النصوص الفائزة في مسابقة ذهبيات أدبية بدورتها الأولى

تقليص
هذا الموضوع مغلق.
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • دينا نبيل
    أديبة وناقدة
    • 03-07-2011
    • 732

    النصوص الفائزة في مسابقة ذهبيات أدبية بدورتها الأولى

    ذهبيات ادبية(1)

    الأرجوحة


    " أريد أن أتأرجح !"
    هكذا لمحت عيناها الأرجوحة رغم ظلمة الحديقة ... وهكذا قالت في صرخة طفل وجد لعبة جديدة
    " أريد أن أتأرجح !"
    أخذت تثب ممسكة يديه ثم جذبته بكلتا يديها وراءها ... تثاقلت خطواته ... فتفلتت يداها وصارت تخطر على أطراف أصابعها تجر وراءها فستانها الأبيض الهفاف ، وكأن راقصة ( باليه ) قد حطت من السماء تحمل قفزاتها نسمات الليل الباردة فتبعثر خصلات شعرها وتلوح بأطراف أكمامها وفستانها كلما تحركت مستأذنة سويعات الليل المتبقية أن تمهلها لحظات حتى تتأرجح ..

    بقفزة ... جلست على الأرجوحة ... ثم قبضت على سلاسلها الحديدية ... وتصاعدت تنهداتها كمن ظفر بضالة نفس أثيرة لم يكن يعرفها حتى أدركها فما إن أدركها حتى عرف اطمئنانه لحيازته إياها بعد طول الضلة
    وبصوت حالم كليلها ... ناعم كملبسها ... طفولي كروحها ... نادته : " هلا أعطيتني دفعة ؟!"

    تحولت عيناه إلى السماء كمن يتأمل النجوم وبروجها وينشغل بعدّها وصفّها ... ربما ينتظر نجما يخفت نوره وآخرا ( آخر ) يهوي أو ثالثا يهمس وسط هذا الليل الغارق في السكون ... فرفعت صوتها أكثر : " ... أعطني دفعة أرجوك ! "

    لم تصبر حتى يلتفت إليها هذه المرة ... أخذت تحرك جذعها إلى الأمام وإلى الخلف.. وتخبط الأرض بطرف قدمها ثم تدفع نفسها إلى الوراء .... وبدأت الأرجوحة تتحرك ........
    إلى الأمام .... إلى الخلف ..... إلى الأمام .... إلى الخلف
    كسؤال وجواب .. صوت احتكاك السلاسل الحديدية الصدأة ... إلى الأمام " يسأل " ويعود إلى الخلف " فيجيب " ... وهكذا تتحرك الأرجوحة !
    إلى الأمام .... إلى الخلف ... يزداد الإحتكاك ( الاحتكاك ) ... ويزداد الصوت ويختنق بين عقد السلاسل الحديدية ... ويبدأ بالصراخ كصوت طفل ويعلو صراخه ... بالسؤال والجواب ...
    إلى الأمام .... إلى الخلف ... ( كبندول) ساعة بدت الأرجوحة .. لكن( بندول ) دقاته زفرات أنفاسها وصراخ السلاسل ...بالسؤال والجواب
    من الخلف إلى الأمام ... نصف دائرة لن تكتمل لتفلت قبضتها وتكسر سلاسلها الحديدية وتطير .. لكن الصوت يختنق ويصرخ بين السؤال والجواب

    وهكذا تحركت عيناه الزرقاوتان معها ترمقان ابتسامة ثغرها وسط صراخ السلاسل ... وذقنها يرتفع إلى السماء بانتظار لثم الهواء ومداعبة وجنتيها ... وشعرها الأحمر يحلق حول رأسها ثم يعود إليها معانقا رأسها وجيدها ... وقدها الدقيق الحفر والخرط يتمايل مع الأرجوحة ... إلى الأمام وإلى الخلف ...

    تسلل من ورائها ... وفي لحظة توقف (البندول )... وكف الصراخ وعلق بين السؤال والجواب وشهقتها .. ثم لحظات أتبعتها مئات الشهقات والزفرات ارتجت لها الأرجوحة ... وبدفعة قوية ... قوية جدا ... وسط صراخ السلاسل وصراخها ... أفلتت قبضتها إلى غير طيران ... وانكسر( البندول )... وعادت الأرجوحة للسؤال ولا جواب
    ..........................
    حملها بين ذراعيه :
    " هيا يا حبيبتي قد تأخرنا ... السيارة ليست بعيدة ... هيا اركبي ... لا ! ... أنا من سأحملك إليها وأجلسك على مقعدها كطفلتي المدللة .. أخشى على عروقك النفور ... أخشى على يديك مس الحديد !
    لقد تعبت من التأرجح؟ .... لنعد إذن إلى البيت .... تريدين جولة! ... لا وقت لها .... لنعد إلى البيت نسرق لحظات الليل الأخيرة
    ما أجملك وشعرك الأحمر متدل إلى جانب عنقك ! ... أدفعه إلى الخلف ؟ ... نعم هكذا أفضل ! ... فجيدك يأتلق بياضا كاللجين تحت فستانك .. الأحمر!! ... وشفتاك الحمراوتان ... هل لي ب ... حسنا في البيت في البيت !
    لم لا تتحدثين معي ؟! ... عرفت ! ... تحبين صوتي ..تعشقينه .. قد تسكتين الدهركله كي تسمعيه أليس كذلك ؟! .. هيا ردي قولي نعم !
    إذن أنت تخاصمينني ؟! .. لأنك تريدين جولة ؟ ... حسنا فلنقم بجولة صغيرة
    ماهذا ؟ ! ... تراب على جبهتك ؟! .... انتظري .. سأمسحه لك بمنديلي ثم أشمه كي أتنفس ترابا لامس جلدك ... وهذا ؟! .. دم يسيل من فمك ؟ ... حسنا سأمسحه لك .. لا تلوثي أناملك الرقيقة يا حلوتي !
    أين تريدين الجولة ؟ ... عند البحر ؟ ... تعلمين أني لا أحبه! .... الحديقة حيث الأرجوحة ؟ ... فليكن !
    أإلى هذا الحد أعجبتك الأرجوحة ؟ ... هيا قد وصلنا ... انتظري! ... لا تنزلي ! ... سأحملك أنا .. وأضمك أنا ... لا تعفري قدميك ولا تثيري أعصابك .. ستكونين بين ذراعي !
    هاهي ذي الأرجوحة! .. سأجلسك عليها يا أميرتي ... لا تستطيعين الجلوس وحدك ؟ ... حسنا .. سأجلس أنا وأضعك على رجلي ! .. وأضم خصرك إلى ! ... انظري ... الأرجوحة بلا صوت .. السلاسل بلا صوت ... أرأيت عندما ركبت معك ؟ ... هكذا أفضل ! ... فلتهدئي إذن ولتريحي رأسك إلى كتفي .. وأنا سأدفع الأرجوحة..
    ما أجملك وأنت ساكنة كطفل نائم وأنا أحتضنك ! ... فأنا حبيبك وأنت ملكة فؤادي وأنا مليكك ... لقد اكتفيت ... هل اكتفيتي (اكتفيتِ )؟ ... ماذا ! ... تريدين البقاء ؟ .. لا هيا إلى البيت ... هيا إلى البيت ! ... لا؟!! ... حسنا ..."

    حملها بين ذراعيه وأجلسها على مقعد خشبي بالحديقة ورأسها متدل إلى الوراء وذقنها إلى أعلى ... لكن .. ما من هواء يداعب وجنتيها .. قد يطير شعرها ولكن .. كطائر منكسر الجناح لا يقوى على التحليق ولا يقدر على الهبوط .. فاستند إلى المقعد الخشبي متهدل الخصلات قد انطفأ بريقه الأحمر
    وبعد دقائق عاد ومعه أدوات ( البستنة ).. وانطلق نحو الأرجوحة وأخذ يحفر تحتها .. ويحفر .. ويخرج ما في باطنها من التراب الذي اختلط بقطرات مالحة شفافة لا زرقاء كعينيه
    " هيا .. يا حبيبتي .. تودين البقاء هنا .. قد أعددت لك الفراش .. هيا استرخي فيه .. نعم لا سرير هنا .. أنا آسف ! ...ولكن هكذا يلائمك أكثر ...أنا آسف !!"
    أنزلها إلى الحفرة وأهال عليها التراب ... " الوداع ...يا حلوتي !"
    التعديل الأخير تم بواسطة سلام الكردي; الساعة 22-11-2011, 16:05.

  • سلام الكردي
    رئيس ملتقى نادي الأصالة
    • 30-09-2010
    • 1471

    #2
    ذهبيات أدبية (2)
    نص الأستاذة دينا نبيل
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    أنا طالع الشجرة !!





    يا طالع الشجرة ... هات لي معك بقرة

    تحلب وتسقيني ... بالملعقة الصيني

    ..................






    ترتجّ الشجرة بقوة وتهتز أغصانها ، وتأخذ أوراقها في التهاوي والتبعثر حتى بدت كرأس زنجي أشعث صوته مرعب كصوت حفيف أوراقها ... وفجأة وبعيدا عن أي توقع أو تخيل ... سقط جسد عار !! ... فراغت الأصوات بين صرخة وزعقة ... ... وانكسر الإيقاع
    -- " جمال !! "

    هب الناس نحوه .. قلّبته ... وجهه أصفر شاحب قد تجمدت دماؤه في عروقه ... ماذا حلّ به ؟؟

    وبين حسبلة وحوقلة مرت الأحداث سراعا أمام عيني في لحظة شرد فيها فكري وشلّ فيها عقلي ...
    " قرية البقرة " ... قريتنا ...وسبب التسمية وراء موت صاحبي " جمال " ... رفيق عمري .

    كانت تتداول الأخبار منذ زمن ليس بالقصير حول حديقة عمدتنا التي تحوي شجرة وارفة الأغصان ؛ تضرب بأغصانها في الأرض فينبت لها الجذور فتخرج منها شجرة أخرى وهكذا حتى بدت كسلسلة أشجار ملتفة حولها ، وكان فيما يروى عن هذه الشجرة أن هناك بقرة تسكن أعلاها ولها من الكرامات ما يطير له العقل تعجبا ... إنها بقرة تتكلم بل والأدهى أنها تحلب نفسها وتسقي عمدتنا " بملعقة صيني " !!
    طبعا كان الجميع مصدقين فكل مرة تسقي البقرة فيها عمدتنا يخرج علينا بوجه غير الوجه الذي ذهب به ؛ يسود شعره الذي اشتعل شيبا ويعود ممتلئا حيوية قد اختفت تجاعيده وعاد ابن الثلاثين ، وما كان أحد ليشك فيما يقوله العمدة وبطانته من ورائه أن البقرة ستسمم البهائم إن امتنع أصحابها من دفع الإيجار أو أنها ستشعل النار في المحصول إن طالب الفلاحون بحصة سماد زائدة ، وأنها ستفعل وتفعل ... وبالفعل كانت كثيرا ما تفعل ...كان حلم البعض وكابوس الكثير أن يجن جنون البقرة وتنزل من الشجرة ... ترى ما شكلها ؟ ... وماذا ستقول لنا ؟؟

    وكنت أنا و جمال كسائر الصبية في القرية نجري ونتحلق في حلق ونشدو :


    يا طالع الشجرة ... هات لي معك بقرة

    تحلب وتسقيني ... بالملعقة الصيني




    نحلم بحلم لطالما راود أحلامنا البريئة " أن نطلع الشجرة " ونقابل البقرة بل وننزل بها ليعم خيرها الجميع فتعطي هذا كوب لبن ليتغذى عليه وذاك كوب لبن ليصير أكثر شبابا فيقوى على إطعام أولاده ... لكن وحق ربي ما كان أحد ليفكر في ذبحها أو تقسيمها علينا ... ترى ماذا كان ليحدث إن تغذينا عليها ؟ ... لا شك أنه الخلود بلا موت !
    كانت هذه من المسلمات لدينا ،فكل ما حولنا يؤكد ذلك - العمدة وبطانته وبعض من تراءت لهم البقرة في المنام - ومن كان يشك فيها لحظة كان مصيره وصمة الجنون والجحود...

    كبرت أنا وجمال ...
    وكما كنا لا نفترق في القرية كنا لانفترق في الدراسة بالعاصمة ... وعندما عدنا كانت القرية غير القرية ... ماذا تغير فيها ؟ .. ما هذه العيشة ؟ .. ما هذ الجهل والفقر والعمى ؟ ... ألا يرون صورهم في المرآة ؟ .. أشباح تمشي على الأرض .. أحياء أموات سلبت من أعينهم الحياة فضلا عن الابتسام .. ملامح بلا معان .. عقول تائهة وآذان من طين كالذي يدوسون عليه .. صارت كل الوجوه متشابهة .. إنهم قوالب يصبون صبا فإذا ما مر بها الهواء تسمع لها دويا كالنحاس المجوف.

    أخذت أنا وجمال نتجول في القرية نتفرس الوجوه ونقلبها بأعيننا مصدومين ، وكانت صدمتنا الكبرى عندما سمعنا شدو الأولاد :


    يا طالع الشجرة ... هات لي معك بقرة

    تحلب وتسقيني ... بالملعقة الصيني




    --" أتذكر يا جمال ؟"
    -- " أجل ، ماذا يقولون ؟ ... (إيه الهبل ده) !"
    -- " يقولون ما يقول أهالو القرية !"
    مقطبا جبينه، " بجلابيته " الزرقاء انطلق إلى والده يدوس طين الأرض بقدميه فيتخلل أصابعه :
    -- " ما موضوع البقرة يا أبي ؟ "
    -- " بقرة الكرامات والنعم يابني .. . ربنا يحميها لنا !"
    -- " يا أبي هذه خرافة !"
    -- " اسكت يا بني لا ترفع صوتك فيسمعك الناس "
    -- " ألا تسمع يا أبي ما ينشده الصغار ويردده الكبار ؟!! ... كيف تعيش بقرة فوق شجرة ؟... وكيف تحلب وتسقي بنفسها ؟!"
    -- " تسقي بالملعقة الصيني "
    -- " الملعقة صيني أم صنعت في الصين ؟ .... ويا ترى البقرة جنسيتها (إيه )؟ ... أمريكاني؟ ! ... والشجرة شجرتنا ومزروعة في أرضنا وتسقى من مائنا ودمنا !"
    -- " اسكت يا بني .. (كفاية) كلام "
    -- " نعم (كفاية ) كلام .. ويبقى الفعل !"
    جريت وراءه .." ماذا ستفعل يا جمال ؟ " ....
    -- " أنا طالع الشجرة !"
    أخذت اجتهد في العدو خلفه إلا أنه صار كمارد خرج من مصباحه حديثا لا يمكنني اللحاق به أو إيقافه أخشى إن اعترضته أن ينفث النار ويحرقني ! .. قد استشاط غضبا فأصبح لا يرى سوى الشجرة في حديقة العمدة ماثلة أمامه تحوي هذه البقرة الشاذة التي رضيت مفارقة قطيعها من الأبقار وآثرت العيش منعزلة، وقد مسخت طبيعتها فبدلا من حرثها الأرض صارت تسكن الأشجار وتنظر إلى الناس من عل وتخور مستهزئة بهم ، وطمست فطرتها فبدلا من خضوعها لثورها صارت تحلب نفسها بنفسها وتسقي عمدتنا وترضعه لبنها فيعود شابا من أحضانها !
    -- " جمال ... جمال ... انتظر لا تدخل على العمدة هكذا .. لا بد من تصريح ! ... انتظر حتى يخرج من الغرفة أو ينزل يشرب الشاي في الحديقة ... لا تتعدى حرمة الدار ! "
    وتعالت أصواتنا واختلفت أيدينا بين شد وجذب ..فاجتمع أهل القرية حولنا فانتهز جمال الفرصة ووقف خطيبا :" يا أهل القرية .... قد عشتم سنوات طوالا في خرافة ... خرافة البقرة التي تسكن الشجرة ... لا يوجد شئ كهذا ! ... سأثبت لكم .. سأدخل الدار وأطلع الشجرة وألوح لكم من فوق .. أنه لا يوجد لا بقرة ولا ملعقة صيني !"
    وكما توقعت ... ارتفعت الأصوات وامتزجت بين سب ولعن ... نصح وتحذير ... وخوف وترقب ... وكاد الأمر يتطور للصقع والصفع والرجم والحثو إلا أنهلّة العمدة علينا من شرفته كانت أذهب لكل هذا
    وسط سكون ترقب جاثم على صدور الأهالي شق صوته الأجش السكون
    -- " ما هذه الجلبة ؟ ... وما هذا التجمهر ؟ "
    -- " أريد أن أطلع الشجرة !"
    وسط أصداء ضحكه المجلجل الذي رددته صدورهم كانت المفاجأة
    -- " حسنا ... افتحوا له الأبواب ... تفضل !"
    أبهذه السهولة يكون الأمر ؟! ... إذن لم لم يطلبه أحد من قبل ؟ ... ولم سكتنا عليه الدهر ولم يجسر أحد بالتفكير فيه حتى ؟! ...
    وبين دهشة الجميع ... تردد جمال ... يمشي .. يجري ... يخطو خطوة ويتلفت حوله خشية طلقة غدر ... وينظر إلى الأهالي رؤوس مطأطئة وأعناق مشرئبة ...وأعين متعلقة بين الخوف والأمل ... يرى في أحدها الدموع وفي أخرى التبسم ...
    فما إن اطمأن لمسيره حتى أخذ يعدو نحو الشجرة المحفوفة بسياج الأشجار ...



    يا طالع الشجرة ... هات لي معك بقرة



    تحلب وتسقيني ... بالملعقة الصيني



    وسريعا شمر " جلابيته " حتى بدت ساقاه السمراوتان النحيلتان وأخذ يتسلق الشجرة .. راح يتشبث بالأغصان وتتشبث به الأعين والأنفاس .. إن انزلقت قدمه انزلقت قلوبنا وسقطت تحت قدميه
    فما إن وصل إلى قمتها حتى استوى قائما وأشار لنا من بعيد منفرج الأسارير ...... وكانت اللحظة ... لحظة ولوجه في الشجرة ليغيب وسط أوراقها الكثيفة .. كطبقات وحجب بيننا وبينه
    .........
    خرجت " جلابيته " الزرقاء ملوحة في الهواء معلنة الظفر والنصر .... فانفرجت على إثرها الأفواه مكبرة ، ثم .... سقطت
    -- " هل سيخرج الآن ؟ .... بلا جلابية .. عاريا ؟!"
    وبين ترقب الرجال وغض طرف النساء ... صاح صوت عال هزّ الأركان ... خوار بقرة !! ... خارت على إثره القلوب وذابت من الرعب والخور
    -- " هل هناك بقرة ؟ ... ولم لوح بجلابيته ؟ ... ما الأمر ؟"
    وكان ما كان ... انكسر الإيقاع ... واهتزت الشجرة وسقط جمال عار الجسد
    ووسط الصراخ والعويل وذهول الألباب ... أخذت أقلب جسده ...ماذا حلّ به ؟


    وفتحت فمه ... وإذا الملعقة الصيني قد حشرت في حلقه


    ... فحبست بذلك أنفاسه !
    التعديل الأخير تم بواسطة سلام الكردي; الساعة 22-11-2011, 16:08.
    [COLOR=#0000ff][SIZE=6][FONT=Andalus][COLOR=black]انا الدمشقي .. لو شرحتم جسدي... لسال منه ,عناقيد وتفاح[/COLOR]
    [COLOR=darkorange]ولو فتحتم شراييني بمديتكم...سمعتم في دمي اصوات من راحوا[/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR]
    [FONT=Andalus][SIZE=6][COLOR=#0000ff][/COLOR][/SIZE][/FONT]
    [FONT=Andalus][SIZE=6][COLOR=#0000ff][/COLOR][/SIZE][/FONT]
    [FONT=Andalus][SIZE=6][COLOR=seagreen]مآذن الشام تبكي اذ تعانقني...[/COLOR][/SIZE][/FONT][FONT=Andalus][SIZE=6][COLOR=#0000ff][COLOR=seagreen]وللمآذن, كالاشجارارواح[/COLOR]
    [COLOR=purple]للياسمين, حقوق في منازلنا...وقطة البيت تغفو .. حيث ترتاح[/COLOR][/COLOR][/SIZE][/FONT]
    [COLOR=#0000ff][/COLOR]

    تعليق

    • عمرضياءالدين
      أديب وكاتب
      • 01-02-2011
      • 99

      #3
      ذهبيات أدبية(2)

      مكان تحت الشمس


      أجلس والمطرقة فوق الأزميل المنغرس في أعصابي أهيئ الطقوس المناسبة لحضورها , طقس مناسب لطغيان الولادة أو خيبة الإجهاض هل بعد الانتظار يا ترى سأتعمد بأنوار الحقيقة !؟؟ أرتكب جريمة الكتابة عامداً متعمداً 00! فما هو العقاب يا ترى
      كم هائل من الأسئلة القديمة الجديدة تقفز في رأسي دفعة واحدة 000! لمن أكتب ؟ ولماذا؟ هل ثمة آذان صاغية؟ هل من قيمة للكلمات في عالم محكوم بلغة الأرقام ؟ قال لي أحدهم ذات يوم : عليك أن تغني للحياة ولو بصوت أجش , اكتب عن الحب في عالم معجون بالكراهية 0!!
      اكتب الحقيقة وسيكون لك مكان تحت الشمس
      تخرج الكلمات صادقة ولكنها مصبوغة باللون الأحمر والأسود , حرب , حصار ,هوان ,استنكار وشجب , براميل من الدم العربي تراق كل صباح , بنادق العدو تأكل الصغير والكبير , المعالم الدينية والتاريخية تنتهك السكوت العربي الذي جعل الدم أرخص من الماء , الجدار الفولاذي يجعل البلاد سجناً لبشر ينتظرون دورهم في الموت
      قتلى وجرحى في صفوف طوابير تعويض المحروقات , جرائم سرقة وقتل واغتصاب في وضح النهار , البطالة تجعل معظم الشباب مجرد متسكعين على قارعة الطريق
      نزيف مصاحب لحالة الولادة وأخيراً في سلة المهملات 000!!!
      قال رئيس التحرير : يا أستاذ الناس تريد ما ينسيها همومها , استفتاء رأي عن ظاهرة التلطيش ,مقالة عن المطرب الأكثر شعبية عند البنات , استطلاع ضخم وموسع عن توقعات جمهورنا لنتائج كأس الأمم الأوربية ولا تنسى تغطية الكلمة التي سيلقيها المحافظ بمناسبة تدشين مسرح العرائس
      كيف تصبح الكتابة نوعاً من الترف الفكري في ظل هذا الكم الهائل من السواد الذي يغلف حياتنا
      كيف نستطيع أن ندير ظهورنا لما يهدد وجودنا برمته 000
      قال المعلق الإذاعي : قوات العدو تستمر في عمليات الهدم والخطر يهدد مسجداً من أهم المعالم الدينية على الأرض , حصار غزة والجدار الفولاذي مسرح للموت
      كنا حينها غاضبين ,حوار ساخن وصل إلى حد الاقتتال !! من سيربح برشلونا أم ريال مدريد
      انتهت نشرة الأخبار والأصوات تعلو وتعلو على أنغام أغنية بوس الواوا



      عمرضياء الدين
      التعديل الأخير تم بواسطة سلام الكردي; الساعة 22-11-2011, 16:10.
      اللي بدو يصير يصير وبتفرج بكره والله

      تعليق

      • دينا نبيل
        أديبة وناقدة
        • 03-07-2011
        • 732

        #4
        ذهبيات أدبية(3)/سرديات

        (المساطيل)



        (يا ما شاء الله ع التحفجية .. أهل الّلطافة والمفهومية
        اجعلها ليلة مملكة يا كريم!
        ده الكيف مزاجه إذا تسلطن .. أخوك ساعتها يحن شوقاً
        إلى حشيشي ميتى ميشي
        اسأل مجرب زى حالاتي .. حَشّاش قِراري يِسْفَخ يوماتي
        خمسين جرّاية .. ستين .. سبعين

        ها ها هأ .. يا مرحب)



        --"(الله عليك يا شيخ سيد درويش! ...أيوه كده ، إذا تسلطن...يحن شوقاً!)"
        -- "( دا أنا لِسّه شايفه من يومين ع الحنطور لمّا كنت في إسكندرية...كان بيدق ع العود "قوم يا مصري"...وهمَّ بسلامتهم الإنجليز هيخرجوا بالمَغنى والدق ع العود؟!)"
        -- "( أمَّال هيخرجوا إزاي يا أبو المفهومية ؟)"
        -- "( بالحشيييييش ! )"

        زاطت ( القهوة) وضجّت بالضحك والقهقهة وسط قرقرة (الشيشة) ونقر أنامل خفيف على الطاولة مع لحن الأغنية المرتعش من ( الفونوغراف ) القديم ، ومن بين سحب دخان رمادي صار يتلَوى في أفعوانيةٍ ملامسًا الجدران .. قام (المساطيل) الثلاثة، قبضوا على طرابيشهم وراحت أيديهم تثبتها على رؤوسهم يمنةً ويسرةً حتى تستقرَ معوجةً فوق الجبين (على سنجة عشرة) ثم أعادوا برمَ شواربهم وضبطَ الوردة في عروة ( الجاكتة ) وأخذوا يتشمّمونها لينظفوا أنفاسهم من أدران دخان عالق بأنوفهم ، واستعدوا للانطلاق ...

        لم تتحمل أجسامهم المتثاقلة كل هذا الجهد ؛ فالتفت أرجلهم حول بعضها واتكأ كل منهم على صاحبه ،وخرجوا وسط موجة ضحك تقطعها شَرْقاتٌ متحشرجةٌ لتُكلل ليلة أخرى من ( السّلطنة ) لأصحاب الصدور العائمة واليوافيخ الهائمة!..

        هدوءٌ غويطٌ كما الجُبّ...أيقظ حلمَهم بالفراش فراحوا يتسندون إلى الحيطان ، بالكاد تتحركُ أقدامُهم .. وجفونُهم ... ثقيلةٌ تطبقُ على ظلامِ الشوارع فتحبسه والنوم؛ لكنه يتمنَع عليهم فما هي إلا دقائق حتى مرت جحافل تلفعها عتمةٌ كثيفةٌ لا تستبان منها سوى حركات متعجلة وقرع أقدامٍ عشوائي منفر؛ فتتزلزل الأرض من تحتهم والبيوت من حولهم ... ليسوا بأشباح ولا بفيالق جيش، وإنما أناس! ... رغم أنها ليلة شديدة الصهد كسائر ليالي يونيو إلا أنها كانت تبرقُ على وميض أعينهم وترعد على هتاف أشداقهم ... "تحيا مصر!"

        كانت مباغتة مباهتة ، طفق (المساطيلُ) على إثرها يتشبثون بالأرض كأوتاد مقلقَلة وسط ( أوقيانوس ) أسود صار يتفاداهم فينفلق عندهم ويتفرق ثم يلتئم من جديد، يصطدمون بهم فتدورأجسامهم ومعها رؤوسهم لا يوليهم أحد النظر كما لو كانوا بقعةً من عدم انتُزعت من سديم مظلم نابض بالحركة.

        -- "( إيه الزحمة دي ؟ .. هو في إيه ؟)"
        -- "( إلحق يا سعد .. دول بيندهوا عليك ( سعد سعد )! )"
        --"( يكونوش دول الديّانة ؟!.... يا مساطيل ! .. دول ثورجية!! ) "

        كفلول ركب خلف بلا قصد وقفوا خلف الثوار، ينظرون إلى سواعدهم وأكفهم التي راحت تقبض على نفسها فبدت كمطارق تضرب الهواء في قرع شديد مستمر ... بلا صوت!

        أدلفَ (المساطيلُ) إلى اليسار يتلمسون هدوءً نسبياً ودبيبَ ضوءٍ خافتٍ على الطرقات من المصابيح الزيتية ...
        .......

        صفوف عساكر منتصبة بزيها ( الكاكي ) ، وجوه مكفهرة وأعين زرقاء زائغة، حاملين بنادقَ فاتحةَ أفواهها .. وسكيناً طرفه مثبت بالبندقية وطرفه الآخر مغروس في أعصابهم ، ينتظرون كلمة واحدة لتخرج أسراب حديثة الولادة من طلقات تسعة مللي ؛ صماء بحشو البارود ، بكماء لا تعرف سوى الصراخ وعمياء ترشق في الصدور بلا تمييز.

        -- "( يا دي المصيبة! ... سِبنا الثورجية لاقينا الإنجليز!! )"

        -- "(Stop ... Stop you fool, or you will be shot!)"
        " توقف... توقف أيها الأحمق وإلا ستُطلق عليك النار!"



        كان لابد من بيت حيد الشارع ذي باب مفتوح مظلم يبتلع سواد الليل والفئران التي تخشى قطاً متربصةٌ مخالبه أو ثعباناً يلفها حدّ الاعتصار ... بيت لا يفرق بين فئران الليل وفئران البشر! ..

        -- "(Fire!!)"
        " اضرب !!"


        وكانت الطلقة الأولى ... فأتبعتها الأسراب الصماء البكماء العمياء، يقابل دوي انفجارها دوي صراخ الثوار ، كأحجار ألقيت في بركة من اللحوم البشرية ؛ تَدْفُق وتتناثر دماؤها على بلاط الشوارع المضلع فصارت نهيراتٍ حمراءَ تعيد رسم حدود البلاط وتفاصيله بأوردة جديدة!...
        ...أرجل أطلقت للجري في كل مكان ...تراب يطلع من الأرض، تراب ينزل من السماء ؛ انعقدت سحب الغبار الكثيف معانقة الهواء الساخن الدسم فصارت تسد الأنوف وتعمي الأعين ... وزاد حصد الأرواح!

        صراخ ... ودخان، هكذا اكتملت السيمفونية مع الظلام الذي سريعاً ما بددته النيران المضرمة في الأجسام والأعلام الخضراء ؛ قد تفحم خضارها واحترقت نجومها واشتعل هلالها الأبيض... وحامت رائحة البارود واللحم المحترق معاً !.

        براقع منزوعة بقوة ... طرابيش ملقاة معفرة ... شئ مستفزّ!! ... قد استفزَّ (المساطيل)، لقد دفعوا في (عمل) أدمغتهم الليلة جُنيهاً ( بحاله) والآن أفسدت الأدمغة! ، أكان لابد أن يخرج الثوار الآن ؟! ... أكان لابد ؟!

        -- " (يا بايخين! ...ما النهار قدامكم بطوله إيه اللي زانقكم دلوقت! )"
        -- "( فَوّقتونا منكم لله ! ... مش كفاية حال البلد واقف بسببكوا كمان تقلبوا دمغتنا!)"

        أخذ (المساطيل) يُشمّرون ( بناطيلهم) وهم يترنحون وسط أجساد ملقاة على الأرصفة ولوحات خشبية ملطخة بدماء أصحابها ( طلبة الأزهر الشريف ... مدرسة السَّنية للبنات ... مدرسة الحقوق العليا ) ... و ... ( الاستقلال التام أوالموت الزؤام )

        -- "(الزؤام! .... إيه الزؤام ده ؟!)"
        -- "( يمكن حاجة تبع الزكام ... يعني الموت بسبب الزكام!! )"

        وقطعوا ذاك البحر المائج بالدماء وسط جموع الأهالي التي بدأت تتوافد على الميدان كي تسعف المصابين وتنقلهم إلى المستشفى

        -- "( إيدكم معانا يا أفندية! )"
        -- "( ربنا يسهّلّك يا خويا ... إحنا مالنا ! قولنا لهم يمشوا في مظاهرة! )"
        --"( ما هو كله علشانّة وعلشان مصر يا أفندية! ... يلا ..إيد على إيد تساعد!)"
        -- "( بقولّك إيه! .. محناش فايقين دلوقت ... أمّا نِبقى نفَوَّقّ نِبقى نرجع لكم ! )"

        هكذا ولوا الأدبار تشيعهم نظرات خليطها العتاب والاحتقار ... وسريعاً ما اختفوا عن الأعين يسربلهم الظلام كلما أوغلوا بين الشوارع والنواصي من ثم يعودون إلى جحورهم...


        -- "(Hey, you there... Stop... stop you there!! )"
        "أنتم هناك توقفوا ..توقفوا هناك!"


        أوقفتهم زمرة من العساكر الإنجليز مصوبين بنادقهم نحوهم .. يمشون بحذر؛ عين يبصرون بها الطريق وأخرى ينظرون بها من البندقية لإحكام التصويب ...

        --"(إنت ثورجي ؟!!)" ... بلكنة إنجليزية باردة متقطعة
        --"(لا لا .. إحنا مش معاهم! )"
        --"( إنتو جايين من هناك ... هناك فيه ثورجية ... يبقى إنتوكمان ثورجية!! ... يلا..يلا !)

        (Take them!!)" "خذوهم !!"



        تفسير علمي منطقي يهيئ لخطوات عملية معهودة في مثل تلك الأجواء ؛ تبدأ بالإمساك بالتلابيب ثم الضرب على الأقفية فإلقاء الطرابيش على الأرض .... حمراء ... صارت معفرة ... شئ مستفز!! ... قد استفزّ العساكر فراحوا يتقاذفونها بأقدامهم كالكرة وسط ضحكات صاخبة مجلجلة في أرجاء الشوارع مع كلمات إفرنجية لا يهم معناها .. والزِرّ الأسود تتبعثر وتتطاير خيوطه ثم تتلملم على بعضها من جديد ...وتسكن ... حقا مستفزّ!!

        --"( إنت مش قلت إن الإنجليز هيخرجوا بالحشيش؟!)"
        --" (وهم دول إنجليز؟ ... دول مساطيل ... زَيِّنا!! )"

        .................................................. ....................

        --" يتوافد الآن الآلاف من المتظاهرين على ميدان التحرير فيما يسمونه بجمعة الغضب ..... "
        --" (دول) عملاء وبلطجية !!..ضُبطوا متلبسين (بيأكلوا كنتاكي) و(بِيحْبِسوا) بالحشيش...و.."
        -- "هؤلاء يتعاطون حبوباً مهلوسة .. نحن وراءهم حتى نطهر الوطن منهم ..( شبر شبر، بيت بيت، دار دار، زنقة زنقة) !! ..."
        -- "... أديب إسحاق (بيقول): قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر .. وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر! ... (هيك هوعم بيقول ! ... شو المشكلة بقى ؟!)"


        أطفأ التلفاز والمكيف الدافئ ، وأخذ رشفة أخرى من (الهوت تشوكليت) ...

        وقال: "( أمّا حكام مساطيل !! )"
        التعديل الأخير تم بواسطة سلام الكردي; الساعة 22-11-2011, 16:19.

        تعليق

        • منتظر السوادي
          تلميذ
          • 23-12-2010
          • 732

          #5
          ذهبيات أدبية(3)/مختلفات

          الرسالة الثالثة


          امتَطَيتُ صَهوةَ الصَبرِ بعدَ أنْ صَمتَ البَدرُ , فتأهبتُ وَجمعْتُ من فاكِهةِ السَّمرِ , وقُوتَ السَّهرِ مَا يُطربُ الخلفاءَ , و يُؤنسُ الغرباءَ , ويُغري الأتقياءَ ؛َ وَدَّعْتُ عَتبةَ السَّأمِ , وَمَزَّقْتُ لباسَ القنُوطِ ؛ وعانقْتُ الآمالَ عناقَ الرَاحِلِينَ .
          جاءَ الليلُ يجرُّ عرباتِه البائسةَ مُتمَلْمِلاً , قَد أَثقلَهُ إِكليلُ زَفافِ الأَرضِ , وقد أَخفى زِينَتَهُ , أزهَارُ البَساتينِ بانتظارِ ألحانِ مَوكِبِ العَرسِ .
          وحيدٌ أنا في المحطةِ , هَمَسَ الظَّلامُ : الرحلةُ حَانَ خوضُها , وأُذْكيتْ شَرارتُها , فشمرتُ عن رأسٍ لم يَعْرفِ المِشطَ مُذْ أنْ هَرَبَ بَصيصُ الغَيثِ ,مُذْ أنْ جَفَّ نهرُ الفَرحِ, وَمُذ أنْ تَسَلقَ البؤسُ إِلى خيوطِ السَّرَابِ لينسُجَ ثَوبَاً لأَحلامِي , رَكَبَ كُلٌّ وحبيبتَه , الوُرودُ بِأيمانِهم , والمَرحُ والسُّرورُ يُداعِبُ أعطافَ جَدَائِلِهم , والعطرُ يغمرُ أفواهَهم وَكَلِماتِهم.
          الغَزَلُ رَقَائِقُ غَمَامٍ يَنْسَابُ من قُلُوبِهم , همسٌ يتَبَادلونَه بِلُطْفٍ , فــــــأرقَ القَلبَ شوقٌ , وَأَضرَمَ في النَّفسِ حَشرجَةً , سَرَّحَتُ خيالي بعيداً , أرقِبُ سَماءَ الذّكرياتِ ونسيمَها , وَأيامَ كنَّا نلهو في الأَنهَارِ خَلفَ الأَحلامِ الطُّفُوليَّة , والأَسماكِ الورديةِ , وإذ بِحُورِيتينِ في مخيلتي لا تَعْرِفَانِ الأفولَ , ألهمتْني الأُولى حُبَّاً مُستعراً , فَرسمْتُ دَربي ألحَاناً وأنرتُه إنشَادَاً , والثانيةُ صَمتتْ دَلالاً وكبرياءً سِوى بَسمةِ أملٍ ارتسمتْ على شَفَتيها , فتشبثَتْ بِجدائلِها رُوحِي الغَرقى ؛ عِندَها صَعدتُ مغنياً - وأنا عَالِقٌ بِهَاتينِ النَّجمَتينِ - بعدما صَاحَ نَجمٌ : الليلُ سيقلُكم حيثُ أَحلامُكم .
          قعدتُ قُربَ مِطفأةِ الأسى , ظَللتُ وَحيداً .. حتَّى قَارَبْنَا بَوابَةَ الفَجرِ , الرُّكابُ قد فارقَهم السّكوتُ , فضحكاتٌ تعلو ضحكاتٍ , والمرحُ يَلثمه المَركبُ كَالرَّاحِ , والبسماتُ تضيء الأرواحَ , وأنا آهاتٌ تردفُ حَسراتٍ , وَظُلُمَاتٌ تذرفُ لوعات , وأفكارٌ تأخذُ أكيالَاً منَ الأوقَاتِ , فَكأَنَّي طفلٌ أَيتَمَهُ الإصبَاحُ , وَرَاحَ يَبْحَثُ عَن أَشْلَاءِ الأفرَاحِ . أجلسْتُ جُنبي " ريَّا " لكنَّها تنظرُ من نافذةِ الليلِ إلى فَجرٍ لم يَزلْ فِي التَرائبِ , شَعْرُها يُغطي كلَّ ما تقعُ عليهِ عيناي , أحاورُها وأُناغيها لكنَّ الصمتَ رداؤها , عزفتُ لها قصيدةَ المَجنونِ وَلَمْ تَصخْ ؛ يَا " ريَّا " .. الصُبُّ متَّى موعدُه ؟ فَتأججَ صدُودُها , واحمرتْ خُدودُها , تَوقفَ اللَّيلُ فِي محطةٍ الإنتظارِ بينَ الغيومِ الزاهرةِ بأوتارِ النجومِ الغَانياتِ , وَنَشيدِ الزَّهرِ وَأَلوَانِ الفَّرَاشَاتِ , العَذارى والفتيةِ يتبادلونَ بسماتٍ ممتلِئةً بِالحُبِّ , وَكؤوسَاً منِ عذبِ الكلامِ , - وأنا في غَيهبٍ معتقٍ في الجُبِّ – و " ريَّا " كَأنَّ الصَّومَ قِلادَتُها , وَالصُّدودَ بُرجُهَا , وَلا تَزدادُ في عينيَّ إلا جَمَالاً وَفِي قَلْبِي إلا حُبَّاً , وَعشقُها يَملأُ أَركانَ الكَونِ , أُغَازِلُها فَيُورِدُ فِي شَفَتَيهَا الحَياءُ , عِندَ قَدميها يُرَفرِفُ فُؤادِي الأَسِيرُ مَذبُوحاً , فَتَضحَكُ نَاظرةً إلى ذَبيحِ عينيها .
          آهٍ مَا أَقساكِ , أوصدت الأبواب على آمالي , وبصمتِكِ حطمتِ براءةََ انتظاري , فَتلاشتْ عِدَّتي , هَباءٌ سَفري , صَبرٌ جميلٌ , وَاللهُ المستعانُ على سِحْرِ العُيون .

          منتظر السوادي 2/2 / 2011
          التعديل الأخير تم بواسطة سلام الكردي; الساعة 22-11-2011, 16:28.
          الدمع أصدق أنباء من الضحك

          تعليق

          • منتظر السوادي
            تلميذ
            • 23-12-2010
            • 732

            #6
            ذهبيات أدبية(3)/سرديات

            ق ق ج
            الكيد
            غازلها صباح الأحد .. تزلزلتْ أعماقها , شيدت ناطحاتِ الأَملِ , على مويجاتٍ متحركة , جاءها ليلاً .. شرعت له أبوابَ كنوزها , بيسرٍ تناول إرثَ الأجداد قائلاً : أغربي ... فأنا لا أُحبُّ الخؤون
            التعديل الأخير تم بواسطة سلام الكردي; الساعة 22-11-2011, 16:17.
            الدمع أصدق أنباء من الضحك

            تعليق

            • منتظر السوادي
              تلميذ
              • 23-12-2010
              • 732

              #7
              الرسالة الثانية

              ذهبيات أدبية(4)/مختلفات

              الرسالة الثانية
              الموسومة بـــ " مع شيخ الجنِّ "
              [align=justify]

              غمرَ شمسُ الحياةِ حَسَدُ الأعادي ، فَتَبعْثَرتْ صَباحَاتُ فُؤادي ، أحْلامِي جرةٌ تكسرتْ بِحَجَرِ الهجرِ ، قَلبِي تَهَشَّمَ بِسِهامِ نَظرَتِكِ ، فَنَثرْتُهُ لآلئَ عَلَى دُرُوبِ الانتظارِ ، أنصَتتْ رُوحِي لِصَوتِكِ فَذَابَ كيانِي فِي بوتقةِ الهيامِ ، وامتزجت رُوحِي فِي خيوطِ أنوثتكِ المَائِسةِ ، جَمَالُكِ زَاحمَ الشمسَ فأرقَدَها خِدرِها ، والبدرُ خَجلاً رافقَ سريرَه ، علوتِ مكانَها فزادَتِ السَّماءُ بَهاءً ، والأرضُ ضياءً ، لكنَّ ظَلاماً يُطوقني ، وجنونَاً يُبصرني عَوَالِمَ الهيامِ ، وهَمسَ خَيَالٍ يُسامرني ، كُنتُ أسْتَحمُ بشعاعٍ من الشمسِ ... ؛ أأُحرَمُ من بَراءةِ عينيكِ !
              دَقَاتُ السَّاعَةِ أَحْلامٌ ، رَقصاتُ العقربِ آمَالٌ ، تذوبُ وتثملُ أَنْغَامَاً لِلسَّهرِ ، الزَّهُورُ بِالنَّدَى تَسْتَحمُ ، وَتَتَمسحُ بِنُورِ الصُّبْحِ ، ثم تلبسُ إكليلَ العِطرِ ، وتَحلَمُ بِثَغرٍ يُقبِلُها – وَنَحلةٍ تتمرغُ بِسَمَاواتِ أَريجِهَا - تَرقِبُ مَن يَقطفُها هَديةً لِقرَّة عينِهِ ، وأزاهيرُ نَافِذَتِي شَاخَتْ ، وَابْيَضَ سَاقُهَا .
              الحَبيبةُ فِي عَرائشَ بَابِلَ ، تُرَاقِصُ حَبَّاتِ المَاءِ بِخصلاتِ شَعْرِهَا ، تستنشقُ نَدَى العبيرِ ، ثُم تنفثه قُلُوبَاً فِي نَسَائمَ وردية ، وَتُدَاعِبُ بِأَنَامِلِهَا النَّسيمَ فَتجعلُه غَمَائِمَ سِحرٍ وترسلُه أَنّى شَاءَ الهَوى ، يُسَامرُهَا سَاحِرٌ مِن سَلالةِ نمرود ، لَاهيةٌ وَشَمسُ العُربِ تَغْرِبُ فِي شَعرِها ، تَمرَحُ جَذلى ، وَقَلبِي تَقوسَ ظَهرُه ، يَتكئُ عَلَى أحْلَامٍ مُصفرةٍ ، ويتعثرُ بِأقدَامِ أمانٍ ثَكلَى ، وَتُطفأُ بَسمتَهُ دَمعَةٌ ثَقيلَةٌ أَيْتَمَهَا الدَّهرُ .
              أخذتني أُمِّي إلى شَيخِ أطباءِ الجنِّ ، رآني ... فَرَاحَ يُتَمتمُ بِعَجلةٍ مُستعيذاً مِن آلامي ، أخرجَ كومةَ عِظامٍ مِن قَانِصةِ الخفاش المُعَلقة بِذَيلِ عَقْرَبٍ فِي سَقفِ الكُوخِ ، وأخذَ سلسلةَ كَأَنَّها هَيكَلُ أَفعى ، وَبَدأتْ رُوحُه تَمتزجُ مَع أنفاسِ تَعويذاتِه ، لِيَستَحضرَ أَرْواحَ بَابِلَ وسُومر ، ثُم أخرَجَ صُحفَاً دخانية ، مِن تَحتِ سَريرِه ، كُتِبَ عليها بِخطوطٍ ملتويةٍ متشابكةٍ ، كَلامٌ لَا يفهمُه البشر ....
              أَصطكت أسنانُهُ من حكاياتي ، ثم رمقَ السماءَ بلحظِه ، فَحدقَ إلى مغيبِ النورِ ، سكنتْ أصابِعُه المائة التي تداعبُ المسبحةَ العظمية ، والفحيحُ من عينيه بَثَّ اليَأسَ في أرجاء ما نأمُلُ ، ذيله خطَّ على التُرابِ خَرائِطَ جنونيةً ، سَقَطَتْ من يدِهِ ، هدأتْ حجرتُه الريشيةُ وكأنَّها من صلدِ الحجرِ ، رعبٌ داهمَ مدينته ، فتجمهرت حولنا أَشباحٌ وَظلالٌ ، عيناهُ الطويلتانِ سُمَّرتا ، وَغَمرَهُمَا الشحوبُ .
              ذعرٌ أصابَ أُمي وأرجفَ فُؤادَهَا ، وروحِي كادَتْ تُزهقُ ...
              ناديناه ... ثم هممْنَا بالرحيلِ هروباً بأنفسنا ، بغتةً حَضَرَ معاوناه ، وهما يحملانِ قارورةً لا لون لها ، داخلها سائلٌ أُرجواني ، وفيه يعومُ إخطبوط شفاف ، رجُّوها ، وَأَلقَوا داخلَها عظماً لينا أخضَرَ الرأسِ ، تَلَقفَهُ الإخطبوطُ ثُم تحولَ إلى فُقَاعَاتٍ خضراء ، فغسلُوا وجهَه ، وخاتماً يضعُهُ في إصبعِ قَدمِه ، وبعدَ اللتيا والتي أفاقَ ، وقد سُحِرَ شيخُ الجنِّ .
              يا عمُ أنبئني ...
              قالَ : لا تسلْ ، حُوريةٌ .. مجدولةٌ .. جذلى .. تتغنى بها الطفولةُ عُشقاً و شَباباً ، منها الشمسُ تختبئ خجلاً ، ومن ثغرِها يتناثرُ اليَاسَمين ، يتقاطرُ نُورُ البَدرِ لِيَرسمَ سُلمَاً لِعَرْشِهَا ، تَطْرِبُ الدُّنيا إنْ تَمايَلتْ ، ذُخرِتْ ميزاناً للجمالِ ؛ لستَ وحيداً طَالِبها ، أُمي صفْ لنا دواءً علَّهُ ينالها ...
              هيهاتَ لو وُجِدَ لداويتُ نفسي ؛ لكنَّه نظرَ للشَّمسِ هامساً " رفقاً بِعَاشقِكم يَا من تحبونه " ، بَعدَها عَانقني بَاكياً و يُهمهمُ : " صبراً يا فتى فقد يجمعُ اللهُ المحبينِ ، بعد كُلِّ الظَّنِّ أَن لا تلاقيا "


              منتظر السوادي 29 / 1 / 2011م .






              [/align]
              ارجو المعذرة على الفراغ بين الفاصلة
              التعديل الأخير تم بواسطة سلام الكردي; الساعة 22-11-2011, 16:46.
              الدمع أصدق أنباء من الضحك

              تعليق

              • دينا نبيل
                أديبة وناقدة
                • 03-07-2011
                • 732

                #8
                بحيرة البجع - قصة قصيرة

                ذهبيات أدبية(4)/سرديات

                بُحَيرة البجع




                تصافحوا .. تعانقوا وتضاحكوا .. ووعدوه بتكرار الزيارة بعد يومين وانحنى أحدهم عليه يهمس في أذنه " ... ابحث عنها !!"

                أطرق قليلا وفتر ثغره عن ابتسامة مستحية ووعد بالتفكير في الموضوع بجدية هذه المرة.

                وافترق عنه الجمع في صخب كبير يلوحون بقَنان العصير تسافر وراءهم أصداؤهم يضج بها الهواء فيبترها ويبعثرها في الأرجاء ، هبت نسمات عليلة حاملة نشوة إلى صدره مع ضوعة طيوب ليلكي .. إنها ليلة مقمرة لا تأتي في الشهر إلا مرة واحدة .. لن يرى الحديقة في حليها اللماع هذا إلا مرة واحدة فليتحامل على نفسه إذن وليقاوم دبيب نعاس طفق يغشى جفنيه وليمزجه بذلك المنظر اللجيني الأفيح.

                لكنّ العبير يتبدد خلف الأزهار بين مويجات الهواء المتلاحقة .. لم شعاع القمر النقي بانسكاب صار يهرق في كل اتجاه .. شئ ما يمر .. شئ ما يحلق!!

                رفع رأسه إلى السماء تدور عيناه فيها تقلب قطعها السوداء ونجيماتها المتلألئة كل شئ كما هو ، لكن القمر يروح ويجئ إنها أطيار ترفرف فتحجب القمروضوءه بأجنحتها الكبيرة .. يخدعه ضوء القمر ، يستثير عطفه باقتدار فيُهَيء له أنها الغربان العملاقة قد غمرت هذا الجزء من البسيطة في ليلته الموعودة المأذون لها بالانعتاق بعد طول الغياب !


                انتشت في نفسه رغبة الثأر لذلك القمر الذي تعكر لُجّه اللؤلؤي ، وضع أنامله على ثغره كمن لاحت له فكرة شيطانية يخشى من لسانه بها بوحا ؛ أن يذهب لإحضار قوسه وليقم ببعض الصيد فلا ضير من تلويث سهامه بالقليل من الدماء وسيعطي الطير المطعون حتما للكلاب الضالة لتأكله أو يرميه في النهر الكبير كي تتغذى عليه الأسماك !


                اتجه نحو القصر ليجلب القوس ، لكن سيفوته سرب الأطيار قبل الوصول إلى منتصف بهوه حتى! .. أسرع نحو شرفته التي تسفلها شجرة السنديان ..أمسك بأغصانها وفروعها وراح يتسلقها متوجسا من زلة قدمه أو انفلاتة قبضته ... حتى تمكن من الوصول إلى الشرفة .." أين القوس .. القوس ؟ ... هاهي!!"


                عاد أدراجه تارة ينظر إلى الفروع وأخرى يرمق السرب من بعيد .. أخذ يقفز تتقافز معه حبات السنديان تملأ الأرض تغطي العشب يدوسها ويعدو ويتعثر ، فيحمل قوسه ويعدو ...رأسه إلى السماء تتعلق عيناه بسرب الأطيار .." ترى أين وجهته ؟!" .. إنه يبتعد عن حدود الحديقة .. عن حدود القصر يتجه نحو مكان ضبابي تعلوه الزرقة والبياض...
                مصوبا قوسه إلى الأمام .. تتحسس قدماه العشب داكن الخضار .. يدوسه فيداهم حسيسه أذنيه يضطرب فيرمقه بومضة ثم يرفقها بواحدة نحو ذلك المكان الغابي.


                غابة ضبابية يسربلها إزار قمري مفضض تتوسطها صفصافة عملاقة قد نمت أغصانها وغطتها أوراقها حتى بدت كامرأة فارعة ضخمة البنية يخر شعرها من مفرق رأسها يغطي وجهها وجسمها ملامسا الأرض يحركه هبوب الريح بثقل شديد، فيتحرك بكبرياء شجي كأنما يبكي شعرها وتبكي هي من رأسها !..

                فطرف شعرها مغيب في بحيرة شفيفة كما لو كانت من انهمال دموعها .. بحيرة داكنة قد ترقرق على صفحتها إبريق لجيني يتراقص على مويجات الماء ويتماوج دون أن يفارق بقعته ..

                ... ترجرج وغاب الإبريق في الماء إثر ارتطام أرجل الأطيار بها ... واقفا يرتقب خلف احدى الشجيرات .." ليسوا غربان .. إنما .. بجع!"


                تراصت أسراب البجع حول البحيرة أخذت في رفيف فضي تتثنى وتنفرد حتى استوت معتدلة .. تتفتح منها أجساد أنثوية ممشوقة تماوج بأذرعها تختال كعرائس ثلجية تلفهن سلاسل القمر حتى بدت أجسادا نورانية غضة يحيط خصورهن تنانير بيضاء براقة تتهادى طياتها كلما خطرن على أطراف أصابعهن حتى التففن حول بعضهن ووقفن حول البحيرة قد شرعن أذرعهن إلى أعلى وشبكنها وملن بجذوعهن إلى الأمام نحو البحيرة ..


                منبهر .. مضطرب .. لا يدري ، لكن كمن مسه طيف من جان أخذ يجره من رقبته قد سحر بأصواتهن المنبهمة تعزف ترنيمة " كلارينيت " بجعي فتسحبه نحو البحيرة .. يقترب منهن وهن لا يتحركن كأنهن تماثيل الشمع اللماعة .. ولما اقترب أكثر وجدهن مجتمعات حول عروس أخرى متلملمة على نفسها منثنية تمسك قدميها بكفيها
                أحست بدنوه منها فارتعدت فرائصها واستوت قائمة مسرعة ترتجف ذراعاها وتتموج كما لو كانت ترفرف بجناحيها .. تقف على أطراف أصابعها ترتعش ساقاها من الخوف تزيغ عيناها وتشير إلى قوسه الذي بيده .. انتبه اليها فقد كان نسيه تماما
                -- " اعتذر منك .. سألقيها بعيدا !"

                بتوجس دنا منها ولحظ تاجا على رأسها ، أدرك أنها أميرة هؤلاء العرائس فانحنى إليها
                -- " من أنت ؟ ... وكيف أنتن هكذا ؟!"
                وضعت أصابعها على ثغرها واخذت تهز رأسها ثم صاحت بصوت عالي الإرنان
                -- " ماذا ؟! .. لا تتكلمين! .. أنتِ مسحورة ؟!"

                فأومأت برأسها بالإيجاب ... قبض على يديها الباردتين ..أخرجها من البحيرة وأخذ يفرك يديها ليدفئها
                -- " خسارة ! ... كم أنتِ جميلة .. ولا تتكلمين !"
                كدمية ممسكة بيده راحت تقفز على أطراف أصابعها تلوح بذراعها وتبتسم إليه فرحة تشير إلى قلبه ثم إلى القمر

                قطف بعض الزهور الليلكية وشبكها في تاجها وراح يتحسس الريش الأبيض النابت وسط خصلات شعرها الأحمر ثم جيدها الأبيض الناعم وفستانها المخملي ذا التنورة الهفهافة وعينيها التي أحاط بهما سواد فاحم فبدتا فيروزتين تسبحان في سرداب عميق
                -- " من فعل بك هذا؟!"

                تحدر قمران من مقلتيها في عبرتين تبللان خديها الاسيلين وثغرها الرقيق الرسم فتغيب في شق شفتيها فبادرهما بأنامله يجففهما " لا تبكي .. سأكون معك ولن أترككِ!"

                زادت عبراتها وطوقت رقبته بذراعيها وراحت تبكي ضمها إلى صدره ودار بها وحملها من خصرها تتطاير تنورتها البيضاء ناشرة عبق طيبها وأريجا ليلكيا وهي تماوج بذراعيها...

                تحركت العرائس فجأة قد أخذتهن رعشة عارمة ، تسارعن في الوثب حولهما ورحن يصحن ويُشرن إلى القمر الذي قد احتجب تماما ..!!

                حجبه كائن نصفه انسان ونصفه طائر بجناحين ضخمين أسودين ..وسريعا انقض ذلك الكائن المريع وسط العرائس يفرقهن فيتلملمن على بعضهن في صفوف يماوجن بأذرعهن من شدة الخوف وترتعش سوقهن !

                بينما الأمير قد حمل عروسه ليبتعد عن ذلك الطائر الكبير لكنه أخذ يتعقبهما ويسد عليهما المسالك فينشر عليهما جناحيه وينفث فيهما الريش الأسود .. لمح الأمير طلاسم وتعاويذ منقوشة على طرف جناحيه بالذهب .. " هذا هو ! .. الساحر !"

                أخذ الأمير يبحث عن قوسه التي رماها بعيدا .. وراح يصوب نحو الطائر بلا جدوى؛ إنه يحلق عاليا نحو القمر ثم يحط فجأة ، فيغشاه بجناحيه وينفث عليه من ريشه ثم يعاود الطيران مجددا .. ألقى الأمير القوس من يده وانتهز فرصة دنو الطائر منه ثم قفز عليه وطرحه أرضا واخذ يلكمه ..ركله الطائر حتى سقط على حافة البحيرة والتقط حجرة كبيرة وقفز على الأمير ..

                أخرج الامير خنجره بسرعة وغرسه في صدر الطائر فانفجرت من قلبه الدماء لكنه كان قوي الجسم فجمع نفسه وضرب الأمير بالحجارة على رأسه فشجها وسقطا في البحيرة ..وماهت بالدماء ...!

                صرخت العرائس البيضاء وخرجن في صفوف من وراء الصفصافة وجثون على الأرض قد تكومن على انفسهن ..

                بينما راحت العروس الأميرة ترتعش أوصالها ،تتهدهد تنورتها الشفيفة وراح خصرها يتثنى كما لو كان يتهاوى على التنورة فتحمله التنورة وتعيده إلى مكانه فيتهاوى عليها من جديد! .. بينما انثنى جيدها كما المقصوف يحمل رأسا مترنحة فتحاول نصبها بكفيها، حتى اقتربت من البحيرة الدامية ووقفت على رجل واحدة ومدت الثانية نحوها فاخضب حذائها البللوري باللون الأحمر ..
                أ
                غمضت عينيها وأخفت وجهها في كفيها وقفزت في البحيرة ..فتناثرت المياه الحمراء على الزهور الليلكية حولها وصارت تقطر دما يهمي على العشب الأسود..!!

                ثم .....

                .....

                قامت واقفة معتمدة على إحدى رجليها بينما تلف الثانية وراءها وانحنت في بهاء حتى لامس جبينها ركبتها ..

                وانهالت عليها بتلات الأزهار الوردية فغمرتها .. وخشبة المسرح
                وارتج ( دار الأوبرا ) على زخات التصفيق الحاد وهتافات الإعجاب .. ووقف البطل إلى جانبها يحيي الجمهور تارة والراقصة تارة أخرى ويصفق لها ..

                ..وأصفق أنا لها أيضا ووقفت على اطراف أصابعي الصغيرة أقلدها في انحناءة ( بافلوفا ) الشهيرة تلامس جبهتي تنورتي البيضاء التي لبستها وقت مشاهدتي العرض وأخذت أصيح وسط الهتافات .. " سأكون بجعة مثلك يوما ما!!"

                ..لكنني لما كبرت لم أتجاوز كوني بجعة نحاسية في صندوق خواتمي الأسود !!
                التعديل الأخير تم بواسطة سلام الكردي; الساعة 22-11-2011, 16:38.

                تعليق

                • سلام الكردي
                  رئيس ملتقى نادي الأصالة
                  • 30-09-2010
                  • 1471

                  #9
                  النصوص الفائزة في مسابقة ذهبيات أدبية بدورتها الأولى

                  الأخوة والأخوات
                  رواد نادي الأصالة
                  هنا ندرج جميع النصوص الأدبية التي فازت في مسابقة ذهبيات أدبية بدورتها الأولى المتمثلة بأجزائها"1" و"2"و"3"و"4" .
                  والتي سوف يتم طرحها على أعضاء الملتقى للتصويت وتقديم وسام الإبداع من نادي الاصالة لصاحب النص الفائز بالدورة,ذلك وفق تصنيفات ثلاث.
                  شعر
                  سرديات
                  مختلفات
                  مبارك لنا فوزكم في مسابقة ذهبيات أدبية.
                  كما تهانينا لكم جميعا.

                  نادي الأصــالة للإبداع الأدبي.
                  [COLOR=#0000ff][SIZE=6][FONT=Andalus][COLOR=black]انا الدمشقي .. لو شرحتم جسدي... لسال منه ,عناقيد وتفاح[/COLOR]
                  [COLOR=darkorange]ولو فتحتم شراييني بمديتكم...سمعتم في دمي اصوات من راحوا[/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR]
                  [FONT=Andalus][SIZE=6][COLOR=#0000ff][/COLOR][/SIZE][/FONT]
                  [FONT=Andalus][SIZE=6][COLOR=#0000ff][/COLOR][/SIZE][/FONT]
                  [FONT=Andalus][SIZE=6][COLOR=seagreen]مآذن الشام تبكي اذ تعانقني...[/COLOR][/SIZE][/FONT][FONT=Andalus][SIZE=6][COLOR=#0000ff][COLOR=seagreen]وللمآذن, كالاشجارارواح[/COLOR]
                  [COLOR=purple]للياسمين, حقوق في منازلنا...وقطة البيت تغفو .. حيث ترتاح[/COLOR][/COLOR][/SIZE][/FONT]
                  [COLOR=#0000ff][/COLOR]

                  تعليق

                  يعمل...
                  X