟؟
سؤال ساخر أيها الساخر ، سؤال مضحك ،مستهزئ كما الأيام تستهزئ بي ، كما الأيام تجعلني ارقص كبهلوان في السيرك، هيالجمهور الذي يضحك حتى يتقلب على الكراسي ، و في النهاية ينقلب علي و يرمينيبالطماطم أو بالكراسي، لاني فقط لم اصل بهم إلى ذرة الضحك كما الأطفال...
كان يحملني لكنه تجاوزني عندما سقطت مرةولم يلتفت اليَ، لم ينظر نحوي ولم ينتظرني حتى أقوم من سقطتي الأولى. سمعته يقولوهو يهم مسرعا نحو الأمام : أنت كبرت ، هنا انتهى كلامه ورحل بعيدا، بعيدا جدا....
تعليق