دين الهوى عند شيخ الصوفية الأكبر محي الدين بن عربي/هدى قزع

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • هدى قزع
    أديب وكاتب
    • 17-09-2011
    • 5

    دين الهوى عند شيخ الصوفية الأكبر محي الدين بن عربي/هدى قزع



    بقلم: هدى قزع

    موضوع هذه المقالة يمس شخصية فريدة ، هي محي الدين ابن عربي ،الذي يعرف في تاريخنا بلقب الشيخ الأكبر أو شيخ الصوفية الأكبر . وحتى نفهم أهميةهذا الرجل في تاريخ التصوف، ينبغي أن نعرج على مفهوم التصوف ، الذي غالبًا ما يفهمبمعنيين :

    الأول : معنى عام ، وشعبي نراه متمثلًا في الاحتفالات الخاصةبالأولياء والمولد ، وهي طقوس فلكلورية شعبية تنسب إلى التصوف وهي في الواقع أقربما تتم بحجة التصوف ، إذ الشعوب كلها لها احتفالات ، وهذا لا يعني التصوف في شيء.

    والآخر : معنى خاص يكونالتصوف فيه طريقًا لفهم العالم ، بعيدًا عن الانشغال في الإطار الخارجي الشكليللدين، إنما يحاول المتصوف من خلالهالوصول إلى معرفة تتجاوز ظاهر الأشياء إلى إدراك المعنى الكامن خلفها .

    من أجل هذا يحرص الصوفيونعلى إبانة الفرق القائم بين الظاهروالباطن ، والشريعة والحقيقة، على أساس أن كل ظاهرة شرعية تخفي خلفها حقيقة باطنة.فالشرع مجموعة عبادات ، وهذه العبادات عند الصوفي باب يدخل منه إلى حقيقة مطلوبة من وراء هذهالمسألة ، فالشريعة والحقيقة ، والظاهر والباطن ، والمعلن والمستتر ، والعاموالخاص ، هي الثنائيات التي يقوم عليها التصوف.

    وفي الحقيقة بدأ التصوف في تاريخ الإنسانية منذ وقت مبكر ،وقد أخذ أسماء وأشكالًا عدّة فهو عرف في اليهودية باسم القبالة(الكابالا) ، وفيالمسيحية بالرهبنة ، وفي الإسلام بالتصوف .ويمكن القول إن هذا الاتجاه ظهر منذالقرن الأول من خلال خبرات عميقة تتجاوز الشكل الظاهر للشريعة إلى إدراك باطنوحقيقة هذا العالم. وتتطور تطورًا كبيرًا جدًا خلال القرون الخمسة الأولى ، إلى أنوصل إلى محطة غير مسبوقة ، هي محطة ابن عربي ، الذي ولد في الأندلس ، عام 560هـ ،وفيها نشأ ودرس ، ويبدو أنه جذب للتصوف منذ صغره ، فالمؤرخون لحياته عرضوا حوارًا لهمع ابن رشد ، الفيلسوف المشهور ، قال فيه: "دخلت يوماً بقرطبةَ على قاضيها أبي الوليد بن رشد، وكان يرغب في لقائي لما سمع وبلغه ما فتح اللهبه عليّ في خلوتي ، فكان يُظهر التعجُّبَ مما سمع . فبعثني والدي إليه فى حاجةٍ ،قصداً منه حتى يجتمع بي ، فإنَّه كان من أصدقائه ، وأنا (آنذاك) صبي ما بقل وجهيولا طرَّ شاربي . فعندما دخلت عليه ، قام من مكانه إليَّ محبَّةً وإعظاماً ،فعانقني وقال لي : نعم ! قلت له : نعم ! فزاد فرحه بي لفهمي عنه ، ثم استشعرتُ بماأفرحه ، فقلت : لا ! فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده . وقال لي : كيف وجدتمالأمرَ في الكشف والفيض الإلهي ، هل هو ما أعطاه لنا النظر ؟ قلت : نعم ولا ، وبيننعم ولا تطيرُ الأرواحُ من موادِّها والأعناق من أجسادها ! فاصفرَّ لونُه" .

    وهذا حوار بسيط بين شخصين ، يظهر الصلة بين علوم النظرالقائمة على تدبر ذهني، وبين الإدراكالمباشر للحقيقة، ومعرفة الصوفي التي تقوم على إدراك الشيء بمجمله، ويدل على طبيعةالمسار الفكري في الإسلام، فابن رشد يمثلالمسار الفكري الفلسفي الذي يستند على فلسفة أرسطو ، وهذا المسار يمكن وصفه بأنهغير متوازن مع فلسفة الفكر العربي ، أما ابن عربي فيمثل مسارًا فكريًا آخر هوالتصوف ، وأحسب أنه مسار متناغم مع الشخصية الإسلامية والعربية .

    والتقىابن عربي بابن رشد مرة أخرى عندما حمل على نعشه .ووصف جنازته كالآتي «ولما جُعلالتابوت الذي فيه جسده على الدابة، جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر. وقلنا فيذلك:

    «هذاالإمام وهذه أعماله

    ياليت شعري هل أتت آماله».

    واللافت وصفه له بالإمام وذكره لمؤلفاته التي ساوت وزن جثمانه،وهي على كثرتها لم تحقق آمال قاضي قرطبة وطموحاته.

    وهذاالوصف يعكس قلقه المعرفي.إذ تراه مستخرجًا للعلوم الفلسفية، لكن منهجه الصوفي بقيالأساس ، وكانت مصر هي المحطة الأولى التي منها انتقل للشام ومكة لينتهي به المقامعلى أطراف الشام وحدود تركيا المعاصرة "قونيا".وفي فترة حياته الممتدةمن 560_ 638ه ، كتب مؤلفات عدّة ، بأفق عميق تتجلى فيه المعرفة واللغة الصوفية ،نادرًا مانجده عند شخص آخر ، فهو (كون) غير محدود ، وقد أخبرنا في فهرست أعدهالمؤلفاته أنها بلغت 250 ، وهو ألف بعد هذا الفهرست كتبا جديدة وصلت إلى 500 كتابحسب ما أشارت له بعض الدراسات الحديثة.أما كتابه الأساسي فهو الفتوحات المكية وهو37 سفر ، و560 باب ، وقد نشر في أربعة مجلدات دون تحقيق ، ثم عمد عثمان يحيى إلىتحقيقه ، واستغرق هذا منه 25 سنة ، خرج فيها ب 17جزء ، ومات دون أن يكملها ، ولاأظن أنه من اليسير استكمال تحقيقه. فهو نص صوفي ، موغل في التعمق، ولغته رمزية ،ويستخدم إشارات إلهية ، ولا بد عند قراءته من الانتباه لكل المفردات .يقول فيبدايته:

    "لو علمتَه لَمْ يَكُن هُو، وَلو جَهلَك لَمْتكن أنت: فبعلمه أوجدَك، وبعجزك عبدتَه! فهو هو لِهُوَ: لا لَكَ. وأنت أنت : لأنتوَلَهُ! فأنت مرتبط به، ما هو مرتبط بك . الدائرةُ – مطلقةً –مرتبطةٌ بالنقطة.النقطةُ – مطلقةً-ليست مرتبطةً بالدائرة . نقطةُ الدائرة مرتبطةٌ بالدائرة"

    هذانص لا يتجاوز السطرين وفيه يُقِر ابن عربي أن الخلق لو عرفوا الله ، فما ظنوا أنهمعرفوه ليس هو ، ولو هو الذي جهلهم ، لما وُجِدوا ، فالخلق موجودون بشرط معرفة الرببهم .وهو وهم (أي الخلق) في اختلاف أساسي ، فهو هو بصرف النظر عنهم ، وهم هم وهو ،فهو النقطة والوجود هو الدائرة ، ونقطة الدائرة مرتبطة بالدائرة.

    ونقطةالدائرة نظرية كبيرة لا يمكن بسط الحديث عنها ، وباختصار فيما فهمت النقطة هي الإنسان الكامل الذي تجتمع فيه صفاتالربوبية والإنسانية ، وتسميه الصوفية ب "القطب" .ولم يتحدث ابن عربيمباشرة عن مفهوم القطب . وإنما رمز به لغة وأظهر : أن الناس إما عوام شغلهم الشاغلالمسائل المؤقتة ـ وإما أهل ولاية وهم خواص الخواص، ومن أهل الولاية ثمة نقطة عليا(نقطة القطب) محل نظر الله من العالم .

    وقدشرح هذه النظرية عبد الكريم الجيلي بالتفصيل ، وأودى به شرحه إلى مشكلات عدّة ،ومثله شهاب الدين السهروردي الذي شرحها تحت عنوان الحكيم المتأله ، وقوبِل شرحهبمعارضة قوية أدت في ختام المطاف لمقتله .وكذلك محمد ابن عبد الحق ابن سبعين الذيشرحها تحت اسم "المحقق" في كتابه بد العارف الذي اضطهد بسببه .

    لقدكان ابن عربي بارعًا حينما أشار لهذه الفكرة "القطب" دون أن تؤخذ عليهشخصيًا ، ويمكن القول إنه من الشخصيات الحدّية التي إما أن تتعامل معها بتقديرشديد ، أو باستنكار ونقض ، وهذا الأمر لا يكون إلا لكل من تجاوز النمط السائد ،بمعنى اننا لا يمكن أن نتخذ موقفًا متوازنًا حيال مثل هذه الشخصيات .فلو سألنا بعضالفقهاء من مثل البقاعي والأوزاعي سيقولونهو كافر ، ولو سألنا المتصوفة سيقولون عنه هو الشيخ الأكبر.وهذه المعايير والأحكاممتعلقة بنظام المعرفة ، فهو جوبه بكره شديد خاصة من فقهاء الظاهر والناس السطحيين.

    أماإذا انتقلنا لحياته فسنرى أنها تمثل منظومة متكاملة فيها المعرفة ، والخبرة الصوفية، والتأليف ، والسفر، والمشيخة ، والرؤيا الصادمة . وآخذ مثالًا علىبعض رؤياه أختاره من كتابه فصوص الحكمالذي تعرض فيه إلى موضوع دقيق وهو : كيف أن الله يتجلى تجليا كاملا في الإنسان .

    "لماشاء الحق سبحانه وتعالى من حيث أسمائه الحسنى التي لايبلغها الإحصاء أن يرىأعيانها و إن شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كله .لكونه متصفا بالوجود، و يظهر به سره إليه.فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي رؤيته نفسه في أمر آخر يكونله كالمرآة ، فانه تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور إليه مما لم يكنيظهر له من غير وجود هذا المحل و لا تجليه له. وقد كان الحق أوجد العالم كله وجودشبح مسوى لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوة ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلاإلا و لابد أن يقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه ، وما هو إلا حصول استعداد منتلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل و لايزال. وما بقي ثمةقابل ، والقابل لا يكون إلا من فيضه القدس. فالأمر كله منه ابتداؤه و انتهاؤه : (وإليه يرجع الأمر كله) كما ابتدأ منه. فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم ، فكان آدمعين جلاء تلك المرآة و روح تلك الصورة. وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التيهي صورة تلك العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم ب " الإنسان الكبير".فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية و الحسية التي هي النشأة الإنسانية. وكل قوةمحجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها. وأن فيها فيما تزعم ، الأهلية لكل منصب عالومرتبة رفيعة عند الله لما عندها من الجمعية الإلهية". شرج الجامي لفصوصالحكم ص 49.50.51.52.53.54.

    بمعنىان الوجود الإلهي يظهر في كل شيء ولكنه لا يتجلى في شيء مثلما يتجلى في الإنسان.وفي الفصوص استعرض ابن عربي الأنبياء السابقين من حيث ان كل نبي يعكس تجليًا منالتجليات الإلهية ـ وفي النهاية وضع نفسه على نحو مشكل ، ومثير للجدل في هذاالسياق ، عندما رأى رؤيا حكاها وهي انه رأى الكعبة مبنية من لبنة من ذهب وأخرى منفضة وثمة لبنة ناقصة فيها هي "ابن عربي" .وهذه مسألة كفيلة بإباحة دمهفي ثفافتنا التي كثيرًا ما تميل إلى هذا الحل ، ليس مع أصحاب الصوفية فقط وإنماأصحاب الاتجاهات الجديدة ، الذين يحملون فكرًا مختلفًا كالشعراء والعلماء والمشايخالأجلاء الذين لا خلاف عليهم من مثل الشريف الرضي فهو عالم حظي باهتمام السنةوالشيعة ، وهو الذي قال:

    يا ربّ جوهر علم لو أبوح به لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثـــنا

    ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتـــونه حســــــنا

    فهذاالإمام مثل محطة أساسية عند الشيعة ، وعلامة كبرى عند أهل السنة ، يرى انه في نفسهأمورًا كثيرة لو نطق بها سيستباح دمه . وهذه الرؤية تظهر ان استباحة الدم والميلإلى الاستتار يمثل هاجسا دائما في تراثنا ، في الوقت الذي يظهر بصورة مؤقتة فيالحضارات والثقافات الأخرى .وهذا مرتبط بسياق الجماعة ، فثمة سياق ليبرالي يسمحبتفجر الأفكار الجديدة والمواقف الإنسانية ، وسياق آخر حازم ونمطي يخشى من الجديدالمختلف وبالتالي يجد من الأسهل قطع الخيط وإنهاء المشكلة .

    وابنعربي في إطار تطوره الفكري تعرض لقضية تغيير أساسية ، هي حل المشكلات الموجودة بينالديانات ، إذ رأى ان الديانات لم تتغيركثيرًا ، وأن فيها اختلافًا أساسيًا يجعل الإنسان الذي هو المجلى الكامل للألوهية، ومحل الظهور أو التجلي الإلهي مختلفًا في اعتقاداته .

    وطرح سيرة أخرى حين قال:

    لقدْكنتُ قبلَ اليـومِ أُنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينِهِ داني

    وقـدصـار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ

    وبيـتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائـــفٍ وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ

    أدينُ بدينِ الحبِّ أنـىَّ توجَّـهـتْ ركائبه فالحبُّ ديني وإيمانـي

    إذاكان هو في السابق يرى أن الناس يمكن تصنيفهم على حسب اعتقاداتهم الدينية ، فإنكانوا من دين آخر فهو ينكر عليهم وبالتالي ينكرهم .وفجأة وجد قلبه يقبل كل صورةفمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن ، حتىالاعتقادات الوثنية يراها في هذه الحالة ان المقصود بها التقرب إلى الله الكامل فيالأشياء ، ولما يصل إلى هذه الأشياء يكتشف أن المسعى واحد والشكل مختلف ، فقلبهالذي صار قابلًا كل صورة ،يقبل بيت الأوثان والكعبة والمصحف والتوراة.

    وقولهأدين بدين الحب يمكن أن نفسره باتجاهين :

    _اتجاه النظر إلى الأديان بِعَدِّها تجليات متتاليةللحقيقة الإلهية وهذا الحل الأيسر.

    _واتجاه آخر أكثر تعقيدًا ، وهو البدء في فكرة الحبنفسها ، ورصد الكيفية التي يرتقي الصوفي بها ليصل إلى هذا المستوى.

    فهولما نزل بمكة كان عمره في الأربعينات ، والتقى فيها برجل معروف اسمه الشيخ زاهرالدين ابن رستم الكيلاني ، أصله من أصفهان ، وهو عالم في الحديث ، وكان له ابنةتسمى ب "النظام" ، ولما رآها أحبها حبًا عميقًا بحيث استطاع أن يصل بهإلى التماس مع الوجود الحقيقي للأشياء .وهو وصفها فقال:" بنت عذراء ، طفيلةٌهيفاءُ ، تقيِّد النظر وتزيِّن المحاضِر والمحاضر وتحير المناظر ، تسمى بالنظاموتلقب بعين الشمس .. ساحرةُ الطرفِ ، عراقيَّة الظرف ، إن أسهبت أتعبت ، وإن أوجزتأعجزت ، وإن أفصحت أوضحت ، إن نطقت خَرِسَ قسُّ بنُ ساعدةَ، وإن كَرُمت خَنَسَمعنُ بنُ زائدة، وإن وفَّت قصَّر السمؤال خطاه ... ولولا النفوس الضعيفة السريعةالأمراض السيئة الأغراض ، لأخذتُ فى شرح ما أودع الله تعالى فى خلقها من الحسن ،وفى خُلُقها الذى هو روضةُ المزنِ ، شمسٌ بين العلماء ، بستان بين الأدباء ،حُقَّةٌ مختومة ، واسطة عقدٍ منظومة ، يتيمة دهرها ، كريمة عصرها .. مسكنُها جيادٌوبيتها من العينِ السوادُ ومن الصدر الفؤاد ، أشرقت بها تهامه ، وفتح الروضلمجاورتها أكمامه .. عليها مسحة مَلَكٍ وهمَّة مَلِكٍ ".



    وقال:

    طالَ شَوقي لِطَفلَةٍ ذاتِ نَثرٍ وَنِظامٍ وَمِنبَرٍ وَبَيانِ

    مِن بَناتِ المُلوكِ مِن دارِ فُرسٍ مِن أَجَلَّ البِلادِ مِن أَصبَهانِ

    هِيَ بِنتُ العِراقِ بِنتُ إِمامي وَأَنا ضِدُّها سَليلُ يَماني

    هَل رَأَيتُم يا سادَتي أَو سَمِعتُم أَنَّ ضِدَّينِ قَطُّ يَجتَمِعانِ

    وقولهسليل يماني يعني انه عربي ، وهو لم يقصد في هذه الأبيات الإشارة إلى الاختلافبينهما في الأصل فقط وإنما أراد أن يقول: إنه اكتمل في وعيه وخبراته الحياتية ، إذتزوج أكثر من مرة قبل وبعد أن التقى بها ، وهي طفلة ولكنها في نظره كبيرة ، فبهذاالمعنى هما ضدان ، وبمعنى ما التقيا ، لقاء وصفه:

    إِذا ما اِلتَقَينا لِلوَداعِ حَسِبتَنا لَدى الضَمِّ وَالتَعنيقِ حَرفاًمُشَدَّدا

    والحرفالمشدد في العربية عبارة عن حرفين لكنهما لا يظهران ، بمعنى أن حبه لها لم يكن فيالمطلق ، وإنما هو امتزاج رأى أنه وصل من خلاله إلى الالتصاق "الحرف المشدد"، ولم تقتصر المسألة على الجانب الحسي فحبه إن أحب ليس مثل الآخرين ، ومثله النظام التي إذا عشقت فعشقهامختلف.الحب عندهما طريق وحيد لإدراك المعنى الكامن خلف الأشياء ، ولكن حينما كثرالكلام على حبهما ، اضطر إلى الابتعاد ، وقال :

    إِنَّ الفِراقَ مَعَ الغَرامِ لَقاتِلي صَعبُ الغَرامِ مَعَ اللِقاءِ يَهونُ

    والغرامفي اللغة هو العذاب ، ولذلك جاء في كتاب الله تعالى في وصف جنهم " إن عذابهاكان غراما" ، لقد كان صاحبنا في حالة توهج عند اللقاء ، وصعب عليه الانقطاع ،والأصعب من هذا هو رفض أتباعه وأعدائه لحبه للنظام ، فعشقه تهمة كبرى .وهذا الرفضاتهام جاهز يدعو إلى الاستغراب ، فيبدو أن الأشخاص الذين يرتقون بفكرهم يعيبهمالحب أو العشق في نظر العامة ، لكن ابن عربي لم يضره هذا وعشق عشقًا حقيقيًا ،وكتب في هذا العشق ديوان " ترجمان الأشواق " أي المعبر عن الأشواق .وثارالخلق وقالوا الشيخ الأكبر أحب بنتًا صغيرة ، ألا يخجل من نفسه ؟

    وهذهالثورة تنم عن فهم ساذج للأشياء ، وتعارضحقائق في التراث نمر عليها مرورًا سريعًا ، فمثلًا الشيخ نجم الدين كوبْرى رجلصوفي كبير ، وهو واحد من أهم الشخصيات التي أثرت في تاريخ الحضارة العربية ، وعلىأيدي تلامذته أسلم ملوك المغول ، وقد أسسوا دولة كاملة ، وهو واحد ممن كتبوا كتابةأقل ما توصف به أنها مذهلة، ومع هذا فيكتابه "فوائح الجمال وفواتح الجلال " يحدثنا بشكل صريح عن الحالات التيمرّ بها وهو شيخ كبير ،

    فيقول: " عشقت جارية بقرية على ساحل نيل مصر ،فبقيت أيامًا لا آكل ولا أشرب _ إلا ما شاء الله_ حتى كثرت نار العشق ، فكنت أتنفسنيرانا ...وكلما تنفست نارًا ، تنفَّسوا من السماء _ بحذاء نَفَسي _نارًا ، فتلتقيالناران ما بيني وبين السماء ، فما كنت أدري من ثَمَّة أين تلتحقان ؛ فعلمتُ أنذلك شاهدي في السماء" ( ص182_183).

    قد يقول بعض الناس إن الصوفيينمعرضون لمثل تلك الحالات ، فنقول لهم خذواالفقهاء ، وأشد المذاهب الفقهية تشددًا " الحنبلي" ومن كبار الأسماء فيهذا المذهب طوال التاريخ أبو الفرج ابن الجوزي ، وهو علامة كبرى في تاريخ الحضارةالإنسانية ، مؤرخ ، وفقيه ، وصاحب مجلس وعظي ، ووقف وقفات ضد الصوفية ، وكتبالمنتظم في تاريخ الملوك والأمم وغيره منالمؤلفات الهامة .وكان إلى جانب هذا قد أحب واحدة اسمها " نسيم الصبا" ،والصبا ريح لطيفة تهب في الجزيرة العربية في المساء ، وقد تزوجها فأقامامدة متحابين، حتى وقعت بينهما وحشة بسبب اهتمامه بالعلم والتعليم ففارقها وطلقها ،فحصل له عند ذلك ندم وهيام أشرف منه على التلف، فحضرت في بعض الأيام مجلس وعظه،فحين رآها عرفها، فاتفق أنه جاءته امرأتان وجلستا أمامه فحجبتاها عنه فأنشد فيالحال:

    أيا جبلي نعمان بالله خليا نسيم الصبا يخلصْ إلي نسيمها

    و هذا البيت الذي استشهد به ابن الجوزي هو من قصيدةقالها مجنون ليلى .وهذه الحادثة أو الخبر عدّ منقصة له ، إلا أنه كان من القوةبحيث استهان بهذا وكتب عنه المؤرخون أنه برغم علوّ كعبه في العلوم إلا أنه كان لاينفكُّ عن جارية حسناء ، ليس هذا فقط وإنما حتى وهو في آخر حياته وقع بقصة حبّعميقة مع امرأة اسمها (خاتون أم محيي الدين ) وتوفي وكانت جنازته كبيرة جدا وبعديوم من وفاته ماتت خاتون أم محيي الدين ، وقال المؤرخون : فعد ذلك من كراماته لأنهكان مُغرما بها .

    هذهبعض وقائع الحب الجزئية فيما يبدو ، وإجابات للوصول إلى معنى خلف المعنى البسيطللأمر ، فصاحبنا وصل الحب به إلى مذهبكامل ورؤية مختلفة يقول : "لا احْتِجَار عَلَى الهَوَى ولِهَذَا يُهْوَى ، بالهوىيُجْتَنَبُ الهَوَى، وَحَقِّ الهَوَى إنَّ الهَوَى سَبَبُ الهَوَى، وَلَوْلاالهَوَى فِي الحُبِّ مَا عُبِدَ الهَوَى ، بِالهَوَى يُتّبَعُ الحَقّ، وَالهَوَىيُقْعِدَك مَقْعَدَ صِدْق ، الهَوَى مَلاذُ، وفِي العِبَادةِ بِهِ إلتِذَاذْ،وَهُو مَعَاذٌ لِمَنْ بِهِ عَاذْ .

    فالمعنىانطلق من الحسية وكونهما في اللقاء حرفاً مشدداً ، إلى إعلاء للحالة وتوهج فيهايتجاوز حتى العاشق والمعشوق . فيقول :" الأحْبَابُ أرْبَابْ ، والمَحْبُوبُخَلْفَ البَابْ، المُحِبُّ رَبُّ دَعْوَى ، فَهُوَ صَاحِبُ بَلْوَى، المَحْبُوبإنْ شَاءَ وَصَلْ ، وإنْ شَاءَ هَجَرْ، المُحِبُّ إذَا ادّعَى مَحَبَّة اُخْتُبِرَ، فالمُحِبُّ فِي الاختبارِ والحَبِيبُ مُثَارٌ مِنَ الأغْيَار، ولِهَذَا لاتُدْرِكْهُ الأبْصَار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَار".

    وربالشيء أي صاحبه ، وخلف الباب أي محتجب ومستترٌ لا يظهر. وفي قوله السابق محاولةللوصول إلى معنى عميق ، وإلى الإعلاء لحالة الحب الجزئية والوصول إلى معنى أرقى منحالات الحب النمطي .

    لذلك فرق بين الشوق والاشتياق فالحال الأوليقارب حال الجائع الذي يأكل كل ما جاع ، وهو غالبًا مايسكن في اللقاء ، أما الحال الآخرفإنه يهيج صاحبه عند اللقاء بالمحبوب ، ولا يعرف الاشتياق إلا العشاق ، إذ كلماتوغلوا أصبحوا أكثر رغبة في المزيد إلى ما لا نهاية ." الشَّوْقُ يَسْكُنُ بِاللِّقَاء،والاشتِيَاقُ يهَيِجُ بالالْتقَاء، لا يَعْرفُ الاشْتيَاقَ إلاَّ العُشَّاق. مَنْسَكَنَ باللِّقَاءِ، فَمَا هُوَ عَاشق عِنْدَ أَرْبَابِ الحقَائِق. مَنْ قَامَبثِيَابه الحريقُ؛ كَيْفَ يَسْكُن؟ وهَلْ مثْلُ هَذَا يَتَمَكَّن! للْنَارالتْهَابٌ ومَلْكَة.. فَلاَ بُدَّ مِنَ الحرَكَة. والحرَكَةُ قَلَق، فَمَنْ سَكَنَمَا عَشِق.كَيْفَ يَصِحُّ السُّكُونْ؟ وهَلْ فى العِشْقِ كُمُونْ! هُوَ كُلُّهُظُهُور، وَمَقامُهُ نُشُور. والعَاشِقُ مَا هُوَ بحُكْمِه، وإنَّمَا هُوَ تَحْتَحُكْمِ سُلْطَانِ عِشْقِه. وَلاَ بحُكْمِ مَنْ أَحَبَّهْ. فَمَا حَبَّ محُبٌّإلاَّ نَفْسَهُ. أوْ، ما عَشِقَ عاشِقٌ، إِلاَّ مَعْنَاهُ وَحِسَّهُ.لِذَلِك،العُشَّاقُ يَتأَلمونَ بِالْفِراق، وَيَطْلُبُونَ لَذَّةَالتَّلاَق.فَهُمْ فى حُظُوظ نُفُوسِهمْ يَسْعَوْن.وَهُمْ في العُشَّاقِالأَعْلَوْن.فَإنهَّمْ العُلَماءُ بالأُمُور، وبالَّذى خَبَّاهُ الحقُّ خَلْفالسُّتُور.فَلاَ مِنَّةً لُمحبٍّ عَلَى محْبُوبِهِ، فَإنَّهُ مَعَ مَطْلُوبهِ. وَلاَعنْدَهُ محْبُوبٌ ومَرْغُوب سِوَى مَا تَقِرُّ بِهِ عَيْنُه، وَيَبْتَهجُ بِهِكَوْنُه. وَلَوْ أرَادَ المحِبُّ ما يُريدُهُ المحْبُوبُ مِنَ الهَجْرِ، هَلَكَ..بَينْ الإرَادَة، وَالأَمْرِ ! وَمَا صَحَّ دَعْوَاهُ فىِ المحَبَّةِ، وَلاَ كَانَمِنَ الأَحِبَّةِ".

    الحبليس بديلا ، هو معنى وراء الأشكال الظاهرية ، من يقوم بثيابه كيف يسكن ، فالمحبوبهو مجلى لحقيقة العالم ، والمحب أدرك هذا فيه فاختبره ، فالقضية بالمحب لاالمحبوب.مثل شخص ينظر بمرآة ، فيكون المحبوب مرآة ، يتجلى فيها العاشق، بمعنى أنالعاشق يرى حقيقته على مرآة المعشوق ، ومن هنا جاء الفرق بين مستويات العشق.فهناكعشق عذري، وعابر وكامل ...والعشق في اللغة من العشقة : أي جذع الشجرة الذي إن قطعجف وأصبح هشًّا، ، وهناك مستوى أعلى يمثلهحب الصوفيين ومنهم ابن عربي ، يرى فيه المحب حقيقته متجلية على مرآة محبوبه ،والحب يمتد إلى ما لا نهاية ، وهو لا يتوقف عند فعل ما مهما كان عميقا ، لذلكيتألم المحب بالفراق ويلتذ باللقاء ، بمعنى أن احتجاب المحبوب يعني أن المحب لايستطيع أن يرى ذاته .لذلك فصّل صاحبنا القول في الإرادة والأمر فهناك أشياء تكونبالإرادة وأشياء أخرى تكون بالأمر وهناك أمر تكويني وأمر تكليفي.

    فالأمر التكويني في أن آدم لابد من أن يعصي ربهحتى يتواجد الخلق ، والأمر التكليفي هو أنه قال له لا تأكل من الشجرة ، فهو قالهذا وهو أمر تكليفي وليس تكويني، فيبدو آدم يعصي الله، ولكن الحقيقة هو أنه لابدأن يأكل من الشجر حتى يتواجد الخلق وإلا لم تكتمل مسألة الوجود .

    وقدتم إعلاء هذا الأمر إلى إبليس نفسه الذي أطاع الله بالأمر التكويني وعصاه بالأمرالتكليفي، وهذا يفسر كيف ان إبليس كلم الله في القرآن وقال له "فبعزّتِكَلأغْوِيَنّهُم أجْمَعِين " لأن هذه المهمة يريدها الله ولكن لم يأمره بها ،ففي الحب هناك إرادة وهناك أمر. إرادة : وهيعقل المحب والمحبوب وأمر: وهو حالة المحب والمحبوب ، والعقل هو السيطرة ، والصوفيبحبه يحاول أن يوازي بين ( العقل والسيطرة ، وحالة التوتر ) ليسيطر على الأمروالفيضان العشقي المتوهج في نفسه وإن فارق المحبوب ، وهذا ما قد يفسر لنا ابتعادابن عربي عن النظام بسبب كلام الناس ، أو الإعلان الخاص بالسر ، ولكنه يرجع ليكتبذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق ، وفيه يجلي حبه في ظل الحضرة الإلهية ،فيصير الحب هو دينه ويتجاوز الخلافات بين الديانات.
  • هدى قزع
    أديب وكاتب
    • 17-09-2011
    • 5

    #2
    هدى قزع: أفدت في كتابة هذه المقالة من محاضرة للأستاذ يوسف زيدان ، إذ عرضت لها من خلال الرجوع للمصادر الأساسية في هذا الموضوع .

    تعليق

    يعمل...
    X