سَطْرُ رِوَايَتِي الأَخِيرُ
قصَّة / جمعة الفاخري*
1
2
صحوْتُ بعدَ إغفاءِةِ فرحٍ لذيذٍ .. قفزتُ لألتقطَ الرِّوايةَ .. بدأتُ أُعيدُ قراءَتها منذُ المغربِ حتَّى مطلعِ الفجرِ .. تلذَّذتُ بسردِهَا الماتعِ .. سارحًا معَ أحداثِها ، مُحَاولاً تفسيرَ بعضِ أسرارِها التي تتمَاهى معَ الواقعِ بشكلٍ أسطوريٍّ لا يُصَدَّقُ .. فقد كنْتُ كلَّمَا تخيَّلْتُ حدثًا ما وكتبْتُهُ ، يتجسَّدُ حقيقةً في اليومِ التَّالي مباشرةً .. فأسمعُهُ خبرًا عاجلاً عبرَ وسائلِ الإعلامِ.. كنتُ غيرَ مصدِّقٍ لما يحدثُ .. حتى أنَّي صرتُ أشكُّ في عقلي .. كأنني غدَوْتُ إِنسانًا مجنونًا منفصلاً عن عالَمِهِ .. مثلاً أكتبُ في الرِّوايَةِ أخبارًا متخيَّلةً عن قيامِ مظاهراتٍ ، أو إلقاءِ خطاباتٍ سياسيَّةٍ لقادةٍ وساسَةٍ ومشاهيرَ .. أو أتوقَّعُ انعقادَ اجتماعاتٍ مهمَّةٍ .. أو تكوُّنَ أحلافٍ عسكريَّةٍ كبيرةٍ ، أو إنشاءَ تكتلاتٍ اقتصاديَّةٍ .. أو حدوثَ انقلاباتٍ عسكريَّةٍ في بلدٍ ما .. ظلَّ خيالي الخلاَّقُ ينسجُ في روايتي كلَّ الأحداثِ التي يمكنُ أن تحدثَ على الكرةِ الأرضيَّةِ ، ثمَّ ألمسُهَا بعدَ ذلكَ واقعًا كأنني من أصنعُهَا ..!
في الفصلِ الأخيرِ ماتَ بطلُ روايتي الطَّاغيةُ .. ففرحْتُ فرحتينِ ؛ لأنَّهُ ماتَ ، ولأنَّ روايتي اكتمَلَتْ بموتِهِ .. فقد حَطَطْتُ عن قلبي وزرَ عشرينَ عامًا منَ العذابِ ، وأنا أنسجُ خيوطَهَا ، وأرسمُ مشاهِدَها ، وَأُنَسِّقُ مَوَاقِفَهَا ، مجتهدًا في سَبْكِ أحداثِهَا بلغَةٍ فارهةٍ آسرةٍ .. كنتُ أودُّ أَنْ أُمِيتَهُ منَ السَّطرِ الأوَّلِ لولا ضَرورَاتُ الحبكةِ ، وَدواعي التَّشويقِ.
3
حينَ فَرَغْتُ من كتابةِ السَّطرِ الأخيرِ فيها .. وَضَعْتُ الرِّوَايَةَ في أحدِ أرففِ المكتبَةِ .. ووقفْتُ أنظرُ إليها .. بدَتْ لي قبرًا يطبقُ فكِّيهِ على الطَّاغيةِ بإحْكِامٍ .. هُيَّأ لي أنِّي أسمعُ أنَّاتِهِ تتسلَّلُ من تضاعيفِ الرِّوَايةِ .. سعدْتُ لأنني اقتصصْتُ منه لشعبي المسكينِ الذي ظلَّ عشرينَ عامًا يئنُّ تحتَ ظلمِهِ وطغيانِهِ .. سيسعَدُ أبناءُ شَعْبي كثيرًا ببطولتي الخارِقَةِ .. فقد أنهيْتُ كابوسَ الاَستعلاءِ المُنكَرِ بتحنيطِهِ بينَ دَفِّتي رِوَايتي .. كم هو مدهشٌ أن أستطيعَ تقديمَ هذا الصَّنيعِ المثاليِّ لشعبِي ، سيكرِّمُونني كأيِّ عظيمٍ .. وَقد يُنَصِّبُونني رئيسًا .. فأنا من اجتثثْتُ الطَّاغِيةَ منهيًا حُقبةً سودَاءَ منَ الظُّلمِ والعسفِ والجورِ والاستبدادِ..
4
5
نظرْتُ إلى صُوْرَتِهِ تتهَاوَى .. تتهشَّمُ .. فيما هُتَافُ الجمَاهيرِ مواويلُ فرحٍ .. وَزَغاريدُ انعتَاقٍ .. وأنا زَهْوٌ عَارِمٌ ، وانطلاقٌ بلا حدودٍ ..
6
أوصدَتُ البابَ بالمفتاحِ خوفًا من أن يهربَ .. لقد تعوَّدَ على الهروبِ ..
..........
ونمْتُ ..
7
سمعْتُ طرقًا قويًّا على البابِ .. ثمَّ صَوتَ تهشُّمِهِ .. فاقتحَامٌ سِافِرٌ لبيتي .. قوَّةٌ مدجَّجَةٌ بالسِّلاحِ .. عَسْكرٌ غِلاظٌ شِدَادٌ يُحَاصِرُونَني .. يقبضونَ عليَّ .. يقتادونَني إلى مكانٍ بعيدٍ بالغِ العتمةِ .. استغربْتُ أنَّ هذا الحدثَ هو الوحيدُ الذي لم يكنْ في الرِّوايَةِ .. أردْتُ أَنْ أصرخَ فيهم .. ليفهموا هذا.. !!
زَجُّوا بعبقريِّتي في سِجْنٍ انفراديٍّ مظلمٍ يشبِهُ كتابًا أَسْوَدَ مُغْلَقًا .. وهم يتربِسُونَ البابَ الحديديَّ الصَّدئَ .. كان يتهيَّأُ لي أَنِّي أَسْمَعُ هُتَافَ الشَّعْبِ .. أَغَانيَهُ وَزَغَارِيْدَهُ .. وَأُحِسُّ الْجِدَارَ الأَصَمَّ يتهاوى لتنبتَ صُوْرَتي في مكانِهِ ، فيما انبعَثَتِ الشَّمْسُ الحمراءُ في مكانِ البَابِ المتدَاعي..
8
" أورَاقٌ تُطْوَى .. رِوَايَةٌ تَكْتَمِلُ .. وَطَاغِيَةٌ يموتُ .. "
طرابلس / 25/4/2010
تعليق