لندن.. ذات صيف من ثمانينات القرن الماضي
***
لم أشعر بهذا الإحساس منذ أمد بعيد ..
وكأني أتوجه إلى محطة الأتوبيس منتشياً في تلك الأيام الخوالي .. وبضع قطع من العملات المعدنية داخل جيب البنطال تموسق الخطْو .. وقشور (الترمس) التي أرميها خلفي تتبعني وكأنها رتل من النمل يتجه نحو أجحاره..
والانتعاش يمد لسانه لحرارة الجو ويَرْبِتُ على الجو الخانق داخل البص الذي انتهى زمنه الافتراضي..
الطريق من الشقة حتى ( الهايد بارك ) .. جعلني أسبح في نفس مساراتي القديمة.
أتخيل أنني سأقابل كل أولئك الذين عرفتهم في ذلك الزمان الجميل..
وصلتُ الهايد بارك .. كان المتحدث رجلا هنديا من طائفة السيخ يتحدث بخليط من لغته والإنجليزية..
معظم الوقوف لا يتابع ما يقوله بل يتمعن في زيه وما يزين أذنيه وأصابعه من أساور نحاسية وفضية وفصوص من أحجار كريمة تتلألأ على أشعة الشمس التي ما فتئت تظهر وتختفي بين فرجات الغمام..
مللتُ حديثه وعمامته البرتقالية الفاقعة اللون ..
ركبت تاكسياً لندنياً إلى ميدان الطرف الأغر .. عشقي الكبير في هذه المدينة الضبابية ..
عاجلني عجوز بقبضة من الحبوب لأطعمها الحمام الذي لا ينقطع جوعه في ذاك الميدان المزدحم..
مزيج متنوع من الناس يجوب الميدان جيئة وذهاباً ..
رأيتها تقف خجلي مترددة .. عرفت فيها غربتها عن المكان وعن ما يدور حولها ككل قروي يأتي إلى المدينة فتَنْفُر الدهشة والريبة من العينين بشكل صارخ وسافر .. وتكتسي بحذرمشوب بالتقوقع والإنفراد..
ينطق وجهها بروعة الجمال الأمهري .. بلون نبيذي أخاذ .. يتحدى خمرة باخوس ..
يرقد صليب موشوم على جبهتها يحدِّث عن دينها وابتسامة تحكي عن دَيْدَنها ..
تملأ الابتسامة ما بين شفتيها ليَفْتَر عن صفين من اللؤلؤ المكنون ولثّة بلون العنب.. وحاجبيها الكثيفين دون رتوش ورموشها دون اكتحال لوحة مرسومة على مهل..
ينفرج ثغرها عن ابتسامة جعلتني أسترجع عذوبة غفوة الظهيرة على ( الكنبة الخشبية في شرفة شقتي الضيقة ) على ضفاف النهر الخالد الذي يباركه أهلها قبل أن ينساب إلينا منذ الأزل منزلقاً من هضابه..
أيا سليلة الأمهر .. ما سرُّك ؟؟
كانت حبات القمح التي نفحني إياها العجوز جواز مرور إلى التعرف عليها ..
أمسكتُ بيدها ودلقتُ فيها الحبات رويداً رويداً .. متعمداً الإطالة وأنا أحس بحرارة جسدها الإفريقي تسري إلى جسدي المتورم نشوة .. وأنا أبحلق في عينيها وفي الصليب الموشوم على جبينها ..
وقفتْ مستسلمة لجرأتي ..
سرعان ما اختلطتْ ضحكاتها المتوجسة مع رفرفات أجنحة الحمائم ..
دعوتها إلى ذلك المطعم الذي أعشق طهيه الذي يذكرني بنكهة المرق في قدور الفخار بقريتي ..أستحثها على الأكل وهي تمضغ بفم مطبق ..
تواعدنا في المكان والزمان أكثر من مرة .. فانطلقتْ بعفوية الأطفال ..
تأتي دون تأخير مرتدية نفس الزى الذي كانت ترتديه عند أول لقاء ومنتعلة ذات الحذاء ..
ما أجمل أن تكون دليلاً سياحياً لفتاة بمثل هذا الجمال.
أمسك بيدها النحيلة .. فتجفل وتسحبها .. ثم تعود لتضعها بين يدي كمن يقدم اعتذارا مبطناً.. وهي ترمقني خَجْلَى ..
حكتْ لي عن ظروف خروجها من قريتها .. مرة بلغة عربية تدْغم فيها ما تشاء وتقلب الخاء كافاً وتُعَطِّش حرف العين حتى تشفق عليه من الإختناق بين طيات جوفها..
توثقتْ علاقتها بي يوماً عن يوم ..
صارحتني بأنها تحتاج للعمل .... فقد ملَّتْ الاعتماد على صديقاتها في السكن.. وطال بحثهاعن عمل ..
ألحقتها بالعمل لدى أرباب عملي في جادة HillStreet ..
تفانت في عملها لدرجة بعيدة ..
إضافة إلى ما يعتلج في قلبها البِكْر الذي ظلتْ تبديه دون مواربة والذي لم يغبْ عن حدْسي.. فقد ظلتْ ممتنَّة للخدمة التي قدمتها لها بتوفير عمل شريف لها...
في أحيان كثيرة تتحول مشاعر الألفة بين أثنين إلى حب جارف لا يُبْقِ ولا يُذِر .. وبشكل خاص في الغربة .. لذا فقد خفتُ كثيراً من تلهفها على حضوري .. وتعلقها الشديد بي.. وتلك النظرة التي أعرف مغزاها جيداً.. صرتُ أتحاشى كثيراً من المواقف وامتنعتُ عن التعليق على تعليقاتها المبطْنة بالحب الكامن داخلها ..
شعرتْ بتملصي من لقاءاتها الحميمة ..
فآثرتْ بأن تقطع شكها بيقينٍ يكفيها شر الحيرة والارتباك ..
قالت وهي تتشاغل بتنظيف طاولة أمامي : ألا تحس بمشاعري نحوك ؟
قلتُ محاولاً الانفلات : أحس بها تماماً .. فأنت أخت عزيزة في هذه الغربة ..
قالت ممتعضة : لا أقصد هذا ..
قلت: ماذا تقصدين إذن ؟
قالت بثقة يشوبها الترقب : أنا أحبك .. أحبك كما لم أحب أحداً من قبل..
ثم سكتتْ وكأنها أحسّتْ بالتسرع في الفضفضة والإفصاح عما يجيش بدواخلها ..
لم أستطع الإجابة .. رغم أنني كنت أتوقع ما قالته حرفيا.
فأنا أحترمها .. وبالفعل هي التي جعلتْ من أيامي تلك شيئاً يمكن تجاوزه برفقتها الحلوة.. ومعشرها الطيب ..
قالت وكأنها وجدتْ مدخلا للحل : هل أفهم من هذا أن ديني يقف حائلاً بيني وبينك ؟
قلت: لا يا عزيزتي .. فدينك أنا أؤمن به كدين سماوي ..
قالت وهي تجلس على ركبتيها أمامي : أحبك .. ومن أجلك سأعتنق دينك ..
ثم استدركتْ: يمكنني محو هذا الوشم من على جبيني مهما كلفني ذلك .. فأنا أعرف فتاة قامت بذلك..
ثم تابعتني بنظرات ملؤها الأمل والرجاء ..
ذبحتني كلماتها من الوريد إلى الوريد .. وذبحتني عيناها التي تبحث عن إجابة في عيني.
كيف أقابل كل هذه التضحية ؟ وهي تضحية أكبر من مشاعري نحوها مقارنة بإحساسها نحوي ..
لا يمكن أن أخدعها .. بل هذا آخر شيء أفكر به ..
طلبتُ منها أن ترجيء الأمر إلى حين ..
عذبني أكثر إحساسي بانكسار شيء ما في دواخلها .. فقد كانت تنتظر أن أبادلها شعورها فرِحاً ..
تعمدتُ المبيت عند صديقي في شقة أخرى لعدة ليالٍ متحاشياً تواجدها عند أوقات عملها ..
لم ينقذني من هذه الورطة إلا موعد سفري من لندن الذي أتى مفاجئاً دون سابق إنذار ..
ذهبتُ إلى شقتي ..
فتحتْ لي الباب وردتْ تحيتي مهمهمةً ..
قلت لها : أعرف ما يدور في ذهنك ..
قالت دون أن تواجه نظراتي : أنت لا تعرف شيئاً من ذلك ..
قلت: لم تقولين ذلك ؟
قالت وغصة تقف في حلقها: لا تزعج نفسك بما قلته لك .. أرجوك أن تنسى كل ذلك ..
قلت: بل أطلب منك أن تعطيني بعض الوقت و ..
قاطعتني بعناد : أنت تعلم تماماً أن هذا هو الشيء الوحيد الذي لا يحتاج أن تعطي لنفسك فيه وقتاً للتفكير والتمحيص أو مهلة زمنية .. إنه أمر قاطع .. يكون أو لا يكون ..
ألجمتْني كلماتها النابعة من صميمها ..
ودعْتها.. ودمعات عصية تقف على أطراف مآقيها .. تكابر بها أنِفَتَها وعزة نفسها وكبريائها. وما أقسى مكابدة كبرياء مجروح ..
أمْعنْتُ في تناسيها .. ولكن ظلتْ كلماتها ترن في أذني لفترة طويلة ..
ما أقسى الحب من طرف واحد .. عذاب مستمر وألم نازف .
عندما عدت إلى لندن في العام التالي .. وجدتها قد تركتْ العمل الذي ألحقتها به ..
بحثتُ عنها وسألتُ عنها كثيراً ... ولكن دون طائل ..
دخلتُ غرفتي وصوتها يملأ الأركان .. بكل صدقها .. وعفويتها ..
تقبع طاولة مكتب صغيرة في غرفتي .. وبالدرج العلوي وجدتُ قصاصة من ورق .. كتبتْ عليها :
(لا زال الوشم يرقد على جبيني .. لم يعد يعني لي الكثير .. ولكن لن أدعه يمسك بزمام قلبي ويوجهه ..
وبقيتُ على ديني .. أذهب كل يوم أحد وأجثو لله طالبة أن يمدني بأسباب نسيانك ..
هل تصدق : لم أستطع نسيانك ولو للحظة .. فليغفر لي قلبي تعلقي بك .. أو بالأصح ..فليسامح الرب قلبي .. فهو الذي قاد خطواتي نحوك ..
أذهب كثيراً لميدان الطرف الأغر .... ولأنني لا زلت أحبك .. أقول لك .. فليحفظك الله وليبارك خطواتك أبداً ..
لك أبداً ...) ...
***
لم أشعر بهذا الإحساس منذ أمد بعيد ..
وكأني أتوجه إلى محطة الأتوبيس منتشياً في تلك الأيام الخوالي .. وبضع قطع من العملات المعدنية داخل جيب البنطال تموسق الخطْو .. وقشور (الترمس) التي أرميها خلفي تتبعني وكأنها رتل من النمل يتجه نحو أجحاره..
والانتعاش يمد لسانه لحرارة الجو ويَرْبِتُ على الجو الخانق داخل البص الذي انتهى زمنه الافتراضي..
الطريق من الشقة حتى ( الهايد بارك ) .. جعلني أسبح في نفس مساراتي القديمة.
أتخيل أنني سأقابل كل أولئك الذين عرفتهم في ذلك الزمان الجميل..
وصلتُ الهايد بارك .. كان المتحدث رجلا هنديا من طائفة السيخ يتحدث بخليط من لغته والإنجليزية..
معظم الوقوف لا يتابع ما يقوله بل يتمعن في زيه وما يزين أذنيه وأصابعه من أساور نحاسية وفضية وفصوص من أحجار كريمة تتلألأ على أشعة الشمس التي ما فتئت تظهر وتختفي بين فرجات الغمام..
مللتُ حديثه وعمامته البرتقالية الفاقعة اللون ..
ركبت تاكسياً لندنياً إلى ميدان الطرف الأغر .. عشقي الكبير في هذه المدينة الضبابية ..
عاجلني عجوز بقبضة من الحبوب لأطعمها الحمام الذي لا ينقطع جوعه في ذاك الميدان المزدحم..
مزيج متنوع من الناس يجوب الميدان جيئة وذهاباً ..
رأيتها تقف خجلي مترددة .. عرفت فيها غربتها عن المكان وعن ما يدور حولها ككل قروي يأتي إلى المدينة فتَنْفُر الدهشة والريبة من العينين بشكل صارخ وسافر .. وتكتسي بحذرمشوب بالتقوقع والإنفراد..
ينطق وجهها بروعة الجمال الأمهري .. بلون نبيذي أخاذ .. يتحدى خمرة باخوس ..
يرقد صليب موشوم على جبهتها يحدِّث عن دينها وابتسامة تحكي عن دَيْدَنها ..
تملأ الابتسامة ما بين شفتيها ليَفْتَر عن صفين من اللؤلؤ المكنون ولثّة بلون العنب.. وحاجبيها الكثيفين دون رتوش ورموشها دون اكتحال لوحة مرسومة على مهل..
ينفرج ثغرها عن ابتسامة جعلتني أسترجع عذوبة غفوة الظهيرة على ( الكنبة الخشبية في شرفة شقتي الضيقة ) على ضفاف النهر الخالد الذي يباركه أهلها قبل أن ينساب إلينا منذ الأزل منزلقاً من هضابه..
أيا سليلة الأمهر .. ما سرُّك ؟؟
كانت حبات القمح التي نفحني إياها العجوز جواز مرور إلى التعرف عليها ..
أمسكتُ بيدها ودلقتُ فيها الحبات رويداً رويداً .. متعمداً الإطالة وأنا أحس بحرارة جسدها الإفريقي تسري إلى جسدي المتورم نشوة .. وأنا أبحلق في عينيها وفي الصليب الموشوم على جبينها ..
وقفتْ مستسلمة لجرأتي ..
سرعان ما اختلطتْ ضحكاتها المتوجسة مع رفرفات أجنحة الحمائم ..
دعوتها إلى ذلك المطعم الذي أعشق طهيه الذي يذكرني بنكهة المرق في قدور الفخار بقريتي ..أستحثها على الأكل وهي تمضغ بفم مطبق ..
تواعدنا في المكان والزمان أكثر من مرة .. فانطلقتْ بعفوية الأطفال ..
تأتي دون تأخير مرتدية نفس الزى الذي كانت ترتديه عند أول لقاء ومنتعلة ذات الحذاء ..
ما أجمل أن تكون دليلاً سياحياً لفتاة بمثل هذا الجمال.
أمسك بيدها النحيلة .. فتجفل وتسحبها .. ثم تعود لتضعها بين يدي كمن يقدم اعتذارا مبطناً.. وهي ترمقني خَجْلَى ..
حكتْ لي عن ظروف خروجها من قريتها .. مرة بلغة عربية تدْغم فيها ما تشاء وتقلب الخاء كافاً وتُعَطِّش حرف العين حتى تشفق عليه من الإختناق بين طيات جوفها..
توثقتْ علاقتها بي يوماً عن يوم ..
صارحتني بأنها تحتاج للعمل .... فقد ملَّتْ الاعتماد على صديقاتها في السكن.. وطال بحثهاعن عمل ..
ألحقتها بالعمل لدى أرباب عملي في جادة HillStreet ..
تفانت في عملها لدرجة بعيدة ..
إضافة إلى ما يعتلج في قلبها البِكْر الذي ظلتْ تبديه دون مواربة والذي لم يغبْ عن حدْسي.. فقد ظلتْ ممتنَّة للخدمة التي قدمتها لها بتوفير عمل شريف لها...
في أحيان كثيرة تتحول مشاعر الألفة بين أثنين إلى حب جارف لا يُبْقِ ولا يُذِر .. وبشكل خاص في الغربة .. لذا فقد خفتُ كثيراً من تلهفها على حضوري .. وتعلقها الشديد بي.. وتلك النظرة التي أعرف مغزاها جيداً.. صرتُ أتحاشى كثيراً من المواقف وامتنعتُ عن التعليق على تعليقاتها المبطْنة بالحب الكامن داخلها ..
شعرتْ بتملصي من لقاءاتها الحميمة ..
فآثرتْ بأن تقطع شكها بيقينٍ يكفيها شر الحيرة والارتباك ..
قالت وهي تتشاغل بتنظيف طاولة أمامي : ألا تحس بمشاعري نحوك ؟
قلتُ محاولاً الانفلات : أحس بها تماماً .. فأنت أخت عزيزة في هذه الغربة ..
قالت ممتعضة : لا أقصد هذا ..
قلت: ماذا تقصدين إذن ؟
قالت بثقة يشوبها الترقب : أنا أحبك .. أحبك كما لم أحب أحداً من قبل..
ثم سكتتْ وكأنها أحسّتْ بالتسرع في الفضفضة والإفصاح عما يجيش بدواخلها ..
لم أستطع الإجابة .. رغم أنني كنت أتوقع ما قالته حرفيا.
فأنا أحترمها .. وبالفعل هي التي جعلتْ من أيامي تلك شيئاً يمكن تجاوزه برفقتها الحلوة.. ومعشرها الطيب ..
قالت وكأنها وجدتْ مدخلا للحل : هل أفهم من هذا أن ديني يقف حائلاً بيني وبينك ؟
قلت: لا يا عزيزتي .. فدينك أنا أؤمن به كدين سماوي ..
قالت وهي تجلس على ركبتيها أمامي : أحبك .. ومن أجلك سأعتنق دينك ..
ثم استدركتْ: يمكنني محو هذا الوشم من على جبيني مهما كلفني ذلك .. فأنا أعرف فتاة قامت بذلك..
ثم تابعتني بنظرات ملؤها الأمل والرجاء ..
ذبحتني كلماتها من الوريد إلى الوريد .. وذبحتني عيناها التي تبحث عن إجابة في عيني.
كيف أقابل كل هذه التضحية ؟ وهي تضحية أكبر من مشاعري نحوها مقارنة بإحساسها نحوي ..
لا يمكن أن أخدعها .. بل هذا آخر شيء أفكر به ..
طلبتُ منها أن ترجيء الأمر إلى حين ..
عذبني أكثر إحساسي بانكسار شيء ما في دواخلها .. فقد كانت تنتظر أن أبادلها شعورها فرِحاً ..
تعمدتُ المبيت عند صديقي في شقة أخرى لعدة ليالٍ متحاشياً تواجدها عند أوقات عملها ..
لم ينقذني من هذه الورطة إلا موعد سفري من لندن الذي أتى مفاجئاً دون سابق إنذار ..
ذهبتُ إلى شقتي ..
فتحتْ لي الباب وردتْ تحيتي مهمهمةً ..
قلت لها : أعرف ما يدور في ذهنك ..
قالت دون أن تواجه نظراتي : أنت لا تعرف شيئاً من ذلك ..
قلت: لم تقولين ذلك ؟
قالت وغصة تقف في حلقها: لا تزعج نفسك بما قلته لك .. أرجوك أن تنسى كل ذلك ..
قلت: بل أطلب منك أن تعطيني بعض الوقت و ..
قاطعتني بعناد : أنت تعلم تماماً أن هذا هو الشيء الوحيد الذي لا يحتاج أن تعطي لنفسك فيه وقتاً للتفكير والتمحيص أو مهلة زمنية .. إنه أمر قاطع .. يكون أو لا يكون ..
ألجمتْني كلماتها النابعة من صميمها ..
ودعْتها.. ودمعات عصية تقف على أطراف مآقيها .. تكابر بها أنِفَتَها وعزة نفسها وكبريائها. وما أقسى مكابدة كبرياء مجروح ..
أمْعنْتُ في تناسيها .. ولكن ظلتْ كلماتها ترن في أذني لفترة طويلة ..
ما أقسى الحب من طرف واحد .. عذاب مستمر وألم نازف .
عندما عدت إلى لندن في العام التالي .. وجدتها قد تركتْ العمل الذي ألحقتها به ..
بحثتُ عنها وسألتُ عنها كثيراً ... ولكن دون طائل ..
دخلتُ غرفتي وصوتها يملأ الأركان .. بكل صدقها .. وعفويتها ..
تقبع طاولة مكتب صغيرة في غرفتي .. وبالدرج العلوي وجدتُ قصاصة من ورق .. كتبتْ عليها :
(لا زال الوشم يرقد على جبيني .. لم يعد يعني لي الكثير .. ولكن لن أدعه يمسك بزمام قلبي ويوجهه ..
وبقيتُ على ديني .. أذهب كل يوم أحد وأجثو لله طالبة أن يمدني بأسباب نسيانك ..
هل تصدق : لم أستطع نسيانك ولو للحظة .. فليغفر لي قلبي تعلقي بك .. أو بالأصح ..فليسامح الرب قلبي .. فهو الذي قاد خطواتي نحوك ..
أذهب كثيراً لميدان الطرف الأغر .... ولأنني لا زلت أحبك .. أقول لك .. فليحفظك الله وليبارك خطواتك أبداً ..
لك أبداً ...) ...
تعليق