المقامة البوجلودية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • هشام البوزيدي
    أديب وكاتب
    • 07-03-2011
    • 391

    المقامة البوجلودية

    المقامة البوجلودية

    حدثنا أبو النوادر السوسي قال:

    لبثنا بين العيدين, نرقب كرّ الجديدين, حتى أظلّنا يوم الأضحى, فراجت سوق الخرفان, وشُحذت المُدى وصُفّت الجفان, وساكنت الأنعام الأنام, فكنت أصحو على ثغاء وأنام, واعتلت السطوح ذوات وبر وصوف, ما بين قرناء وجلحاء, وما زالت في قضْم واجترار, وغفلة عن المدى والشِّفار, حتى حسنت أعطافها, وسمنت أردافها, وامتلأت شحما واكتنزت لحما.

    ثم حل العيد فسال الدم وأهريق, ونزلت سوس ثاني أيام التشريق, فمررت بمدينة تدعى الدشيرة, لأزور بعض بني العشيرة, وقفلت بعد الزيارة أمتطي السيارة, وبينا أنا أسير مبكّرا, ذاكرا ربي مكبّرا, إذ وجدتني في أخلاط وأجناس, من بشر وأشباه الناس , تهبّشوا وغصّت بهم الشوارع, وتوسّطهم خلق يحمل الكوارع, ورأيت فتيانا تسربلوا إهاب الأضاحي, وأغاروا على أهل تلك النواحي, وبدا كأن الخرفان والتيوس قد انتصبت, واقتصت من الأناسي وانتصفت, ومضت في زهو متبخترة, تصول بين الناس كأجناد مستهترة, تضرب المارة وتقبض الثمن, كأنها وحوش من غابر الزمن, يركض أمامها الصبيان في رعب, وتقرع لها الطبول كأنها في حرب, وخشيت أن أذوق الضرب بالكراع, فانتبذت ناحية أرقب الصراع, ثم أطللت حذرا من الزجاج, ونظرت إلى فتى صيّاح عجّاج, فسألته:
    "أي شيء هذا؟"
    فصرخ: "هذا من تراث الجدود, هذا موسم (بوجلود)."

    فوالله ما قاطعته وما راجعته, إيثارا للسلامة وخيفة الندامة, ثم أقبل فتى كالتيس يشتدّ ويهرول, ويقفز في نعلين ويولول, ويرغي ويزبد, وقد تقنّع بالسواد فلم تبد إلا عيناه, ولوّح لي بكراع في يمناه, ولما دنا من السيارة سرت القهقرى, حتى غاب عني واختفى بين الورى, فنزلت ويمّمت جهة الشمال, ضنا بعظامي وما معي من مال , فلاحت عصبة بأيديهم خرائط, قد اعتزلوا ناحية واستندوا إلى حائط, كانوا شقر الرؤوس سائحين, فطفقوا يتأملون الغادين والرائحين, ويصوّرون (بوجلود) ويعجبون, وينظرون إليهم يلعبون, وقد تجمعوا كسرب جراد منبث, ثم جاء كليب يلهث, وأتى السياح كالمستجير وأقعى, ونصب ذيله كأنه أفعى, فبشوا له كما يبش الحبيب لحبيبه, ولان لهم كما يلين العليل لطبيبه, فذا يفرك ناصيته, وذاك يجلس ناحيته, وهذا يهمس في أذنه همسة, وذلك يقبّله و يلمسه لمسة, وهذه تربت على كتفه, وتلك تذب الذباب عن أنفه, وهو بين أيديهم ساكن مستكين, حتى أشفقت على الجرو المسكين, وخشيت عليه الغيض بعد الفيض, والفقد بعد الوُجد, والسِّنان بعد الحنان, والصّفع بعد الرّفع, وتخيلته يقول:

    ولَكَمْ قلت إذ تعاظم سعدي ....... صاح لا صبر لي على غير بُعد
    صاح قد هالني وأرخى ذيلي .....وشجاني وِصالكم طول ليلي
    ليس سعدي بكم بملجمِ نحسي .....قد أحبّ الزّمان صفعي ورفسي


    ثم تفرست فيه, من ذيله لفيه, فإذا هو أمكر الجراء بلا مراء, هذا الهزهاز في مهمّة, وهؤلاء الأغراب في ملمّة, وما لبث رحال بن المحجوب أن جاء يرفل في بذلة, مشرق الوجه يُبدي جَذَله, فالتف حوله السياح, وحياه الهزهاز بالنباح, فحدثهم كأنه ما عرف يوما إلا لسانهم, وأيقنت أنه يخاتلهم ويستدرّ إحسانهم, ثم اصطفوا له صفّا, ومدّ يده مدّا, وأتوه فردا فردا, ثم رأيت كأنه يعدّ المال عدّا, ويدسّه في جيبه دسّا, فعلمت أنه قد أحكم أمره, ومكر مكره, ثم ساقهم إلى (بوجلود) سوْق الغنم, وانسل يترنم وقد حلا له النّغم.

    ولبثت مليا ثم غلبني الشوق لحديثه وأعاجيبه, فأدركته جالسا في مقهى فأمسكت بتلابيبه, وقلت: "لتصدقنني الخبر أو لأفضحنك", فقال: "عيد مبارك يا كريم, دعني أتلذذ بهذا (الآيس كريم), فإنه من كسب حلال, يا جميل الخلال, ثم أقص عليك خبري بعجره وبجره." والتهم قالب البوظة بالقشطة, وهو يركل تحت الطاولة قطة, ثم عدّل ربطة عنقه, ومر بطرفها على أشداقه وقال:

    "أدركني العيد وما لي وللهزهاز من عظم, وجعنا مجاعة لا يصفها نثر ولا نظم, حتى حلت لنا الجيفة, فخفت على نفسي خيفة, فسمعت بمهرجان يسمى (بوجلود), يتسربل فيه البشر الجلود, تنظمه جمعية (العرفان للمتشبهين بالخرفان), فبادرت وانتهزت الفرصة, وتجملت متشبها بأهل البورصة, ثم أتيت ساحة فندق فخم, يحرسه بواب ضخم, فابتدرته وانتهرته, وازدريته وازدجرته, حتى حسبني وزير السياحة, وشرع في الاستعطاف والنياحة, ثم دخلت فأتيت جماعة من السياح في البهو, فاستأذنتهم أن أقطع عليهم ما هم فيه من اللهو, ثم أعلنت عن مهرجان للتراث, وأنا أقضم حبة من كراث, وحدثتهم بالإنجليزي والإسباني, والفرنسي والألماني, فقلت هلموا بعد الغد (للكرنفال), هلموا للفرجة واصطحبوا الأطفال, وحين حضروا أخذت مائة درهم عن كل رأس, وقد دفعوا المال بطيب نفس, وإنما أتيت (بوجلود) ببعض المعجبين, أوليس هذا كسبا من عرق الجبين؟ ولما فرغ من حديثه سألته: ولِمَ لبست للنصارى ثياب أولي الشأن وتركت جلود الضّأن؟ فمر بيده على بذلته السوداء وقال بنبرة ماكرة: هذا كَتّان ناعم الملمس قد أكسبني ألفين, ولولا الورع لجعلتها ضعفين, فكيف ألبس الجلود كالأنعام, وأقطع نهاري أتسول الإنعام, وأصبر على ثغاء الغوغاء لأرجع بدريهمات بريح روث البهائم؟ ليس هذا من شيم أولي العزائم, بل أتجمل وأتطيب وألبس الجديد, ولا أمدّ يدي أستجدي فنحن في عيد."

    التعديل الأخير تم بواسطة هشام البوزيدي; الساعة 20-05-2017, 17:43.

    [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

    لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
    قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
    [/gdwl]
  • غسان إخلاصي
    أديب وكاتب
    • 01-07-2009
    • 3456

    #2
    أخي الكريم هشام المحترم
    مساء الخير
    لقد أسهبت فأجدت وفصّلت ونبّهت
    وأمتعت بالحديث عن اللحم والجلد فأطنبت
    وولجت حفلة تنكرية في سوق الخرفان فسموت
    وألقيت بإسقاطاتك في بحر الواقع المرّ فأسررت
    لو سمحت : أرجو تذييل المقامة بمعاني بعض الكلمات الغريبة الجميلة التي استخدمتها .
    تحياتي وودي لك.
    (مِنْ أكبرِ مآسي الحياةِ أنْ يموتَ شيءٌ داخلَ الإنسانِِ وهو حَيّ )

    تعليق

    • هشام البوزيدي
      أديب وكاتب
      • 07-03-2011
      • 391

      #3

      بارك الله فيك أستاذي الفاضل غسان.
      وإن شاء الله أفعل ما أشرت به, لعل ذلك يفيد القارئ.
      أما موضوع المقامة فإنه ظاهرة عجيبة يعرفها جنوب المغرب بُعيد عيد الأضحى, وأذكر أن (بوجلود) كان منحصرا في منطقة صغيرة, يستغله الشباب لكسب بعض المال, ثم تبنته كثير من الجمعيات الأمازيغية لغرض لا يخفى, ومعظم من أعرفهم يستغربون أن تسمح السلطات بمثل هذا التقليد الذي يجر كثيرا من الفوضى والسرقة والتسول.


      [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

      لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
      قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
      [/gdwl]

      تعليق

      • غسان إخلاصي
        أديب وكاتب
        • 01-07-2009
        • 3456

        #4
        أخي الغالي هشام المحترم
        مساء الخير
        هل تصدّق أنني ظننتك تقصد في مقامتك ( عبد السلام جلود الليبي ) .
        لكن إن ذلك غريب فعلا مايحدث في هذه المنطقة .
        وهل معنى ذلك أنهم لايتقيدون بالقانون في هذه المنطقة حتى يتصرفوا بهذه الطريقة ؟ .
        ولله في خلقه شؤون ........
        عجبي !!!!!!!!!!! .
        تحياتي لك ولكل الشعب المغربي الرائع .
        (مِنْ أكبرِ مآسي الحياةِ أنْ يموتَ شيءٌ داخلَ الإنسانِِ وهو حَيّ )

        تعليق

        • عبد الرحيم صادقي
          أديب وكاتب
          • 04-02-2011
          • 326

          #5
          بوجلود يا بوجلود، أفَنٌّ أم ضحك قرود؟ أيجاوز ذو الصوف الحدود، ليضرب ويغنم النقود؟ نعاج تسير، تقطع المسير، والناس في حرج، يا ويل من خرج! وابن المحجوب يمكر، يا ربنا اسْتُر! يسانده الهزهاز، بارع بلا مهماز.
          تحياتي أخي هشام
          مبدع كعادتك، فلله درك!
          سلامي لأبي النوادر السوسي.

          تعليق

          • هشام البوزيدي
            أديب وكاتب
            • 07-03-2011
            • 391

            #6

            هذه هي الحال أخي عبد الرحيم, وإنما أشرت لهذه العادة العجيبة إشارة, ولو بحثت قليلا لرأيت أنها مما يستحيي منه العقلاء, لكن رحال بن المحجوب سيمشي في الأرض ويأتينا بكل غريب وعجيب, وسيتصدر مقامات ظاهرها الفكاهة وباطنها النباهة, وليس لي من ذلك كله إلا الرواية والإسناد, فشكرا لك على لطيف كلامك وعلى جميل اهتمامك.

            [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

            لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
            قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
            [/gdwl]

            تعليق

            • د.نجلاء نصير
              رئيس تحرير صحيفة مواجهات
              • 16-07-2010
              • 4931

              #7
              أشكرك أستاذ هشام البوزيدي على هذا الحرف الجميل والسرد السلس
              وأشكرك أيضا على شرح معاني الكلمات التي استغلق على فهمها
              تحياتي ليراع يقطر ابداعا
              sigpic

              تعليق

              • هشام البوزيدي
                أديب وكاتب
                • 07-03-2011
                • 391

                #8

                مرحبا بالأديبة الفاضلة نجلاء نصير في بيت المقامة.
                شكرا لجميل تعليقك وحسن ثنائك.


                [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

                لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
                قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
                [/gdwl]

                تعليق

                • سليمى السرايري
                  مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
                  • 08-01-2010
                  • 13572

                  #9
                  مقامة مثل الحمــــــــــامة
                  ظريفة وفي وزنها خفيفة


                  استمتعت جدّا جدّا بها أستاذي هشام البوزيدي

                  رائعا فعلا


                  شكرا ولك الألق دائما
                  لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

                  تعليق

                  • هشام البوزيدي
                    أديب وكاتب
                    • 07-03-2011
                    • 391

                    #10
                    الله يحييك بالسلام أيتها الكريمة, هذا من لطفك وذوقك وأدبك.

                    [gdwl]اللهم احقن دماء إخواننا في سوريا وفي كل البلاد وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا

                    لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول, ومن لم يعقل عن الله تعالى:{‏بلسان عربي مبين} فلا عَقِل.(الزمخشري)
                    قد لا توجد لغة سوى العربية, بهذا التناسق الأصيل بين الروح والكلمة والخط, كأنها جسد واحد. (جوته)
                    [/gdwl]

                    تعليق

                    يعمل...
                    X