الخطوة
يستدير برأسه يمنة ويسرة ..يستنطق طرق النعال....ويجري معها نفس الحوار...يدعوا له بالتوفيق والحظ السعيد وترقص شفتاه بابتسامة الرضي...وتلعن أخرى لأنها تجاهلت استجداءه الصامت صمت عيناه التي هجرت خطاب الصورة منذ سنين....وتتحول يداه بعد كل رنين إلى تتحسس البساط والتقاط ما جادت به الخطى المتعاقبة كساعات الليل والنهار ...يميزها من طقطوقة الكعب فيدرك أنها من جيب معطف صوفي أو من حقيبة يد سيدة....وربما حدد عمر صاحبها ....وبغير تفكير يرمي القطعة النقدية داخل حق قصديري علي اليمين....كم هو طويل هذا اليوم...وبارد ومقرف...ولكن هذه الأحكام سرعان ما تهرب مع رنة أخري تكسر مدائنه المهجورة
فيشعر أن وجوده كان بالمكان المناسب....يتتبع الخطوات الصارخة بالشباب والأنوثة.وهي تمر كحلم ضائع يحاول إعادة سرده ولكنه يهرب منه...مواصلا شق الطريق بنفس طقطوقة...وأخيرا تتوقف الأصوات لثواني...من أوقف الزمن في لندن فليس من عادة المارة التوقف وخالجه شك في أن يكون احد المتسولين قد جاوره دون أن يشعر به ...اللعنة ما هذا الحظ العاثر لقد أوقف هذا اللعين الصمت المبتسم وعطل سخاء القلوب...ماذا يضن الناس بنا..؟؟ ربما اعتقدوا إننا نحترف التسول ونستغلهم بمثل هذه الصفوف الفاغرة الأفواه...إنها أحاسيس خجلي آسفة مشفقة على أرزاق يغتصبها الطابور ببشاعته بعدما كانت تقبل عليه ضاحكة مستبشرة بان تغير حياة إنسان وتكفيه شر الحاجة....ولكن الطرق بدى نفسه يتراجع إلى وراء كأنه الصدى بنفس الفواصل التي رحل بها.....لعل صاحبته تذكرت شيئا ذا بال....أيكون شخص ما قد تعرف عليه وأراد السؤال عنه والتعرف إليه....؟.انه لم يكن له من الأصدقاء غير بلير وقد لفته السياسة بهالة من الأضواء أبعدته عن الحياة العامة التي يتيه فيها أمثاله.....لعل حتى بلير لا يعرفه فقد مر زمن طويل عندما كانا معا في نفس حجرة الدرس مع المعلمة جاكلين ابنة المحامي توماس.....كان بلير متفوقا ويشبع كل يوم... أما أنا فقد كنت غارقا في الجوع.....لقد كان أبى مزارعا يعمل عند دافيد ذلك الحقير النصاب...فقد كان لا يتورع في خصم ثمن الحليب الذي كنا نرعى أبقاره.....انه يحصي ثمار الفاكهة على الأشجار...وكثيرا ما كان أبي يدفع إليه ثمن شبعي حين أتسلل إلى الحقل ليلا....لم أكن لصا لقد كان الحقل جهد أبى ولكن دافيد كانت تشغله قضية أكبر من جوعنا وفقرنا وحرماننا....قضية تحتاج إلى المال الذي يمتصه من عرق الوالد....لقد سمعته ذات يوم يقول وهو يكلم صديقه كوهين يجب أن يكون لشعبنا أرض ووطن....وقد رحل.... وعلى تسمر الخطى وتوقف الصدى...عزل الذاكرة عن ماضي لا يقل شقاء وبؤسا عن ما هو فيه لآن....ومد يده كعادته متحسسا قدم الواقف أمامه .كنوع من أداء تحية الشكر ولامتنان لكل من يلقي على حصيره جنيها...وربما كان أخر طرق التواصل بينه وبين بني جنسه .إذ يمكنه أن يتعرف على صاحب النعل مرة أخرى ، وربما عقدت بينه وبين بعض المرتادين لهذا الدرب صداقات.... لقد كان حذاء رقيقا ناعما لسيدة لا يبدوا أنها قد فارقت زهر الشباب ولعلها تعيش مواسم تفتحه ....ولكنها تحركت بخطواتها يمينا لم تكن مغادرة لان صوت خطواتها بدى هامسا.....يا الله ؟؟ لقد جثت على إحدى ركبتيها ....ماذا تفعل هذه الشابة ...؟؟لم تتكلم معي... ولم تساعدني ككل من يتوقف أمامي وهي تحوم من حولي كنحلة اشتمت رائحة الرحيق...الناس في الحياة لهم ملل ...لقد رفعت في غير شك لافتتي....انه صرير قلم... نعم إني اسمعه واضحا يتحرك بسرعة على المساحة الورقية يلتهما على عجل.....وسرعان ما توقفت حركة القلم .وتناهى إليه صوت الكرتون وهو يعاد إلى مكانه....وراحت الخطوات تشق طريقها تاركة وراءها حيرة واستغراب لا تدفع سحبه عير عواصف النظر ..وقد حرم نسيمها من سنين....التف يمينا وامتدت يده إلى اللافتة محاولا الاطمئنان على ثباتها واقفة ،ولقد وجدها كذلك ولكنه أدارها بزاوية ما في حرص على وضعها السابق.
لم تمر دقائق معودة .وربما لا زال صوت خطوات السيدة يتردد بصداه في أذنيه ...ولكن أصوات أخري أكثر قوة بل أكثر قربا جعلت تكسره برنينها هي تقرع بعضها كتصادم السيوف في معركة حامية...إنها أصوات الجنيه ...لقد كانت باردة يحسها وهي تقبل الأرض بغصب باهت ...ولكنها ألان ضارت أصواتها أكثر نضوجا...مد يدهه متحسسا بساطه على وقع الرنين ....رباه ماهذا؟؟؟ البساط يكاد لا يتسع والخطوات تقطعت أوصالها على وقع الرنين...انه يحاول عبثا أن يجمع ما أمامه من النقود لكنها أمطار لا تتوقف وسيول لا تقاوم ...انه الطوفان الذي انحدر من مرتفعات القلوب ....صارت يداه تجد فان في بحر من الجنيهات ولكنها تعجز عن تحدي أمواجه...ولكنها سباحة لا تقاوم...فدقات قلبه في ارتفاع .بل يكلن قلبه أن يفر من بين إضلاعه فرحا.بهذا اليوم الذي بدى جميلا ورائعا وسخيا...لم يتوقف عن السباحة ولم تتوقف الأمواج عن الاصطفاف...ولكنه مكتنز التفكير في سر الخطوة الملائكية وكلماتها الساحرة التي غيرت قلوب الناس....ما عساها أن تكون قد كتبت...؟؟ .ولكنه سؤال عابث ومدمر ككل الأسئلة الغامضة التي رحلت حقائقها مع أصحابها.في الصباح فقط كانت التحليل الإخبارية عن تحرير ليبيا تصل تباعا....لقد ضج العالم بالجشع ولم يكف عن المغامرة رغم حرب العراق .نسلح العرب ضد بعضهم ونجعل من عواصمنا مدرجات لمسرح روماني ....يطل على مأساة حقيقية...نتمتع بهذه الفرجة اللذيذة...اللعنة على الحرب؟؟؟ولكن البعض يشتهيها كالقمار...يتمتع بالرهان على الأرقام والحروف والأسماء....وهذا هو الفرق بين الجوع والشبع....حين نجوع نحس بكل هذا العالم ....ولكنه الشبع يفتح آفاق اللهو حتى بالأرواح...وهاهو المشرق يحترق في بتروله؟ ويوفر لساستنا المتعة والسباحة في بحار الدماء...كما أنا الآن غارق في هذا السيل الجارف منذ ساعات....
هاهي الطقطقة تتزايد زاحفة على الرصيف....معلنة نهاية الدوام وأوبة العاملين والموظفين ...إن لهذا الوقت بالذات مكانته في نفسه ...لأنه يحس بأنس غريب وانتشاء بعزف الخطى وتقاطع الرنين....وتتوقف خطي متسارعة أمامه....ويمد يده كعادته إلى الأقدام محاولا استنطاقها وقراءتها بهذه المسحة المعترفة بالجميل ...بهذه التحية المخلصة لصاحب العطاء ...بهذه الرسالة المتحضرة.....أن عطاياكم لم تذهب هباء لأنها كانت لإنسان يتقن فن الوفاء وإدراك الجميل....رباه ..؟ انه نفس الحذاء ...نفس السيدة التي كانت حروف قلمها سحبا ممطرة بالرزق....وهاهي تجثو مرة أخرى أمامه لتحييه ....ولكنه مخنوق بحيرته يريد أن يقطع حبالها باليقين... وباستحياء السائل قال لها من فضلك.أنت ماذا كتبت؟ فأجابته هامسة الشيء ذاته ولكن بكلمات مختلفة.....قال في حماس ما لكلمات المختلفة ؟قالت لقد كتبت على اللا فتة (يا له من يوم جميل ؟ لكنني لا استطيع رايته).فأحني رأسه تحية لها، وانطلقت الخطى وابتسامة أضافت إلى وجهها جمالا اخر.
تعليق