الزوجة القاصر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد صوف
    • 17-11-2011
    • 6

    الزوجة القاصر

    الزوجة القاصر

    بيبي فينوليو

    كانت كاتينيا ديل فريدو واحدة من الفتيات اللائي يحملن اسما يكاد يكون غجريا . وذلك لأن نصف حياتهن يقضينها تحت سقف السوق عندنا ,
    و تحت سقف السوق كانت تلعب مع الأطفال , ثلاثة عشرة سنة كان عمرها حين نادتها أمها. كان نداء الأم هذه المرة غريبا .
    - دعيني العب كريات الفولاذ . بقي لدي كرتان .
    أجابت كاتينيا . لكن الأم تظاهرت بالزحف نحوها. فغادرت اللعب ولا تزال في جيبها كرتان .
    في البيت كان والدها و أختها الكبرى , وبينهما اختارت الأم أن تجلس . و أمامهم جميعا شيخ تعرفه كاتينيا من وجهه. يغطي شارباه الكثيفان فمه و تنبعث من ثيابه رائحة سمك الآنشوا . كان أهل كاتينيا أمامه كالمتهمين .ساور كاتينيا الشك. هذا الشيخ جاء يطالب بالدين الذي بذمتهم . و أحضروها ليؤثروا عليه و يثيروا شفقته إذا هو رآها .
    غير أن الشيخ جاء يطلب يد كاتينيا لحفيد له سنه ثمان عشرة سنة ويمارس التجارة لحسابه الخاص. انحنت والدتها نحوها و قالت لها :
    - هل توافقين على زواجك من حفيد هذا السيد ؟؟
    حركت كاتيرينا كتفيها و أدارت رأسها . عدلت أمها من جلستها و أضافت :
    - أنت مبتهجة .أليس كذلك؟؟ سنعد لك فستانا جديدا إذا تزوجته .
    عندها وافقت كاتيرينا على الزواج منه و رأت الشيخ يغمض جفنيه .
    أضافت كاتينينا :
    - أريد فستانا أحمر
    - بالفستان الأحمر لا يمكنك الذهاب إلى الكنيسة . سيكون الفستان أبيض أو أزرق سماويا
    لم يكن الاحتفال الكبير في الكنيسة يعني شيئا لكاتينينا .فقد عير لون الفستان غير الأحمر رأيها. شعرت بالإحباط و حشرت يدها في جيب مريلتها و شرعت تداعب الكرتين .
    ثم قالت الأخت الكبرى إن في الحفل سيكون كثير من الحلوى . ما إن سمعت كاتينينا بالحلوى حتى نسيت الفستان الأحمر و وافقت على كل شيء .حتى إذا كانت لن تذوق من الحلوى شيئا.
    تزوجت كاتينينا بكنيسة مورازانو في الشهر الموالي . كان الزوج يبدو اصغر من سنه ,كان يحمل تاجا من الورود على جبينه . متين الظهر غير بارز الصدر و ذا عينين رماديتين قاسيتين .
    كان حفل العشاء في ليون دورو . أدي ثمنه الشيخ و بعد الحفل غادروا .كل أهل البلدة جاءوا لتحية كاتينينا و حتى أهالي المناطق المجاورة .
    كان على الزوج الذي كان يملك عربة يجرها بغل أن يغادر إلى سافونا لشحن الخرق البالية . تلك كانت مهنته واستغلها للقيام برحلة شهر العسل مع كاتينينا .
    كانت الزوجة تبكي عندما صعدت إلى العربة . وضاع بكاؤها وسط صخب الناس الذين يضحكون . حلت غضتها علبة من حلوى النعناع أهدتها لها امرأة من أصل غجري أيضا
    وفي الأخير ذهبوا . تبعهم الصغار الذين كانوا حتى الأمس يلعبون الكرة الحديدية الصغيرة مع الزوجة . لم بتأخر الزوج في استعمال السوط .
    سافرا عبر الطريق المؤدى عنه . عجلات العربة تدوس الحصى . وكاتينينا صامتة .لم تنبس ببنت شفة . ولم تفتح فمها ولم لامتصاص أقراص النعناع اللذيذة .لم يقل الزوج سوى كلمات قليلة وكانت موجهة للبغل .
    و هند ما تجاوز مونتيزوسميليو التفت الزوج إلى كاتينينا و قال :
    - كفوا عن مضغ الأقراص الخضراء .
    توقفت عن المضغ و أصلا لأنه تحدث معها بصيغة الجمع .
    أطل القمر . رأت شيئا كالوحش قربه . دائري الشكل .يميل إلى الصفرة , يخوض غمار السماء قرب التل كما لو رغب في مرافقتهما إلى ليفوريا .
    لمست كاتينينا زوجها وقالت له :
    - انظر إلى القمر ولو للحظة .
    التفت إليها غاضبا و رد بصوت يشبه الصراخ :
    - كلموني بصيغة الجمع .
    لم ترد كاتنينا . اكتفت بعد طلك بالقول إن قضيب الخشب يؤلم مؤخرتها و إنها تجلس في ذاك الوضع لساعات . عندها غير من حدة لهجته و أجابها بلطف أن العودة ستكون أحسن و سيفرش لها الخرق .
    و في منتصف النهار و صلا إلى سافونا
    قال الزوج :
    - هناك في الأمام البحر
    و اتسعت حدقتا كاتينينا و رددت :
    - يا له من وحش . يا له من وحش
    كل مرة رعت فيها أغنام الآخرين في مرعى ما في طريق البحر و سمعن ضجيج العربات تصعد إلى حاشية الطريق و تنظر إليها و هي تقبل وهي تمر ثم تبتعد العربات والحيوانات التي تجرها نحو البحر محملة بالخمر والدقيق . أحيانا كانت تراها و هي تعود محملة بالزجاج من كاركاري و آلتاري و بأثاث الغشيل من آلبيزولا .وتقف هناك تحدق في عيون سائقي العربات آملة أن تعكس لها صورة البحر.
    تتمتع بقرب البحر إلا أن يد الزوج ربتت على ظهرها لترافقه إلى الإسطبل , و أراها الميناء و أخذا معا قهوة بالحليب وحلوى مصنوعة من الذرة .ثم ذهبا لزيارة قريب له .
    كان هذا القريب يقيم جهة الجبل بسافونا . وكان قلب كاتينينا ينفطر و هي تبتعد عن البحر إلى أن اختفى بكامله عن ناظريها .
    و في الأخير عثرا على القريب , كان شيخا لطيفا . ما إن رأى العروسين حتى أحضر النبيذ الأبيض و حلويات بالقشدة و دعا جيرانه .
    أكلوا.شربوا. غنوا . ابتهجت كاتينينا و انطلقت و ضحكت ملء شدقيها وتبادلت إشارات مع امرأة من الحاضرات و بشت في وجه القريب المهذب و من معه .لم تعد تفكر في زوجها ولم تعد تراه . كان جالسا لا يتحرك و كان يقاسي وقد وضع الكأس مملوءة على الأرض بين قدميه .
    و عندما خلا إليها في غرفة منحها لهما القريب ,انهال صفعا على كاتينينا دون أن ينبس بكلمة .
    و في الصباح كان وجه كاتينينا مليئا ببقع صفراء و ظلال سوداء .اقترب منها زوجها و داعبها بأصابعه ثم انفجر باكيا .
    لم يصدر عن كاتينينا أي رد فعل , لم تواسه . فقط قالت له إنها ترغب في العودة إلى موراتزانو
    شحن الزوج بسرعة خرقه . أجلسها على الرخو منها وغادرا .
    وفي الصباح الموالي كان خباز موراتزانو أول من يستيقظ في البلدة .وهندما خرج إلى الشارع ليرى سماء اليوم الجديد رأى كاتينينا جالسة على البلاط و قد اسندت ظهرها إلى الجدار الدافئ للفرن .
    - هل أنت كاتينينا ؟؟ ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت من الصباح ؟؟
    هزت كتفيها بلامبالاة .
    - ماذا تفعلين هنا يا كاتينينا ؟؟ لا تهزي كتفيك .أرجوك . لماذا لا تذهبين إلى زوجك ؟
    - لا أريد
    - لماذا لا تريدين
    رفعت صوتها
    - لا أريد أن أعيش مع رجل يكلمني بصيغة الجمع ,
    - كيف تجرئين على مثل هذا القول ؟؟ يجب أن تكونا معا دائما .إنه القانون .
    - أي قانون ؟
    - يا عزيزتي الجميلة الطيبة ,اعلمي أنه قانون الزواج.
    هزت كاتينينا كتفيها من جديد .وعلمت أن هز الكتف غير كاف و ردت :
    - لا أريد أن أعيش مع رجل يكلمني دائما بصيغة الجمع . ثم أي بيت هذا الذي هيأه لزوجته ؟ بيت دون مصباح و دون شرفة ..
    تنه
    الرجل . أدخلها إلى الفرن ثم قال لخادمه بصوت خافت :
    - انتبه إليها وامنعها من الهروب ,لا تستفد من الوضع وإلا ستتعلم المهنة في مكان غير هذا .
    و خرج .
    و عندما عاد كان يرافقه زوج كاتينينا .وعد الزوج زودته أمام الخباز بمصباح الغاز وبأن يعد لها شرفة داخل أجل ستة شهور , حصلت كاتينينا على مصباح الغاز على الفور . ثم على الشرفة لكن بعد سنة .بعد أن أصبح بين ذراعيها طفل لأنها لم تكن من النوع الذي يتضرع أمام تمثال العذراء من أجل الإنجاب .
    أفضل ما تقوم به كاتينينا لطفلها الأول هوأن تضعه في المهد و تركض إلى الخارج لتلعب مع أقرانها ,يستيقظ الطفل بعد لحظة ويشرع في الصراخ بشكل مزعج .وتماد عروقه تنفجر . تأتي إحدى الجارات و تنادي كاتينينا مؤنبة إياها :
    - أيتها الغبية .. ألا تسمعين صراخ هذا المخلوق البريء ؟؟ تعالي احضنيه أيتها الغجرية الحمقاء ..
    في الجناح المقابل للبيت رفعت كاتينينا يدها وبين الإبهام والسبابة كرة حديدية صغيرة و ردت :
    - دعيني ألعب هذه الكرة فقط ...

    بيبي فينوليو 1922-1963
    كاتب قصة .اشتراكي الميول .قال عنه إيططالو كالفينو : استطاع أن يكتب الرواية التي حلمنا بها جميعا ,
    نشر قليلا من أعماله في حياته ,
    اتسمت أعماله بعدم التمام ,على أهميتها , يتميز كونه الكاتب الذي لم يغادر قط مدينته آلب
  • منيره الفهري
    مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
    • 21-12-2010
    • 9870

    #2
    أستاذنا الفاضل محمد صوف
    ترجمة جميلة جدا لقصة رائعة من القصص العالمية
    شكرا على اختيارك الموفق
    كل التقدير و الاحترام لقلمك الراقي
    ننتظر المزيد من هذه الروائع

    تعليق

    • ظميان غدير
      مـُستقيل !!
      • 01-12-2007
      • 5369

      #3
      قصة جميلة
      وتعريف اكثر من رائع بالكاتب
      اشكرك على هذا المجهود الرائع
      تحيتي لك
      نادت بإسمي فلما جئتها ابتعدت
      قالت تنح ّ حبيبي لا أناديكا
      إني أنادي أخي في إسمكم شبه
      ما كنت َ قصديَ إني لست أعنيكا

      صالح طه .....ظميان غدير

      تعليق

      • منيره الفهري
        مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
        • 21-12-2010
        • 9870

        #4
        الأستاذ الفاضل
        محمد صوف
        مازلنا ننتظر روائعك
        تقديري سيدي

        تعليق

        • عواطف ابو حمود
          كاتبة .
          • 08-11-2013
          • 567

          #5
          اسجل اعجابي بالنص .. واحزنتي كثيرا قصة الفتاة التي تتأرجح بين الطفولة والنضج ..

          اعتقدت في البداية انها ستتزوج من الجد العجوز .. لكن الحفيد كان كارثة بحد ذاته ..

          شكرا لك على مجهودك الكبير في الترجمة .. بالتوفيق .. وفي انتظار المزيد من النصوص الجميلة .

          .
          .



          .

          تعليق

          يعمل...
          X