أليس في الصحراء
ركنت إلى زاوية الخيمة المشدودة بأوتاد مثبتة أليس الفاتنة تفكر شاردة مذهولة وهي تحل ضفيرتها المزركشة بألوان
الطبيعة في مصيرها الذي آلت إليه فزوج أمها المـتزمــت لا يمنح لها نفسا كي ترى نور الشمس أو ضياءها فهي بالكاد
لا تخرج إلا لقضاء حاجتها فسكنت في هدأة الليل السكين في فراشها والكل نيام تخطط للهروب من شبح سيطرته علها
تلتقي بمن يرحمها ويحميها.
وبعد أن جن الليل وبزغت نجوم الكون باعثة بضياءها المنير خطت أليس بخطوات غير مسموعة نحو مدخل الخيمة لتفر
بجلدها دون أن يلاحظ خروجها أحد، فمشت أليس بخطا متسارعة والخوف يمزق قلبها تمشي في الصحراء الواسعة دون
ان تعرف سبيلها ، تمشي هنيهة وتقف هنيهة علها ترى أحدا يحميها من الظلمة الحالكة والسكون الرهيب .
وبينما أليس تهرول فإذا بصوت خافت يناديها :
أليس ، أليس إلى اين السبيل؟
وتلتفت اليس التفاتة الخائف المفزوع
- من انت؟ وكيف تعرفني؟
- أنا آمود وهذه حارتي
- حارتك؟ كيف وهي صحراء شاسعة
- أجل لقد سولت لك نفسك أن تقتحميها دون إذن أواستئذان
- كيف لي ان أعرف هذا وانا تائهة لاأعرف لي سبيلا ولا طريقا
- إن أردتني أن لاأغضب منك فاتي معي إلى دياري
- ماذا آتي معك وانا لا أعرفك أو حتى أرى وجهك
- إن لم تفعلي فسيقضى عليك اللحظة
- لالا سيدي لا تفعل فانا أريد الحياة والحرية.
- عن أي حرية تتكلمين المشي في الظلام أم الهروب من البيت بحق السماء أتسمين هذا حرية.
- أرجوك سيدي آمود لا تأسرني عندك فهذا سيقتلني
ولكن آمود لم يستجب لتوسلات أليس بل رفضها زاده إصرارا على الظفر بها فجمالها الفتان أغواه فأخذ بيدها وتمتم
بكلمات مبهمة وأدار خاتمه وفي رمشة عين وجدت نفسها مع أشخاص غريبي الشكل يقشعر منهم البدن وجوههم غير
وجوه البشر وشعرهم أشعث أغبر طويل وقامتهم تناطح السماء وبمجرد رأيتهم أغمي عليها فأخذها آمود بين يـديه إلى
غرفة معزولة في آخر الرواق من منزله غير المرتب ووضعها على سرير مذهـب به غطاء حريري ناعم وجلس يتأمل
وجهها الوضاء وكلما نظر إليها ازداد إعجابا بها فتمتم بشفاهه المرتجفة قائلا : أليس لن تكوني إلا لي ، لي أنا وحدي لن
تدعيني أبدا ولن يأخذك أحد مني واغرورقت عيناه بالدموع .فانسلخ من حقيقة إنسان إلى شكله الحقيقي البشع ، فيداه
طويلتان وشعره أبيض من شدة الشيب وقامته فارع فما إن فتحت أليس عيناها حتى صرخت وأجهشت بالبكاء فهدأ آمود
من روعها.
- أليس لم اعرف احدا غيرك في هذا العالم فأنت منذ الساعة تمثــلين كــل شيء في حياتي فلن أرضى أن تبتعدي عني .
لا ثم لا فأنا سأموت من دونك.
- ماذا كيف سأعيش مع شخص مثلك لا شكل له ولا هيئة من أي عالم أنت بحق السماء ؟
- أنا من عالم الغيب يا أليس أهلي الجن فأنا منهم وهم جزء مني.
- كيف ذلك وقد رأيتك أول وهلة على صورة إنسان.
- أليس قلت لك أنا من عالم الجن وأستطيع ان أتهيأ لك بعدة أشكال.
- أرجوك سيدي أرجعني إلى أهلي ودياري، امنحني حريتي وحياتي ، أريد ان أستقل عن هذا العالم الظالم ، عالم لم أر
فيه إلا سيطرة وقهرا .أرجوك حررني وأخرجني من عالمك .
- ماذا تقولين بعد أن عرفتك واحتضنتك بحناني تريدين الفرار أو تنكرين جميلي وصنيعي لأني سأخلصك من قهر زوج
أمك يا ناكرة الجميل .
- لاآمود دعني ، دعني وحدي أغرب عن وجهي أرجوك .
- حسنا أليس سأدعك الآن لكن لا تحلمي بالتخلي عنك .
وهكذا أغلقت أليس باب الغرفة وبدأت تبكي بكاء شديدا وبعد صمت طويل ومد وجزر تسائل أليس ضميرها المشتت
فتوسوس لها بنات أحلامها بأفكار مبعثرة . أأتزوج آمود وأعيش عيشة بلا قيود ؟ أم أعود إلى أهلي ودياري وأذوق الذل
والعيش النكيد؟.
وتصرخ أليس كلا لن ارجع إلى أهلي ولن أتزوج وحشا غير ودود ، لا ثم لا أفضل الموت على عيشة الاستعباد غير
المحدود .
وهكذا سمع آمود صرخاتها وذاد إليها مسرعا :
كلا أليس لن تحلمي بالحرية ولا العيش الرغيد ، لن تحلمي بالفرار من عالمي اللذيذ ،لن اتركك تعيشين لغيري أبدا، أبدا
لن أحب ولن أريد.
و هكذا انقض عليها آمود بقبضة يديه الكبيرتين وهي تئن وتصرخ ارحمني يا أمود ارحمني حتى لفظت أنفاسها وصعدت
روحها البيضاء دون رجعة إلى دار الخلود .
تعليق