قصة قصيرة
ذاكرة لا ترحم
لا و لن أتركه يأخذها مني ، و بأي ثمن و لو كان الموت ..هكذا قالها جهراً وهو يظن أنه يحدث نفسه ، طوى تلك الرسالة، وضعها في جيبه وخرج ، كان الجو حاراُ ثقيلاً ، مخنقاً زاد في ضيق تنفسه عقدة أخرى . تجتر آليات الشر في عمقه الغضب الممزوج بالحزن ، هجمات الريح تصفعه تتولد من لفحها توترات أعصابه المضطربة ، انتفخت أوداجه واشتدت الأوتار التي عزف عليها قدره إيقاع هذا القضاء الذي رفضه وكان يحسبه مجرد ظن ، تتصارع التصديات على ملامح وجهه ، تصنع تقلباتها اللوحات المتزاحمة أمام الحاضر ، تدفع الكلمات دفعا ، بحثا عن الصيغة التي تشفي الغليل ، متضاربة في غليان ، تتوالى الأسئلة المسجلة في طيات الزمن ، لم يكن يتوقع عودتها إلى الواجهة من جديد ، تنتابه في جو هذا الإختلاط فكرة التراجع على شكل نسمة تلاطف طوداَ من الصخور القاسية ، تختفي قبل أن تدركها أنامل ذلك البصيص الذي يصنع نفحة التعقل... تتدافع الخطى على وتيرة النبضات المختلفة في جسده ، تتسارع الفرضيات ، يختفي بعضها حاملا معه تصوراته الآتية وراء الظنون الآنية ، تسقي بنبراتها بذرة الإجرام التي نبتت من جديد ، وعادت تنسج كاللبلاب مخادعها ، تستمد بعثها من الجذور الغابرة وتتغذى ..تخرج زفراته كأنها شرارات قذائف لضرب الواقع الذي يرفضه ، هكذا تربى في مدرسة الاستبداد والقوة الظالمة و المزاج الخشن ، لا يعرف الرجوع إلى الوراء ، كان يعشق الأحذية الخشنة ، ويطربه إيقاع القدم و الصناجة ، استعاد بسرعة مقوماته النفسية والبدنية ، وظهر على حقيقته كأنه في مهمة حربية ، ارتفع في داخله صوت العريف و هو يسب الرب و الدين و الوالدين ، يهين المقدسات لرفع المعنويات و دفعهم بكل قوة إلى ساحة المعركة ، قطع عشرات الكيلومترات لا يرى إلا نفسه ، جالساً على مقعد الحافلة و عقله يشحن ذخائر الشر التي كانت مستودعة ، يحضر السيناريوهات المختلفة ، و لما نزل كانت قد اكتملت فيه المواصفات التي كان عليها أثناء الثورة ، اتجه إلى الدوار ، عرج بعيداَ تحاشياَ للوافدين إلى القرية ، ولما و صل دفع الباب برجله كأنه في دورية تفتيش ، و دخل ، وجد والده ، ذلك الشيخ الهرم على فراش الموت يحتضر ، عائلته تحيط به ، فوقف مبهوتاً ، لا يدري ما يقول و لا ما يفعل ، تقدم في ارتباك ،
و قف على رأس الشيخ فأشاح بوجهه عنه ، فجاءه من الجهة الأخرى . فأشاح عنه ، رفع أصبعه إلى السماء ، حرك شفتيه ، شخص و انحنى رأسه إلى الوراء، ارتموا كلهم فوق صدره و لا يزال هو و ا قفاً وحيداً يبحث عن أخيه في و سط هذا الصراخ الذي كاد يفقده صوابه .. خرج أمام الباب ، كان الخبر قد بلغ حده, اجتمع الأهل و الجيران و الأحباب و كل سكان الدوار ، جاءوا من القرية و حتى من المدن ، و كيف لا و المصاب شاهد القرن الذي تجاوز المائة سنة ، يتقدمون بتعازيهم لأخيه ، وهو لا يكلمه أحد ، يبتلع ريقه بصعوبة. لم يهدأ له بال ، و لما هموا بالانصراف من المقبرة أخرج الرسالة من جيبه و قال لأخيه : " ما معنى هذه الرسالة ؟ !. أخذها منه ، فتحها و بدأت الابتسامة ترتسم على شفتيه عائدة من بعيد ، يقرأ تلك السطور التي استعاد في رسمها عز شبابه و جرأته و عنفوانه ، تذكر ذلك اليوم الذي كتبها فيه على صدر المساء ، حيث كان قد خرج مع إخوته منتصراً في معركة جرت أحداثها في هذا المكان بالذات بين كتيبته والجيش الفرنسي على إثر و شاية من أخيه هذا الذي كان عميلا في صفوف العدو ، صوب إليه رشاشه ولكن منعته وصية أبيه ، أن هذه الأرض بريئة من دماء الخونة . " أتركه يموت بعيداَ كالكلب ". كان يرددها يرحمه الله دائماَ ، حتى بعد الاستقلال. و بعد المعركة اختلطت عليه نشوة النصر و مرارة خيانة أخيه ، فأخذ قلمه و كتب هذه ( الرصاصة ) أقول هذه الرسالة .
بسم الله الرحمن الرحيم »
بإسم الثورة المباركة ، بسم دماء الشهداء الطاهرين ،و عهد الأوفياء المخلصين
لا سلام عليك مني و لا أمان لك عندي و لا عهد إلا الوعيد ، أيها الخائن الشقي ، ليس لك أي حق في هذه الأرض الطاهرة فمن خان أمته و شعبه و وطنه لا مكان له بينهم ، إذا عدت هنا مرة أخرى . » -و قبل أن ينهي كتابتها أمروا بالانسحاب ، فبقيت في جعبته مع وثائق أخرى ، و لم تسمح له الظروف بإرسالها ، فأحتفظ بها حتى الاستقلال ، حفظها كوثيقة تمثل جزءاً من ذاكرة الثورة الوفية التي لا تغفر الخيانة ، و لما أخرج أدواته لكتابة رسالة يخبره فيها بمرض أبيه ، اختلط عليه الأمر فوضع في الظرف هذه الرسالة القديمة .. فقال في نفسه : " إن حقيقة الثورة الصادقة لا يستطيع أن يغتالها أحد " نظر إليه نظرة احتقار
و اشمئزاز ثم قال : " هل تذكر معركة الدوار ؟ !. هذه الرسالة كتبتها في ذلك اليوم ، تظهر و كأنها كتبت الآن ؟ !!.تلك هي حقيقة الثورة و حكم التاريخ الذي لا يرحم .
تركه واقفاً على مشارف المقبرة يَرنُو إلى الأرض ، وضع مخصرته على عاتقه و انصرف ، كأنه ألقى من فوق كتفيه جبلاً ، يرمي الخطى بكل هدوء و قدماه تمخران التراب الهش و أوراق الخريف ، إنها الخشخشة التي كانت تطربه أثناء دورياته في صفوف جيش التحرير . يستعرض صور شهداء ذلك اليوم العظيم .
مختار سعيدي
ذاكرة لا ترحم
لا و لن أتركه يأخذها مني ، و بأي ثمن و لو كان الموت ..هكذا قالها جهراً وهو يظن أنه يحدث نفسه ، طوى تلك الرسالة، وضعها في جيبه وخرج ، كان الجو حاراُ ثقيلاً ، مخنقاً زاد في ضيق تنفسه عقدة أخرى . تجتر آليات الشر في عمقه الغضب الممزوج بالحزن ، هجمات الريح تصفعه تتولد من لفحها توترات أعصابه المضطربة ، انتفخت أوداجه واشتدت الأوتار التي عزف عليها قدره إيقاع هذا القضاء الذي رفضه وكان يحسبه مجرد ظن ، تتصارع التصديات على ملامح وجهه ، تصنع تقلباتها اللوحات المتزاحمة أمام الحاضر ، تدفع الكلمات دفعا ، بحثا عن الصيغة التي تشفي الغليل ، متضاربة في غليان ، تتوالى الأسئلة المسجلة في طيات الزمن ، لم يكن يتوقع عودتها إلى الواجهة من جديد ، تنتابه في جو هذا الإختلاط فكرة التراجع على شكل نسمة تلاطف طوداَ من الصخور القاسية ، تختفي قبل أن تدركها أنامل ذلك البصيص الذي يصنع نفحة التعقل... تتدافع الخطى على وتيرة النبضات المختلفة في جسده ، تتسارع الفرضيات ، يختفي بعضها حاملا معه تصوراته الآتية وراء الظنون الآنية ، تسقي بنبراتها بذرة الإجرام التي نبتت من جديد ، وعادت تنسج كاللبلاب مخادعها ، تستمد بعثها من الجذور الغابرة وتتغذى ..تخرج زفراته كأنها شرارات قذائف لضرب الواقع الذي يرفضه ، هكذا تربى في مدرسة الاستبداد والقوة الظالمة و المزاج الخشن ، لا يعرف الرجوع إلى الوراء ، كان يعشق الأحذية الخشنة ، ويطربه إيقاع القدم و الصناجة ، استعاد بسرعة مقوماته النفسية والبدنية ، وظهر على حقيقته كأنه في مهمة حربية ، ارتفع في داخله صوت العريف و هو يسب الرب و الدين و الوالدين ، يهين المقدسات لرفع المعنويات و دفعهم بكل قوة إلى ساحة المعركة ، قطع عشرات الكيلومترات لا يرى إلا نفسه ، جالساً على مقعد الحافلة و عقله يشحن ذخائر الشر التي كانت مستودعة ، يحضر السيناريوهات المختلفة ، و لما نزل كانت قد اكتملت فيه المواصفات التي كان عليها أثناء الثورة ، اتجه إلى الدوار ، عرج بعيداَ تحاشياَ للوافدين إلى القرية ، ولما و صل دفع الباب برجله كأنه في دورية تفتيش ، و دخل ، وجد والده ، ذلك الشيخ الهرم على فراش الموت يحتضر ، عائلته تحيط به ، فوقف مبهوتاً ، لا يدري ما يقول و لا ما يفعل ، تقدم في ارتباك ،
و قف على رأس الشيخ فأشاح بوجهه عنه ، فجاءه من الجهة الأخرى . فأشاح عنه ، رفع أصبعه إلى السماء ، حرك شفتيه ، شخص و انحنى رأسه إلى الوراء، ارتموا كلهم فوق صدره و لا يزال هو و ا قفاً وحيداً يبحث عن أخيه في و سط هذا الصراخ الذي كاد يفقده صوابه .. خرج أمام الباب ، كان الخبر قد بلغ حده, اجتمع الأهل و الجيران و الأحباب و كل سكان الدوار ، جاءوا من القرية و حتى من المدن ، و كيف لا و المصاب شاهد القرن الذي تجاوز المائة سنة ، يتقدمون بتعازيهم لأخيه ، وهو لا يكلمه أحد ، يبتلع ريقه بصعوبة. لم يهدأ له بال ، و لما هموا بالانصراف من المقبرة أخرج الرسالة من جيبه و قال لأخيه : " ما معنى هذه الرسالة ؟ !. أخذها منه ، فتحها و بدأت الابتسامة ترتسم على شفتيه عائدة من بعيد ، يقرأ تلك السطور التي استعاد في رسمها عز شبابه و جرأته و عنفوانه ، تذكر ذلك اليوم الذي كتبها فيه على صدر المساء ، حيث كان قد خرج مع إخوته منتصراً في معركة جرت أحداثها في هذا المكان بالذات بين كتيبته والجيش الفرنسي على إثر و شاية من أخيه هذا الذي كان عميلا في صفوف العدو ، صوب إليه رشاشه ولكن منعته وصية أبيه ، أن هذه الأرض بريئة من دماء الخونة . " أتركه يموت بعيداَ كالكلب ". كان يرددها يرحمه الله دائماَ ، حتى بعد الاستقلال. و بعد المعركة اختلطت عليه نشوة النصر و مرارة خيانة أخيه ، فأخذ قلمه و كتب هذه ( الرصاصة ) أقول هذه الرسالة .
بسم الله الرحمن الرحيم »
بإسم الثورة المباركة ، بسم دماء الشهداء الطاهرين ،و عهد الأوفياء المخلصين
لا سلام عليك مني و لا أمان لك عندي و لا عهد إلا الوعيد ، أيها الخائن الشقي ، ليس لك أي حق في هذه الأرض الطاهرة فمن خان أمته و شعبه و وطنه لا مكان له بينهم ، إذا عدت هنا مرة أخرى . » -و قبل أن ينهي كتابتها أمروا بالانسحاب ، فبقيت في جعبته مع وثائق أخرى ، و لم تسمح له الظروف بإرسالها ، فأحتفظ بها حتى الاستقلال ، حفظها كوثيقة تمثل جزءاً من ذاكرة الثورة الوفية التي لا تغفر الخيانة ، و لما أخرج أدواته لكتابة رسالة يخبره فيها بمرض أبيه ، اختلط عليه الأمر فوضع في الظرف هذه الرسالة القديمة .. فقال في نفسه : " إن حقيقة الثورة الصادقة لا يستطيع أن يغتالها أحد " نظر إليه نظرة احتقار
و اشمئزاز ثم قال : " هل تذكر معركة الدوار ؟ !. هذه الرسالة كتبتها في ذلك اليوم ، تظهر و كأنها كتبت الآن ؟ !!.تلك هي حقيقة الثورة و حكم التاريخ الذي لا يرحم .
تركه واقفاً على مشارف المقبرة يَرنُو إلى الأرض ، وضع مخصرته على عاتقه و انصرف ، كأنه ألقى من فوق كتفيه جبلاً ، يرمي الخطى بكل هدوء و قدماه تمخران التراب الهش و أوراق الخريف ، إنها الخشخشة التي كانت تطربه أثناء دورياته في صفوف جيش التحرير . يستعرض صور شهداء ذلك اليوم العظيم .
مختار سعيدي
تعليق