قصة قصيرة....ذاكرة لا ترحم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مختار سعيدي
    أديب وكاتب
    • 15-09-2009
    • 93

    قصة قصيرة....ذاكرة لا ترحم

    قصة قصيرة


    ذاكرة لا ترحم


    لا و لن أتركه يأخذها مني ، و بأي ثمن و لو كان الموت ..هكذا قالها جهراً وهو يظن أنه يحدث نفسه ، طوى تلك الرسالة، وضعها في جيبه وخرج ، كان الجو حاراُ ثقيلاً ، مخنقاً زاد في ضيق تنفسه عقدة أخرى . تجتر آليات الشر في عمقه الغضب الممزوج بالحزن ، هجمات الريح تصفعه تتولد من لفحها توترات أعصابه المضطربة ، انتفخت أوداجه واشتدت الأوتار التي عزف عليها قدره إيقاع هذا القضاء الذي رفضه وكان يحسبه مجرد ظن ، تتصارع التصديات على ملامح وجهه ، تصنع تقلباتها اللوحات المتزاحمة أمام الحاضر ، تدفع الكلمات دفعا ، بحثا عن الصيغة التي تشفي الغليل ، متضاربة في غليان ، تتوالى الأسئلة المسجلة في طيات الزمن ، لم يكن يتوقع عودتها إلى الواجهة من جديد ، تنتابه في جو هذا الإختلاط فكرة التراجع على شكل نسمة تلاطف طوداَ من الصخور القاسية ، تختفي قبل أن تدركها أنامل ذلك البصيص الذي يصنع نفحة التعقل... تتدافع الخطى على وتيرة النبضات المختلفة في جسده ، تتسارع الفرضيات ، يختفي بعضها حاملا معه تصوراته الآتية وراء الظنون الآنية ، تسقي بنبراتها بذرة الإجرام التي نبتت من جديد ، وعادت تنسج كاللبلاب مخادعها ، تستمد بعثها من الجذور الغابرة وتتغذى ..تخرج زفراته كأنها شرارات قذائف لضرب الواقع الذي يرفضه ، هكذا تربى في مدرسة الاستبداد والقوة الظالمة و المزاج الخشن ، لا يعرف الرجوع إلى الوراء ، كان يعشق الأحذية الخشنة ، ويطربه إيقاع القدم و الصناجة ، استعاد بسرعة مقوماته النفسية والبدنية ، وظهر على حقيقته كأنه في مهمة حربية ، ارتفع في داخله صوت العريف و هو يسب الرب و الدين و الوالدين ، يهين المقدسات لرفع المعنويات و دفعهم بكل قوة إلى ساحة المعركة ، قطع عشرات الكيلومترات لا يرى إلا نفسه ، جالساً على مقعد الحافلة و عقله يشحن ذخائر الشر التي كانت مستودعة ، يحضر السيناريوهات المختلفة ، و لما نزل كانت قد اكتملت فيه المواصفات التي كان عليها أثناء الثورة ، اتجه إلى الدوار ، عرج بعيداَ تحاشياَ للوافدين إلى القرية ، ولما و صل دفع الباب برجله كأنه في دورية تفتيش ، و دخل ، وجد والده ، ذلك الشيخ الهرم على فراش الموت يحتضر ، عائلته تحيط به ، فوقف مبهوتاً ، لا يدري ما يقول و لا ما يفعل ، تقدم في ارتباك ،
    و قف على رأس الشيخ فأشاح بوجهه عنه ، فجاءه من الجهة الأخرى . فأشاح عنه ، رفع أصبعه إلى السماء ، حرك شفتيه ، شخص و انحنى رأسه إلى الوراء، ارتموا كلهم فوق صدره و لا يزال هو و ا قفاً وحيداً يبحث عن أخيه في و سط هذا الصراخ الذي كاد يفقده صوابه .. خرج أمام الباب ، كان الخبر قد بلغ حده, اجتمع الأهل و الجيران و الأحباب و كل سكان الدوار ، جاءوا من القرية و حتى من المدن ، و كيف لا و المصاب شاهد القرن الذي تجاوز المائة سنة ، يتقدمون بتعازيهم لأخيه ، وهو لا يكلمه أحد ، يبتلع ريقه بصعوبة. لم يهدأ له بال ، و لما هموا بالانصراف من المقبرة أخرج الرسالة من جيبه و قال لأخيه : " ما معنى هذه الرسالة ؟ !. أخذها منه ، فتحها و بدأت الابتسامة ترتسم على شفتيه عائدة من بعيد ، يقرأ تلك السطور التي استعاد في رسمها عز شبابه و جرأته و عنفوانه ، تذكر ذلك اليوم الذي كتبها فيه على صدر المساء ، حيث كان قد خرج مع إخوته منتصراً في معركة جرت أحداثها في هذا المكان بالذات بين كتيبته والجيش الفرنسي على إثر و شاية من أخيه هذا الذي كان عميلا في صفوف العدو ، صوب إليه رشاشه ولكن منعته وصية أبيه ، أن هذه الأرض بريئة من دماء الخونة . " أتركه يموت بعيداَ كالكلب ". كان يرددها يرحمه الله دائماَ ، حتى بعد الاستقلال. و بعد المعركة اختلطت عليه نشوة النصر و مرارة خيانة أخيه ، فأخذ قلمه و كتب هذه ( الرصاصة ) أقول هذه الرسالة .

    بسم الله الرحمن الرحيم »
    بإسم الثورة المباركة ، بسم دماء الشهداء الطاهرين ،و عهد الأوفياء المخلصين
    لا سلام عليك مني و لا أمان لك عندي و لا عهد إلا الوعيد ، أيها الخائن الشقي ، ليس لك أي حق في هذه الأرض الطاهرة فمن خان أمته و شعبه و وطنه لا مكان له بينهم ، إذا عدت هنا مرة أخرى . » -و قبل أن ينهي كتابتها أمروا بالانسحاب ، فبقيت في جعبته مع وثائق أخرى ، و لم تسمح له الظروف بإرسالها ، فأحتفظ بها حتى الاستقلال ، حفظها كوثيقة تمثل جزءاً من ذاكرة الثورة الوفية التي لا تغفر الخيانة ، و لما أخرج أدواته لكتابة رسالة يخبره فيها بمرض أبيه ، اختلط عليه الأمر فوضع في الظرف هذه الرسالة القديمة .. فقال في نفسه : " إن حقيقة الثورة الصادقة لا يستطيع أن يغتالها أحد " نظر إليه نظرة احتقار
    و اشمئزاز ثم قال : " هل تذكر معركة الدوار ؟ !. هذه الرسالة كتبتها في ذلك اليوم ، تظهر و كأنها كتبت الآن ؟ !!.تلك هي حقيقة الثورة و حكم التاريخ الذي لا يرحم .
    تركه واقفاً على مشارف المقبرة يَرنُو إلى الأرض ، وضع مخصرته على عاتقه و انصرف ، كأنه ألقى من فوق كتفيه جبلاً ، يرمي الخطى بكل هدوء و قدماه تمخران التراب الهش و أوراق الخريف ، إنها الخشخشة التي كانت تطربه أثناء دورياته في صفوف جيش التحرير . يستعرض صور شهداء ذلك اليوم العظيم .

    مختار سعيدي
    التعديل الأخير تم بواسطة مختار سعيدي; الساعة 09-12-2011, 17:02.
  • ريما ريماوي
    عضو الملتقى
    • 07-05-2011
    • 8501

    #2
    حلوووة استاذ مختار اقشعر بدني وانا أقرأها,
    نعم لا مكان للخونة بيننا مهما كانت درجة القربى,
    والحمد لله قصاصه كان من الله وليس من أخيه.


    يسلموا الأيادي.
    تحياااتي.


    أنين ناي
    يبث الحنين لأصله
    غصن مورّق صغير.

    تعليق

    • عبد الحميد عبد البصير أحمد
      أديب وكاتب
      • 09-04-2011
      • 768

      #3
      احييك واهنئك وأشد على يدك على هذا الجمال في اطروحتك الرائعة ذاكرة لاترحم..منتهى الجمال
      تقبل مروري أخي الكريم
      الحمد لله كما ينبغي








      تعليق

      • محمد سلطان
        أديب وكاتب
        • 18-01-2009
        • 4442

        #4
        بعض الفئات مازالت تعيش بحكمة: الخيانة كنز لا يفنى
        حفظنا الله وإياكم من شرورهم
        نص هادف وأعجبني استخدام جمل المضارع التي توالت في بدايته
        تحياتي وتقديري
        صفحتي على فيس بوك
        https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

        تعليق

        • مختار سعيدي
          أديب وكاتب
          • 15-09-2009
          • 93

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
          حلوووة استاذ مختار اقشعر بدني وانا أقرأها,
          نعم لا مكان للخونة بيننا مهما كانت درجة القربى,
          والحمد لله قصاصه كان من الله وليس من أخيه.


          يسلموا الأيادي.
          تحياااتي.
          .................................................. ..................
          ريما ريماوي ...أيتها الفاضلة

          أشكرك على هذا الحضور الجميل ، تفاعلك مع النص أثلج الصدر و رفع هامتنا
          نعم أيتها الأصيلة لا مكان للخونة بيننا.
          تقبلي تحياتي و تقديري
          مختار سعيدي


          تعليق

          • عائده محمد نادر
            عضو الملتقى
            • 18-10-2008
            • 12843

            #6
            الزميل القدير
            مختار سعيدي
            أكره الخيانة
            أكره الخونة
            أحتقرهم
            وأحس حين يقترب أحدهم ولو بعد مترين مني وكأنه سيصيبني بالقذارة وأني سأتسخ
            نص جميل فيه الحب الحقيقي لأمنا الأرض الوطن
            الله كم أحب الأوطان ومن يحنها ويبجلها ويسترخص الروح من أجلها
            ربما علي أن أشير لك أن البداية أحسستها طالت قليلا
            أرجو أن أكون زائرة خفيفة الظل عليك
            ودي ومحبتي لك

            وبودي أن تشارك الزميلات والزملاء نصوصهم كي يزداد الجميع خبرة من خلال تبادل الرؤى


            ألممسوس
            الممسوس! أي ريح صرصر عصفت اليوم الشمس مبتورة الخيوط، وشبح القادم ينسل خفية يغطي وجهه غروب أصهب. لم أكد أعرفه لولا وشم أنزله على كفه في ليلة دهماء غاب عنها القمر، أريق فيها الكثير من دمه وحبر صبه فوق الجرح، يدمغ يده فيه ويئن مبتلعا وجعه. لم تك ملامحه تشبه ذاك الشاب الجسور الذي ملأ حيطان الشارع برسومه، وأنا صبي ألاحقه مثل ظله/
            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

            تعليق

            • مختار سعيدي
              أديب وكاتب
              • 15-09-2009
              • 93

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة احمد فريد مشاهدة المشاركة
              احييك واهنئك وأشد على يدك على هذا الجمال في اطروحتك الرائعة ذاكرة لاترحم..منتهى الجمال
              تقبل مروري أخي الكريم
              ................................................

              أحمد أيها الغالي
              أنت يا سيدي أجمل و أروع من كل زمان و من كل مكان .
              كلماتك وسام على الصدر أعتز به و أفتخر .
              تقبل تحياتي و تقديري

              تعليق

              • مختار سعيدي
                أديب وكاتب
                • 15-09-2009
                • 93

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد سلطان مشاهدة المشاركة
                بعض الفئات مازالت تعيش بحكمة: الخيانة كنز لا يفنى
                حفظنا الله وإياكم من شرورهم
                نص هادف وأعجبني استخدام جمل المضارع التي توالت في بدايته
                تحياتي وتقديري
                .............................................
                محمد سلطان أيها القدير
                تلك هي غايتي و منتهى أملي ، متعتكم و مكانة طيبة في نفوسكم .
                تقدير رفع هامتنا . بمثل هذه الكلمات نتألق ..أشكرك
                لك كل المحبة

                تعليق

                • مختار سعيدي
                  أديب وكاتب
                  • 15-09-2009
                  • 93

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                  الزميل القدير
                  مختار سعيدي
                  أكره الخيانة
                  أكره الخونة
                  أحتقرهم
                  وأحس حين يقترب أحدهم ولو بعد مترين مني وكأنه سيصيبني بالقذارة وأني سأتسخ
                  نص جميل فيه الحب الحقيقي لأمنا الأرض الوطن
                  الله كم أحب الأوطان ومن يحنها ويبجلها ويسترخص الروح من أجلها
                  ربما علي أن أشير لك أن البداية أحسستها طالت قليلا
                  أرجو أن أكون زائرة خفيفة الظل عليك
                  ودي ومحبتي لك

                  وبودي أن تشارك الزميلات والزملاء نصوصهم كي يزداد الجميع خبرة من خلال تبادل الرؤى


                  ألممسوس
                  http://www.almolltaqa.com/vb/showthr...

                  تعليق

                  يعمل...
                  X