جاء يجرجر أذيال الشوق والحنين.
وقف مستكينا ينتظر كلمتها بقلب واجف.. عاقدا كفيه على صدره ..
قالت له وهي توليه ظهرها : ماتظن أني فاعلة بك ؟
قال بضراعة : عاشقة مخلصة تعفو عن عاشق متيم باع آخرة حبه وأشترى دنيا ضياعه وأوهامه ...
قالت : أذهب عني،، فأنت كوكب يدور الآن خارج أفلاكي ...
قال متوسلا كمن ينتحب : امنحيني فرصة أخرى.
قالت له : طعْنتك كانت غائرة في قلبي،، ونزْفي كان غزيرا،، لن يشفع لك شيء عندي مهما كانت قرابينك ..
نظر إليها، فأشاحت بوجهها، فهى تعرف مدى ضعفها أمام عينيه، ففيهما مُعجم من فصيح القول، وسِفْر مفتوح من الدعوة للحنين. عيناه الداء والدواء،، فيهما روعة اللقيا وحرقة البعاد ..
هتفتْ به وكأنها تدفع خطرا داهما : إذهب أرجوك ...
قال لها وهو يعرف أن في عينيه خلاصه ونجاته : أنظري إلى.
قالت بحزم : أرجوك ... إبتعد .. فقد أهدرتُ دم عشقك ونشرتُ أخباره في الآفاق ...
قال لاهثا : سأحميك من نفسك ..فأحميني من جنون هفوتي ..
ألتفتت قائلة والغضب يعتلج بداخلها : أتسميها هفوة ؟ أتسمي خنجرك الغائر في أعماق أحشائي هفوة؟ ...
رأته يرنو إليها ... وتلك المسحة المستكينة التي تربت على فوهات براكينها تتغلغل بين حناياها فينزاح مايعتمل في صدرها كإنحسار الماء من جَزْره بعد مدٍ طويل ...
حاولت أن تشيح بوجهها بعيدا،، ولكن كأنّ عشرات الأصابع إمتدت وأمسكت بوجهها لتواجه عينيه،، فسكتتْ ..
تسمَرتْ عيناها في عينيه ..
فقال لها : قولي أنك قد صفحت عني ..
قالت بعزيمة واهنة متراخية : لا.. لن أصفح عن قاتلي ..
قال : قد قتلت نفسي ولم أقتلك.. فأصفحي عني ..
قالت وقد خفَتْ حدتها وهدأتْ ثورتها : ذاك صعب،، لا أقدر ..
قال : بلى تقدرين ... اسألي قلبك واستشيري عيني .. ثم أحكمي ..
قالت بحياء : هما خصمان يقفان معك ضدي ..
قال فرِحا : كوني إذن معنا ولن تندمي،، أنا وقلبك وما تقوله عيناى ..
قالت : أخاف غدرك
قال : لا يُلْدغ القلبُ من جُحْر غفلةٍ مرتين
قالت : لم تكن غفلة، لقد مللتني..
قال : إذن ما الذي أعادني إليك؟
قالت : لم تجد من يحبك مثلي ..
قال : فهو سبب كاف لأعود .. وسبب كاف لأبقى للأبد ..
قالت في إستسلام : ما تظن أني قائلة لك ؟
قال : متيمة متسامحة،، تصفح عن متيم عائد
قالت : تعال،، فأنت في كَنَفي
فقال : سأغلق على نفسي بابك وأعتكف في محرابك ولك العتبى حتى تندمل جراحك.
تعليق