واجهة للحلم ... و أخرى للجحيم !
زمن جميل و أحلام فتيّة ،صافية ، مباحة ... نوافذ مفتوحة على الدنيا ، و لا سحبَ في السماء و نحن ، ضاحكين مستبشرين نتوسّد ساعد البحر و نثرثر ، و الموج متواطيء معنا ،يشاغبنا ، يسافر بأحلامنا إلى الشاطيء الآخر البعيد ثم يعيدها لنا أجمل ممّا ابتدعناها .
الأخبار تأتي كل لحظة ، بأيّ هراء إلا بخبرٍ عنها .
" في حاجز مزيف بنواحي /........./ اختطفت مجموعة إرهابية ممرضة و طبيبا مختصا في أمراض القلب ، كانا على متن سيارة إسعاف متّجهين نحو مدينة /....../، وقد أغلقت العناصر الإرهابية الطريق بواسطة المتاريس الخشبية والأحجار وأجبرت السائق على التوقف و النزول ، وتحت التهديد بالقتل صعد الإرهابيون على متن سيارة الإسعاف، و واصلوا طريقهم قبل أن يهجروها على بعد مئات الأمتار ، ويقتادوا الضحيّتين معهم نحو وجهة مجهولة."
أطوي الورقة ، أعيدها إلى جيبي ، أتحسّس هاتفي ، تندّ عن صدري تنهيدة حرّى ، أرسل نحو بوابة المشفى نظرة فارغة متّشحة بالحداد ، و أترك المقهى الى حيث لا أدري ، و ليس في حقائب عمري سوى أمنية وحيدة .
الجرائد لا تقول شيئا .
الهاتف اللعين لا يرنّ .
الأخبار التي تأتي كل لحظة بأيّ هراء تبخل بخبرٍ عنها يطفئ لهيب قلبي .
الجرائد لا تقول شيئا...طبعا تقول الكثير.. لكن لا شيء عنها ...أبدا .زمن جميل و أحلام فتيّة ،صافية ، مباحة ... نوافذ مفتوحة على الدنيا ، و لا سحبَ في السماء و نحن ، ضاحكين مستبشرين نتوسّد ساعد البحر و نثرثر ، و الموج متواطيء معنا ،يشاغبنا ، يسافر بأحلامنا إلى الشاطيء الآخر البعيد ثم يعيدها لنا أجمل ممّا ابتدعناها .
- حسنا ... أما أنا فسألتقي امرأة مختلفة , رقيقة و مرحة , أجنّ بها و يملأ وجودها الكون من حولي ، سأسكنها زاوية نائية من هذا القلب بحيث لا تراها عينٌ سوى عيني . حبيبتي سوف تؤثث نهاري بالدهشة , و ليلا تنام على صدري فأرتّب خصلات شعرها ، و أعدّد رموش عينيها ، و أشرّع أنفاسي ستائرَ دفء تحميها من نسمات الهواء الشاردة .
- جميل ..! لا تنس أن تعرّفنا بها حين تعثر عليها !
- مختلفة ؟ يا صاحبي كل النساء سواء !
- من حقّك أن تحلم أيها الصحفيّ المجنون !
كما يحلم بحّار مغامر بحورية البحر...أو فارس مغوار بأميرة تصطفيه من بين ألف ألف فارس ... حلمٌ متفرّد فيه من السّحر و الخرافة و الأسطورة ، و يقع على خط رفيع بين الممكن و المحال .
- لابد أنها موجودة , في مكان ما , من أجلي أنا فقط . أليس كذلك ؟
- لا أدري . لعلّها فقط في نقطة ما من رأسك المشحون بالأحداث و الكوارث !
- الأمر قضية وقت ، و أنا لست مستعجلا .
- نعم . سيسعدنا أن تكون العازب الوحيد في الشِلّة و نحن نحتفل بولادة أحفادنا !
لن يكون ذلك ...لقد كبرت و أنا أرى أحلامي تتحقّق ، كلها ، بمنتهى اليسر . خلقت الأحلام لي، من أجلي ، لكي تكون رهن رغباتي . محظوظ هذا الفتى ! تقول أعين الناس من حولي ، و تقول أمي أمام الجميع ، بمناسبة و دون مناسبة.." لقد تنبّأت بمولده ...هذا الولد أعطاه لي ربي في المنام ! ".
أمي الآن ترثي لحالي . تصلّي و تدعو ربي أن يعيدها لي سالمة .
الهاتف اللعين لا يرنّ .
الأخبار تأتي كل لحظة بأيّ هراء إلاّ بخبر عنها.
الجرائد لا تقول شيئا...
طبعا تقول الكثير...و فيها الكثير ، ظلم ، و دم ، و سخف ، و كذب و لكنّها لا تقول شيئا يعيدها لي و يعيدني للحياة .
طبعا تقول الكثير...و فيها الكثير ، ظلم ، و دم ، و سخف ، و كذب و لكنّها لا تقول شيئا يعيدها لي و يعيدني للحياة .
- قل لي ... ماذا عليك أن تفهم حين تعبس الدنيا في وجه قلبك ؟ حين يتعسّر حلمك؟ بأنّ حلمك هو الأروع ؟ بأنك لا تستحقّه ؟ أم بأنّه عليك توقّع الخسارة مهما كان الكسب دائما حليفك ؟
- هوّن عليك يا صديقي . تفاءل خيرا ... هل تذكر الطبيب ج.ع. الذي اختطفوه من شهر ؟ لقد أعادوه إلى أهله بعد عشرين يوما . أرادوه أن يجري عملية على قلب " أميرهم "...و بعد أن فعل أطلقوا سراحه .
أميرهم ؟ و أميرتي أنا ... ماذا عنها ؟ و من ذا يجري عملية لقلبي، فينتزع منه فتيل ولعي بها و قلقي عليها ؟ يا إلهي ! أكاد أجن ، بخار الغضب يرتفع في صدري و غابات الخوف تنمو في ضلوعي كلّما تصوّرت ملاكي الأبيض محجوزا في قعر الجحيم ، بين مخالب الوحوش .
صحيح ... لم أؤمن أبدا بوجود الملائكة على سطح الأرض , على أي شكل كان ، و لكّنك آمنتَ يا قلبي بكل ما كفرتَ به لحظة وقعت عيناك عليها . لو كان للرقّة و الحنان أن يتجسّدا في أنثى لكانت هي .. و الغريب أن أوّل ما شدّني فيها هو صوتها . صوت ساحر كأنّه هسيس الماء ، و فيه بحّة تخطف العقل قبل السمع ... غمر كياني بالدفء , تخلّل سمعي فأيقظ كل حواسي و فتح بوابة للحب و الفرح . نعم الصوت ... آخر ما كان يهزّني في الأنثى ! لم يكن يثير انتباهي و يحفّز شيطاني على القفز في فضاء المغامرة سوى القوام في رشاقته و تعرّج تضاريسه ، و النهد المتعجرف في شموخه و عنفوانه .
كنت أعرف أنّ بعض الحب يولد على حين شهقة، كما الصاعقة ، لكن أن يصرعني و أنا نصف ميّت , ممدّدٌ فوق سرير المرض في مشفى كبير...فذاك آخر ما كنت أتوقّعه . غبيّ ! فاتكَ أنّ الحب لا يعنيه مكان أو زمان و لا يعترف بجغرافيا أو تاريخ .. لا يقرع الأبواب على استحياء أو ينتظر الإذن بالدخول ، إنّما يندفع كالإعصار محطّما الأبواب و النوافذ .
كيف سألتقي حبيبتي ؟ كنت أتساءل . كيف ستكون البداية ؟
لحلم مميّز لابد من بداية مميّزة .
لم أتصوّر أن يكون اللقاء في حديقة عمومية تضجّ بالأنفاس ، أو حفل زفاف صاخب لصديق عزيز، أو محطة قطار يأكلها غبار السأم ...لا .. كنت أحلم بلقاء شاعري على شاطيء البحر عند المساء ، و النوارس البيض تشاغب الموج ، تراود الأسماك ، و تلهو بطيش فوق سطح الماء ، أو في الصباح قرب محل بائع الورد ...ستمر صدفةً ، و سأسألها أن تختار لي باقة أهديها لوالدتي في عيد ميلادها ، و سيكون ذلك ذريعة لبدء الحديث و ... الحب !
لكن الحب واعدني هناك .. تلك البناية المقابلة لهذا المقهى حيث أجلس الآن.. غرفة في نهاية الرواق ... في الطابق الثالث ، جدرانها بيضاء بلون الفراغ ، تفوح منها رائحة الإنتظار ، يطلّ من نوافذها وجه الأنين و يذرع الموت أرضيتها ليلتقط ما تساقط من أوراق .
لمَ المشفى ؟ لا أدري ... ربما لأن الحب وباءٌ يصعب الشفاء منه ، أو لأنه مثل المشفى ،ندخله مطأطئين مرغمين و نخرج منه مرقّعين موسومين أو ... قد لا نخرج سوى جثث هامدة خاصمها النبض !
بادرتها قائلا و قد شعرت بنظرتها تستفّ كل الألم ، في كل جسدي :
- صوتك جميل . حرام أنّه لا يصل أسماع الدنيا . كان ينبغي أن تمتهني الغناء لتشفى جروح الروح .
- لكني اخترت أن أشفي جروح الجسد . أيهما أولى بالمداواة في رأيك ؟
- لا أدري . أنا الآن جسدٌ مشروخ و روحٌ مهلهلة و كلاهما بحاجة إلى سحر أناملك .
و أحاطني سحرها ، كبّلتني أنوثتها و جمالها الهاديء و شخصيتها الرزينة و ثقافتها ، و عشقها للفن و الأدب . أحببتها و أحببت المشفى، و تمنّيت أن لا أخرج منه أبدا ..و كنت كلما تقدمت في الشفاء قليلا تقدّمتُ في عشقها أكثر ، كأنما حبّها يزاحم علّتي فيطردها ليحتلّ مساحات دمي و زوايا روحي .
- أخبريني .. ماذا وضعتِ في الحقنة ؟
- لمَ تسأل ؟
تقول في حيرة .
- لأني أحسّ كأنّي في الجنة أطير مع الملائكة !
تبتسم :
- ألا تكفّ عن الهذيان ؟
- لا .
و أضيف و يدي المحمومة تتحسّس يدها الناعمة كالقطن ...
- ليس قبل أن توافقي على الزواج بي .
لم أفكّر حين نطقت العبارة . في سكرة الحب يتخدّر الفكر . لم أرد أن أعطي نفسي فرصةً للتفكير. ليس التفكير ضروريا دائما , بالعكس كثيرا ما يفسد جمال اللحظة....ماذا ستقول أمي ؟ و عائلتي ؟ و الناس ؟ بعد كل هذا الإنتظار يتزوّج امرأة مطلّقة و لها ابن ؟ كل ذلك لا يهمّ ، سوف أحارب الدنيا من أجلها و ستوافق أمي ، و تخطبها لي ، ابنها سيكون ابني، و سوف أحميها ، من العالم و البشر، و سنحب بعض في المرض و الصحّة و الفقر و الغنى ، و في الحياة و الموت و ... حتى بعد الموت .
الهاتف اللّعين لا يرنّ . الأخبار تأتي كل لحظة ، بأيّ هراء إلا بخبرٍ عنها .
الجرائد تقول الكثير و لا تقول شيئا ...
لا خبر ، لا رسالة بطلب فدية و لا حتى إشاعة تسقي في أعماقي بوار الأمل ... و أنا أجلس هنا ، كل يوم ، مثل بوهيمي غريب الديار على وشك أن يفقد عقله ، يفتّتني الإنتظار ، أجتر الذكرى و أغالب الشوق ، فيغلبني .
لا خبر ، لا رسالة بطلب فدية و لا حتى إشاعة تسقي في أعماقي بوار الأمل ... و أنا أجلس هنا ، كل يوم ، مثل بوهيمي غريب الديار على وشك أن يفقد عقله ، يفتّتني الإنتظار ، أجتر الذكرى و أغالب الشوق ، فيغلبني .
الشوق أشد وطأة من المرض و أقسى من الموت .
أخرج من جيب سترتي ورقة مطوية لجريدة عمرها بالتحديد شهر و ثلاثة أيام و بضع ساعات ، أفتحها و أقرأها للمرّة الألف . " في حاجز مزيف بنواحي /........./ اختطفت مجموعة إرهابية ممرضة و طبيبا مختصا في أمراض القلب ، كانا على متن سيارة إسعاف متّجهين نحو مدينة /....../، وقد أغلقت العناصر الإرهابية الطريق بواسطة المتاريس الخشبية والأحجار وأجبرت السائق على التوقف و النزول ، وتحت التهديد بالقتل صعد الإرهابيون على متن سيارة الإسعاف، و واصلوا طريقهم قبل أن يهجروها على بعد مئات الأمتار ، ويقتادوا الضحيّتين معهم نحو وجهة مجهولة."
أطوي الورقة ، أعيدها إلى جيبي ، أتحسّس هاتفي ، تندّ عن صدري تنهيدة حرّى ، أرسل نحو بوابة المشفى نظرة فارغة متّشحة بالحداد ، و أترك المقهى الى حيث لا أدري ، و ليس في حقائب عمري سوى أمنية وحيدة .
الهاتف اللعين لا يرنّ .
الأخبار تأتي كل لحظة بأيّ هراء إلا بخبرٍ عنها .
الجرائد تقول كل شيء ...الجرائد لا تقول شيئا .
تعليق