السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا عن هذا العمل: تصحيح أخطاء النصوص
بالرجاء تصحيح هاتين القصتين:
القصة الأولى:
"وجهكِ الجميل يمنحني الحياة،إني أنظر إلى وجهكِ فأعيش ثم أدير وجهي عنه فأشعر بالموت! ماذا تطلبين مني؟ اطلبي نجوم السماء ،اطلبي القمر،الشمس،اطلبي حياتي فأنا مدين لك بها،اطلبي كما تشائين،لكن إياكِ أن تطلبي المستحيل"
فرمقته بنظرة حادة منكسرة ورأيتها وهي تزيح برقة شديدة خصلة صغيرة من شعرها عن عينيها ،وتُحرك إنسان عينها اليمنى حتى يختلط مع الدمعة فيمنع تدحرجها أو يطغى على صورتها ويأخذ الحيز الأكبر منها إذا ماهي نزلت داخل العين قريبا من الجفن في حدود نصف سنتيميتر تقريبا من عينها الواسعة،وتَحرك إنسان عين العين اليسرى أيضا بشكل لا إرادي عندما تحرك إنسان عين العين اليمنى-لا أحد في العالم يستطيع تحريك إنسان عين واحدة دون أن يتحرك الآخر إلا بصعوبة بالغة،وما حاجته إلى ذلك؟! ولونهما أسود مشرب برمادية..ثم تفعل بشفتيها نصف عبسة تتكلف بعدها ابتسامة فاترة..
أما هو..فقد تاهت نظراته وهو يحدق في الفراغ المجهول ويدور في خلده تساؤل حيره:ماهو الحد الفاصل بين المعقول واللامعقول؟ أحيانا تبدو كل الأشياء وكأنما قد اختلطت ببعضها في خلاط كهربائي وتكون الغيوم ملبدة في سماء شديدة الصفاء! وفي لمحة سريعة مرت داخل عين الماضي ألمح ليلة كنت أمشيها مع صديق عزيز،متلكئا كعادتي،متبخترا في مشيتي،حتى وصلت فأخبرتني بأنها…آآآآه وفرحت كثيرا حتى كدت أطير من الفرحة واستعرت جناحي جبريل ثم استغفرت الله و….؟!
أنهى تساؤله الطويل وعاد ليحدق في الفراغ المجهول،يحدق في اللاشيء بعمق عميق كأن نظراته تلك لم تكن تخرج من عينيه فقط بل من وجهه الأبيض أيضا وشفتيه السليمتين اللتين لم يوجد بهما خط تشققي واحد، وأنفه متوسطة الحجم،وشعر رأسه الأسود،وخرجت نظراته أيضا من بعض الشعيرات الصغيرة في ذقنه..
قال لها يقصد المستحيل:لأنه يستعصي علي تحقيقه،وليس هذا عيبا في شخصيتي ولا تقصيرا مني ولا يقدح في رجولتي ولا انتفاء لشهامتي،ولو كان ذنبا فليس هذا ذنبي وحدي،إن أي رجل غيري،أي رجل إذا كان مكاني;فلن يستطيع أن يعبر بزوجته الحامل كبيرة البطن التي تحمل في جوفها طفلا وجنينا جديدا،سيأتي للعالم ليتعذب ثم يموت،من خلال حاجز عنصري إلا لو سمح لنا العنصريون بذلك،أو أننا سننفذ من الحائط؟!
- أرجوك ..حاول أن تعبر هذا الحاجز اللعين،لا بد أن تحاول،ليس من أجلي،لكن لأجل ابنك!
- لا تحلمي كثيرا،فالصور دائما باهتة في الأحلام!
تغير لون وجهها إلى الأصفر وتدريجيا بدأ جسدها كله يشحب..يشحب،كأن الدم قد بدأ ينفصل تدريجيا عن عروقها!!
كنت واقفة على أمل أن أعبر..كانت الساعة قد بلغت تمام الثانية عشر ظهرا،بعض الناس كانوا ينتظرون منذ ثلاث ساعات وبعضهم منذ الفجر،وتمنيت أن ألحق بالحصة الأخيرة،لم أشأ أن أعود للمنزل بخفي حنين..دون حصة دراسية واحدة!
وقف الجمع من الناس عند الحاجز منتظرين أن يعبروا لسبب ما أو لآخر..وقفوا جميعا متذمرين،معكري الصفو،سيئي المزاج،يتأففون بين نصف الدقيقة ونصفها الآخر..وكانت هناك بعض التنهيدات الحارة التي تخرج من أفواههم من أعماق قلوبهم! كان يقف إلى جانبي شخص تنبعث من فمه رائحة كريهة كلما تنهد..وإلى الجانب الآخر مني وقفت سيدة سمينة،سمراء البشرة،تقبض بيدها الكبيرة على يد صغيرة غضة ،كان طفلها يمسك بيده الأخرى قطعة من البسكويت،تصبب العرق فوق وجه السيدة وتفصد منه فرفعت يدها ملوحة تلويحة قصيرة غير مقصودة –فعلت ذلك بين الحين والحين- لتمررها فوق جبينها وسائر أنحاء وجهها الكبير نسبيا،السائح في بعضه وكأنه بلا ملامح!
أما الطلاب الصابرون مثلي،الحالمون بحضور الحصة الأخيرة فقد كانوا كثيرين جدا ..وقفوا جميعا صابرين أكثر من غيرهم وأكثر مما يمكن للإنسان أن يحتمله ولسان حالهم يقول:اطلبوا العلم ولو في الصين..اطلبوا العلم ولو تطلب الأمر أن تعبروا الحاجز اللعين!
أسقط الطفل قطعة البسكويت من يده;فأنبته أمه ،لكنها أنبته أكثر عندما هم بالتقاطها من فوق الأرض وكان قد التقطها بالفعل،فجذبتها الأم من يده بقوة وقذفت بها بعيدا..وتباينت ردود أفعال الناس..
صاح الرجل ذو الفم كريه الرائحة:حرام خيتو حرام !
فشد على عضده شيخ مسن قائلا:نعمة الله على الأرض..أستغفر الله العظيم
فاعترضت امرأة:شو بكم ياجماعة..الله يهديكم..الست ماغلطت لأنه بدها تحمي ابنا من المرض!!
قال شاب حمساوي:قال رسول الله صلى الله..
فقاطعه فتحاوي:اللهم صلي عليك يانبي،خلاص عمي،فضيناها سيرة!!
وبدا لي أن الجميع يحاولون محاولة جدية للهذيان،ويبذلون لتحقيقها جهدا ملموسا،وينخرطون في الهراء إما للتسلية والترويح عن أنفسهم أثناء وقت الانتظار الطويل وإما ليبعدوا تفكيرهم عن رغبتهم في اختراق الحاجز اللعين ويتفادوا بذلك الدخول في مناوشات مع جنود الاحتلال وهم عزل لا يحملون السلاح فرب بسكوتة واحدة تحمي من مجزرة مؤكدة!! قالوها قديما في الأمثال عندما كانوا يقفون على الحواجز..سخرت من الأمر..
وبدأت المرأة الحامل في الولادة !
فحملها زوجها ومعه رجل مفتول بعيدا قليلا ووضعاها على جنب كما توضع قطع الأثاث! وسرعان ما استعار الزوج زجاجات المياه المعدنية وغير المعدنية التي كانت مع الواقفين..وتقدمت سيدة خبيرة لتعرض خدماتها..عندئذ قال الحمساوي:المي مش ساخنة..
فقاطعه الفتحاوي:لا عمي ساخنة من الشمس! وبدأت عملية الولادة بالفعل،شكل النسوة حلقة مستديرة حول المرأة المسكينة،وخلعت فتاة متطوعة الجاكيت تبعها ،وتم لف المولود وتدفئته بسلام!
أثناء الوقت الذي استغرقته عملية الولادة ..كان الطفل الصغير صاحب البسكوتة قد أصيب بضربة شمس..وأخرج جندي إسرائيلي سيجارا من جيبه..أشعل السيجار وشرع في التدخين!
اشتدت حرارة الشمس أكثر وبعد حوالي ساعة خمن الجميع بأن الطفل المذكور قد مات ولقي حتفه فعلا وأن ذلك قد حدث منذ ساعة على الأقل!
قفلت راجعة معهما في الطريق بعد أن أقنعني هو بشق الأنفس بأن حصتي الأخيرة قد ضاعت مني وفاتتني مذ وقت طويل ،ولكم أن تتصورا قلة ذوقي ولامبالاتي المفرطة في المواقف الصعبة،وعدم رغبتي في تحمل أية مسئولية خارجة عن نطاق دراستي;فأنا لم أعرض على زوجها خدماتي ،لم أطلب إليه بأن يسمح لي بأن أصبح عكازا خشبيا-لا لأنه لا يمكن أن يوجد عكاز في مثل هذه الدرجة من النحافة-ولكن لأني أكره ذلك..نعم.. أكره أن أتحول إلى عصا خشبية أو عصا من أي نوع آخر! ورغم تأكدي من قصده بعودتي معهما في الطريق في أن أفعل ذلك إلا أني تابعت خطواتي في ثبات عادي ..لم أتعمد أن أسرع ولكن أيضا لم أتعمد أن أبطىء ليسيرا معي على مهلهما..لم أنبس ببنت شفة ولم أعر قسمات وجهه الغاضبة أي اهتمام..لم أعرض أي خدمة على الإطلاق ولم أفعل حتى..قال لي حينما اشتد غيظه مني:ساعديني من فضلك..اتركيها تتكىء عليكِ! قالها وهو يجز على أسنانه محاولا محاولة غير ناجحة في إخفاء غضبه!
ولم أستطع الرفض ..فتلك المرأة الحامل التي وضعت طفلها عند الحاجز أوعليه أو فوقه-ماتفرق فكلها حروف جر- هي خالتي! ولاتستغربوا كيف أني كنت مشغولة جدا وقتها بفكرة ذهابي إلى المدرسة..فمالي وهذه الأشياء؟! لم أقف هناك لأجلها..وقفت فقط لأجل مدرستي..لم أشكل حلقة مع من شكلن..فما شأني وقد انتهيت لتوي من الصف السادس والتحقت بالصف السابع بمسألة ولادة؟ وماذا يعنيني فيما إذا كان الماء ساخنا أم لا؟ وما إذا كانت الشمس قد قامت بدورها المرجو منها المطلوب معه؟! فلست عالمة بالطاقة الشمسية –وإن كانت تأثيراتها قد تبدت واضحة جلية هذه الظهيرة-ربما لو كنت جامعية أو يزيد لما كنتم قد التمستم لي العذر!!
قالت لها:مبروك ياوداد..بالرفاء والبنين إن شاء الله..
فخالتي الكبرى وهيبة لا تحسن اختيار التهنئة المناسبة في الموقف الملائم لها! إنها دائما ما تسقط التهاني دون شعور منها على نفسها ودائما ماتقول:مبروك..ثم تتبعها بجملة الرفاء والبنين أو لا تتبعها،ويستوي ذلك عندها ما إذا كانت المناسبة المقصودة زواجا أو ولادة أو حتى عيد ميلاد!!
خالتي وهيبة عانس ورغم رقتها إلا أن عنوستها قد أكسبت شخصيتها بعض الخصائص المعقدة و..فلتات اللسان الغريبة..
القصة الثانية:
الجو مظلم في الخارج،والبرج المكون من أربعين طابق،يقف شامخا كالطود العظيم في الأرض، عاصفة، لكن رقيقة، بدأت بوادرها تلوح في الأفق، وتؤذن بالهبوب، حبات ندى صغيرة طفقت تنساب بوداعة، متقطعة في تسلسل حيوي بديع، على استحياء غير ممل، وهواء منعش مترب، كان يتقلب كدوامات هادئة محدودة النطاق في الفضاء الواقع بين السماء والأرض.
وحدها مثله، حضرت إلى المكان نفسه في الميعاد الخطأ، طالتهما معا غلطة الموظف الغبي الذي علق على الحائط الإعلان الذي يقول في مقتطف منه:نرحب بكم للحجز والاستفسار في تمام الساعة الحادية عشرpm..(بدلا منAm كانت هذه هي غلطته)..ومنذ ساعت مضت حدث أن وبخ طبيب نفسي، يدعي أنه متخصص في حل المشاكل الزوجية أحد موظفيه قائلا:
- أيها الغبي:هل تمكنت من تصحيح خطئك الفادح، وتوضيح سوء الفهم لحاملي الإعلان وقارئيه قبل أن ينصرفوا؟
- نعم يا دكتور..آه حقيقة لا أستطيع أن أجزم، ولكنني آمل ذلك..
حملتها قدماها إلى المصعد نفسه بعد دخوله بدقيقة، لم تتمكن من رؤية وجهه، فقد كانت الجريدة التي يمسكها باهتمام تغطيه كله، بدا منهمكا في القراءة، وأن خبرا ما قد جذب انتباهه حتى أنه كان قد نسي أن يغلق الباب أو ربما قصد أن يحمل المصعد آخرين معه. دلفت إليه بخطوات رشيقة، وبارتباك، كانت تبحث عن شيء ما في حقيبة يدها الصغيرة، أخرجته وشرعت تتمم لون شفتيها بمزيد من الفوشيا اللامع، كانت ترتدي فستانا أبيض، قصيرا و مزخرفا بخطوط الفوشيا الطويلة، وإلى الخلف ربطت شعرها الناعم القصير كذيل فرس. سرت إلى أنفه الحساسة للروائح العذبة، رائحتها الحلوة المثيرة، قال في سره: المرأة المتعطرة زانية..زانية حقا..أي نعم!
عزم على اختلاس النظر إلى وجهها فبدأت أصابعه تتلاعب بتردد بأطراف الجريدة، ببطء، أنزل الجريدة إلى نصف وجهه فظهرت أرنبة أنفه والنظارة الصارمة من فوقها، لقد قطع نصف المسافة والآن هم بأن يقطع النصف الآخر ويلتفت إليها، حين حانت منه لحظة الالتفاتة، حدث ما لم يكن بالحسبان:انقطع التيار الكهربائي فجأة، وأصبحا معلقين معا في الهواء، لا يعرفان بين أي طابق و آخر، وسيظل باب المصعد مغلقا عليهما إلى حين ميسرة.
قال الرجل متغزلا بوقار:آه..إنه لحظ عاثر يا سيدتي أن منعني هذا الظرف الطارىء من متعة النظر إلى وجه سعادتك..
- كنت أتمنى لو أنني قد استطعت أن أنظر إلى وجه الرجل الواقف إلى جانبي في المصعد، ولكن كما ترى..لقد انطفأت..( باحثة عن وجهه في الظلام )..
- لقد انطفأت الأنوار بسرعة شديدة نعم..أعترف لكِ بذلك..ونحن الآن معلقان في الهواء، وعموما فهي فرصة عظيمة جدا لندردش ونتعارف..وقال بلهجة مبالغ فيها: إنه لقدر ذو مغزى، ذلك الذي جمعنا معا في هذا المكان وهاته الساعة، شيء له معنى، أنا لا أؤمن بالصدف..
سألته: إلى أين كانت وجهتك؟
- إلى الطابق الثالث والعشرين..وأنتِ؟
- مثلك..لا مفر إذن من أنك تعاني بعض المشكلات مع زوجتك؟
- آآآه ياسيدتي..لو تعرفين ما أنا فيه!..أعيش مع زوجة مملة، أنانية، امرأة ذات عقل فارغ بكل المقاييس، كل ما يهمها من الوجود في هذا العالم هو أن تهتم بألوان بشرتها، ومكونات وجهها، وأناقتها، مع متابعة أحدث صيحات الموضة والتباهي أمام صديقاتها بملابسها ومجوهراتها، تافهة، ثرثارة، لا شيء يضجرني في الحياة قدر أنني أعيش معها في منزل واحد..
- الاهتمام بالأناقة أمر محمود ومطلوب، شرط ألا يتعدى حدوده المعقولة وألا يصل إلى درجة الهوس أو التشبث المرضي، من المؤكد أن زوجتك تبالغ نوعا ما في الاهتمام بزينتها..
- ومن المؤكد يا سيدتي أنكِ امرأة ذات عقل بالغ الرجحان حتى تبدي مثل هذا الرأي السديد في مثل هذه المسألة التي قد بلغت مبلغها الصعب عند كثير من النساء السفيهات..( مجاملا كعادته )..
- أشكرك..( بهدوء )
- وأنتِ..ما هي مشكلتك مع زوجك؟
- أعيش مع رجل بارد، مشغول طوال الوقت، هل تصدق يا سيدي أننا لم نلتق على فراش منذ ما يقرب العامين، نعيش معا تحت سقف واحد نعم، ولكننا نعيش كالأخ والأخت لا كالزوج والزوجة..
تذكر في سره أن هذا الوضع يشبه وضعه مع زوجته، كتم في أعماقه ولم يفصح خشية أن تنفر منه أو تشعر بأنه رجل بارد كزوجها الذي تشكو منه، و كنوع من التطهير سره أن يسمع بحدوث هذا عند آخرين!
وحانت منه محاولة لرؤيتها فأخرج القداحة من جيبة الأيمن، وأخرج علبة سجائره من الجيب الأيسر، وضغط زناد القداحة فأضاءت في الظلمة ضوءا خافتا رفعه إلى الأعلى، وباءت محاولته بالفشل، فلم يتمكن من رؤية وجهها، ولكنه استطاع أن يتبين شفتيها المصبوغتين بالفوشيا، وخجل أن يعيد الكرة فأعاد القداحة إلى مكانها دونما إشعال شيء.
في الخارج، كانت العاصفة اللطيفة قد انقلبت إلى وحش شرير،يومض بالبرق الخاطف، ويزأر بصوت الرعد المخيف، واستحالت حبات الندى البطيئة المهذبة، استحالت إلى خطوط متصلة من المياه الغزيرة، لا تعرف الاستئذان قبل أن تدخل، ولا تدق أبواب أرضيات الشوارع، وأغصان الأشجار، وأسطح المنازل والمباني برفق كما كانت تفعل. فترة من الهدوء سادت بينهما، وكالمطر الذي لا يأخذ الإذن، شعر الرجل بشبح الرغبة يخيم على عقله، امرأة.. وظلام.. وشفتان تلمعان وتغريان بالتقبيل، وبينما هو مستغرق في إحساسه المضطرم، ونيران أشواقه التي أخذت حدتها في الازدياد شيئا فشيئا..قطعت المرأة هدوء الصمت قائلة:
- أيها السيد..أريد أن أعترف لك بسر..أنت رجل غريب وأنا..
- وكأنه يعرف بالضبط ما كانت ستقوله له، لم يسء فهمها، ولكنه قال مكملا لحديثها:لا أعرفك، ولا تعرفني، وهذه هي ميزة الإفضاء بالأسرار إلى أشخاص غرباء ربما لن تراهم أبدا لمرة ثانية..هذا يجعل الإنسان يشعر بالراحة.
- أدهشتها سرعة بديهته وفهمه التام لما أرادت قوله فأضافت قائلة:
نعم بالضبط..هذا ما أردت قوله، حينما تفضي بسرك إلى شخص غريب فهذا يعني أن سرك قد سقط في بئر عميق لن يخرج منه، وإن خرج فلن يصيبك بخروجه الضرر، يمكنك أن تفعل ذلك دونما حتى أن تذكر له اسمك، من المؤكد أن معارفك ليسوا هم معارفه أنفسهم، ومحيطه الاجتماعي ليس هو محيطك، وكل ما يتعين عليك فعله هو أن تفضي له فقط بمكنون صدرك دون أن ينتابك القلق، ولا تخش بعد ذلك من أن يعرف كل أولئك ممن لا تريدهم أن يعرفوا أو بعضهم بهذا السر..
- نعم..صحيح، أين سيلتقي بهم ليخبرهم بهذا؟ بل وأين ستجدينه بعد ذلك؟ لتشعري بخجل المواجهة للمرة الثانية..وبأن لحظة بوحك بسرك الكمين كانت لحظة ضعف..من المؤكد أنه سوف ينصت إليكِ بكل اهتمام، وبتواضع شخص لا يجد حرجا فيما يسمعه، لأنه يضع نفسه مكان صاحبه، ويدرك أنه كان معرضا للوقوع في الخطأ نفسه، لو كان- على سبيل القدر الذي نجهل قوانينه – ليس هو، وكان شخصا آخر! ودون تحيز، أرجو أن تثقي تماما وتتأكدي من أن حكمه سوف يكون موضوعيا.
تشجعت المرأة وقالت:أريد أن أعترف لك..ولا أعرف لماذا؟ أشعر بأنني مدفوعة إلى هذا الاعتراف دفعا! شيء غريب، ولكن، أعترف لك بأنني أ..أخون زوجي منذ فترة..
خلع الرجل نظارته وقال متظاهرا بالحكمة: إن هذا لأمر لا يبعث على دهشتي، ولا ينبغي له أن يبعث على دهشة أي رجل عاقل، فامرأة جميلة مثلك، تعيش مع رجل بارد ومشغول طول الوقت، ماذا سيصبح بوسعها أن تفعل غير ما فعلتيه؟
- جميلة، ولكنك لم ترني!
- إني أرى بعين قلبي!..( هامسا بخفوت )
وسكت برهة ثم قال:تعزيزا لهذه اللحظات الجميلة، ورغبة في أن تكون الثقة بيننا متبادلة، أود لو أفضيت لكِ بسر أنا الآخر..
- نعم يا سيدي..بكل سرور واهتمام..تفضل..
- أنا أيضا أخون زوجتي منذ فترة و..
صاحت المرأة بابتهاج طفل صغير:هاهي الأنوار قد عادت من جديد، وستنتهي معاناتنا في هذا المكان الضيق، ولن نستمر معلقين في الهواء..
كانت تتحدث بمرح وجدية، والتفتت تنظر إلى وجهه..
كان واقفا في ذهول، فمه بين المغلق والمفتوح، وعيناه مثبتتان عليها.. فوجئ الرجل، وفوجئت هي أيضا، لقد كانت زوجته، ولكن الرغبة التي كانت تسيطر عليه، جعلته يؤجل تلقيه للصدمة فهوى على وجهها يمطره بالقبلات والدموع تنهمر من عينيها بحرارة وغزارة، كانهمار صنبور مياه ساخن.
.تمت.
مع خالص شكري وامتناني ومودتي لهذا العمل وهذه المساعدة الطيبة جدا
جزاكم الله خيرا عن هذا العمل: تصحيح أخطاء النصوص
بالرجاء تصحيح هاتين القصتين:
القصة الأولى:
"وجهكِ الجميل يمنحني الحياة،إني أنظر إلى وجهكِ فأعيش ثم أدير وجهي عنه فأشعر بالموت! ماذا تطلبين مني؟ اطلبي نجوم السماء ،اطلبي القمر،الشمس،اطلبي حياتي فأنا مدين لك بها،اطلبي كما تشائين،لكن إياكِ أن تطلبي المستحيل"
فرمقته بنظرة حادة منكسرة ورأيتها وهي تزيح برقة شديدة خصلة صغيرة من شعرها عن عينيها ،وتُحرك إنسان عينها اليمنى حتى يختلط مع الدمعة فيمنع تدحرجها أو يطغى على صورتها ويأخذ الحيز الأكبر منها إذا ماهي نزلت داخل العين قريبا من الجفن في حدود نصف سنتيميتر تقريبا من عينها الواسعة،وتَحرك إنسان عين العين اليسرى أيضا بشكل لا إرادي عندما تحرك إنسان عين العين اليمنى-لا أحد في العالم يستطيع تحريك إنسان عين واحدة دون أن يتحرك الآخر إلا بصعوبة بالغة،وما حاجته إلى ذلك؟! ولونهما أسود مشرب برمادية..ثم تفعل بشفتيها نصف عبسة تتكلف بعدها ابتسامة فاترة..
أما هو..فقد تاهت نظراته وهو يحدق في الفراغ المجهول ويدور في خلده تساؤل حيره:ماهو الحد الفاصل بين المعقول واللامعقول؟ أحيانا تبدو كل الأشياء وكأنما قد اختلطت ببعضها في خلاط كهربائي وتكون الغيوم ملبدة في سماء شديدة الصفاء! وفي لمحة سريعة مرت داخل عين الماضي ألمح ليلة كنت أمشيها مع صديق عزيز،متلكئا كعادتي،متبخترا في مشيتي،حتى وصلت فأخبرتني بأنها…آآآآه وفرحت كثيرا حتى كدت أطير من الفرحة واستعرت جناحي جبريل ثم استغفرت الله و….؟!
أنهى تساؤله الطويل وعاد ليحدق في الفراغ المجهول،يحدق في اللاشيء بعمق عميق كأن نظراته تلك لم تكن تخرج من عينيه فقط بل من وجهه الأبيض أيضا وشفتيه السليمتين اللتين لم يوجد بهما خط تشققي واحد، وأنفه متوسطة الحجم،وشعر رأسه الأسود،وخرجت نظراته أيضا من بعض الشعيرات الصغيرة في ذقنه..
قال لها يقصد المستحيل:لأنه يستعصي علي تحقيقه،وليس هذا عيبا في شخصيتي ولا تقصيرا مني ولا يقدح في رجولتي ولا انتفاء لشهامتي،ولو كان ذنبا فليس هذا ذنبي وحدي،إن أي رجل غيري،أي رجل إذا كان مكاني;فلن يستطيع أن يعبر بزوجته الحامل كبيرة البطن التي تحمل في جوفها طفلا وجنينا جديدا،سيأتي للعالم ليتعذب ثم يموت،من خلال حاجز عنصري إلا لو سمح لنا العنصريون بذلك،أو أننا سننفذ من الحائط؟!
- أرجوك ..حاول أن تعبر هذا الحاجز اللعين،لا بد أن تحاول،ليس من أجلي،لكن لأجل ابنك!
- لا تحلمي كثيرا،فالصور دائما باهتة في الأحلام!
تغير لون وجهها إلى الأصفر وتدريجيا بدأ جسدها كله يشحب..يشحب،كأن الدم قد بدأ ينفصل تدريجيا عن عروقها!!
كنت واقفة على أمل أن أعبر..كانت الساعة قد بلغت تمام الثانية عشر ظهرا،بعض الناس كانوا ينتظرون منذ ثلاث ساعات وبعضهم منذ الفجر،وتمنيت أن ألحق بالحصة الأخيرة،لم أشأ أن أعود للمنزل بخفي حنين..دون حصة دراسية واحدة!
وقف الجمع من الناس عند الحاجز منتظرين أن يعبروا لسبب ما أو لآخر..وقفوا جميعا متذمرين،معكري الصفو،سيئي المزاج،يتأففون بين نصف الدقيقة ونصفها الآخر..وكانت هناك بعض التنهيدات الحارة التي تخرج من أفواههم من أعماق قلوبهم! كان يقف إلى جانبي شخص تنبعث من فمه رائحة كريهة كلما تنهد..وإلى الجانب الآخر مني وقفت سيدة سمينة،سمراء البشرة،تقبض بيدها الكبيرة على يد صغيرة غضة ،كان طفلها يمسك بيده الأخرى قطعة من البسكويت،تصبب العرق فوق وجه السيدة وتفصد منه فرفعت يدها ملوحة تلويحة قصيرة غير مقصودة –فعلت ذلك بين الحين والحين- لتمررها فوق جبينها وسائر أنحاء وجهها الكبير نسبيا،السائح في بعضه وكأنه بلا ملامح!
أما الطلاب الصابرون مثلي،الحالمون بحضور الحصة الأخيرة فقد كانوا كثيرين جدا ..وقفوا جميعا صابرين أكثر من غيرهم وأكثر مما يمكن للإنسان أن يحتمله ولسان حالهم يقول:اطلبوا العلم ولو في الصين..اطلبوا العلم ولو تطلب الأمر أن تعبروا الحاجز اللعين!
أسقط الطفل قطعة البسكويت من يده;فأنبته أمه ،لكنها أنبته أكثر عندما هم بالتقاطها من فوق الأرض وكان قد التقطها بالفعل،فجذبتها الأم من يده بقوة وقذفت بها بعيدا..وتباينت ردود أفعال الناس..
صاح الرجل ذو الفم كريه الرائحة:حرام خيتو حرام !
فشد على عضده شيخ مسن قائلا:نعمة الله على الأرض..أستغفر الله العظيم
فاعترضت امرأة:شو بكم ياجماعة..الله يهديكم..الست ماغلطت لأنه بدها تحمي ابنا من المرض!!
قال شاب حمساوي:قال رسول الله صلى الله..
فقاطعه فتحاوي:اللهم صلي عليك يانبي،خلاص عمي،فضيناها سيرة!!
وبدا لي أن الجميع يحاولون محاولة جدية للهذيان،ويبذلون لتحقيقها جهدا ملموسا،وينخرطون في الهراء إما للتسلية والترويح عن أنفسهم أثناء وقت الانتظار الطويل وإما ليبعدوا تفكيرهم عن رغبتهم في اختراق الحاجز اللعين ويتفادوا بذلك الدخول في مناوشات مع جنود الاحتلال وهم عزل لا يحملون السلاح فرب بسكوتة واحدة تحمي من مجزرة مؤكدة!! قالوها قديما في الأمثال عندما كانوا يقفون على الحواجز..سخرت من الأمر..
وبدأت المرأة الحامل في الولادة !
فحملها زوجها ومعه رجل مفتول بعيدا قليلا ووضعاها على جنب كما توضع قطع الأثاث! وسرعان ما استعار الزوج زجاجات المياه المعدنية وغير المعدنية التي كانت مع الواقفين..وتقدمت سيدة خبيرة لتعرض خدماتها..عندئذ قال الحمساوي:المي مش ساخنة..
فقاطعه الفتحاوي:لا عمي ساخنة من الشمس! وبدأت عملية الولادة بالفعل،شكل النسوة حلقة مستديرة حول المرأة المسكينة،وخلعت فتاة متطوعة الجاكيت تبعها ،وتم لف المولود وتدفئته بسلام!
أثناء الوقت الذي استغرقته عملية الولادة ..كان الطفل الصغير صاحب البسكوتة قد أصيب بضربة شمس..وأخرج جندي إسرائيلي سيجارا من جيبه..أشعل السيجار وشرع في التدخين!
اشتدت حرارة الشمس أكثر وبعد حوالي ساعة خمن الجميع بأن الطفل المذكور قد مات ولقي حتفه فعلا وأن ذلك قد حدث منذ ساعة على الأقل!
قفلت راجعة معهما في الطريق بعد أن أقنعني هو بشق الأنفس بأن حصتي الأخيرة قد ضاعت مني وفاتتني مذ وقت طويل ،ولكم أن تتصورا قلة ذوقي ولامبالاتي المفرطة في المواقف الصعبة،وعدم رغبتي في تحمل أية مسئولية خارجة عن نطاق دراستي;فأنا لم أعرض على زوجها خدماتي ،لم أطلب إليه بأن يسمح لي بأن أصبح عكازا خشبيا-لا لأنه لا يمكن أن يوجد عكاز في مثل هذه الدرجة من النحافة-ولكن لأني أكره ذلك..نعم.. أكره أن أتحول إلى عصا خشبية أو عصا من أي نوع آخر! ورغم تأكدي من قصده بعودتي معهما في الطريق في أن أفعل ذلك إلا أني تابعت خطواتي في ثبات عادي ..لم أتعمد أن أسرع ولكن أيضا لم أتعمد أن أبطىء ليسيرا معي على مهلهما..لم أنبس ببنت شفة ولم أعر قسمات وجهه الغاضبة أي اهتمام..لم أعرض أي خدمة على الإطلاق ولم أفعل حتى..قال لي حينما اشتد غيظه مني:ساعديني من فضلك..اتركيها تتكىء عليكِ! قالها وهو يجز على أسنانه محاولا محاولة غير ناجحة في إخفاء غضبه!
ولم أستطع الرفض ..فتلك المرأة الحامل التي وضعت طفلها عند الحاجز أوعليه أو فوقه-ماتفرق فكلها حروف جر- هي خالتي! ولاتستغربوا كيف أني كنت مشغولة جدا وقتها بفكرة ذهابي إلى المدرسة..فمالي وهذه الأشياء؟! لم أقف هناك لأجلها..وقفت فقط لأجل مدرستي..لم أشكل حلقة مع من شكلن..فما شأني وقد انتهيت لتوي من الصف السادس والتحقت بالصف السابع بمسألة ولادة؟ وماذا يعنيني فيما إذا كان الماء ساخنا أم لا؟ وما إذا كانت الشمس قد قامت بدورها المرجو منها المطلوب معه؟! فلست عالمة بالطاقة الشمسية –وإن كانت تأثيراتها قد تبدت واضحة جلية هذه الظهيرة-ربما لو كنت جامعية أو يزيد لما كنتم قد التمستم لي العذر!!
قالت لها:مبروك ياوداد..بالرفاء والبنين إن شاء الله..
فخالتي الكبرى وهيبة لا تحسن اختيار التهنئة المناسبة في الموقف الملائم لها! إنها دائما ما تسقط التهاني دون شعور منها على نفسها ودائما ماتقول:مبروك..ثم تتبعها بجملة الرفاء والبنين أو لا تتبعها،ويستوي ذلك عندها ما إذا كانت المناسبة المقصودة زواجا أو ولادة أو حتى عيد ميلاد!!
خالتي وهيبة عانس ورغم رقتها إلا أن عنوستها قد أكسبت شخصيتها بعض الخصائص المعقدة و..فلتات اللسان الغريبة..
القصة الثانية:
الجو مظلم في الخارج،والبرج المكون من أربعين طابق،يقف شامخا كالطود العظيم في الأرض، عاصفة، لكن رقيقة، بدأت بوادرها تلوح في الأفق، وتؤذن بالهبوب، حبات ندى صغيرة طفقت تنساب بوداعة، متقطعة في تسلسل حيوي بديع، على استحياء غير ممل، وهواء منعش مترب، كان يتقلب كدوامات هادئة محدودة النطاق في الفضاء الواقع بين السماء والأرض.
وحدها مثله، حضرت إلى المكان نفسه في الميعاد الخطأ، طالتهما معا غلطة الموظف الغبي الذي علق على الحائط الإعلان الذي يقول في مقتطف منه:نرحب بكم للحجز والاستفسار في تمام الساعة الحادية عشرpm..(بدلا منAm كانت هذه هي غلطته)..ومنذ ساعت مضت حدث أن وبخ طبيب نفسي، يدعي أنه متخصص في حل المشاكل الزوجية أحد موظفيه قائلا:
- أيها الغبي:هل تمكنت من تصحيح خطئك الفادح، وتوضيح سوء الفهم لحاملي الإعلان وقارئيه قبل أن ينصرفوا؟
- نعم يا دكتور..آه حقيقة لا أستطيع أن أجزم، ولكنني آمل ذلك..
حملتها قدماها إلى المصعد نفسه بعد دخوله بدقيقة، لم تتمكن من رؤية وجهه، فقد كانت الجريدة التي يمسكها باهتمام تغطيه كله، بدا منهمكا في القراءة، وأن خبرا ما قد جذب انتباهه حتى أنه كان قد نسي أن يغلق الباب أو ربما قصد أن يحمل المصعد آخرين معه. دلفت إليه بخطوات رشيقة، وبارتباك، كانت تبحث عن شيء ما في حقيبة يدها الصغيرة، أخرجته وشرعت تتمم لون شفتيها بمزيد من الفوشيا اللامع، كانت ترتدي فستانا أبيض، قصيرا و مزخرفا بخطوط الفوشيا الطويلة، وإلى الخلف ربطت شعرها الناعم القصير كذيل فرس. سرت إلى أنفه الحساسة للروائح العذبة، رائحتها الحلوة المثيرة، قال في سره: المرأة المتعطرة زانية..زانية حقا..أي نعم!
عزم على اختلاس النظر إلى وجهها فبدأت أصابعه تتلاعب بتردد بأطراف الجريدة، ببطء، أنزل الجريدة إلى نصف وجهه فظهرت أرنبة أنفه والنظارة الصارمة من فوقها، لقد قطع نصف المسافة والآن هم بأن يقطع النصف الآخر ويلتفت إليها، حين حانت منه لحظة الالتفاتة، حدث ما لم يكن بالحسبان:انقطع التيار الكهربائي فجأة، وأصبحا معلقين معا في الهواء، لا يعرفان بين أي طابق و آخر، وسيظل باب المصعد مغلقا عليهما إلى حين ميسرة.
قال الرجل متغزلا بوقار:آه..إنه لحظ عاثر يا سيدتي أن منعني هذا الظرف الطارىء من متعة النظر إلى وجه سعادتك..
- كنت أتمنى لو أنني قد استطعت أن أنظر إلى وجه الرجل الواقف إلى جانبي في المصعد، ولكن كما ترى..لقد انطفأت..( باحثة عن وجهه في الظلام )..
- لقد انطفأت الأنوار بسرعة شديدة نعم..أعترف لكِ بذلك..ونحن الآن معلقان في الهواء، وعموما فهي فرصة عظيمة جدا لندردش ونتعارف..وقال بلهجة مبالغ فيها: إنه لقدر ذو مغزى، ذلك الذي جمعنا معا في هذا المكان وهاته الساعة، شيء له معنى، أنا لا أؤمن بالصدف..
سألته: إلى أين كانت وجهتك؟
- إلى الطابق الثالث والعشرين..وأنتِ؟
- مثلك..لا مفر إذن من أنك تعاني بعض المشكلات مع زوجتك؟
- آآآه ياسيدتي..لو تعرفين ما أنا فيه!..أعيش مع زوجة مملة، أنانية، امرأة ذات عقل فارغ بكل المقاييس، كل ما يهمها من الوجود في هذا العالم هو أن تهتم بألوان بشرتها، ومكونات وجهها، وأناقتها، مع متابعة أحدث صيحات الموضة والتباهي أمام صديقاتها بملابسها ومجوهراتها، تافهة، ثرثارة، لا شيء يضجرني في الحياة قدر أنني أعيش معها في منزل واحد..
- الاهتمام بالأناقة أمر محمود ومطلوب، شرط ألا يتعدى حدوده المعقولة وألا يصل إلى درجة الهوس أو التشبث المرضي، من المؤكد أن زوجتك تبالغ نوعا ما في الاهتمام بزينتها..
- ومن المؤكد يا سيدتي أنكِ امرأة ذات عقل بالغ الرجحان حتى تبدي مثل هذا الرأي السديد في مثل هذه المسألة التي قد بلغت مبلغها الصعب عند كثير من النساء السفيهات..( مجاملا كعادته )..
- أشكرك..( بهدوء )
- وأنتِ..ما هي مشكلتك مع زوجك؟
- أعيش مع رجل بارد، مشغول طوال الوقت، هل تصدق يا سيدي أننا لم نلتق على فراش منذ ما يقرب العامين، نعيش معا تحت سقف واحد نعم، ولكننا نعيش كالأخ والأخت لا كالزوج والزوجة..
تذكر في سره أن هذا الوضع يشبه وضعه مع زوجته، كتم في أعماقه ولم يفصح خشية أن تنفر منه أو تشعر بأنه رجل بارد كزوجها الذي تشكو منه، و كنوع من التطهير سره أن يسمع بحدوث هذا عند آخرين!
وحانت منه محاولة لرؤيتها فأخرج القداحة من جيبة الأيمن، وأخرج علبة سجائره من الجيب الأيسر، وضغط زناد القداحة فأضاءت في الظلمة ضوءا خافتا رفعه إلى الأعلى، وباءت محاولته بالفشل، فلم يتمكن من رؤية وجهها، ولكنه استطاع أن يتبين شفتيها المصبوغتين بالفوشيا، وخجل أن يعيد الكرة فأعاد القداحة إلى مكانها دونما إشعال شيء.
في الخارج، كانت العاصفة اللطيفة قد انقلبت إلى وحش شرير،يومض بالبرق الخاطف، ويزأر بصوت الرعد المخيف، واستحالت حبات الندى البطيئة المهذبة، استحالت إلى خطوط متصلة من المياه الغزيرة، لا تعرف الاستئذان قبل أن تدخل، ولا تدق أبواب أرضيات الشوارع، وأغصان الأشجار، وأسطح المنازل والمباني برفق كما كانت تفعل. فترة من الهدوء سادت بينهما، وكالمطر الذي لا يأخذ الإذن، شعر الرجل بشبح الرغبة يخيم على عقله، امرأة.. وظلام.. وشفتان تلمعان وتغريان بالتقبيل، وبينما هو مستغرق في إحساسه المضطرم، ونيران أشواقه التي أخذت حدتها في الازدياد شيئا فشيئا..قطعت المرأة هدوء الصمت قائلة:
- أيها السيد..أريد أن أعترف لك بسر..أنت رجل غريب وأنا..
- وكأنه يعرف بالضبط ما كانت ستقوله له، لم يسء فهمها، ولكنه قال مكملا لحديثها:لا أعرفك، ولا تعرفني، وهذه هي ميزة الإفضاء بالأسرار إلى أشخاص غرباء ربما لن تراهم أبدا لمرة ثانية..هذا يجعل الإنسان يشعر بالراحة.
- أدهشتها سرعة بديهته وفهمه التام لما أرادت قوله فأضافت قائلة:
نعم بالضبط..هذا ما أردت قوله، حينما تفضي بسرك إلى شخص غريب فهذا يعني أن سرك قد سقط في بئر عميق لن يخرج منه، وإن خرج فلن يصيبك بخروجه الضرر، يمكنك أن تفعل ذلك دونما حتى أن تذكر له اسمك، من المؤكد أن معارفك ليسوا هم معارفه أنفسهم، ومحيطه الاجتماعي ليس هو محيطك، وكل ما يتعين عليك فعله هو أن تفضي له فقط بمكنون صدرك دون أن ينتابك القلق، ولا تخش بعد ذلك من أن يعرف كل أولئك ممن لا تريدهم أن يعرفوا أو بعضهم بهذا السر..
- نعم..صحيح، أين سيلتقي بهم ليخبرهم بهذا؟ بل وأين ستجدينه بعد ذلك؟ لتشعري بخجل المواجهة للمرة الثانية..وبأن لحظة بوحك بسرك الكمين كانت لحظة ضعف..من المؤكد أنه سوف ينصت إليكِ بكل اهتمام، وبتواضع شخص لا يجد حرجا فيما يسمعه، لأنه يضع نفسه مكان صاحبه، ويدرك أنه كان معرضا للوقوع في الخطأ نفسه، لو كان- على سبيل القدر الذي نجهل قوانينه – ليس هو، وكان شخصا آخر! ودون تحيز، أرجو أن تثقي تماما وتتأكدي من أن حكمه سوف يكون موضوعيا.
تشجعت المرأة وقالت:أريد أن أعترف لك..ولا أعرف لماذا؟ أشعر بأنني مدفوعة إلى هذا الاعتراف دفعا! شيء غريب، ولكن، أعترف لك بأنني أ..أخون زوجي منذ فترة..
خلع الرجل نظارته وقال متظاهرا بالحكمة: إن هذا لأمر لا يبعث على دهشتي، ولا ينبغي له أن يبعث على دهشة أي رجل عاقل، فامرأة جميلة مثلك، تعيش مع رجل بارد ومشغول طول الوقت، ماذا سيصبح بوسعها أن تفعل غير ما فعلتيه؟
- جميلة، ولكنك لم ترني!
- إني أرى بعين قلبي!..( هامسا بخفوت )
وسكت برهة ثم قال:تعزيزا لهذه اللحظات الجميلة، ورغبة في أن تكون الثقة بيننا متبادلة، أود لو أفضيت لكِ بسر أنا الآخر..
- نعم يا سيدي..بكل سرور واهتمام..تفضل..
- أنا أيضا أخون زوجتي منذ فترة و..
صاحت المرأة بابتهاج طفل صغير:هاهي الأنوار قد عادت من جديد، وستنتهي معاناتنا في هذا المكان الضيق، ولن نستمر معلقين في الهواء..
كانت تتحدث بمرح وجدية، والتفتت تنظر إلى وجهه..
كان واقفا في ذهول، فمه بين المغلق والمفتوح، وعيناه مثبتتان عليها.. فوجئ الرجل، وفوجئت هي أيضا، لقد كانت زوجته، ولكن الرغبة التي كانت تسيطر عليه، جعلته يؤجل تلقيه للصدمة فهوى على وجهها يمطره بالقبلات والدموع تنهمر من عينيها بحرارة وغزارة، كانهمار صنبور مياه ساخن.
.تمت.
مع خالص شكري وامتناني ومودتي لهذا العمل وهذه المساعدة الطيبة جدا
تعليق