حقيقي.. ان ذاك السؤال للغز محير..يستفرغ صبري.. يحيط بي كالأخطبوط.. يتآكلني..يقذف بي في غياهب هذه العتمة. انه يجعلني شبيها بكائن خرافي.. له ألف صورة .. ألف لسان .. ألف وجه . هو صراخ النفس الأبقة..حين يتملكني اصير غريبا عني.. أتحول اعصارا مدمرا.. ريحا عاتية تقتلع في طريقها كل شيء.. و حين ينجلي كحقيقة ساطعة أجده شيئا يشبه الموت.. يسافر في مجاري الدم و الروح نارا تلتهم في طريقها كل شيء.. كل شيء..هو لعنة جرح لا يفتأ ينز.. مرض لا برء منه...
كم مرة وقفت في محرابه شاخصا للسر الالهي الذي أودع فيه.. لقد عايش الحروب و نجا من الطاعون و الأمراض و تبدل الحكام.. ولا يزال واقفا على قدميه.. خط الزمان على وجهه أخاديد شاهدة على مسيرة عمر شاقة.
صحبته في حله و ترحاله. كان يأبى عليَّ أن أقتحم عليه لحظات صمته بسؤال سمج أو اشارة بلهاء.. يحب ان أدور حول نفسي.. أصنع من صمته لغة افصح من الكلام .. كان دائما يقول- بصوت أحسه لرجل طالت عشرته لليالي الموحشة الحزينة " تكلم في سرك.. فسرك عندي .. و أنت أفصح ما تكون حين تصمت .. ادفع بهذه اللغة و هذه الأسئلة.. افعل بها ما أفعل بالليالي..." و يوشح عني بوجهه . أحاول أن أستجمع ما تبقى لدي من حياء السؤال . " وكيف السبيل الى ذلك . وهذا المكان يلفه صمت القبور.. لا اشارة .. لا بريق .. لا هادي . و أغرق في الصمت . أحس أنفاسه تقبض في كل لحظة على أي شاردة أو واردة تحاول استراق السمع على صمته الموحش.. ما كنت لاخترق هذا الحاجز السميك بيني و بينك لو لم تعلمني التقاط الاشارة.. و تاويل العبارة .. و ما تحمله الريح حين تمر على الشيء هامدا كالصخرة ..ساكنا سكون القبر. أعرف أنك تهزأ من ثرثرتي .. " تجزم انني لن أستطيع معك صبرا.." وأعرف أن الذي تعلمته منك يضيع مني حين تتملكني شهوة الكلام . و حين لا يفتأ هذا اللسان يدور في فمي دوران الريح في القفر الخلاء. و لكنني ضعيف أمام قوة هذا الذي يتملكني .. وهذه الرغبة في أن اعرف. لكأنما تأخذني هزة ، قشعريرة .. فألفى نفسي مدفوعا للسؤال . أعود آدميا . لعنة هذا الوجود لا تتركني أنسى أنني من جنس هذا الخلق . فقل أي صوت أنت . أي ضمير . ارحمني من سطوة السؤال . ولك علي أن أدع الليالي و الايام و لهفتي و دفاتر الشعر و أرحل معك أنى تشاء الى آخر العالم ان أردت .. سأفترش التاريخ و الماضي .. سأرنو الى مستقبل الزمن.. الى الآتي.. الى الذي يجيء و لا يجيء. وسأجد في صحبتك عونا لي على الصبر على .. صمتك و جلالك و سرك و هيبتك و عظمتك .. سأمتثل لهذا الوقار الذي يشعرني بالرعب و الخوف.. يشعرني أنني عصفور مقصوص الجناح .
ارحمني من سطوة السؤال كي انام قرير العين بالأمنيات حين تجيء حقيقة فالقة كالصبح كالماء البارد بين ثنايا الأصابع.. ستجدني لسانك و صوتك .. وجدانك و داعيك وحاميك.. أسبح لك في النهار و أدعو لك في الليل.. أحفظك في سري و في علني.. في حضرتي و في غيابي.. أدعو لك بالبيعة و الطاعة أكون أنيسك في الوحشة و رفيقك في الوحدة.. أكون أنا ان شئت و لا أكون ان أبيت أشعل من روحي قبسا لكي تستضيء...
ارحمني من سطوة السؤال كي انام قرير العين بالأمنيات حين تجيء حقيقة فالقة كالصبح كالماء البارد بين ثنايا الأصابع.. ستجدني لسانك و صوتك .. وجدانك و داعيك وحاميك.. أسبح لك في النهار و أدعو لك في الليل.. أحفظك في سري و في علني.. في حضرتي و في غيابي.. أدعو لك بالبيعة و الطاعة أكون أنيسك في الوحشة و رفيقك في الوحدة.. أكون أنا ان شئت و لا أكون ان أبيت أشعل من روحي قبسا لكي تستضيء...
...ما لي أراك مقطب الجبين شاحب الوجه تائه الفكر مكفهرا.. كأن هذا الصباح ليس لك.. كأن الريح لا تجري اذ تجري.. كأنك لست أنت . أصوغك تلعثمي انحسار نبضي ولغتي. فلا تهزأ بها. هذا الذي بين يديك شارد أو وارد. لا حول له ولا قوة.. وأنت كأنك لست هنا.. تعتصر الغيب و اللغة و الرغبة . و كأن هذا المساء ليس ملكك طارفه و تالده.. صمته و جلاله.. لا تحركك الريح ..فلا تمشي و لا تهذي و لا تلعب و لا تتعب .من أي النواحي صفقتني الأسئلة على بابك و ما هو عقابي لكي أتوب عن سؤالك.. أعرف أن الرحيل عنك صعب و القرب منك أصعب.. و أن النهار يداهمني أو يداهمك بلا اشارة أو أمارة .. انه فقط سقوط في مجرى الوقت .. و الضيق .. و الرفض .. والقول ..و الفعل .. و السؤال . آه أرى في عينيك ضيقا و على شفتيك ابتسامة شاحبة.. تراني أوقد لهذا الليل.. لدهاليز الظلام شهوة الكلمات و شبق الحرف و نزق لغتي.. كي احدث عنك .. أكتب عنك.. و أقرأ عنك.. و أحفظ عنك ... و الريح تدمدم .. و البرق يعول .. و الليل طويل و المكان الخلاء بلا شموع.. و أنت تنبش الأرض.. تحفر في الرمل حفرا بعمق ظنوني.. و أنا الضمآن .. اسقني فوهج الصحراء و الحرف و الحيرة تأكل مني كل لحظة و لا أتوب..
أراك ألقيت العنان لخيالك يسبح في فضاء حيرتي.. فهل تفهم معنى أنني لا أفهم.. و أنني حين يلتبس علي الأمر أو يشتد أصير قشة في مهب الريح.. أصير ناي هذا الزمان.. فلا تعبث بي و لا تسخر مني ..اذن أنت الآن تقهقه ملء شدقيك.. تنزع عن ر أسك العمامة البيضاء. تضعها جانبا. و تجلس في هدوء كأن البرق لا يعول و الريح لا تقرع و الليل لا يهجم.. و كأني أمامك لا أجهش بالبكاء لا أضطرب لا تصطك أسناني من الخوف و الرعب.. تتمدد الآن على الأرض و تنظر في السماء.. السما ء بلا نجوم. . بلا قمر.. و أنا بكل صحوي و سهادي أكاد لا أقدر على الحركة .. لا أجد القدرة على الوقوف على قدمي .
أحس بان لدي رغبة في تغيير هذا الوجه .. هذه السحنة و ألا أكون أنا.. أومن أن ما كان ليس ما سيكون.. و أن البحر على اتساعه و عمقه لا يمنعني من البحث عن لؤلؤه و صدفه.. لا يخيفني هذا المجهول المترامي بلا بداية و لا نهاية لحظة التجلي بقوة تأخذ بناصية الحلم بداية الفعل و التحقق.. ايذان بانتكاس العجز...
و هذه الاشارة منك الى السماء تسحبني من رحلة تيه جميلة الى عالم الكون و الفساد تعيدني لأحسب دقات ساعات الجدار المتلكئة المملة.. ما أعجز المرء حين يفيق من رحلة تيه فيلفى الجدار هو الجدار و المكان هو المكان و النار لا تخبو..ما أضيق الحيلة و الفعل مسكون بسلطان العجز.. و الفهم أسير عبث الوهم.. تعبت من السؤال . ومن سؤال السؤال.. مما ينسف الأحلام بكل عنف و عنت.. فليس لي أن أتمادى في رحيل مع حلم هو الكابوس. و قدرة هي العجز. و امكان هو الاستحالة.. تتملكني نوبة فأرغب في أن أحطم كل الأشياء من حولي علي أعيد ترتيبها أفرق نظامها أثور على تحنطها و عبوديتها و زيفها ...
تلمح اضطرابي و حنقي و غيضي و ثورتي.. تعرف أنني غر لم تحنكه التجارب وأن حلمي أقوى مني.. و سؤالي يلح علي .. و لعل ما يشفع لي هو أنني مسكون بهاجس الذهاب الى الأمام.. أن أسير دون توقف .. وأنَّ بي رغبة جامحة أنْ أحطم كل حاجز أمامي.. أن أغير الأفكار و الأوهام و حتى الأحلام.. و أريد ألا نكون كما نحن بل كما يجب أن نكون ...
تعرف نزقي و تهوري و قلة صبري عليك و على نفسي. لذا أراك تنظر الي نظرة أقرأ فيها آيات الحنو و الاشفاق .. لكني أعرف أنك تعتب علي .. لقد كان شرط أن أصحبك في رحلتنا ألا أكثر عليك من السؤال . و لا أثقل عليك بهواجسي و خوفي و نزقي و قلة صبري .. عرفتك صموتا .. و قورا .. حليما.. تريد أن أن أفهم عنك دون ايضاح. و أسمع عنك دون ثورة أو جدال.. تريدني أن أتروى.. أن أتملى.. أن أتأمل و لا أسأل ...
كنت منذ خرجنا من المدينة دائم التفكر .. كثير الاستغراق و التأمل.. وان خطر لك خاطر أو هاجس أو فكر كنت تقف برهة تنظر حولك و توميء لي كأنك عثرت على ما تبحث عنه في شعاب الصحراء.. كنت أفهم فعلا من اشاراتك و ايمائك و التفاتاتك الشيء الكثير.. وأقول فيما بيني و بين نفسي " نعم المعلم أنت " و حين أظن أنني أدركت معك النجاة أجد لغزا آخر علي حله و سؤالا عالقا متشابكا تشابك خيوط العنكبوت .
و أنت الآن ممدد على الرمل صمتك أبلغ من كل الكلام و وجهك آية لأحزاني.. تنظر اليَّ .. توميء أن أجلس الى جانبك . أعياك الترحال حتما و عناؤك من أسئلتي .. خفت أن أسألك " متى نمضي و الى أين السبيل و كيف هي حالك ." لكنني انكفأت على صمتي أعد الثواني و أنفاسك اللاهثة. بدوت كمن يرقب أمرا جللا. قد يجيء و لا يجيء. ثم تمعن النظر في الفضاء المترامي.. و لا تستقر عيناك ...
و الريح تصفر .. و الرعد يدمدم .. و البرق يومض .. و المطر مدرارا ينهمر.. قطراته تغسل لحيتك الكثة الطويلة.. للمطر في عينيك بريق الصحو و نفع الغيث. ثم انه الريح يهدأ .. و المطر يكف. ما رأيتك أشد اشراقا مما أنت عليه الآن.. كنتَ و المطر يتساقط تنظر الى السماء.. يداك ضارعتان و عيناك تبرقان.. فهل المطر هو المطهر أم تراه رسول الغيب جاء يشهد انكسار المرايا و تفتت الأسئلة ...
رأيتك تهش .. الفرحة على ملامحك صادقة صدق شعاع الضوء حين يقتحم العتمة.. كنت تبارك الغيث.. كنتَ كمن يصلي فيحمدَ و يشكرَ و ما عرفت لك قبلة . و حين انجلى الغيم و صحا الفضاء قلتُ " هل نمضي " أخذت يدي بين كفيك ترتعشان.. تفرست في وجهي مليا.. حشرج الحرف في حلقك و قلت " استمع لما أقول .. هناك في آخر التل طريق هو طريقك.. طويل .. شاق .. و خطير .. اسلكه ففي نهايته جواب أسئلتك. و حل لغزك.. لكن لا تنس أنَّك بعضٌ مني و أنَّني هاديك . "
كان ذلك آخر ما سمعت منك.. كان جسدك الممدد باردا.. هامدا.. نظرت في وجهك.. و عرفت أنني أكلمك و لا تسمعني.. و ضعت وجهي بين كفي .. أحسست برغبة جامحة في البكاء.. و بكيت .. بكيت .. بكيت كما لم أبك أبدا .
... هذه للأخ محسن أرجو أن يتعرف الي حتى تستعيد حروفي ألقها ...
تعليق