السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأحباب الكرام :

اخترت لكم كتاب " محمد صلى الله عليه وسلم " للمفكر والكاتب الكبير الدكتور "مصطفى محمود"
حيث جاءت فصول الكتاب الخمسة كمحاولة لفهم السيرة النبوية الشريفة ، في وقت خرجت العديد
من الكتب التي تتبنى هذه السيرة العاطرة وتحيلها وتخضعها للتفسير العلمي ، مدرجة شخصية
النبي محمد صلوات الله عليه وسلامه كمصلح اجتماعي ، أراد وضع حدا لطبقة الأسياد التي كانت
تسود قبل الدعوة ..
فأوضح الدكتور مصطفى محمود من خلال كتابه هذا ، الذات الكاملة والمكملة لرسولنا الكريم
وكذلك اعتماد الإسلام على الحجة والبرهان وليس المعجزات والخوارق ..، كما دلل على نبوءة
سيدنا محمد صلوات الله عليه وسلامه من خلال هذه البراهين ..
المفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود في سطور :

ولد في 27 ديسمبر سنة 1921 هو مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ ، تنحدر عائلته
وينتهي نسبه إلى علي زين العابدين ..، درس الطب وتخرج عام 1953 وكان تخصصه
في الأمراض الصدرية ..، وفي عام 1960 تفرغ للكتابة والبحث ..
ألف 89 كتابا منها الكتب العلمية والدينية والفلسفية والاجتماعية والسياسية إضافة إلى الحكايات
والمسرحيات وقصص الرحلات، ويتميز أسلوبه بالجاذبية مع العمق والبساطة...، من بينها الكتاب
الذي اخترته ..
كما قدم أكثر من 400 حلقة من برنامجه الشهير " العلم والإيمان " كما بنى مسجده المعروف باسمه
وتتبعه ثلاثة مراكز طبية لعلاج محدودي الدخل ..
وجدير بالذكر أن الدكتور مصطفى محمود مر برحلة الشك أسوة بفيلسوف الإسلام الشيخ الغزالي،
ثلاثون عاما في رحلة بحثه عن الله ، ولكن رحلة الغزالي لم تدم أكثر من ستة أشهر ..، تلك المحنة
الروحية التي يمر بها كل مفكر باحث عن الحقيقة ، ثلاثون عاما أنهاها بأروع كتبه وأعمقها
(حوار مع صديقي الملحد)، (رحلتي من الشك إلى الإيمان)، (التوراة)، (لغز الموت)، (لغز الحياة).
واجه خلال حياته مصاعب كثيرة تحولت إلى أزمات حقيقية ، هاجمه الكثير من الكتاب ورجال الدين
والمفكرين ..
وجاءت النهاية في 31 اكتوبر 2009 حيث صعدت الروح إلى بارئها وقد أسدل الستار على حياة
مفكر كبير وهب للبشرية ثروة من الكتب الرائعة والجديرة بالقراءة والفهم ..
**
عرض فصل من الكتاب :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جاء الكتاب في 92 صفحة يحتوي على خمسة فصول هي بالترتيب:
ـ محمد
ـ ليست عظمة بل نبوة
ـ روح مشعة آسرة
ـ مسيرة كالإعصار
ـ محمد صانع الرجال
**
سأتناول الفصل الأول :
محمــــــــــد
حيث يوضح الدكتور مصطفى محمود فيه كيف كان الناس أمة واحدة فبعث الله سبحانه وتعالى بالنبيين مبشريين
ومنذرين كما جاء في الآية رقم 213 من سورة البقرة :
" كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين "
هكذا كانت الحياة على الجهل والمادية والكفر وعبادة اللذة العاجلة ، فالناس لا يؤمنون إلا بما يقع
وتدركه حواسهم البشرية ، ولا تدرك رغباتهم وأهوائهم إلا المعدة والغرائز حتى نزلت الكتب
السماوية والرسل فتفرقوا بين مصدق ومكذب وبذلك كانوا شيعا وطوائف ..
هكذا يروي لنا التاريخ من آدم إلى نوح إلى إبراهيم إلى يعقوب إلى .... ، وصولا إلى سيدنا
محمد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام ..
ثم مرت قرون كثيرة على الإسلام ضعف فيها شأن الأديان وعادت الجاهلية تلف الناس في ليل
مظلم ، هي جاهلية القرن العشرين المتنكرة في ثوب العلم المادي وظنوا أن علومهم من عند
أنفسهم ، وتصوروا أنهم قادرون على هزيمة الموت وبلوغ الخلود ..
وظهر بينهم من يحاول تجريد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام من كل ماهو سماوي غيبي
حيث فسروا خلوته في غار حراء كان ليتأمل أحوال البروليتاريا في قريش ، وليجد طريقة
يخرجهم بها من مظالم السادة بشريعة جديدة وقد جعلوا منه جيفارا ، ومن الإسلام ثورة اجتماعية
وطنوا أنهم كانوا علميين في استقصاء حياة محمد صلوات الله عليه وسلامه ، وأن الإسراء إلى
المسجد الأقصى وعروجه إلى السماوات دعما للعقيدة وللرفع من شأن الرسول..
وحجتهم في ذلك قول الله سبحانه وتعالى :
" قل إنما أنا بشر مثلكم " ولم يكملوا الآية ليصلوا إلى كلمة الفصل وهي " يوحى إلي "
فهذه التتمة تنفي اعتقادهم بالمثلية ، فمحمد عليه الصلاة والسلام بشرا مثلنا وليس مثلنا
لأنه يوحى إليه ولا يوحى إلينا ، إنما الجميع أصحاب اجتهاد على الأكثر ، وهذا الفرق الدقيق
هو سر النبوة ..، هو يرى جبريل رؤية عين ويسمع منه في حضرة الملأ الأعلى ، والجميع
في الحضرة الأرضية ليس لهم مثل هذه الحظوظ ..
وهذا هو الفرق بين النبي والولي والمصلح الاجتماعي :
النبي جليس على المائدة الربانية يتلقى من ربه الكلمة والتشريع والتكليف .. وهو معصوم لاينطق
عن الهوى ..
والولي كل حظه لحظة شفافية وإطلالة خاطفة من باب موارب لا يلبث أن يغلق أمامه
والمصلح الاجتماعي من أهل الاجتهاد مثله مثل كثير من الناس يخطىء ويصيب ، لا عصمة
له ولا خروج من دائرة المحسوس..
هذه فروق كبيرة جدا فأي سقوط للنبوة إن جردناها من هذه الصلة الربانية ؟؟
فكيف يتكلمون عن محمد صلوات الله عليه وسلامه كما يتكلمون عن ابراهام لنكولن ؟؟
فكل نبي مصلح وليس أي مصلح نبي مهما بلغت إصلاحاته لأن جوهر النبوة ليس الإصلاح
ولا التعمير ، ولكن جوهرها هو هذه الصلة المبهمة بالله تعالى وبغيبه المغيب ، هو هذه الحالة
البرزخية بين الطبيعة وماوراء الطبيعة ، فتجعل من النبي مستمعا من نوع فريد يتلقى الإلهام
من آفاق أعلى لا يصل إليعا غيره ولهذا يحتاج إلى إعداد روحي يختلف تماما عن الإعداد العقلي
الذي يحتاجه المصلح الاجتماعي ..، من العكوف على الدراسة والكتب بينما النبي يرهف السمع
إلى الكون وتجريد القلب من الشواغل والخروج بنفسه من الرغبات والنزوات والشهوات ،
لهذا خرج إبراهيم إلى القلوات يتأمل النجوم ، وخرج عيسى إلى البرية وصام موسى أربعين
يوما لميقات ربه واختلى محمد عليه الصلاة والسلام في الغار ..، فلم يكن لبحث مسألة السادة
والعبيد كما يزعمون ولكنه كان مع همه الوحيد وهو معرفة الإله ثم التعريف به واحدا لاشريك له..
ولم تكن معركة الإسلام هي التغيير الطبقي ولكن الوصول إلى فكرة الإله الواحد بعد تعدد الألهة.،
ومن عبادة الوثنية إلى التجريد ولهذا حرص نبينا الكريم صلوات الله عليه وسلامه بعد الإسلام
على أن يثبت كل زعيم على زعامته وكل سيد على مكان الشرف في قومه دون تبديل إلا إن رفض
تحطيم الأصنام فكان يخلعه وقتها ..
وهنا قد يقول أحدهم : ألم يكن هذا مطلب الفلاسفة أجمعين من سقراط إلى أرسطو إلى كانت
إلى هيجل ؟؟
لماذا لاتراه واحدا من هؤلاء وبعضهم كان أميا مثل سقراط ..؟؟
وهي أسئلة مشروعة تجرنا إلى ملامح النبوة ولن أكتب عن خوارقه لأن الإسلام لا يلجأ إليها لإقناع
الناس وكل من سأل سيدنا محمد الإتيان بها كان يرد :
إنما أنا منذر ولست بصانع معجزات ..
فلقد كانت حجة الإسلام هي العقل والمنطق في كل الأوقات ولم تكن المعجزات ولا الخوارق ..، وإذا
كانت هناك معجزة فهي تكمن في ذات محمد نفسه صلى الله عليه وسلم والتي جمعت الكمالات وبلغت
في كل كمال ذروته ، فها أنتم أمام رجل إذا تحدث كان أبلغ البلغاء ، وإذا نطق كان أفصح الفصحاء
لا ينطق عن الهوى وإنما هي حكمة الحكيم وبصر البصير الملهم ، فإذا ذهب هذا المحدث الهادىء
ليحارب رأينا فيه مقاتلا فذا ومخططا عسكريا من الطراز الأول ..، ولنتذكر قيادته في أحد وتخطيطه
السياسي بعدها ولابد أن نخرج منها أيضا بوضوح فكرة تقول : إن مثل هذه المعركة الهائلة لايمكن
أن يقتنع العقل بتحولاتها السريعة والفجائية إلا أن تكون خلفها سندا مجهولا من الغيب كان يعمل
من وراء حجاب ..، فهذه أسرار الغيب والتأييد الإلهي ..
وهذا هو محمد صاحب الدعوة الذي يقيم نظاما وينشىء دولة من عدم ، وهو برزخ الأسرار المكاشف
بالملكوت الذي يستمع إلى الله وملائكته بالغا بذلك القمة في علوم الظاهر وعلوم الباطن معا وفي وقت واحد
وهو الكريم الحليم الودود الرءوف الصبور الباش البسام اللطيف المعشر ، لا تمنعه الأعباء الجسام
عن ملاطفة طفل ولامن مغازلة زوجه في حنان .. لاينضب لعواطفه معين وكأنه يستمدها من بحر،
هذه الذات هي المعجزة وهذا هو برهاني على نبوة محمد ..
فإننا أمام ذات تسبح وتقدس من أنشأها في الأزل وبعثها رحمة للعالمين وصلى عليها في عليائه
" إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما "
الأحزاب : 56
صلوات الله عليك ياحبيبنا ويانبينا ورسولنا الكريم
يارحمة لنا إلى آخر الدهر ..
**
ما أجمل هذه الذات التي منحتنا الهداية وزينتنا بالشفاعة ، وأترككم مع باقي فصول هذا الكتاب الرائع
ورحمة الله على الدكتور مصطفى محمود
شكرا لكم
/
/
/
ماجي
تعليق