سنكتب غدا
العقرب الصغيربين الخمسة والأربعين والخمسين , والعقرب الكبيربين السادسة ونيف , وأنا بين جمال (1)والتحرير(2)0
هؤلاء البشرالذين يمرون والذين يقعدون كالحون . أعينهم هربت بعد فراغهم من طقوس جلسة القات (3)إلى الأعلى وقعدت هناك كمسامير تتلقى الضربة الأولى لإدخالها في الخشب 0
كانت عيناي أبدا قد هربتا إلى الأعلى تتلقيان الضربة الأولى لإدخالهما في الخشب 0
القمرفي المنتصف ويومين , يطل بهامته فوق صنعاء القديمة (4) تتقاذفه أضواء التحريروعلي عبد المغني (5) مصاب بالصفار , منهك القوى , يكاد يسقط جثة هامدة فوق صنعاء القديمة 0
تدحرجت من نهاية جمال إلى التحرير, إمتطيت سلالم الحديقة , وعند أنقاض النافورة رغبت في كوب من حليب الشاي فعرجت باتجاه ثانوية ناصر0
في الشارع :
الناس : مثلي لاأحد يتحدث .... ليس من اثنين يسيران معا أويقفان 0
الناس : وحدانا مثلي .... يسيرون ويقفون ويقعدون : ذكورا 0
كل الأقدام : لاتوقع نغمة في الشارع 0
كل الصدور: لاتترجرج 0
كل العيون : بلا سيوف 0
كل العيون : بلابروق 0
كل العيون : تدخل في الخشب 0
عاصفة من الخشونة في الشارع , طعمت في حلقة بلة التراب 0
حين وصلت دخلت المقصف , نقدت المتربع هناك قيمة حليب الشاي ,قبضت بالكوب , سأجلس بعد قليل , ظللت واقفا لم أجلس ولارغبة بي في الوقوف 0
العقرب الكبيرفوق التاسعة , والعقرب الصغيربين الخمسين والخمسة والخمسين , لم أتبين البشرالذين ارتادوا المقصف والذين غادروه وأنا اتعامل مع كوب حليب الشاي هذا الذي بيدي 0
هاأنذا أرى بعيني اللتين تتلقيان الضربة الأولى لإدخالهما في الخشب مخلوقا يقف في مواجهتي صعدت عيناه عاليا في جبهتي ودخلت عيني , شعرت بانتفاضة في الحافة من الجبهة .....
ليس كوبا هذا الذي في يدي , يد تلك التي كانت في يدي ونحن نترك المقصف إلى الشارع 0
وأين القمر؟
هل قطع سماء الشارع ؟..... لكنه ليس في الغرب 0
هل ظل طريقه وتاه بين الشرفات ؟ 0
أتراه سقط جثة هامدة فوق صنعاء القديمة ؟0
السماء فوقنا بليدة 0
زمن مر قبل هذه اللحظة كالفجرالمحبوس خلف الفلق حتى استعدت ملامح صديقي المحبوسة خلف سنوات افتراقنا هذا الذي يناولني خبزا ويقول في كرم عظيم : تعش ياصديقي . هل تذكراللحظة الأخيرة قبل أن نفترق ؟
(أي لحظة أخيرة ؟ كلها اللحظات ....أخيرة )
- هل تزوجت ؟
· وأعطتني أطفالا .. كما من الأطفال 0
- كذلك أنا .. تزوجت . لكنك لم ترأحدا .. هاه ؟ ولم تسمع أحدا .. هاه ؟ . ليس من أحد عندي . خمسة عشرعاما على تلك اللحظة الأخيرة ... تركتنا وذهبت ... حين غادرتنا .... عاما ظللنا بعد الإفراج عنك ... لم نلتق منذ اليوم التالي لدخولنا المعتقل ... حين أفرجوا عنك أعادوني لأنظم للآخرين .... ثلاثة أشهروأفرجوا عنك ... ثلاثة أشهروأخرجوني من الانفراد .. كنت أنت قد غادرت المعتقل قبل ساعات ... إحتفلنا في المساء .. رقصنا لك ولأجلك رقصنا ... حنين هب في الصدور ونحن نتخيلك خارج المعتقل ....
حين خرجنا مات الوادعي ... خرج معنا ومات .... تلك الليلة اقتلعوه من حضنها ولما يمض أسبوع من العسل .... وأودعوه المعتقل... ومات بعد شهرين من الإفراج عنه 0
· أي عذاب هذا ؟
- عذاب من ؟
· هل خلفت له ولدا ؟
- لا . وقررت أن أتزوجها ... إنتظرت قبل أن أتقدم لها ... عاما قبل أن أتقدم لها . وأتيت بها إلى بيتي
· ورزقت منها أطفالا ؟
- ليس منها
· ليس منها ؟
- ذات ليلة على الفراش حدث شيئ في شفتيها . ذلك الشاطئ الذي يضعني على اليابسة ويكسرالأمواج القادمة من الأعماق .... أنصت تلك الليلة إلى الموج في الأعماق . أخذتني شفتاها بعيدا في البحر .البحرالليلة لاشاطئ له ... موج بلا حدود ... بلا انتهاء . في كل موجة رأيت الوادعي .. الوادعي .. الوادعي . في كل موجة سمعت الوادعي .. الوادعي .. الوادعي 0
في الليلة التالية عدت إلى المنزل متأخرا ولم أنم 0
وفي ليال تاليات لم ألمسها . إعتكفت في ركن من المنزل 0
ذات ليلة من تلك الليالي عادت تبكي . لكنها لم تقل شيئا . ولاأجزم أنها همست بشيئ . كنت بعيدا عن شفتيها 0
ذات ليلة تالية دنوت منها . وفي تطورلاحق ضممتها . ولبستها ولبستني ... نشيجها يركض في شفتي ... شفتاها تغوصان في شفتي ... همستها دخلت صدري ... الوادعي دخل صدري : دخل سرا . دخل همسا من شفتيها 0
في تلك الليلة تناولت قلما وورقة . ومضى الليل كله . وعند الفجركنت أكتب الحرف الأخير . وذهبت إلى المسجد . لم أعد إلى المنزل بعد الصلاة ... هل تدري أين ذهبت ؟ لم أذهب إلى مكان بل عدت إلى المنزل بعد أن وضعت الورقة في جيب أحدهم ونحن نخرج من المسجد ... بعد قليل شاهدت جابرعلي وهو في طريقه إلى بيتي ... جابرعلى أخوفاطمة ... دخل بيتي وخرج ومعه فاطمة .... الليل كله مذ خرجت من حضنها وأنا ألوك الأمر .... لكن !... عند الفجرانتهى كل شيئ برمته ... لقد طلقتها ياصديقي 0
وعند صديقي هذه توقف عن الحديث . قال : إنتظرني . سأعود . وذهب ... إلى أين ؟ ... أظن إلى داخل المنزل . إلا أنني لم أتبين ذلك
( أين أنت يافاطمة ؟... كان يتغنى بك في المعتقل .. يحزن لك في المعتقل .. يرمي أن يفرح بك .. أن يكمل جرعة العسل ويتلقى منك طفله الأول ... كان يردد دائما في المعتقل : ترى من منهما الأحب إلى هذا الفؤاد الوطن أم فاطمة ... شعلة انقدحت ليلة التقيتما ولم تنطفئ في صدريكما ... صدرداخل المعتقل وصدرخارج المعتقل .. صدربلاصدر أكان الذي هنا أوكان الذي هناك ... انتزعوه ولما يبل الريق ... وريق الصدرلايبل كما أي ريق )
وصنعاء تلهث في المساء . شهيقها لايغادرالزفير . وفي ليل ذيلها تموت الأنفاس . وأنا أفتح فمي وأستقطرالأوكسيجين 0
· وأين فاطمة ؟
- لم تقترن بأحد بعدي .. لاتتزوج المرأة على مرتين .... لقد ماتت . ماخلفت أحدا لي ولا للوادعي ... حين فتحوا الباب كانت ممدة بلا حراك وبلا أحد ... تدحرجت من بيتي إليها ... رأيتها كأنها نائمة ... سمعت كالدعاء في صدرها وكالنشيج . وأنصت إلى همهمة في صدري وبكيت ... ثم ........ بكيت 0
في المساء نتفت نفسي من جمال وذلفت إلى التحرير... إمتطيت سلالم الحديقة وعند أنقاض النافورة مارغبت في شيئ 0
تركت البشرهناك .....صعدت عيناي إلى الهامة .. رأيت فراغا لقيطا يشمل كل الدنيا وغادرتني أطرافي . وانبرت لي صنعاء عجوزا دلماء ذات شفتين من أسنان تحضنني وتقبلني 0
عدت إلى الفندق ... صعدت الدورالثاني .. أدرت المفتاح وانفرج الباب ...كانت تلك العجوز الدلماء ذات شفتين من أسنان في الداخل فوق سريري تفتح ذراعيها وتستعجلني في الدخول إليها ... تركت الفندق
عبرت المدخل ... تركت ورائي ذيل القصرالجمهوري الساقط بين فندق أروى ودار الكتب ...
أنا الآن في دارالكتب لأول مرة ... أرشدني مسئول الدار إلى صندوق الفهارس ... حامت عيناي واستقرت هنا فوق فهرست الرواية ... قرضت عيناي العناوين من الألف إلى الياء ... كنت أبحث عن ثلاث روايات لم أكمل قراءتي لها :
الشمي في يوم غائم لحنا مينه ... والحب في زمن الكوليرا لغابو ... وزوربا لكازانتاكي ... الأخيرة هذه قرأت فيها مرتين ولم أكملها في كلتيهما .
- إلى من أدفع الثمن ؟ . سألته 0
قال : نحن لانبيع . وأشارلي على مبنى مجاورلما يكتمل بناؤه وأضاف : عندما نفتح ذلك سيحوي مكتبة كبيرة تباع فيها الكتب . الآن يمكنك القراءة أوالاستعارة 0
هم لايبعون كتبهم . قفلت راجعا . كنت في عجالة من صنعاء . ولن أتمكن من المطالعة في الدار0
الساعة قبيل الثانية عشرة . وشمس صنعاء تحفربين الأذن والصدغ . وذيل القصرالجمهوري الساقط بين الداروفندق أروى يتمدد في عيني 0
كانت أول قدم لي في الخارج من سورالدارتهبط في الذيل حين فقدت وزني وتهاويت على الرصيف ... إلتقت عيناي عينيه وأنا أتهاوى ... كان يجري ... رأيته يتعثر في قدمي ويجري شرقا يجروراءه رجال الشرطة وكومة من الناس تنفرط وتلتئم أبدا 0
أوقعني على الغرب وهرول شرقا . كان شيئا في يده . قال شيئا لم يتبين لي . حين ارتطم بي والتقت عينانا قرأت شيئا هوذلك الشيئ الذي لم أتبينه .
شاهدتهم إلى الشرق حتى آخرالذيل هناك . أين اتجه بهم لاحقا ؟ ....
إنبلجت على التوأكوام الروايات . إنفلجت طازجة على جانبي الذيل . إمتدت إلى الشرق حتى عبد المغني . إجتازت أبواب صنعاء القديمة 0
قيل أنه كان سجين رأي . وأن سالف أيامه قضاها في المعتقل . وأن عينيه لاتريان النورإلا مقطبتان . وأنه لايفتحهما فتحة تامة إلا حين ينام ملئ جفنيه . ولايتكلم إلا نادرا . وإذا تكلم عليك أن تبحث أنت عن الحروف التي فقدت لسانه العلاقة بها . وإذا رأيت كومة من البشرواقفة أوتسيرفذاك هو واقفا أويسير, لقد رأيت الكومة تجري , فذاك هوكان يجري 0
قيل أنه وهويجري على الذيل كان قادما من القصروأنه كان يحمل شيئا في يده خرج به من هناك . وأن رجال الشرطة في إثره من حارة إلى حارة ومن زقاق إلى زقاق . ومع أن روايات أخر نفت أن يكون شيئا قد تمت سرقته من القصرفإنها لم تنف السرقة ونحى بعضها إلى القول أن للرجل باع في أمرالسرقة ودللوا على المسألة باعترافه مرة أنه يقبض الرشوة 0
الرجل يقبض الرشوة ! بصقت 0
قال صاحب الفندق : وكانت له عشيقة إسمها فاطمة لم يكتف بقتل الوادعي زوجها ليضمها إليه , لقد ألحقها بالوادعي ليلة وجدها وهي في عصمته تنشج في صدرعشيق جديد 0
(الرجل قتل فاطمة . وقبلها قتل الوادعي ). بصقت 0
في صنعاء الفجرلقيط في الشارع لايلتقطه أحد . يصرخ حتى يموت لاينتبه إليه أحد .
( فاطمة في حضن عشيق غيره جديد)0
نثارالرمل تتزوبع في حلقي ... وأنا لم أدخل الليل ... تمددت فوق قشرة النهارلم أثقبها , لابالنائم أنا ولاباليقظان 0
عند الظهيرة حملت حقيبتي غادرت الفندق وانطلقت إلى فرزة (6) حجة (7). كان أحدهم يتابعني منذ خروجي من باب الفندق ... فتحت باب السيارة البيجو. جلست في المقعد الخلفي . كان ذلك الرجل ينظرنحوي ويحدث الآخرين
حدثنا سمسارالفرزة ونحن ننقده الأجرة في جسم البيجو قال : كان الرجل يقبض الرشوة من المواطن . ويبعث بها إلى بيت المال . ويقوم في اليوم الأول من الشهرالتالي بتوزيع مااجتمع في بيت المال من الرشوات على الموظفين . وتبعه في ذلك باقوا الموظفين . فبعثوا بالرشوات إلى بيت المال
وزاد السمسارعلى ذلك بقوله : فماكنت تعلم عن رشوة إلا وتدخل بييت المال . ولاعن حساب في بيت المال أعظم من حساب الرشوة . ولا أشرف منه ولا أصدق . مرة إتهموه بأنه يقبض الرشوة , لم يتردد واعترف حالا قال : نعم . ولم يكذب ... لم يعرف الكذب ولوكانت فيه نجاته . كان يقول : الكذاب أدنى مرتبة من الجبان . فتقشعر أبداننا أن يكون الجبان أعلى مرتبة من الكذاب 0
وانطلقت البيجو بنا التسعة وسائقنا شمالا 0
إنهم يفتشون الداخلين إلى صنعاء . لماذا في الأزرقين(8)يفتشون الخارجين ؟ . قال ذلك أحد الركاب ونحن نترك نقطة الأزرقين 0
زفيرصنعاء يلاحق الأنفاس إلى الأشمور(9) وماتتبعت الحديث إلا عند : ورزق منها أطفالا 0 الكلمات التي سلفت لاأذكرها تحديدا لكنها لاتخل بتماسك المعنى . لعله قال أنه صديق للرجل وأضاف : وأسماها فاطمة . فاطمة لم تنجب له لكن هذه أعطته ابنة . لم نرها هذه الجديدة ولاابنتها . كنا نتندرعليه ونقول له : أين جنيتك وابنتها ؟
آخرمرة ضاقت به الحال حتى قرض أظافره وماعدنا نراه . ظللنا نسأل عنه . لم نعثرعليه . وإن كانت قد تضاربت الأنباء حول قرض أظافره بل وطغى خبرعلى كل الأخباريقول : إن الرجل تأتيه الأشياء فوق طبق من ذهب .
وعند طبق الذهب هذا اعترضنا طريق قصركحلان عفار(10). أوقف السائق السيارة وكمن أطبق على فم صاحبنا الذي أخذ أمتعته وصعد ببقية الحديث إلى كحلان عفار
... الضباب يذهب حينا ويعود حينا ويعيق سيرنا ... وأيهما أدنى ؟ السحابة أم الخذالي (11)... هانحن في السحابة وفي الخذالي 0
قال السائق : من هنا هوت طفلتهما البكر0
أبصرت حيث أشار . لم تتمكن عيناي من الغوص إلى قعرالخذالي 0
تركاها تلهووذهبا يلهوان . وحين التفتا لم يرياها 0
دنت من الحافة وطارت .... علها رأت ماأدهش طفولتها فطارت إليه . هكذا رحت أفسرحديث السائق قبل أن أتحول إلى أحد الركاب معي في المقعد الخلفي الذي قال كلمات ثلاث واختنق 0سارعنا إليه بالماء شرب لكنه ظل يتنفس في عسر .. أخرج القات من فمه لكنه لم يتمكن من التحدث ثانية . لم يزد حرفا فوق كلماته الثلاث تلك : هل حقا مات الرجل ؟. لكن الكحلاني لم يقل أنه مات . وهذا ثلاث ولم يزد . كنت سأبحث الأمرمعه . وددت ألا يتركنا قبل أن يعاود الكلام لكنه لم ينطق . ظل يحبس أنفاسه .
شاهدتها تنفخ رأسه وتخرج كرها من عينيه وأنا أسقيه الماء بين لحظة وأخرى 0
سأنزل هنا . قال أحد الركاب 0
وهنا ليالي الدفء والقمر ... في قريتي ... نخرج في بيوتنا ... ننام في عراء الدفء ... لاسقف فوق قريتي يطفئ القمر ... ولاجدار يحبس الأفق ... الليل مفتوح على مصراعيه ... هاأنذا أبني شيئا في السماء .
أدخل السحابة كالحلم ... وأخرج منها كالوهج ... أسيرفاغرا دهشتي في إرم ذات العماد التي لم أرمثلها في البلاد مأخوذا من رأسي حتى قدمي كهذه القطرة التي أتت معها بلألأة البرق ودندنة الرعد وقرعت صدري حين دق أذني قرع على بابي 0
من هذا الذي جاء مع المطر ؟
فتحت الباب . كان هوبشحمه ولحمة وناظريه 0
قطرات الماء غيرمتزاحمة .... شفافة ... حنونة 0
أشرت عله بالدخول لكنه أمسك بيدي وقال :
لاياعبد الرحمن . هنا أفضل . تلك الليلة عدت ... كنت أنت نائما ... ماأيقظتك . تركتك تنام . كنت سأقول كل شيئ .. ما أيقظتك تركتك تنام 0
أنا ياعبدالرحمن لم أقتل فاطمة . ولم أقتل الوادعي . ولم أسرق شيئا من القصر . ولم أنم مع جنية على فراش واحد . وصاحب كحلان عفارهذا لايعرفني . وحين ارتطمت بك كان ذلك وأنت نائم عندي . وذلك الذي كنت أحمله في يدي لم يكن غيرفرافرالخبزالذي تعشيناه معا . وذاك الذي تقول أنك قرأته في عيني كان وسنا كابيا على أبوابها . وتلك الطفلة البكرالتي هوت من رأس الخذالي ليست ابنتي 0
· لم يقل أحد أنها ابنتك .
- بل في نفسك شيئ من هذا . ستراجع كتابتك وستسميها ابنتي . وبينما الآخرون يتحدثون فأنت تكتب . مزق ماكتبت ياعبدالرحمن 0
فقط أنا أخذتك من المقصف في شارع على عبد المغني . لاتسأل كيف علمت أنك هناك . ونمت ليلتها عندي . إكتب إلى اللحظة التي نمت عندها . أنا أعرف أنك لا تميزالمسألة واختلط عليك الأمر0
إصغ إلى : مزق ماكتبت ... 0
دعك من طبق الذهب وقرض الأظافروسم الأموربمسمياتها
لن أحشرنفسي في مسألة دارالكتب . تلك لك .. هذه وحدها وماسواها هوكله لي 0
سأروي أنا وتكتب أنت
· تفضل أولا ... أنت الآن ضيفي 0
- لست ضيفك الآن
· بل تفضل . أهكذا أنت تروي وأنا أكتب والبيت دوننا في الداخل ؟
- ليس اليوم ...بل ....
· في مثل هذه الساعة ؟ تحت هذه السماء ؟
لم يقل شيئا ... وضع في يدي قصاصة ورق . لف يده على يدي عليها . قال : لقد قلت شيئا على الورق . وقفل راجعا 0
كنت مرهقا والنوم يتكثف في عيني وسيمطرغزيرا :
جاء ني باكرا غائرالوجد . كنت أستعد ليوم عمل جديد . لم يقل شيئا . وضع في يدي قصاصة ورق وقال : لقد قلت شيئا على الورق . وقفل راجعا 0
علمت أنه في حاجة إلى مبلغ من المال لإجراء عملية لابنته قال إن أحدا قد اغتصبها 0
سأعترف أنني لن أسجل الأمرتماما كما دارفي القصاصة . فلن أتحدث مثلا عن ذلك الزلزال الذي ضرب القلم وتلك النزلات التي نزلها ليعود ولايكتب قبل أن يكتب الحرف الأول في : (إني في حاجة إلى مبلغ من المال ). ولا عن الكلمة العنقاء التي دسها في القصاصة دون باقي الكلام وظلت تطل برأسها فوقهن جميعا تحدث خبرالاغتصاب 0
وكي لاأتورط في دقائق يصعب الفكاك منها فقد أعلمني أن العملية ستجري نهارا جهارا وأنه سيكون قبل ذلك عندي 0
شرعت أتدبرالأمر0
تحمس الصحاب وزملائي في العمل وجمعنا مبلغا أول 0
وهاأنذا أنتظر ...
لم يأت ... لاأذكرالآن القلم والورق الذي احتفظت به ليلتها لأكتب مايرويه حين يعود . لقد قلبت زوجتي الوضع في بيتنا رأسا على عقب في كل رمضان من كل عام مربنا جريا على عادة أهل قريتي عند مقدم الشهرالكرييم 0
أما المبلغ الذي جمعناه لإسعاف ابنته فلازال مصانا كل ريال يشم رائحة صاحبه 0
هل أنتظرزمنا آخر ؟
لقد عزمت أمري أن أذهب يوم غد إلى كل واحد منهم وأعيد له المال الذي تبرع به . سيسألون : متى كان ذلك ؟ سيكونون نسوا الأمرإلى الحد الذي سينكرون أنهم في يوم من الأيام جمعوا مبلغامن المال لإجراء عملية لفتاة اغتصبها رجل
فتحت شنطة النقود . مددت يدي لأتناولها
ليست نقودا هذه التي أتناولها ... كانت عيناي هما هاتين اللتبن أفركهما الآن بيدي حين بدأت أصحو
... لازال ليلا .... ولازال بعض من نوم وحلم بها .
رائحة البنكنوت في الحلم لازالت تزكم أنفي وأنا أصحو
... سحبت يدي من تحت الوسادة فتحت القصاصة التي دسها في يدي قبل أن يقفل راجعا ...
وقرأت .... لازال بعض من نوم وحلم في عيني .... زدت افرك عيني ... بحلقت في القصاصة
وقرأت :
مزق ماكتبت .... ياعبد الرحمن
أشفق عليك في مجتمع لايقرأ اليوم وأشك أنه سيكتب غدا 0 (تمت )
الهامش : -
1- شارع في صنعاء
2- الميدان الرئيس في صنعا ءوفيه تقع الدبابة التي صوبت أولى الطلقات على قصرالإمام محمد البدرأثناء قيام ثورة 26 سبتمبرعام 1962م
3- القات : شجرة يتم تخزين أوراقها داخل الفم ومضغها لعدة ساعات في اليوم من بعد الظهر إلى ساعات من الليل متقدمةعند البعض ومتأخرة عند البعض الآخر0
4- صنعاء القديمة : المدينة القديمة في صنعاء . مبنية على الطرازاليمني الخالص وهي إحدى المدن المصنفة والمحافظ عليها من اليونوسكو
5- شارع ريئيس في صنعاء
6- الفرزة : موقف سيارات الأجرة بين المحافظات 0
7- حجة : مدينة سياحية تقع شمال صنعاء وهي مركز محافظة من محافظات اليمن
8- نقطة أمنية في شمال صنعاء
9- منطقة تقع في المسافة بين صنعاء وحجة 0
10- قصر أثري في منطقة كحلان عفار شمال صنعاء
11- الخذالي : قمة جبل عالية على الطريق بين صنعاء وحجة وبها منتجع سياحي طبيعي 0
العقرب الصغيربين الخمسة والأربعين والخمسين , والعقرب الكبيربين السادسة ونيف , وأنا بين جمال (1)والتحرير(2)0
هؤلاء البشرالذين يمرون والذين يقعدون كالحون . أعينهم هربت بعد فراغهم من طقوس جلسة القات (3)إلى الأعلى وقعدت هناك كمسامير تتلقى الضربة الأولى لإدخالها في الخشب 0
كانت عيناي أبدا قد هربتا إلى الأعلى تتلقيان الضربة الأولى لإدخالهما في الخشب 0
القمرفي المنتصف ويومين , يطل بهامته فوق صنعاء القديمة (4) تتقاذفه أضواء التحريروعلي عبد المغني (5) مصاب بالصفار , منهك القوى , يكاد يسقط جثة هامدة فوق صنعاء القديمة 0
تدحرجت من نهاية جمال إلى التحرير, إمتطيت سلالم الحديقة , وعند أنقاض النافورة رغبت في كوب من حليب الشاي فعرجت باتجاه ثانوية ناصر0
في الشارع :
الناس : مثلي لاأحد يتحدث .... ليس من اثنين يسيران معا أويقفان 0
الناس : وحدانا مثلي .... يسيرون ويقفون ويقعدون : ذكورا 0
كل الأقدام : لاتوقع نغمة في الشارع 0
كل الصدور: لاتترجرج 0
كل العيون : بلا سيوف 0
كل العيون : بلابروق 0
كل العيون : تدخل في الخشب 0
عاصفة من الخشونة في الشارع , طعمت في حلقة بلة التراب 0
حين وصلت دخلت المقصف , نقدت المتربع هناك قيمة حليب الشاي ,قبضت بالكوب , سأجلس بعد قليل , ظللت واقفا لم أجلس ولارغبة بي في الوقوف 0
العقرب الكبيرفوق التاسعة , والعقرب الصغيربين الخمسين والخمسة والخمسين , لم أتبين البشرالذين ارتادوا المقصف والذين غادروه وأنا اتعامل مع كوب حليب الشاي هذا الذي بيدي 0
هاأنذا أرى بعيني اللتين تتلقيان الضربة الأولى لإدخالهما في الخشب مخلوقا يقف في مواجهتي صعدت عيناه عاليا في جبهتي ودخلت عيني , شعرت بانتفاضة في الحافة من الجبهة .....
ليس كوبا هذا الذي في يدي , يد تلك التي كانت في يدي ونحن نترك المقصف إلى الشارع 0
وأين القمر؟
هل قطع سماء الشارع ؟..... لكنه ليس في الغرب 0
هل ظل طريقه وتاه بين الشرفات ؟ 0
أتراه سقط جثة هامدة فوق صنعاء القديمة ؟0
السماء فوقنا بليدة 0
زمن مر قبل هذه اللحظة كالفجرالمحبوس خلف الفلق حتى استعدت ملامح صديقي المحبوسة خلف سنوات افتراقنا هذا الذي يناولني خبزا ويقول في كرم عظيم : تعش ياصديقي . هل تذكراللحظة الأخيرة قبل أن نفترق ؟
(أي لحظة أخيرة ؟ كلها اللحظات ....أخيرة )
- هل تزوجت ؟
· وأعطتني أطفالا .. كما من الأطفال 0
- كذلك أنا .. تزوجت . لكنك لم ترأحدا .. هاه ؟ ولم تسمع أحدا .. هاه ؟ . ليس من أحد عندي . خمسة عشرعاما على تلك اللحظة الأخيرة ... تركتنا وذهبت ... حين غادرتنا .... عاما ظللنا بعد الإفراج عنك ... لم نلتق منذ اليوم التالي لدخولنا المعتقل ... حين أفرجوا عنك أعادوني لأنظم للآخرين .... ثلاثة أشهروأفرجوا عنك ... ثلاثة أشهروأخرجوني من الانفراد .. كنت أنت قد غادرت المعتقل قبل ساعات ... إحتفلنا في المساء .. رقصنا لك ولأجلك رقصنا ... حنين هب في الصدور ونحن نتخيلك خارج المعتقل ....
حين خرجنا مات الوادعي ... خرج معنا ومات .... تلك الليلة اقتلعوه من حضنها ولما يمض أسبوع من العسل .... وأودعوه المعتقل... ومات بعد شهرين من الإفراج عنه 0
· أي عذاب هذا ؟
- عذاب من ؟
· هل خلفت له ولدا ؟
- لا . وقررت أن أتزوجها ... إنتظرت قبل أن أتقدم لها ... عاما قبل أن أتقدم لها . وأتيت بها إلى بيتي
· ورزقت منها أطفالا ؟
- ليس منها
· ليس منها ؟
- ذات ليلة على الفراش حدث شيئ في شفتيها . ذلك الشاطئ الذي يضعني على اليابسة ويكسرالأمواج القادمة من الأعماق .... أنصت تلك الليلة إلى الموج في الأعماق . أخذتني شفتاها بعيدا في البحر .البحرالليلة لاشاطئ له ... موج بلا حدود ... بلا انتهاء . في كل موجة رأيت الوادعي .. الوادعي .. الوادعي . في كل موجة سمعت الوادعي .. الوادعي .. الوادعي 0
في الليلة التالية عدت إلى المنزل متأخرا ولم أنم 0
وفي ليال تاليات لم ألمسها . إعتكفت في ركن من المنزل 0
ذات ليلة من تلك الليالي عادت تبكي . لكنها لم تقل شيئا . ولاأجزم أنها همست بشيئ . كنت بعيدا عن شفتيها 0
ذات ليلة تالية دنوت منها . وفي تطورلاحق ضممتها . ولبستها ولبستني ... نشيجها يركض في شفتي ... شفتاها تغوصان في شفتي ... همستها دخلت صدري ... الوادعي دخل صدري : دخل سرا . دخل همسا من شفتيها 0
في تلك الليلة تناولت قلما وورقة . ومضى الليل كله . وعند الفجركنت أكتب الحرف الأخير . وذهبت إلى المسجد . لم أعد إلى المنزل بعد الصلاة ... هل تدري أين ذهبت ؟ لم أذهب إلى مكان بل عدت إلى المنزل بعد أن وضعت الورقة في جيب أحدهم ونحن نخرج من المسجد ... بعد قليل شاهدت جابرعلي وهو في طريقه إلى بيتي ... جابرعلى أخوفاطمة ... دخل بيتي وخرج ومعه فاطمة .... الليل كله مذ خرجت من حضنها وأنا ألوك الأمر .... لكن !... عند الفجرانتهى كل شيئ برمته ... لقد طلقتها ياصديقي 0
وعند صديقي هذه توقف عن الحديث . قال : إنتظرني . سأعود . وذهب ... إلى أين ؟ ... أظن إلى داخل المنزل . إلا أنني لم أتبين ذلك
( أين أنت يافاطمة ؟... كان يتغنى بك في المعتقل .. يحزن لك في المعتقل .. يرمي أن يفرح بك .. أن يكمل جرعة العسل ويتلقى منك طفله الأول ... كان يردد دائما في المعتقل : ترى من منهما الأحب إلى هذا الفؤاد الوطن أم فاطمة ... شعلة انقدحت ليلة التقيتما ولم تنطفئ في صدريكما ... صدرداخل المعتقل وصدرخارج المعتقل .. صدربلاصدر أكان الذي هنا أوكان الذي هناك ... انتزعوه ولما يبل الريق ... وريق الصدرلايبل كما أي ريق )
وصنعاء تلهث في المساء . شهيقها لايغادرالزفير . وفي ليل ذيلها تموت الأنفاس . وأنا أفتح فمي وأستقطرالأوكسيجين 0
· وأين فاطمة ؟
- لم تقترن بأحد بعدي .. لاتتزوج المرأة على مرتين .... لقد ماتت . ماخلفت أحدا لي ولا للوادعي ... حين فتحوا الباب كانت ممدة بلا حراك وبلا أحد ... تدحرجت من بيتي إليها ... رأيتها كأنها نائمة ... سمعت كالدعاء في صدرها وكالنشيج . وأنصت إلى همهمة في صدري وبكيت ... ثم ........ بكيت 0
في المساء نتفت نفسي من جمال وذلفت إلى التحرير... إمتطيت سلالم الحديقة وعند أنقاض النافورة مارغبت في شيئ 0
تركت البشرهناك .....صعدت عيناي إلى الهامة .. رأيت فراغا لقيطا يشمل كل الدنيا وغادرتني أطرافي . وانبرت لي صنعاء عجوزا دلماء ذات شفتين من أسنان تحضنني وتقبلني 0
عدت إلى الفندق ... صعدت الدورالثاني .. أدرت المفتاح وانفرج الباب ...كانت تلك العجوز الدلماء ذات شفتين من أسنان في الداخل فوق سريري تفتح ذراعيها وتستعجلني في الدخول إليها ... تركت الفندق
عبرت المدخل ... تركت ورائي ذيل القصرالجمهوري الساقط بين فندق أروى ودار الكتب ...
أنا الآن في دارالكتب لأول مرة ... أرشدني مسئول الدار إلى صندوق الفهارس ... حامت عيناي واستقرت هنا فوق فهرست الرواية ... قرضت عيناي العناوين من الألف إلى الياء ... كنت أبحث عن ثلاث روايات لم أكمل قراءتي لها :
الشمي في يوم غائم لحنا مينه ... والحب في زمن الكوليرا لغابو ... وزوربا لكازانتاكي ... الأخيرة هذه قرأت فيها مرتين ولم أكملها في كلتيهما .
- إلى من أدفع الثمن ؟ . سألته 0
قال : نحن لانبيع . وأشارلي على مبنى مجاورلما يكتمل بناؤه وأضاف : عندما نفتح ذلك سيحوي مكتبة كبيرة تباع فيها الكتب . الآن يمكنك القراءة أوالاستعارة 0
هم لايبعون كتبهم . قفلت راجعا . كنت في عجالة من صنعاء . ولن أتمكن من المطالعة في الدار0
الساعة قبيل الثانية عشرة . وشمس صنعاء تحفربين الأذن والصدغ . وذيل القصرالجمهوري الساقط بين الداروفندق أروى يتمدد في عيني 0
كانت أول قدم لي في الخارج من سورالدارتهبط في الذيل حين فقدت وزني وتهاويت على الرصيف ... إلتقت عيناي عينيه وأنا أتهاوى ... كان يجري ... رأيته يتعثر في قدمي ويجري شرقا يجروراءه رجال الشرطة وكومة من الناس تنفرط وتلتئم أبدا 0
أوقعني على الغرب وهرول شرقا . كان شيئا في يده . قال شيئا لم يتبين لي . حين ارتطم بي والتقت عينانا قرأت شيئا هوذلك الشيئ الذي لم أتبينه .
شاهدتهم إلى الشرق حتى آخرالذيل هناك . أين اتجه بهم لاحقا ؟ ....
إنبلجت على التوأكوام الروايات . إنفلجت طازجة على جانبي الذيل . إمتدت إلى الشرق حتى عبد المغني . إجتازت أبواب صنعاء القديمة 0
قيل أنه كان سجين رأي . وأن سالف أيامه قضاها في المعتقل . وأن عينيه لاتريان النورإلا مقطبتان . وأنه لايفتحهما فتحة تامة إلا حين ينام ملئ جفنيه . ولايتكلم إلا نادرا . وإذا تكلم عليك أن تبحث أنت عن الحروف التي فقدت لسانه العلاقة بها . وإذا رأيت كومة من البشرواقفة أوتسيرفذاك هو واقفا أويسير, لقد رأيت الكومة تجري , فذاك هوكان يجري 0
قيل أنه وهويجري على الذيل كان قادما من القصروأنه كان يحمل شيئا في يده خرج به من هناك . وأن رجال الشرطة في إثره من حارة إلى حارة ومن زقاق إلى زقاق . ومع أن روايات أخر نفت أن يكون شيئا قد تمت سرقته من القصرفإنها لم تنف السرقة ونحى بعضها إلى القول أن للرجل باع في أمرالسرقة ودللوا على المسألة باعترافه مرة أنه يقبض الرشوة 0
الرجل يقبض الرشوة ! بصقت 0
قال صاحب الفندق : وكانت له عشيقة إسمها فاطمة لم يكتف بقتل الوادعي زوجها ليضمها إليه , لقد ألحقها بالوادعي ليلة وجدها وهي في عصمته تنشج في صدرعشيق جديد 0
(الرجل قتل فاطمة . وقبلها قتل الوادعي ). بصقت 0
في صنعاء الفجرلقيط في الشارع لايلتقطه أحد . يصرخ حتى يموت لاينتبه إليه أحد .
( فاطمة في حضن عشيق غيره جديد)0
نثارالرمل تتزوبع في حلقي ... وأنا لم أدخل الليل ... تمددت فوق قشرة النهارلم أثقبها , لابالنائم أنا ولاباليقظان 0
عند الظهيرة حملت حقيبتي غادرت الفندق وانطلقت إلى فرزة (6) حجة (7). كان أحدهم يتابعني منذ خروجي من باب الفندق ... فتحت باب السيارة البيجو. جلست في المقعد الخلفي . كان ذلك الرجل ينظرنحوي ويحدث الآخرين
حدثنا سمسارالفرزة ونحن ننقده الأجرة في جسم البيجو قال : كان الرجل يقبض الرشوة من المواطن . ويبعث بها إلى بيت المال . ويقوم في اليوم الأول من الشهرالتالي بتوزيع مااجتمع في بيت المال من الرشوات على الموظفين . وتبعه في ذلك باقوا الموظفين . فبعثوا بالرشوات إلى بيت المال
وزاد السمسارعلى ذلك بقوله : فماكنت تعلم عن رشوة إلا وتدخل بييت المال . ولاعن حساب في بيت المال أعظم من حساب الرشوة . ولا أشرف منه ولا أصدق . مرة إتهموه بأنه يقبض الرشوة , لم يتردد واعترف حالا قال : نعم . ولم يكذب ... لم يعرف الكذب ولوكانت فيه نجاته . كان يقول : الكذاب أدنى مرتبة من الجبان . فتقشعر أبداننا أن يكون الجبان أعلى مرتبة من الكذاب 0
وانطلقت البيجو بنا التسعة وسائقنا شمالا 0
إنهم يفتشون الداخلين إلى صنعاء . لماذا في الأزرقين(8)يفتشون الخارجين ؟ . قال ذلك أحد الركاب ونحن نترك نقطة الأزرقين 0
زفيرصنعاء يلاحق الأنفاس إلى الأشمور(9) وماتتبعت الحديث إلا عند : ورزق منها أطفالا 0 الكلمات التي سلفت لاأذكرها تحديدا لكنها لاتخل بتماسك المعنى . لعله قال أنه صديق للرجل وأضاف : وأسماها فاطمة . فاطمة لم تنجب له لكن هذه أعطته ابنة . لم نرها هذه الجديدة ولاابنتها . كنا نتندرعليه ونقول له : أين جنيتك وابنتها ؟
آخرمرة ضاقت به الحال حتى قرض أظافره وماعدنا نراه . ظللنا نسأل عنه . لم نعثرعليه . وإن كانت قد تضاربت الأنباء حول قرض أظافره بل وطغى خبرعلى كل الأخباريقول : إن الرجل تأتيه الأشياء فوق طبق من ذهب .
وعند طبق الذهب هذا اعترضنا طريق قصركحلان عفار(10). أوقف السائق السيارة وكمن أطبق على فم صاحبنا الذي أخذ أمتعته وصعد ببقية الحديث إلى كحلان عفار
... الضباب يذهب حينا ويعود حينا ويعيق سيرنا ... وأيهما أدنى ؟ السحابة أم الخذالي (11)... هانحن في السحابة وفي الخذالي 0
قال السائق : من هنا هوت طفلتهما البكر0
أبصرت حيث أشار . لم تتمكن عيناي من الغوص إلى قعرالخذالي 0
تركاها تلهووذهبا يلهوان . وحين التفتا لم يرياها 0
دنت من الحافة وطارت .... علها رأت ماأدهش طفولتها فطارت إليه . هكذا رحت أفسرحديث السائق قبل أن أتحول إلى أحد الركاب معي في المقعد الخلفي الذي قال كلمات ثلاث واختنق 0سارعنا إليه بالماء شرب لكنه ظل يتنفس في عسر .. أخرج القات من فمه لكنه لم يتمكن من التحدث ثانية . لم يزد حرفا فوق كلماته الثلاث تلك : هل حقا مات الرجل ؟. لكن الكحلاني لم يقل أنه مات . وهذا ثلاث ولم يزد . كنت سأبحث الأمرمعه . وددت ألا يتركنا قبل أن يعاود الكلام لكنه لم ينطق . ظل يحبس أنفاسه .
شاهدتها تنفخ رأسه وتخرج كرها من عينيه وأنا أسقيه الماء بين لحظة وأخرى 0
سأنزل هنا . قال أحد الركاب 0
وهنا ليالي الدفء والقمر ... في قريتي ... نخرج في بيوتنا ... ننام في عراء الدفء ... لاسقف فوق قريتي يطفئ القمر ... ولاجدار يحبس الأفق ... الليل مفتوح على مصراعيه ... هاأنذا أبني شيئا في السماء .
أدخل السحابة كالحلم ... وأخرج منها كالوهج ... أسيرفاغرا دهشتي في إرم ذات العماد التي لم أرمثلها في البلاد مأخوذا من رأسي حتى قدمي كهذه القطرة التي أتت معها بلألأة البرق ودندنة الرعد وقرعت صدري حين دق أذني قرع على بابي 0
من هذا الذي جاء مع المطر ؟
فتحت الباب . كان هوبشحمه ولحمة وناظريه 0
قطرات الماء غيرمتزاحمة .... شفافة ... حنونة 0
أشرت عله بالدخول لكنه أمسك بيدي وقال :
لاياعبد الرحمن . هنا أفضل . تلك الليلة عدت ... كنت أنت نائما ... ماأيقظتك . تركتك تنام . كنت سأقول كل شيئ .. ما أيقظتك تركتك تنام 0
أنا ياعبدالرحمن لم أقتل فاطمة . ولم أقتل الوادعي . ولم أسرق شيئا من القصر . ولم أنم مع جنية على فراش واحد . وصاحب كحلان عفارهذا لايعرفني . وحين ارتطمت بك كان ذلك وأنت نائم عندي . وذلك الذي كنت أحمله في يدي لم يكن غيرفرافرالخبزالذي تعشيناه معا . وذاك الذي تقول أنك قرأته في عيني كان وسنا كابيا على أبوابها . وتلك الطفلة البكرالتي هوت من رأس الخذالي ليست ابنتي 0
· لم يقل أحد أنها ابنتك .
- بل في نفسك شيئ من هذا . ستراجع كتابتك وستسميها ابنتي . وبينما الآخرون يتحدثون فأنت تكتب . مزق ماكتبت ياعبدالرحمن 0
فقط أنا أخذتك من المقصف في شارع على عبد المغني . لاتسأل كيف علمت أنك هناك . ونمت ليلتها عندي . إكتب إلى اللحظة التي نمت عندها . أنا أعرف أنك لا تميزالمسألة واختلط عليك الأمر0
إصغ إلى : مزق ماكتبت ... 0
دعك من طبق الذهب وقرض الأظافروسم الأموربمسمياتها
لن أحشرنفسي في مسألة دارالكتب . تلك لك .. هذه وحدها وماسواها هوكله لي 0
سأروي أنا وتكتب أنت
· تفضل أولا ... أنت الآن ضيفي 0
- لست ضيفك الآن
· بل تفضل . أهكذا أنت تروي وأنا أكتب والبيت دوننا في الداخل ؟
- ليس اليوم ...بل ....
· في مثل هذه الساعة ؟ تحت هذه السماء ؟
لم يقل شيئا ... وضع في يدي قصاصة ورق . لف يده على يدي عليها . قال : لقد قلت شيئا على الورق . وقفل راجعا 0
كنت مرهقا والنوم يتكثف في عيني وسيمطرغزيرا :
جاء ني باكرا غائرالوجد . كنت أستعد ليوم عمل جديد . لم يقل شيئا . وضع في يدي قصاصة ورق وقال : لقد قلت شيئا على الورق . وقفل راجعا 0
علمت أنه في حاجة إلى مبلغ من المال لإجراء عملية لابنته قال إن أحدا قد اغتصبها 0
سأعترف أنني لن أسجل الأمرتماما كما دارفي القصاصة . فلن أتحدث مثلا عن ذلك الزلزال الذي ضرب القلم وتلك النزلات التي نزلها ليعود ولايكتب قبل أن يكتب الحرف الأول في : (إني في حاجة إلى مبلغ من المال ). ولا عن الكلمة العنقاء التي دسها في القصاصة دون باقي الكلام وظلت تطل برأسها فوقهن جميعا تحدث خبرالاغتصاب 0
وكي لاأتورط في دقائق يصعب الفكاك منها فقد أعلمني أن العملية ستجري نهارا جهارا وأنه سيكون قبل ذلك عندي 0
شرعت أتدبرالأمر0
تحمس الصحاب وزملائي في العمل وجمعنا مبلغا أول 0
وهاأنذا أنتظر ...
لم يأت ... لاأذكرالآن القلم والورق الذي احتفظت به ليلتها لأكتب مايرويه حين يعود . لقد قلبت زوجتي الوضع في بيتنا رأسا على عقب في كل رمضان من كل عام مربنا جريا على عادة أهل قريتي عند مقدم الشهرالكرييم 0
أما المبلغ الذي جمعناه لإسعاف ابنته فلازال مصانا كل ريال يشم رائحة صاحبه 0
هل أنتظرزمنا آخر ؟
لقد عزمت أمري أن أذهب يوم غد إلى كل واحد منهم وأعيد له المال الذي تبرع به . سيسألون : متى كان ذلك ؟ سيكونون نسوا الأمرإلى الحد الذي سينكرون أنهم في يوم من الأيام جمعوا مبلغامن المال لإجراء عملية لفتاة اغتصبها رجل
فتحت شنطة النقود . مددت يدي لأتناولها
ليست نقودا هذه التي أتناولها ... كانت عيناي هما هاتين اللتبن أفركهما الآن بيدي حين بدأت أصحو
... لازال ليلا .... ولازال بعض من نوم وحلم بها .
رائحة البنكنوت في الحلم لازالت تزكم أنفي وأنا أصحو
... سحبت يدي من تحت الوسادة فتحت القصاصة التي دسها في يدي قبل أن يقفل راجعا ...
وقرأت .... لازال بعض من نوم وحلم في عيني .... زدت افرك عيني ... بحلقت في القصاصة
وقرأت :
مزق ماكتبت .... ياعبد الرحمن
أشفق عليك في مجتمع لايقرأ اليوم وأشك أنه سيكتب غدا 0 (تمت )
الهامش : -
1- شارع في صنعاء
2- الميدان الرئيس في صنعا ءوفيه تقع الدبابة التي صوبت أولى الطلقات على قصرالإمام محمد البدرأثناء قيام ثورة 26 سبتمبرعام 1962م
3- القات : شجرة يتم تخزين أوراقها داخل الفم ومضغها لعدة ساعات في اليوم من بعد الظهر إلى ساعات من الليل متقدمةعند البعض ومتأخرة عند البعض الآخر0
4- صنعاء القديمة : المدينة القديمة في صنعاء . مبنية على الطرازاليمني الخالص وهي إحدى المدن المصنفة والمحافظ عليها من اليونوسكو
5- شارع ريئيس في صنعاء
6- الفرزة : موقف سيارات الأجرة بين المحافظات 0
7- حجة : مدينة سياحية تقع شمال صنعاء وهي مركز محافظة من محافظات اليمن
8- نقطة أمنية في شمال صنعاء
9- منطقة تقع في المسافة بين صنعاء وحجة 0
10- قصر أثري في منطقة كحلان عفار شمال صنعاء
11- الخذالي : قمة جبل عالية على الطريق بين صنعاء وحجة وبها منتجع سياحي طبيعي 0
تعليق