كتم أنفاسه الحارة المتدفقة من فؤاده المكلوم ،وتلوى كفريسة مذعورة تتلو ترانيم الموت قبل أن تنهشها أنياب الأناكوندا ، ثم أطلقها سريعاً،في محاولات متكررة لإزالة الإحتقان المترسب والمتراكم داخل صدره المترع بالأشواك والغصص.. اندفع بخطىً غير متزنة ، كأنه لاعب ترابيز مبتديء يطء خيط رفيع مشدود ،تسمرت قدماه، تداعت أمامه وضعية الصورة، اعتورها الأهتزاز والإرتعاش .. في عمق المشهد، رأى الأوتار متراخية، والإيقاع غير ثابت ،صفع نفسه مرات متتالية ،وكال لها السباب والشتم في محاولة أخيرة من أجل إستعادة رباط جأشة المتهاوي..ارتفعت الستارة اقشعر جسده عند رؤية القاعة الكبيرة ،مكتنزة بحشود غفيرة من الناس والجماهير ،شعر أنه يتهاوى ويسقط ، ثمُلت عيناه ، تمتم ببضع كلمات :سرعان ما ينتهي الأمر. استعاد ثقته المفقودة ،لاسيما عندما قامت فتاة صغيرة بين الحاضرين تصفق له وتؤازره ،أطلق إيماءة صغيرة :شكراً لك صغيرتي، ساد الصمت واشرئبت إليه الأعناق، انقطعت الأنفاس ،وذوى ضوء المصباح.. المشهد الأول من الكتاب ، الفصل الأول " البارود المشتعل ".. في زاوية من المسرح ، أشخاص يصدرون جلبة وضوضاء ، وقع أقدام تدك الأرض بأرجل مستعصية على التعب والإرهاق يصرخون لبث الحماس ونبذ الرأفة ،أصوات تستغيث خلف بنايات ،وجدران مهجورة ، أسلاك شائكة خلف المتاريس، وشم الدماء يُخضب الجدران باللون القانى ،أثمال بالية عالقة، تتدلى شامخة فوق الجدران ، تنتمى لهياكل توارى أثرها خلف حُجب النسيان .. طُغمة من الجند تندفع بقوة إلى داخل الممر ،،غلاظ الوجوه ،سواعد مفتولة مشمرة عن لحم ثخين ،وبنادق عابسة مستلقية فوق أكتافهم، تكفهر كلما أيقظ أحدُ غطيطها ،بعضهم يحمل هراوات، والأخر يحمل سياط سودانية . ينعكس ظلهم الأسود على الحائط فوق خشبة المسرح ،فيثيرون الهلع والفزع ،يعبون أشداق البنادق بأكياس من البارود الأسود . في المشهد الأول، سيق الفتى السودانى إحسان بوحشية إلى جدار الأعدام، يرسف مقهوراً في أغلال الذل والقيود، الدماء تسيل بين أنفه ورأسه ..
أوثقوا قيوده , ثم دفعوه هناك في زاوية من زوايا الغرفة ..إنزوى في ركن الحائط ،بجوار دلو يعلوه الصدأ،وخرقة بالية مبتلة بالدماء القانية ..
. قبضة قوية تهوي على مؤخرة رأسه، كأنها ركلة حذاء تترك أثردامياً وبقعة حمراء ،سياط مسعورة لاتفتأ تهوى على ظهره بكل قسوة تشده من ياقتهِ التي مزقتها سعير الهراوات..الوقت يمر ثقيلاً كجزار يخنقه بكفين غليظتين, و صوت قطرات الماء ينساب من أعلى يقطع سكون الدلو الرابض في ركن الغرفة ، ,ُظلمة رهيبة ترسم أمام ناظريه أشباح يخالها من خوفه جلاديه فيجن..يجري نحو القضبان الصامتة صارخا :أطلقوا سراحي ..أطلقوا سراحي..من بعيد ترامى إليه وقع أقدام ثقيلة وصرير الأبواب الفولاذية تنفتح ثم تغلق,تململ في مكانه، يعد أنين الخطوات التي تقترب منه ,تملكه الخوف فهرب إلى احدى الزوايا الفولاذية و انكمش على نفسه يستمع لنبضات قلبه المتسارعة, تراها آلة التعذيب عادت من جديد..جلس أخر وحيداً في الظلام و
صوت قاس من رجل ذابت ملامحه فى زاوية معتمة من الغرفة المُظلمة :
يتدلى ظل ساقيه على الحائط بطريقة ساخرة ، أخذ نفسا عميقا ،و هو يرسم ابتسامة باهته تظهر أسنانه الصفراء يمضغ علكة بائنة ، يسيل لعابه، ويتسرب على شفتيه الغليظتين، ولايفتأ يبصق كلما التقط انفاسه ,تفحص المكان بعينيه الباردتين .. أخرج عود ثقاب ثم حكه في مؤخرة حذائه فأشعل النيران، عب غليونه ليحترق التبغ فأطلق سحابة رقيقة من الدخان، قال ساخراً:جرثومة أخرى من معتنق الفكر المضلل..الذي أفسدت الحرية إيمانه نحو وطنه .. الوهم أو الأمل.. أيا ما تعتقدونه ياعزيزي لقد غادر تلك البلاد .. ثم صفق بأصبعه ، وأشار بسبابته ساخراً : أنظر!..هناك ..أحد عشر بندقية..لن تراها في الظلام...لديها قواعد خاصة مصمة لحمايتك وحماية المجتمع بأسره ،وعندما تنكسر القواعد، يتم استجوابك لاشك، وتصير متمرداً، منبوذا على حاشية الحياة .. مصروفاً عن أبناء جلدتك ..فلاتحاول أن تخرق القوانين، وتتمرد على الفكرة التي هي جوهر البناء داخل المجتمع..!! فيختل البناء وتسقط النواة ،وتسود الفوضى ..ثم أعتدل في جلسته وهو يلثم سيجاره الكوبي المخنوق بين سبابته وأصبعه .. ويمط شفتيه الغامقتين ،ثم يبصق فتات من بين شفتيه ،وقد انطلقت سحب الدخان تحجب صورته ..قريباًستنتقل أنت ورفاقك من ذلك السجن إلى هاذ السرداب حيثُ تتعفنون جميعاً هناك ..ثم بعدها تزفون إلى الميدان الواسع الكبير حيثُ يُتاح لكم رؤية الزبانية ..إنه الميدان العظيم الذي ترتاده النسمات من كل الدنيا لتستنشقوا حريتها في فضاءاته المترعة بالفرحة ..الحرية ياصديقي بمفهومها الحقيقي ،بعيداً عن مفاهيم الحماس والواجب واستدرار العواطف
وحدك ستظل تصارع الوهم والخيال ... ساد الصمت هنيهة وطفق الفتى يجول ببصره أرجاء المكان ..ثم أدلف القائد يردد، ودخان سيجارته يتطاير من بين أضراسه الصفراء: سيقتلونك يافتى ،ولن تموت دون أن تعرف ،ولن تعرف من يقتلك ،هناك ..أنظر ..الأشباح تطفو فوق الجدران ..أنصت إلى هديرها ،إنها تراقبك ،تستمتع برائحتك ،أنت وليمتها على مائدة العشاء الليلة ..إنها تُغنى لك ،أنت المختار لتلك الليلة ..القربان الذي سيسكن أحشائها المتضورة جوعاً..لن يبق شيء منك
سيستأصلون جذور آخر نسمة فيك ،سيطهرونك من الآثام التى علقت بك , سيقتلونك لا محالة .. لديهم كل العهود ، ليقتلوك سراً وجهراً وأمام العالم ..أنت تكتب مصيرك يافتى ..لقد انتهى زمن الأبطال، وولت عهود الأساطير، والمعجزات ..لم يبقى هناك سوى أحد عشر بندقية، لن تراها في الظلام .! شعر الفتى بنصل يمزق أحشائه تكور تمطى، تقيأ في كل مكان ،تجشأ الوجع والغصص ..أزال العصابة
ودس رأسه بين يديه ،صار يزمجر ويربد، يتلمظ من الغيظ حتى تسلل الزبد من شفتيه عادت إليه السكينة عب رئتيه بنسيم طل ثم انخرط في نشيج مرير : يا إلهي ما الذي يحدث..؟ لكأني أسمع طبول تدق في رأسي ..صرخات ..عويل، صداع الحقيقة يصدع في قلبي، وينشب في رأسي ،وقد استحالت كل المشاهد حقائق وعبر، تسمر مكانه خرج عن النص : عن أي بناء تتحدث !،حقاً أنت مخلوق سيء السمعة، قلبُ بارد كالجليد ، شخص مستبد، لايعرف معنى الإنسانية ،جبان رعديد .. يزحف كالظلام الرابض خلف أحد عشر بندقية .. كفاك هُراء عن أي مستقبل تتحدث ؟ عن الفساد المستشري الذي ينخر في كيان الأمة ،فيُحيل البناء إلى فوضى ..عن المُغيبين في سرادق الموت ...عن الفقر ، والأمراض، والطاعون عن أحلام الغرقى في قوارب الموت... ثم استدار للجموع التي أطبق الصمت أشداقهم فتصخرت أعينهم وأشار إليهم ساخراً .. هذا الرجل ينطق بالحقيقة .. أيها الحمقى ، إنها خديعة كبرى .. تفاعل الناس مع أداء البطل فوثبوا فوق الكراسي ، يعبرون عن سعادتهم وفرحتهم لذلك الأداء المثالي العظيم من خلال بانوراما من الصيحات والتصفيق .. أعرض الفتى عنهم وتولى مقطباً تغشاه سحابة من الغضب قد ارتسمت على وجهه الشاحب ..تباً لكم لن تفهموا شيئاً.. أشار بيده إلى أشباح ،تنفُس الغضب في الظلام،رؤوس سوداء تطل من الجحيم : كل شيء ينتهى هنا ،كونى،ضعيفاً، فقيراً، لا أملك إلا أحلامي وحريتى ،ولقد نثرتُ أحلامى بين يديك ،فخفف الوطء إنك تطأُ على أحلامي .ثم ضجت القاعة بالهتاف تلاشت صوراً وسقطت لوحات وهُشمت أوثان شعر الفتى ببرودة تدب في أوصاله فسقط يتلوى
دوّت الرصاصات .. اخترقته
مع كل زخّة من زخّات الرصاص كان جسده يرتجف ويهتز يصعد فوق الآرض ويعود ..
دنا أحدهم : ماذا حل بك ؟ تجشأ الدماء التي طفحت كالزبد من شفتيه الواهنتين .. أشار بسبابته : هناك ..أحد عشر بندقية لن تراها في الظلام..إبتسم ثغره المتعب ثم نكس طرفه، وتحجرت عيناه، أسلم ذراعيه ،وفاضت روحه، وسرعان ما ضجت القاعة بالهتاف والتصفيق الحاد
تعليق