[frame="3 98"]
توالت المكالمات الهاتفية على مسلم بن سالم المسلم ، من رجل المخابرات الصهيونية، والذي في كل مرة يبدي له تعاطفه مع حالته المتردية بسبب الفقر وقلة العمل وكثرة الأولاد ومطالب الحياة وشرب الدخان الذي لا يستطيع مفارقته ..
وفي كل مرة كان يصده وبقوة .. لكن ..
يبدو أن العادة قد أثمرت نتائجها، تماما كما أراد رجل المخابرات الصهيوني .. أن يتحول الأمر إلى قبول للاستماع ثم للحوار .. بحكم التعود بالتكرار ..
وجدت الألفة طريقها لتنغرس في وجدانه .. وتولد لديه الإحساس بأنه ليس هناك ما يخشى فعله .. وفي نهاية الأمر فما يجري مجرد كلام في كلام .. ورجل المخابرات لم يطلب منه شيئا حتى الان ..وإذا طلب فلن يقبل وسيقفل الهاتف في وجهه ولن يكلمه أبدا ..
هكذا بدا له الأمر وفسره لنفسه، أنه بامكانه معاقبة رجل المخابرات لو تجاوز حده .. أو حاول استدراجه ليعمل معهم، فالخيوط بيده وحده ، ولا يوجد ما يمنع مواصلة اللعب معه ..
لقد وثق بنفسه كثيرا .. وتجاوز بذلك المحاذير والمحظور .. وفقد حاسة الانذار بالخطر .. رغم التجارب المشهورة للعديد ممن سقطوا بتهاونهم في براثن العمالة لصالح العدو الصهيوني ..
لم يلاحظ مسلم بن سالم المسلم أن رجل المخابرات في جميع مكالماته، حرص أن يكلمه حينما يكون فوق سطح منزله، حيث الفضاء الواسع، وحيث ... أسطح الجيران مكشوفة أمامه ..
في إحدى المكالمات .. أخذ رجل المخابرات يناجي الطبيعة وجمالها، وكيف أن الحياة حلوة ... وبدأ يصف ما حوله من مناظر خلابة .. فهذه حديقة وكأنها غابة خضراء .. وهذه شوارع واسعة تسير عليها العربات من كل شكل ونوع .. وهذه العمارات حوله وجيرانه المكشوفون أمامه .. وكيف يعيشون .. ثم حدثه عن تلك المرأة الشابة التي تقوم بنشر غسيلها في شرفة شقتها أمامه وأندفع في وصف تفاصيل جسدها الشبه عار..
ثم سأله : ماذا عن الجو عندك .. مسلم، ما هو المنظر الذي تراه الآن ويعجبك ..
مسلم بن سالم المسلم وقد انساق تماما لحديثه: أنت تعرف .. بيوتنا عادية، نعيش حياتنا كما تعودنا ببساطة ودون تعقيد، هناك بعض الناس يسيرون في الشارع، وبعض الأطفال يلعبون ويتسابقون فيما بينهم، وهناك بائع الحليب المتجول الذي نشتري منه أحيانا اللبن والجبن ..
رجل المخابرات: جميلة جدا حياتكم .. انتم محظوظون فيها ، لا تعانون من التعقيدات الكثيرة التي تقيدنا في كل شيئ، ليتني أعيش مثلكم .. كم أحب طريقة عيشكم ..
مسلم بن سالم المسلم: أنت تتمنى حياتنا . غير معقول .. لا أحسبك إلا ساخرا، مستهزئا .. فغير معقول .. بمالكم وقوتكم، وبما تملكون.. تتمنون العيش مثلنا ..!
رجل المخابرات: وماذا في ذلك، لن أكذب عليك .. أشعر أنك صديق حميم لي .. بل أنت كذلك فعلا ..
مسلم بن سالم المسلم: أشكر مشاعرك التي تحملها نحوي .. ليتك تصدق ..
رجل المخابرات : لا مسلم .. مشاعري حقيقية وعليك أن تصدقني ، المهم .. احك لي .. ماذا عن جيرانك . هل يمارسون حياتهم مثلك، هل يصعدون على سطوح منازلهم .. وهل ينشرون غسيلهم فوق السطح مثلك ..
مسلم بن سالم المسلم: نعم .. كلنا مثل عائلة واحدة .. حتى أننا نتشارك الكثير من المناسبات ونتبادل الزيارات .. نحن قريبون جدا من بعضنا البعض ..
رجل المخابرات : معقول .. طيب أخبرني ماذا ترى في حبل غسيل جارك الأيمن..
مسلم بن سالم المسلم: لا شيئ ... يبدو أن أم محمد لم تغسل اليوم
رجل المخابرات : وماذا عن غسيل جيرانك في البيت الذي أمامك ..
مسلم بن سالم المسلم: يبدو أن أم صالح قد غسلت اليوم .. حبلها مزدحم بملابس أطفالها الصغار .. مسكينة إنها تتعب معهم كثيرا ..
وهكذا كانت الأحاديث تسير وتتطور، بين رجل المخابرات وبين مسلم بن سالم المسلم.. والألفة بينهما تزداد دفئا والعلاقة تصبح أكثر حميمية .. حتى أن مسلم وصل لدرجة إدمانه لصاحبه رجل المخبرات ..
حتى جاءت آخر مكالمة، والتي سارت على نفس المنوال.. حتى وصلوا إلى الحديث عن غسيل الجيران الذي أصبح موضوعا شيقا يتبادلونه بحرارة ، ممزوجا ببعض النكات والغمزات المثيرة التي يضحكان خلالها كثيرا..
رجل المخابرات: ها . وماذا عن غسيل جارتك أم صالح .. أما زال اولادها يتعبونها ..
مسلم بن سالم المسلم : يعني .. ماذا سيتغير لديها .. حالها هو هو .. لكن استنى .. أرى اليوم على حبلها غسيلا مختلفا ..
رجل المخابرات : مختلف .. ماذا تقصد بذلك
مسلم بن سالم المسلم : أرى ملابس رجل منشورة على الحبل ، الظاهر زوجها رجع من سفره... الظاهر مبسوطة اليوم ..
رجل المخابرات: ملابس رجل كبير ... معقول زوجها رجع .. مسكينة ، خليها تشوف حالها شوية قدام نسوة الشارع ..
مسلم بن سالم المسلم : مش غلط .. خليها تشوف حالها و ..
قاطعه رجل المخابرات : اسمع نسيت حاجة مهمة، أنا علشان اساعدك، أرسلت لك هدية صغيرة .. شوية فلوس .. ، احنا أصحاب ولازم أقف معك في ازمتك ..
مسلم : هدية .. لماذا تتعب نفسك، أنا لا أريد شيئا ..
قاطعه رجل المخابرات : اسمع الرجل الذي معه الهدية موجود الان في المقهى في آخر الشارع .. اسمه ابو ناصر .. إنه ينتظرك .. من الضروري أن تذهب إليه فورا ، وخلال ثلاثة دقائق .. إنه مرتبط بعمل ومستعجل.. ولن ينتظر أكثر من ثلاثة دقائق ..
يالله مع السلامة، سأهاتفك غدا ..
....
لم يكد مسلم يصل المقهى، حتى شعر بالأرض تهتز من تحته، إثر انفجار شديد حدث في وسط الشارع ..
نظر خلفه .. شاهد دمارا واسعا، وغبارا يملأ السماء قرب منزله .. أخذته الصدمة .. وعاد مسرعا ليرى منزله .. وليعرف ماذا حدث ..
عندما وصل .. حلت به الجفلة .. لقد رأى وسمع .. ويا لهول ما رأى ويا لفظاعة ما سمع .. رأى بيت جارته أم صالح وقد سوي بالأرض نتيجية الانفجار ، أما ما سمعه فقد كان الأشد عليه والأنكى .. لقد ماتت أم صالح ومن معها من أطفالها .. ومات أيضا زوجها الغائب .. الذي لم يعرفه يوما ولا يعرف عنه شيئا ..
الآن فقط عرف من هو .. والناس يتكلمون عنه ، لقد كان مجاهدا عنيدا يقاوم قوات الإحتلال .. وكان قائدا عسكريا لا يشق له غبار.. حاول العدو الصهيوني اغتياله اكثر من مرة ... اليوم أصابوه .. اليوم أصابوه ..
وبينما هو يجري ويصرخ .. سمع رنين هاتفه النقال .. لقد كان صاحبه .. سمعه وهو يقول : شكرا لك يا مسلم .. دولة اسرائيل كلها تشكرك، لقد ساعدتنا اليوم في التخلص من أشد أعدائنا ..
لم يصدق أنه هو السبب ، ولم يتحمل أن يكون هو الوسيلة .. أصابه الذهول.. وترك هاتفه يسقط بجواره معه على الأرض .. يعفر وجهه بترابها..
***
[/frame]
خيانة صغيرة
توالت المكالمات الهاتفية على مسلم بن سالم المسلم ، من رجل المخابرات الصهيونية، والذي في كل مرة يبدي له تعاطفه مع حالته المتردية بسبب الفقر وقلة العمل وكثرة الأولاد ومطالب الحياة وشرب الدخان الذي لا يستطيع مفارقته ..
وفي كل مرة كان يصده وبقوة .. لكن ..
يبدو أن العادة قد أثمرت نتائجها، تماما كما أراد رجل المخابرات الصهيوني .. أن يتحول الأمر إلى قبول للاستماع ثم للحوار .. بحكم التعود بالتكرار ..
وجدت الألفة طريقها لتنغرس في وجدانه .. وتولد لديه الإحساس بأنه ليس هناك ما يخشى فعله .. وفي نهاية الأمر فما يجري مجرد كلام في كلام .. ورجل المخابرات لم يطلب منه شيئا حتى الان ..وإذا طلب فلن يقبل وسيقفل الهاتف في وجهه ولن يكلمه أبدا ..
هكذا بدا له الأمر وفسره لنفسه، أنه بامكانه معاقبة رجل المخابرات لو تجاوز حده .. أو حاول استدراجه ليعمل معهم، فالخيوط بيده وحده ، ولا يوجد ما يمنع مواصلة اللعب معه ..
لقد وثق بنفسه كثيرا .. وتجاوز بذلك المحاذير والمحظور .. وفقد حاسة الانذار بالخطر .. رغم التجارب المشهورة للعديد ممن سقطوا بتهاونهم في براثن العمالة لصالح العدو الصهيوني ..
لم يلاحظ مسلم بن سالم المسلم أن رجل المخابرات في جميع مكالماته، حرص أن يكلمه حينما يكون فوق سطح منزله، حيث الفضاء الواسع، وحيث ... أسطح الجيران مكشوفة أمامه ..
في إحدى المكالمات .. أخذ رجل المخابرات يناجي الطبيعة وجمالها، وكيف أن الحياة حلوة ... وبدأ يصف ما حوله من مناظر خلابة .. فهذه حديقة وكأنها غابة خضراء .. وهذه شوارع واسعة تسير عليها العربات من كل شكل ونوع .. وهذه العمارات حوله وجيرانه المكشوفون أمامه .. وكيف يعيشون .. ثم حدثه عن تلك المرأة الشابة التي تقوم بنشر غسيلها في شرفة شقتها أمامه وأندفع في وصف تفاصيل جسدها الشبه عار..
ثم سأله : ماذا عن الجو عندك .. مسلم، ما هو المنظر الذي تراه الآن ويعجبك ..
مسلم بن سالم المسلم وقد انساق تماما لحديثه: أنت تعرف .. بيوتنا عادية، نعيش حياتنا كما تعودنا ببساطة ودون تعقيد، هناك بعض الناس يسيرون في الشارع، وبعض الأطفال يلعبون ويتسابقون فيما بينهم، وهناك بائع الحليب المتجول الذي نشتري منه أحيانا اللبن والجبن ..
رجل المخابرات: جميلة جدا حياتكم .. انتم محظوظون فيها ، لا تعانون من التعقيدات الكثيرة التي تقيدنا في كل شيئ، ليتني أعيش مثلكم .. كم أحب طريقة عيشكم ..
مسلم بن سالم المسلم: أنت تتمنى حياتنا . غير معقول .. لا أحسبك إلا ساخرا، مستهزئا .. فغير معقول .. بمالكم وقوتكم، وبما تملكون.. تتمنون العيش مثلنا ..!
رجل المخابرات: وماذا في ذلك، لن أكذب عليك .. أشعر أنك صديق حميم لي .. بل أنت كذلك فعلا ..
مسلم بن سالم المسلم: أشكر مشاعرك التي تحملها نحوي .. ليتك تصدق ..
رجل المخابرات : لا مسلم .. مشاعري حقيقية وعليك أن تصدقني ، المهم .. احك لي .. ماذا عن جيرانك . هل يمارسون حياتهم مثلك، هل يصعدون على سطوح منازلهم .. وهل ينشرون غسيلهم فوق السطح مثلك ..
مسلم بن سالم المسلم: نعم .. كلنا مثل عائلة واحدة .. حتى أننا نتشارك الكثير من المناسبات ونتبادل الزيارات .. نحن قريبون جدا من بعضنا البعض ..
رجل المخابرات : معقول .. طيب أخبرني ماذا ترى في حبل غسيل جارك الأيمن..
مسلم بن سالم المسلم: لا شيئ ... يبدو أن أم محمد لم تغسل اليوم
رجل المخابرات : وماذا عن غسيل جيرانك في البيت الذي أمامك ..
مسلم بن سالم المسلم: يبدو أن أم صالح قد غسلت اليوم .. حبلها مزدحم بملابس أطفالها الصغار .. مسكينة إنها تتعب معهم كثيرا ..
وهكذا كانت الأحاديث تسير وتتطور، بين رجل المخابرات وبين مسلم بن سالم المسلم.. والألفة بينهما تزداد دفئا والعلاقة تصبح أكثر حميمية .. حتى أن مسلم وصل لدرجة إدمانه لصاحبه رجل المخبرات ..
حتى جاءت آخر مكالمة، والتي سارت على نفس المنوال.. حتى وصلوا إلى الحديث عن غسيل الجيران الذي أصبح موضوعا شيقا يتبادلونه بحرارة ، ممزوجا ببعض النكات والغمزات المثيرة التي يضحكان خلالها كثيرا..
رجل المخابرات: ها . وماذا عن غسيل جارتك أم صالح .. أما زال اولادها يتعبونها ..
مسلم بن سالم المسلم : يعني .. ماذا سيتغير لديها .. حالها هو هو .. لكن استنى .. أرى اليوم على حبلها غسيلا مختلفا ..
رجل المخابرات : مختلف .. ماذا تقصد بذلك
مسلم بن سالم المسلم : أرى ملابس رجل منشورة على الحبل ، الظاهر زوجها رجع من سفره... الظاهر مبسوطة اليوم ..
رجل المخابرات: ملابس رجل كبير ... معقول زوجها رجع .. مسكينة ، خليها تشوف حالها شوية قدام نسوة الشارع ..
مسلم بن سالم المسلم : مش غلط .. خليها تشوف حالها و ..
قاطعه رجل المخابرات : اسمع نسيت حاجة مهمة، أنا علشان اساعدك، أرسلت لك هدية صغيرة .. شوية فلوس .. ، احنا أصحاب ولازم أقف معك في ازمتك ..
مسلم : هدية .. لماذا تتعب نفسك، أنا لا أريد شيئا ..
قاطعه رجل المخابرات : اسمع الرجل الذي معه الهدية موجود الان في المقهى في آخر الشارع .. اسمه ابو ناصر .. إنه ينتظرك .. من الضروري أن تذهب إليه فورا ، وخلال ثلاثة دقائق .. إنه مرتبط بعمل ومستعجل.. ولن ينتظر أكثر من ثلاثة دقائق ..
يالله مع السلامة، سأهاتفك غدا ..
....
لم يكد مسلم يصل المقهى، حتى شعر بالأرض تهتز من تحته، إثر انفجار شديد حدث في وسط الشارع ..
نظر خلفه .. شاهد دمارا واسعا، وغبارا يملأ السماء قرب منزله .. أخذته الصدمة .. وعاد مسرعا ليرى منزله .. وليعرف ماذا حدث ..
عندما وصل .. حلت به الجفلة .. لقد رأى وسمع .. ويا لهول ما رأى ويا لفظاعة ما سمع .. رأى بيت جارته أم صالح وقد سوي بالأرض نتيجية الانفجار ، أما ما سمعه فقد كان الأشد عليه والأنكى .. لقد ماتت أم صالح ومن معها من أطفالها .. ومات أيضا زوجها الغائب .. الذي لم يعرفه يوما ولا يعرف عنه شيئا ..
الآن فقط عرف من هو .. والناس يتكلمون عنه ، لقد كان مجاهدا عنيدا يقاوم قوات الإحتلال .. وكان قائدا عسكريا لا يشق له غبار.. حاول العدو الصهيوني اغتياله اكثر من مرة ... اليوم أصابوه .. اليوم أصابوه ..
وبينما هو يجري ويصرخ .. سمع رنين هاتفه النقال .. لقد كان صاحبه .. سمعه وهو يقول : شكرا لك يا مسلم .. دولة اسرائيل كلها تشكرك، لقد ساعدتنا اليوم في التخلص من أشد أعدائنا ..
لم يصدق أنه هو السبب ، ولم يتحمل أن يكون هو الوسيلة .. أصابه الذهول.. وترك هاتفه يسقط بجواره معه على الأرض .. يعفر وجهه بترابها..
***
[/frame]
تعليق