الشيخ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد صوف
    • 17-11-2011
    • 6

    الشيخ

    الشيخ

    لم يسمع قط حكاية الرجل الذي بقوة ما يستطيع أن
    يستطيع ماذا .. يا هذا ؟ لقد انتهى عصر المعجزات.. الآن.. هنا. في هذا العالم ثمة شيء واحد اسمه العلم.. برهن تكلم كلام النمل و أصب .
    ثم.. أنت لم تقل لي ماذا يستطيع فعله الرجل الذي يثيرك إلى هذا الحد ..
    لم يقل له شيئا عن الرجل.. يقولون عنه الكثير
    يقول عنه مثلا.. على سبيل لمثال لا الحصر, أن لا أحد يستطيع أن يلتقط له صورة..
    كم أنت مدهش !و تسميها معجزة؟! الرجل قوي و له أتباع يسجون بأمره صباح مساء و الويل لمن صوب العدسة نحوه.. أين المعجزة في ما تقول ؟
    لكن لا تخش شيئا .. أتسمع بالكاميرا الخفية.. إنه دهاء العصر. سألتقط صورة للرجل و لو كان في باطن الأرض..
    لم يعلم قط أن الرجل لا يعرفه أحد عبر الصور..
    لم يعلم قط أن كاميرات التلفزيون و عدسات الصحافة لم تدركه قط..
    و هل هو في برج مشيد ؟.. سأذهلك و سترى بأم عينيك..

    ثم أحس بالرهبة يومذاك.. بشيء كالجلال.. شيء تحس به و لا تراه.. شيء يملأك .. تحفل به و لا قدرة لقاموسك على تحديده.. هذه الوجوه تجلس في خشوع.
    أهو الخشوع ؟
    القاعة فسيحة و الحضور قليل.. و هو يراها مليئة..
    تصور أن المقاعد الفارغة كانت ملأى .. أنت تصدق طبعا.. أما أنا فلا أستطيع أن أصدق و أرفض الأحاسيس المجردة و مع ذلك كانت القاعة تضج بالأنفاس و الناس ينتظرون..
    كأن للكاميرا رائحة.. يلتفتون إلي و تقول عيونهم إياك أن تفعلها..
    هل كانوا حقا يلتفتون ؟ أم أن تأليهك للرجل أتى أكله ساعتذاك.
    هل سبق لك أن سمعت دقات قلبك تهدر.. لا تصم الأذن اليسرى وحدها و لكن طبلة الأذن اليمنى بدورها تمتلئ حتى الاختناق بها.
    و مع ذلك سمعت الصمت.. العيون صامتة.. الأنفاس التي تكتظ بها القاعة صامتة.. الامتلاء الفارغ صامت. الفراغ الممتلئ صامت.
    و الرجل يهمس.. إليه ينشد البصر.. كان يشعر بكلماته تنساب و تنفذ إلى القلب الذي يدق بعنف و يصمت بعنف..
    نعم الأنفاس كانت تنساب إلى أذني و عبرها الكلمات و تنفذ تنفذ و كنسيم الصباح كشراب منعش في القيظ.. تسري الكلمات.. تسري.. و ينفتح لها القلب و على الوجوه التي تستسلم للهمس ابتسامة ولهى..
    و مع ذلك قلت لابد أن أحاصر هذا الوجه و لابد أن أسجنه داخل العدسة و لابد أن أسلمه غدا للعالم و أقول له.. ها هو فاتنكم الذي لا أحد استطاع أن يأخذ له صورة.. دون تدخل رجال شداد غلاظ.. دون ترهيب.
    ها هو العلم و ها هي التكنولوجيا تمسك بخناقه..
    ثم قال إنه سمع الرجل و هو يهمس للعدسة.. أحس بآلته الخفية تقول للرجل شيئا..
    الآلة تتكلم ؟
    هذيان..
    أ هذا هو الهذيان ! فليكن هذيانا.. و لكن الآلة حاصرته.. سمعتها و هي تقول له تفضل.. و أصبح صورة ضمن الصور التي التقطتها للسياسيين و الفنانين و الرياضيين و فعلتها.
    دخل منشرحا إلى قاعة الاجتماع.. قال لرئيس التحرير إنه يحمل في بطن الآلة سبقا صحفيا.. و قص قصته مع الآلة الخفية و حديث الرجل و التقاط الصورة دون إثارة انتباه أحد..
    و تقول لي إني لن أستطيع أن أفعلها.. و تقول إني لن أحصل على الجبية .. و تقول غني بفعل الركض خلف الجبية أصبحت بدوري جبية.. ما هذا الهراء ؟ و تذهب إلى أبعد من ذلك و تقول إنك لن تسكت و ستشي بي إلى الرجل ..
    لقد حصلت على الصورة و غدا ستتصدر الجريدة.. أخبر الرجل أو لا تخبره .. سيان
    ماذا سيفعل الرجل حين يعلم ؟
    هل سيظل محتفظا بهدوئه الذي يحسد عليه.. أم أنه سينفجر كقنينة غاز ؟
    دعك من التفكير و قل لي ما رأيك في هذا العنوان ؟ صورة الرجل الذي لا صورة له..
    أنت ترفض أن تجيب .. ترفض لأن أطروحتك تحتضر.. تريد أن تخبره ؟ لك ذلك حتى ترضى.. و لصديقك الصبر و لي المجد..
    أما أنا فقد تحملت مسئوليتي كاملة.. عزمت و ركبت عزيمتي حتى النهاية.. و عندما أقدمت على ما أقدمت عليه ما كنت قط متأكدا من أني سأفلح.. وضعت الفشل نصب عيني.. كنت أتوقع أنهم سيضبطونني و كنت أتوقع أكثر.. ثم ماذا سيفعل الرجل إذا علم. سيغضب ؟ ثم ماذا بعد؟
    ماذا سيفعل الرجل عندما يعلم بالأمر ؟
    سيلوم و يعاتب و يعاقب أتباعه الذين تبعوا حسهم و أغمضوا أعينهم خلال اللقاء..
    فليكن..
    قيل للرجل إن شخصا جاءك في أمر خطير..
    و قيل لك إن الرجل ابتسم عندما سمع أنك تطلبه في أمر خطير.. و قيل لك إنه يوافق على استقبالك لا لأنك جئته في أمر خطير بل لأنك جئت.. و قيل لك لا تخش شيئا على الرجل فهو كالمالك زمام أمره و لم تفهم. لم تفهم حتى كيف تنتقي الكلمات لتصف السكينة التي اجتاحتك و أنت تراه يقبل نحوك باسما.. لم تعد تعرف أين أنت و هو يصافحك..
    قلت..
    - لقد جئت في أمر خطير
    أجابتك ابتسامته.. أحضروا لك الشاي.وبين جرعة الشاي و الابتسامة ألقيت بالخبر..
    كنت تنتظر أن تتقلص ابتسامته .. عبثا
    كنت تنتظر أن يصرخ في أتباعه .. عبثا
    أن يثور .. عبثا
    أن .. عبثا
    و تبادر إلى ذهنك أن الرجل لم يسمعك. ما صدر منه رد فعل الأصم..
    فأعدت الخبر الخطير .. عبثا ..
    هذا الرجل قد من صخر .. قلت
    ثم قلت لعله سلوك العظماء..

    كتب الصيغة النهائية للخبر و شرع يحلم.. هو شرع يحلم.. رئيس التحرير شرع يحلم.. المدير طلب من العمال في المطبعة أن يستعدوا لمضاعفة ساعات العمل, فالطبعة الأولى ستنفذ و لابد من طبعات أخرى لتلبية طلب السوق..
    أذكر العمال و قد حملوا معهم زواداتهم ليقضوا الليل خلف الآلات.. أذكر تذمر بعضهم لأن الخبر نزل عليهم كالصاعقة إذ لم يتوقعوا قط أن يقضوا في العمل أكثر من الوقت المخصص له فارتبكت برامجهم.
    أذكر أن المدير طالب بأن يكون أول من يرى صورة الرجل الذي لا صورة له.. و أذكر أن عامل المختبر ضحك و قال أنا لا يهمني هذا الرجل و مع ذلك سأكون أول من يراه..
    و أذكرك حائرا .. لم تفهم رد فعل الرجل ..
    أذكر كل ذلك و أكثر..
    أذكر ما قرأت عن السبق الصحفي و أعي أن مثل هذا السبق مصدر ثراء.. حدث في بلد نجا من خريطة العالم الثالث..
    أذكر فضول عمال و تقنيي الجريدة و المحررين و لهفتهم على رؤية هذا الرجل الغريب..
    و أذكر أن عامل المختبر ظل يترقب جهاز تحميض و سحب الصور و هو يلد الصور تباعا.. ها هو ملعب كرة القدم.. ها هي ارتماءة الحارس الانتحارية إنقاذا لمرماه من هدف محقق على حد تعبير الواصفين الرياضيين.. أذكر بين قوسين أنك كنت تضحك عندما تسمع عن إنقاذ المرمى من هدف محقق و تقول ما هذا التناقض ؟
    دائما مع عامل المختبر و الصور التي تتناسل أمامه..ها هو وزير لا داعي لذكر اسمه في هذه القضية يجهز على شريط ملون بمقص جديد.. ها هو بائع الخضر يركض و عربته أمامه و الأمن يركض وراءه.. ها هو فنان لا داعي لذكر اسمه هو الآخر يتسلم جائزة لا يهم هنا ما هي. ها هي قتيلة الأمس في أحد الأحياء الشعبية فاغرة فاها و تحت رأسها بركة من الدم, ها هو الشاب الذي يجر بفمه شاحنة و يقول إنها موهبة من عند الله و يستجدي مساعدة من المسؤولين, ها هم عمال شركة ما يضربون عن العمل حاملين لافتات حافلة بالشعارات.. ها هم.. و ها هم.. و ها هو .. و ها هي..
    و ها هي صورة قاعة فيها حضور قليل و منصة..
    أذكر أن عامل المختبر خرج يقول أين صورتك التي أقامت الجريدة و لم تقعدها.. أذكر أني قلت له إنها لقاعة و منصة و أذكر أنه قال نعم.. إنها لقاعة و منصة لكن أين الرجل ؟
    أذكر أني رأيت الصورة و الرؤوس القليلة الجالسة أمام المنصة و المنصة و لا أحد..
    أذكر أن المدير قال لي هل أنت متأكد من ضبطك لآلتك ..
    و أذكر أنه أعطى الأوامر بسحب الموضوع و سمح للعمال بالعودة إلى بيوتهم كالمعتاد..
    و أذكر أني رأيتك ساهما و كأنك مسيحي يجلس على ركبتيه أمام تمثال العذراء..
    أذكر أنك الوحيد الذي لم يعلق على ما حدث..
    فقط ابتسمت ..
    محمد صوف ـ المغرب
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    يمكن القول إننا فى هذا النص أمام فكرة " الرمز " أمام فكرة المعنى الذى لا يمكن أن يتشيىء إلى مادة نمتهنها كصورة أو غيرها ، لا يمكن له أن يتحول إلى مادة نحشرها بين أشيائنا الأخرى ، لا يمكن للرمز أن يستحيل مجرد صورة تلتقط خلسة بين هذى الصور التى عبر عنها السياق


    ( ظل يترقب جهاز تحميض و سحب الصور و هو يلد الصور تباعا.. ها هو ملعب كرة القدم.. ها هي ارتماءة الحارس الانتحارية إنقاذا لمرماه من هدف محقق على حد تعبير الواصفين الرياضيين.. أذكر بين قوسين أنك كنت تضحك عندما تسمع عن إنقاذ المرمى من هدف محقق و تقول ما هذا التناقض ؟ )


    وكذلك لا يمكن أن يحط الرمز بقيمته الوجدانية وما يحمله من قداسة ونقاء لينحشر كمجرد صورة بين هؤلاء أيضا

    ( ها هو وزير لا داعي لذكر اسمه في هذه القضية يجهز على شريط ملون بمقص جديد.. ها هو بائع الخضر يركض و عربته أمامه و الأمن يركض وراءه.. ها هو فنان لا داعي لذكر اسمه هو الآخر يتسلم جائزة لا يهم هنا ما هي. ها هي قتيلة الأمس في أحد الأحياء الشعبية فاغرة فاها و تحت رأسها بركة من الدم, ها هو الشاب الذي يجر بفمه شاحنة و يقول إنها موهبة من عند الله و يستجدي مساعدة من المسؤولين )


    - لذا يمكن القول أن النص يقوم على فكرة الرمز ونقائه وسموه وقدرته على أن يظل بمنأى عن محاولتنا لتشييئه ولتسليعه ، والرمز هنا يمثله ذلك الشيخ الذى يرفض أن تكون له صورة ، ربما لأنه يريد أن يظل فكرة فى الضمير وليس مجرد لون فى ورقة جريدة

    - لذا يمكننا أن نفهم غرابة هذى الرغبة التى يصمم عليها السيخ وذلك مع تأويل فكرة النص ودلالة الرمز الذى يتجسد فى هذا الشيخ ، أى أنه يستحيل استعارة تصريحية للرمز تتجسد أمامنا لكنها ليست كما نراها أننا أمام الرجل الفكرة ، الشيخ المعنى

    - لكن النص الذى يقوم على هذى الفكرة التى تجسد لنا الرمز فى هيئة ذلك الشيخ لا تقدم لنا إضاءة كافية عن ماهية الشيخ ولا انتمائه ولا أفكاره ولا جذوره ولا تاريخه ولا قبسا من كلماته ، بما يجعلنا أمام غموض فنى تجاه هذا الحضور وتلك الحركة التى للشيخ فى هذا النص

    - والحقيقة أن هذى المعالجة لحضوره تجعلنا أماما الرمز أيا كان ذلك الرمز ، أى أننا أمام تعميم فنى يجعلنا أمام الرسالة الإنسانية للرمز وقيمته التى لابد لها أن تكون فى منزلتها السامية التى لا تطالها أيدينا نحن الراغبين فى أن نلمس جبين الشمس بأصابعنا

    تعليق

    يعمل...
    X