ماذا تعرف عن الأدب الساخر؟؟؛
ربما يرسخ في اعتقاد بعض الأدباء أوالجمهورالمثقف ،أن الأدب الساخر ليس جنسا مستقلا ينتعش تحت مظلة ثابتة ، بل هو أسلوب يتمدد قطاره إلى صنوف من المحطات الأدبية كالشعر ،القصة ،المقالة أو التوقيعات .بيد أن في هذا المفهوم ظلما وتهميشا للأدب الساخر وإلغاءا لبصمته على تراب الواقع الإبداعي ،فإذا سميناه أدبا ونعتناه بهذه الصفة المندرجة معانيها على أرضية الفكر ،نكون بذلك قد ثبتنا ركائز حقيقته ككائن إبداعي له جسد بارز تنتمي تشكيلة تفاصيله إلى الأدب ،بيد أن قفزاته المتناثرة على فروع وجهاته المتنوعة ،قد يضلل نظرة الكثيرين إليه كجنس أدبي رفيع ، فيرمونه بحجر الإعتقادات الواهية .وإذا سعينا لتفسير أحجية له عالقة جدائلها في سدر الضبابية ،فلاتفسير نراه أوضح من أن نصفه أي الأدب الساخر ،بالرداء السحري الذي تلبسه الكلمات ،المتناسلة في أوج الساحة الإجتماعية الصاخبة ،فتبدو هادئة ،على شواطئ المتعة، وما تحمله بين سطورها من آهات وزفرات، يظل رهين الخفاء، وأطروحات تجريدية. وللأسلوب الساخر مايميزه ويضفي على كينونته من سمة جمالية ساخرة تتمثل في انتقاء الألفاظ الطريفة ،وتصفيتها بغربال المعرفة في حضرة الموهبة بعيدا عن السطحية و التهريج ،و تعابيره آلات حديدية حارقة ،إن اشتغلت محركاتها ،ضربت معاولها في عمق الأحداث واستخرجت من جوفها كنوزا متوهجة ، تنثر عطر الإبتسامة في الشفاه . فهو إذن أدب له ماهيته وخصوصيته المتفردة التي يعكس معناها صورا ذاتية نفسية للكاتب الساخر ،وأخرى تستمد مفاهيمها من المحيط الإجتماعي مثله مثل الأدب غير الساخر الذي تعددت أجناسه وفقا لما تمليه الظروف من أشكال وألوان.وإلا فما الفرق بينه والنكتة ، فليكتفي بها الكاتب تفريجا شفهيا عما يعتصره من مشاعر، وحنقة رافضة لبعض تصرفات مزرية دون الحاجة إلى التوغل في أعماق البلاغة لاصطياد درر الكلمات، وأقصد بذلك الشعر الهجائي الساخر، والقصة القصيرة باللغة الفصحى .أما ماعداه من إبداعات في كلا الجنسين باللهجات الشعبية ،فإن الصياغة بالتأكيد لن تكون عشوائية إنما مبنية جدرانها على أساس الثقافات الواسعة والحدس الحقيقي .وقد يتساءل أحد ما عن السر الذي جعل من السخرية أدبا رغم ما يصطدم بينهما من مفارقات .ورغم أن الله عزوجل قد نهى عنها في قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لايسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم )...
ولكي نضع المتسائل على رصيف الإدراك اليقيني والمعرفة ،وجب أن نشحن بطارية دماغه بما اكتسبناه من خبرات متواضعة من جيب الزمن ونقول له ،أي نعم أن السخرية منبوذة في الدين الحنيف واجتماعيا أيضا، بل تدل على سفاهة صاحبها ،لكن الذي جعلها ترتقي على سلالم الفكر والأدب ،هو أنها تنفيس بآلية الضحك والطرافة، عن ما تكتمه الصدور من آلام وحرمان جراء مافرض على الشعوب من تكميم للأفواه عبر الأزمنة ، من لدن حكومات جائرة .كذلك لأنها صارت تتناول في قوالب سامية كالشعر والقصة .لذا اجتثت السخرية لها مكانا مرموقا، وأصبحت تسمى أدبا ساخرا . وفي قصص حمار الحكيم ،للكاتب الجزائري "أحمد رضا حوحو" ،ما يكشف الستار عن عدة قضايا سياسية ،اجتماعية واقتصادية ، رغم أن البطل ...حمار.ولأن السخرية قد غدت وسيلة تنوير وتثقيف لأفراد المجتمع ،فأصبح لزاما على الكاتب الساخر أن يؤدي رسالته بما يمتلك نبضه من أحاسيس متدفقة، وأنامله من زمام للأمور. لكن إذا مالت تطلعاته الشخصية خلف مبتغياته ونواياه من كوة ضيقة، ووجه قلمه صوب الأفئدة كمدفع رشاش، دون اهتمام بمشاعر أحد ،هنا فقط يتحول الأدب إلى قلة أدب ،ويبتعد عن مغزاه الذي تحدد وجوده لأجله ،فيأفل نجمه ولوبعد حين ،ولن يقابل حبر أقلامه بغير الإزدراء والرفض .
خلاصة القول :كما أن هناك رسما كاريكاتوريا قد أخذ حصته من التقدير والإهتمام في كنف الإبداع التعبيري الإجتماعي فأيضا على الضفة المقابلة ،أدبا ساخرا،لايزال ينتظر الإفراج من سجن التبعية للأدب غير الساخر .
.............
قطوف من كتاب '' مع حمار الحكيم " للكاتب الجزائري"أحمد رضا حوحو"
..........
دخل حجرتي حمار الحكيم كالعاصفة دون استئذان ،وماكاد يتخطى عتبة الباب حتى لمحت وراءه رجلا فارع الطول ،شارد النظر ،رتبت ملابسه ترتيبا مشوشا غريبا ،ولم ينتظر ابن الحمار إذني له أو لصاحبه بالدخول بل ابتدره قائلا :
-تفضل ادخل.
-قلت لحمار الحكيم : - من هذا السيد الذي معك ؟
-- صاحبي.
-- صاحبك ؟’ ومتى كان لك أصحاب من البشر ؟
--إنه ليس من البشر
-وكان لجوابه مفعوله السريع في أعصابي ،فاضطربت وامتلكني شيئ من الخوف وقلت وأنا أجهد نفسي لإخفاء اضطرابي
--ليس من البشر ؟ تعني أنه من الجن
-وفهم ابن الحمارارتباكي واضطرابي فأخذ يقهقه بصوته المزعج ثم قال :
--لاتخش ..أعني أنه مجنون.
-وقال صاحبه على الفور
--نعم أنا مجنون .
--تشرفنا ...يالها من صحبة مابين حمار ومجنون.
-قال الحمار :
-- ثق أنها ستكون أخصب أيامك إنتاجا لان صاحبي فيلسوف في الجنون أومجنون في الفلسفة.
-……………………….
-قلت – لماذا سماك الناس مجنونا؟
-فابتسم ثم قال :
-- المسألة بسيطة جدا ،لأنني مجنون...
-قلت – أعلم ذلك ،لكن ماهي مظاهر جنونك ؟
-قال- فإليك مثالا بسيطا ،فالعين العوراء عندي هي عوراء لأن الله أرادها لحكمة يعلمها ،ولكنها عندكم ،أنتم تختلف باختلاف مكانة صاحبها وثروته وجاهه ،فهي عند الحقير المعدم عين عوراء ،وهي عند ذي المكانة والجاه عين كريمة.
-قلت :لماذا هذا الفرق ؟
-قال :لست أدري .اسأل العقلاء أما أنا فمجنون.
-
تعليق