أوصل حبيبته الى بيتها في الكرادة بعد لقاء حميمي و إستقل الصاروخ أو الكوستر* في طريقه إلى علاوي الحلة كي يستقل الباص نحو مدينته التي تقع على ضفاف نهر الفرات.
بالرغم من حرارة الجو و الشمس الحارقة لشهر تموز و بالرغم من أن السماء كانت صافية بلونها الأزرق الباهت , إلا أنه كان يشعر أن الجو ملبد بالغيوم لا بل إنه كان يرى غيوما و حتى بنايات شارع السعدون كانت سوداء مكفهرة , لم يسر الصاروخ كثيرا حتى إنتشرت في وسط شارع السعدون سيارات اللاند كروزر و التي راح ينزل منها مدنيون بدأوا ينزلون لافتات بيضاء معهم ثم جاءت سيارة حمل محملة بسلالم حديدية و خشبية , سرعات ما تسلقها أولئك الأشخاص و بدأوا برفع تلك اللافتات بواسطة حبال ربطت على جانبي الطريق و على أعمدة الكهرباء
- عشر سنوات و العراقي يتقدم
- عشر سنوات و العراق يتقدم
تذكر و هو يرى تلك اللافتات أنه خلال إجازاته الأخيرة من وحدة الميدان الطبية 28 كانت حقيبته عند العودة إلى عربت للإلتحاق بوحدته تحوي قنينة ويسكي
- لا أريد أن أعدم و تظهر علي علامات الخوف أو الرهبة أمام هؤلاء الوحوش الذين حولوا بلدنا إلى سجن كبير , سأفرغ قنينة الويسكي في جوفي قبل إعدامي و ليذهبوا إلى الجحيم
النائب ضابط عبد الرضا القادم من العمارة أطلق عليه جنود الوحدة لقب الكلب القذر و كانوا يتهامسون فيما بينهم the derty dog
سبحان الله فقد كان شكله قبيح حفر الجدري كانت تملأ وجهه و متطابقا مع طريقته في التعامل , إنفرد به عندما كان يقوم بعمل الألواح السمنتية أو البلوك لبناء قاعات للجنود بسبب ان الوحدة كانت حديثة الإنشاء , و قال له
- لا مكان للشيوعيين في الجيش الكل يجب أن ينتمي للحزب
إستمر في عمل البلوك من دون أن يعير للكلب القذر أهمية و كان يفكر بعدة خيارات في حال القبض عليه أو إيداعه السجن أو إستدعاءه إلى دائرة الإستخبارات أو المسؤول الحزبي
- سيقتلوني و هذا أكثر ما يستطيعون عمله , لكنني سأقتل برشاشة الحراسة السفلة و لن اسلم نفسي لهم , سيقتلوني لكن بعد أن اترك اثرا ستتناوله الوحدات العسكرية الأخرى بالحديث من بعدي
-
في نفس الوحدة تعرف على النائب ضابط فلاح النجفي الطيب الذي كان يؤدي الصلاة في أوقاتها و كان لا يخاف من إبداء وجهات نظره الدينية أمامه أو أمام رعد و صباح و طعمة وكان يعرف جيدا أنهم شيوعيين
تجرأ هو ورفاقه في يوم من الأيام و نبهوا النائب ضابط فلاح بأن يكون حذرا و أن يتحاشى الديرتي دوك
- لا أهاب هؤلاء الفئران و سأحسب شهيدا إن قتلوني , لي الجنة و لهم الخزي و العار
- لكن نرجوك أن تكون حذرا لأننا نحبك و لا نريد خسارتك و هؤلاء الأوغاد متوحشون
في الوحدة الطبية كان قد تعرف على رعد و صباح و طعمة , و لم يكن بحاجة إلى بذل جهد كبير كي يكتشف أنهم من نفس طينته , توطدت العلاقة بينهم حتى أنه في هذه المرة و عندما ترجل من الباص في كراج النهضة لم يذهب إلى أقاربه في الحي العقاري خلف الجامعة المستنصرية و إنما إختار أن يذهب مع رعد الذي كان بيته قرب الكراج في منطقة النهضة نفسها.
في الطريق إلى البيت همسا في أذني بعضهما أنا أعرف بأنك شيوعي و ضحكا طويلا من اعماق قلبيهما لكنهما توقفا فجأة و تحدثا عن الجو السياسي الخانق الذي كان يعيشه العراق حينذاك.
دخلا البيت فإستقبلتهما أم رعد تلك الإمرأة الجنوبية بعصابتها و شيلتها* و لهجتها و رحبت بالضيف القادم مع إبنها.
لم ينتظر طويلا و إنما إستبدل ملابسه العسكرية بملابس مدنية كانت معه و بالرغم من إصرار والدة رعد عليه بالإستحمام قبل تغيير ملابسه إلا أنه فضل الذهاب إلى الكرادة للقاء حبيبته, ودعهم و إنطلق إلى هناك.
قبل الوصول إلى نفق السعدون طلب من السائق التوقف , كان قد خطط مسبقا أن يشتري جريدة طريق الشعب من مكتبة تقع على الجانب الآخر من الشارع بالرغم من تحذيرات رعد المسبقة
- الأعدام يا صاحبي من دون محاكمة لأن العمل الحزبي ممنوع في القوات المسلحة لغير البعثيين
- يا صديقي رعد اللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين
دخل المكتبة فلاحقته عيون روادها و هي تراه يحمل ما يقرب من 20 عدد من جريدة طريق الشعب برأسه الحاسر و ربما قالوا كيف يمتلك هذا العسكري كل هذه الجرأة و هو يضع تلك الأعداد من صحيفة طريق الشعب في حقيبته بعد أن دفع ثمنها.
خرج مسرعا و توجه إلى الجانب الآخر من الشارع كي يستقل الصاروخ إلى علاوي الحلة , عيناه كانتا تحدقان بعيدا في السماء
- عشر سنوات و العراقي يتقدم
- عشر سنوات و العراق يتقدم
· باص صغير يضم 9 مقاعد كان يستخدم في النقل الداخلي
· العصابة و الشيلة تضعهما النساء الجنوبيات على رؤوسهن بدل الربطة الحالية التي تلبسها النساء
تعليق