
[gdwl]
مقامة الربيس (1) في مجلس التأسيس
حدثني "أبو الأوجُهِ العِتريس"، جزَّارُ قريَتنا الدَّاهية الرَّبيس، قال بعد أن دعا لي في غُنَّةٍ واسترْسَال، ثم قرَأ ورْدًا مُسجَّعًا فأطال : " بلغ بي وجدُك اليومَ مبْلغَ الزَّنقة، ورجوْتُ أنْ ألقاكَ قبل غياب الزُّرْقة، فكنتُ كما الخرُوف إذا ما أقعدتْهُ الرِِّبْقة .. "
قلت : "خيرًا إن شاءَ الله يا قُنَّ الأخبَار ويا خصيمَ الأسْرَار، يا بُؤْسَ الجوَار .. هاتِ ما يضجُّ بفِيك وأوْجز بالله معَانيك، فلا توسِعْني تدْبيجًا وثرثرَة، فقد سئِمتُ منك التفصيل والكمْثـرَة." ..
قال : "سامحك الله يا خلّ، أتُضْمِرُ لي كل هذا الغلّ ؟ .. لا علينا فالخطبُ جلل، اسْمعْ - يا عافاك الله- ولا تمَل ... لا شك تعلمُ أنيِّ جزارٌ بالطريق الرَّئيسي، وأشهدُ يوميًا حملاتٍ لانتخاب المجلس التأسيسي، ولمَّا كانت مداركي في السياسة يبابًا، عقودَ قحْطٍ خلفتْ تصحُّرًا وضبَابًا، وسنينَ ضنكٍ عشنا ردهاتها أسْلابًا، راودتني أفكارٌ دسَّاسَة : ماذا لو وطئتُ ميدان السِّياسَة ؟؟ فإن كانت فلن تكون أعسَرُ من الجِزَارَة، فقهُ حديثٍ طيِّعُ الزَّوايَا مع مَال قليل وبعضُ بِشَارَة ... "
عجبتُ لحديثِ صاحبي فأخلدتُ للقوْل، فعجَّلَ وسَحَبنِي إلى آخر الزُّقاق وافترشنا الجوْل، وهمسَ في أذني أن أنتظر البقية، ففيها ما يسُرُّ السَّامعَ وما لا يُفسِدُ لسَمَرنا قضيَّة . ثمَّ انهالَ سُبابًا وشتيمَة، على من ولجَ السِّياسة قصْد الغنيمة، وأخرَج من جيبه قسيمة، قرَأها بصوته الأجشِّ الرَّعُوشِ، كمنْ وقفَ مُقرئًا علىَ سُكان النعُوش.
قال أبو الأوجُهِ : "باسْمك اللهُمّ، أيُّها الشَّعبُ الأبيُّ الأشمُّ، ضاقَ الذرْعُ ونفذ الزرْعُ وشحَّ الضَّرْعُ، أوتينا من أمامنا ومن خلفنا الهُمومَ، وبتنا بضيعة بين الحلفاء والخُصُوم، لا فضْل لنا في زادنا، ولا إرْثَ نحتسبُهُ لأولادنا، والسَّببُ واضحٌ وشائعُ، أضْحينا برَسْم الخُذلان طلائعُ، اسْتسَغْنا الفوَاحشَ والحَرام، وأذعنَّا اللحَى للسَّفلة وللأزْلام، فاسْتحْققْنا ما كان منْ نِظام ... أمَّا الآن وقد زالَ الكرْبُ وخبَا البيْن، وقامتْ ثورتنا وهربَ المُسَمَّى "الزَّين"، فحثوا الخُطىَ لحُسْن الخِيارَات، وتجنَّبُوا ما سُوِّقَ من وجُوهٍ ومَنارَات، واحْذرُوا معسُول الكلِم والعبارات ... أنصحُكم ونفسي بالتروِّي، فالضَّرْبة التي لا تُقصِمُ المَتنَ تُقوِّي، شدُّوا بنواجذِكم الهمَّة، وتذكرُوا من ضحَّى لجَلاء الغُمَّة، واعلمُوا أنيِّ من سيُصْلحُ حال الأمَّة ... اغنمُوا من ذهِ الحَال قوامَها، وترفَّقوا بأنفُسكم وأحْلامَها، فلا تشْرُدَنَّ بكم العير، ولا يخلدنَّ لكمْ للأنا ضمير ... أكثرُوا من الدُّعاء، ورشِّدُوا الدَّهمَاء، واحْقنُوا الدِّمَاء، فلا نصيرَ لكم إلا مُحدِّثكم وربِّ السَّماء."
تسمَّرْتُ قسْرًا في مكاني، وأرْجأتُ مُذعِنًا اسْتئذاني، ودفعني اسْتغرابي إلى الإصْداح : "كما أنت دائمًا "ابن آوى" يا صاح" ...
تبسَّمَ "أبو الأوجه" زهوًا واسْتطرد :
"أنا الفيْءُ لمن يبْحث عن حليف، وسأكون سندًا للقُرَى كمَا للرِّيف، سأشيِّدُ المصانع، وأرْفعُ دونكمُ الموانع، فلا ظلمَ بعد اليوم، ولا فرْقَ بين قوْمٍ وقوم، ولا عِشْتُ إن زارَنِي في خدْمتكم النوْم، بل أعدكم بالزُّهدِ ودوَام الصَّوْم ... سأقيمُ المسَابحَ والملاعب، وسأبدِّدُ ما ثقفتمُوهُ منْ مصاعب، وسأعيرُ للتنمية جُلَّ اهتمامي، وسأسَدِّدُ لأعداء الثورة سهامي، فلا بارَك لي ربيِّ إنْ أغمَدْتُ حُسَامي ... سأرسل عليْكم فُرَصَ التشغيل مدرَارًا، وسيعمُّ الرَّخاءُ والسِّعة دارًا فدارًا، أمَّا الجهلُ فأمرُهُ إلى زوَال، وسيطال الخيْرَ نساءَكم والرِّجال، فحدِّثوا عنيِّ غيْرَكم، وضمِّنوني أمْرَكم، ولا أرى لكم إلا في ترشيحي خيرَكم."
صمتَ مُحدِّثي كمنْ يسْتحثُّ ردًّا، فلم أجد في غيْر تكذيبه بُدًّا، وأطلقتُ للسُّؤْل العنان : "أنىَّ لك الوفاءُ بما وعدْتَ أيُّهَا الفتَّان ؟ فما عهدتك إلا بخيلا حتى في سقاية الخرفان، قمْ فلا سُنَّ لك حُسَام، ولا بورٍك في قوْمٍ بوَّأك السَّنام ... سأفضحُ بارِحَكَ عند المجالس، وسأرجُمُ حيْفك أمَام العاري واللابس، سأجعلك أضحوكة تنزع العُبُوسَ عن العَابس، صهٍ يا مُخادع فلم يبْق سِوى أن تُزوِّجَ العانس."
قهقه "أبو الوجوه" وأرْدف بتحدٍّ : " قاتلك الله وسأغفرُ لك التعدِّي، إيهٍ سيِّدي فلي للعوانس تتِمَّة، ولعلمك لم أنسَهُنَّ ضمن المهمَّة .." ثم عاد وواصل القراءة :
"أما العوانسُ من ربَّات الحِجال، فموعدُهُن نكاحٌ في أقربِ الآجال، بعد أن نعدِّلَ المجلات والقوانين، ونسْتعيد للتعدُّدِ مكانه في الآن والحين ... كبارُ السِّنِّ سيكون تنقُّلهُم وعلاجُهم بالمجَّان، وللعاطلين مِنحة تسدُّ الرَّمَق وتلجمُ الحرْمان، كما للمعُوقين مثابَات، فُرَصَ إدمَاج في كلِّ المجالات، وفي هذا نبْغي مرضَاة الله وبعضُ حسَنات .... أختمُ بالدعاء لي ولكم بهناء البال، وستعلمُون بعد نفرَتكم لي كيف ستكون الحال، رغدُ معيشةٍ ورخاءُ معَاش، فانتخبُوني ولا تنتخبُوا الأوباش .."
استبدَّ بي الغضبُ واشتدَّ صُداعِي، وزادتْ ضحكاته الوقحة من أوجاعي، فتركته جالسًا وهرعتُ إلى الدَّار، وآليتُ على نفسي أن أفنِّدَ حمْلته عند الأجْوار، وبالفعل سيَّرْتُ في الغدِ حشْدًا من الأخيار، يرْفعُون ضدَّهُ اللاَّءَات، وتفنَّنْتُ في صوْغ التعاليق والشِّعَارَات، تشهيرًا بماضِيهِ وتسْفيهًا لمَا هو آت، غيْرَ أنَّ تعبي ذهبَ سُدَى، فصاحبُنا الآن "نائبًا" يُقيمُ الأحْلاف ويسُبُّ العِدَى.
قلت : "خيرًا إن شاءَ الله يا قُنَّ الأخبَار ويا خصيمَ الأسْرَار، يا بُؤْسَ الجوَار .. هاتِ ما يضجُّ بفِيك وأوْجز بالله معَانيك، فلا توسِعْني تدْبيجًا وثرثرَة، فقد سئِمتُ منك التفصيل والكمْثـرَة." ..
قال : "سامحك الله يا خلّ، أتُضْمِرُ لي كل هذا الغلّ ؟ .. لا علينا فالخطبُ جلل، اسْمعْ - يا عافاك الله- ولا تمَل ... لا شك تعلمُ أنيِّ جزارٌ بالطريق الرَّئيسي، وأشهدُ يوميًا حملاتٍ لانتخاب المجلس التأسيسي، ولمَّا كانت مداركي في السياسة يبابًا، عقودَ قحْطٍ خلفتْ تصحُّرًا وضبَابًا، وسنينَ ضنكٍ عشنا ردهاتها أسْلابًا، راودتني أفكارٌ دسَّاسَة : ماذا لو وطئتُ ميدان السِّياسَة ؟؟ فإن كانت فلن تكون أعسَرُ من الجِزَارَة، فقهُ حديثٍ طيِّعُ الزَّوايَا مع مَال قليل وبعضُ بِشَارَة ... "
عجبتُ لحديثِ صاحبي فأخلدتُ للقوْل، فعجَّلَ وسَحَبنِي إلى آخر الزُّقاق وافترشنا الجوْل، وهمسَ في أذني أن أنتظر البقية، ففيها ما يسُرُّ السَّامعَ وما لا يُفسِدُ لسَمَرنا قضيَّة . ثمَّ انهالَ سُبابًا وشتيمَة، على من ولجَ السِّياسة قصْد الغنيمة، وأخرَج من جيبه قسيمة، قرَأها بصوته الأجشِّ الرَّعُوشِ، كمنْ وقفَ مُقرئًا علىَ سُكان النعُوش.
قال أبو الأوجُهِ : "باسْمك اللهُمّ، أيُّها الشَّعبُ الأبيُّ الأشمُّ، ضاقَ الذرْعُ ونفذ الزرْعُ وشحَّ الضَّرْعُ، أوتينا من أمامنا ومن خلفنا الهُمومَ، وبتنا بضيعة بين الحلفاء والخُصُوم، لا فضْل لنا في زادنا، ولا إرْثَ نحتسبُهُ لأولادنا، والسَّببُ واضحٌ وشائعُ، أضْحينا برَسْم الخُذلان طلائعُ، اسْتسَغْنا الفوَاحشَ والحَرام، وأذعنَّا اللحَى للسَّفلة وللأزْلام، فاسْتحْققْنا ما كان منْ نِظام ... أمَّا الآن وقد زالَ الكرْبُ وخبَا البيْن، وقامتْ ثورتنا وهربَ المُسَمَّى "الزَّين"، فحثوا الخُطىَ لحُسْن الخِيارَات، وتجنَّبُوا ما سُوِّقَ من وجُوهٍ ومَنارَات، واحْذرُوا معسُول الكلِم والعبارات ... أنصحُكم ونفسي بالتروِّي، فالضَّرْبة التي لا تُقصِمُ المَتنَ تُقوِّي، شدُّوا بنواجذِكم الهمَّة، وتذكرُوا من ضحَّى لجَلاء الغُمَّة، واعلمُوا أنيِّ من سيُصْلحُ حال الأمَّة ... اغنمُوا من ذهِ الحَال قوامَها، وترفَّقوا بأنفُسكم وأحْلامَها، فلا تشْرُدَنَّ بكم العير، ولا يخلدنَّ لكمْ للأنا ضمير ... أكثرُوا من الدُّعاء، ورشِّدُوا الدَّهمَاء، واحْقنُوا الدِّمَاء، فلا نصيرَ لكم إلا مُحدِّثكم وربِّ السَّماء."
تسمَّرْتُ قسْرًا في مكاني، وأرْجأتُ مُذعِنًا اسْتئذاني، ودفعني اسْتغرابي إلى الإصْداح : "كما أنت دائمًا "ابن آوى" يا صاح" ...
تبسَّمَ "أبو الأوجه" زهوًا واسْتطرد :
"أنا الفيْءُ لمن يبْحث عن حليف، وسأكون سندًا للقُرَى كمَا للرِّيف، سأشيِّدُ المصانع، وأرْفعُ دونكمُ الموانع، فلا ظلمَ بعد اليوم، ولا فرْقَ بين قوْمٍ وقوم، ولا عِشْتُ إن زارَنِي في خدْمتكم النوْم، بل أعدكم بالزُّهدِ ودوَام الصَّوْم ... سأقيمُ المسَابحَ والملاعب، وسأبدِّدُ ما ثقفتمُوهُ منْ مصاعب، وسأعيرُ للتنمية جُلَّ اهتمامي، وسأسَدِّدُ لأعداء الثورة سهامي، فلا بارَك لي ربيِّ إنْ أغمَدْتُ حُسَامي ... سأرسل عليْكم فُرَصَ التشغيل مدرَارًا، وسيعمُّ الرَّخاءُ والسِّعة دارًا فدارًا، أمَّا الجهلُ فأمرُهُ إلى زوَال، وسيطال الخيْرَ نساءَكم والرِّجال، فحدِّثوا عنيِّ غيْرَكم، وضمِّنوني أمْرَكم، ولا أرى لكم إلا في ترشيحي خيرَكم."
صمتَ مُحدِّثي كمنْ يسْتحثُّ ردًّا، فلم أجد في غيْر تكذيبه بُدًّا، وأطلقتُ للسُّؤْل العنان : "أنىَّ لك الوفاءُ بما وعدْتَ أيُّهَا الفتَّان ؟ فما عهدتك إلا بخيلا حتى في سقاية الخرفان، قمْ فلا سُنَّ لك حُسَام، ولا بورٍك في قوْمٍ بوَّأك السَّنام ... سأفضحُ بارِحَكَ عند المجالس، وسأرجُمُ حيْفك أمَام العاري واللابس، سأجعلك أضحوكة تنزع العُبُوسَ عن العَابس، صهٍ يا مُخادع فلم يبْق سِوى أن تُزوِّجَ العانس."
قهقه "أبو الوجوه" وأرْدف بتحدٍّ : " قاتلك الله وسأغفرُ لك التعدِّي، إيهٍ سيِّدي فلي للعوانس تتِمَّة، ولعلمك لم أنسَهُنَّ ضمن المهمَّة .." ثم عاد وواصل القراءة :
"أما العوانسُ من ربَّات الحِجال، فموعدُهُن نكاحٌ في أقربِ الآجال، بعد أن نعدِّلَ المجلات والقوانين، ونسْتعيد للتعدُّدِ مكانه في الآن والحين ... كبارُ السِّنِّ سيكون تنقُّلهُم وعلاجُهم بالمجَّان، وللعاطلين مِنحة تسدُّ الرَّمَق وتلجمُ الحرْمان، كما للمعُوقين مثابَات، فُرَصَ إدمَاج في كلِّ المجالات، وفي هذا نبْغي مرضَاة الله وبعضُ حسَنات .... أختمُ بالدعاء لي ولكم بهناء البال، وستعلمُون بعد نفرَتكم لي كيف ستكون الحال، رغدُ معيشةٍ ورخاءُ معَاش، فانتخبُوني ولا تنتخبُوا الأوباش .."
استبدَّ بي الغضبُ واشتدَّ صُداعِي، وزادتْ ضحكاته الوقحة من أوجاعي، فتركته جالسًا وهرعتُ إلى الدَّار، وآليتُ على نفسي أن أفنِّدَ حمْلته عند الأجْوار، وبالفعل سيَّرْتُ في الغدِ حشْدًا من الأخيار، يرْفعُون ضدَّهُ اللاَّءَات، وتفنَّنْتُ في صوْغ التعاليق والشِّعَارَات، تشهيرًا بماضِيهِ وتسْفيهًا لمَا هو آت، غيْرَ أنَّ تعبي ذهبَ سُدَى، فصاحبُنا الآن "نائبًا" يُقيمُ الأحْلاف ويسُبُّ العِدَى.
(1) رجل ربيس : جَلْدٌ مُنْكرٌ دَاهٍ.
[/gdwl]
تعليق