بيضة الديك
في غابَتِنا قُنٌ للدجاج , لو تدرون أين يقع ؟
إنه بموقعٍ مُتمَيِّزٍ في وسط الغابة , بمكان يُدعى " نُصّ الدُنيا ".
يؤمه الزُوَّار من كل بقاع الأرض , يأتون صيفاً وشتاء , وبالمواسم والأعياد وبكل وقت .
يقضون أياماً , فتزدهر التجارة بيعاً وشراء ، فتختلط الدنانير والدراهم باليورو والين وبالدولارات .
مختصر الكلام :
الجميع قد استفاد وانتعش من هذا العَلَمْ المدعو " نُصّ الدُنيا " .
كان أصحاب القن هم المستفيد الأكبر في هذه الجلبة . ديكهم , قبضاي زمانه وقبضاي كل زمان
مضى وسيأتي . توارثَ صنعة الفتونة جيلا عن جيل من قبل نوح والى يومنا هذا .
فاستأثر بتلقيح الدجاجات دوناً عن غيره من ذكور الغابة , فكان حقدهم عليه شديداً , فلا يكاد
يفارقهم حتى يقولون فيه أشنع القول . إلى أن أصبحت الغيبة والنميمة سِمة من سمات غابتنا .
لا أذيع سِرّاً إذا نقلتُ لكم ما يضمره قاطنو الغابات المجاورة من حقد أشدّ على الديك , ويشاركهم
في الإثم طابور خامس من حيوانات غابتنا . فيدسون للدجاج وبإيعاز من أسيادهم سُكّان الغابة
الملاصقة , طعاماً يُصلَّب قشور البيض فلا يقوى الصوص على ثقبها والخروج منها .
في يوم من الأيام , وحيوانات الغابة بقيلولة الظهيرة نائمون , وديكنا الفصيح يختالُ مكتمل الهيئة
والصورة ، زينة ونياشين وعيون مِلؤها التحدي .
إذ بصراخ داخل القن . دجاجاتٌ ثلاث يتخطفن بيضة موشحه بالحَمار وكل دجاجة تَزْعُم أن
البيضة ملكها , بأمارة زيارة الديك لها .
خلافٌ مثيرٌ ومُحَيِّرٌ كأنه لغز . " عينٌ وحسدتنا " الكساد أصبح وأمسى .
ما أيسر أن تجتمع كلمة الحيوانات على الشر , فراجت صنعة التنظير والتحريض على حساب العقل .
أخذت كل دجاجة نفراً من الحيوانات , يدافع عنها وتتباهى به .
فسالت الدماء وبدأ الاصطفاف الأعمى للحق غير المنظور داخل البيضة يأخذ منحاً عقائديا .
فتشرذمنا وأصبحنا لُقماً سائغة لكل فم بأسنان ولكل فم أدرد .
دعا عقلاء الغابة لاجتماع عاجل للنظر في حل الخلاف . كان الفشل ذريعا وتمخَّضَ عن زيادة الهوة بين
الأطراف المتنازعة . فالبيضة لا يمكن قسمتُها, وكل دجاجة منهُنَّ تتمسَّك بحقها المزعوم في البيضة كاملها .
وتُراهنُ على حجم وقوة الحيوانات التي تؤيّدها وتصطف معها .
ضاج الأسد وصرخ بعد أن نتَّف شعر رأسه وشقَّ ثوبه من الصدر قائلاً :
ــ اخبرنا يا ديك , من مِنْهُنَّ مَحظيِّتك تلك الليلة ودع ليلتنا هذه تمر على خير؟
أجابهم وهو يتمطَع :
ــ كانت ليلةً سوداء وكلهن عندي سواء , فاعذروني .
ثم أكمل وكان في صوته دعابة :
ــ لكن مهلا , من نمتُ معها كان لها منقاراً وجناحان , وسادتَها صلبة كخشب أشجار البلوط ، قرقرتها كصرير
باب صدئ وهي تُبقبِق بالفارغ وبرصين الكلام . كانت تقوم الليل , تركع وتصلي لرب العباد كي تُحصى مع
المؤمنين والمؤمنات ساعة يأتي يوم الدين وتدنو لحظة الحساب . وكانت يا إخوتي , كلما أنهت صلاة تبسط
راحتيها للسماء تجيشُ بالدمع تترنَّم بالدعاء , وتختم صلواتها قائلة آمين .
استشاطت الدببة غضباً فمزقت فرائها غيظا ,ً كما فعلت مثلها باقي الحيوانات . وهمهموا جميعا بصوت واحد :
ــ حيرتنا أكثر مما نحن به من قلَّة حيلة ومن توَهَانٍ . أين الحكماء ؟ أين العقلاء ؟ غابتنا لم تنم منذ حلّ الشقاق .
وإذا بغريب يدخل الغابة متلمسا طريقه بعصا طويلة وكأنها عين ترشده نحو مبتغاه .
سأل عن موقع القن فأدركه قبل هبوط المغيب .
المكان مزدحم ازدحاما لم ترى الغابة له مثيلا , وقد طغى عليه حزن وكآبة ثقيلة.
وجد الغريب موقعا له بين الجموع بصعوبة بالغة .
لاحت في أعينهم نظرات مريبة بشأن هذا الغريب, فسرت همهمات سرعان ما أصبحت صيحات .
لزم الغريب مكانه حتى لاذوا جميعهم بالصمت .
نهض , وكشف عن وجهه , فإذا به إنسان الغابة المجاورة .
لم يمنحهم فرصة للتفكير أو للتساؤل , وخاطبهم بلهجة آمرة يختلط فيها الرجاء بالكبرياء قائلا :
ــ جئتكم بعد عجزكم , وعدم قُدْرَتكُم لحل خلافاتكم , وكما تعلمون , انا جار لكم ويعنيني أن تنعموا
بالأمن والأمان كي لا يأتيكم ويأتيني يوما أغراب من أقاصي الدنيا ينهبون خيراتنا متعللين بالفساد
والفوضى المُتفشِية بيننا . فلا بد يا إخوتي أن تتمتعوا بقدر من الشفافية والديمقراطية وأن تبادروا
الآن بالإصلاح كي تصبحون قادرين على حل مشكلاتكم الماثلة الآن أمامي .
وعليه, فإني اطمح إلى موافقتكم على اقتراحي هذا, والمتعلق بالبيضة فقط .
فلترقد الدجاجات الثلاث فوق البيضة فرادى وكلٌ بدورها حتى يأتي موعد الفقس . وقبل أن ينقر
الصوص القشرة تأخُذ كل دجاجة ركن وتنزوي به . ومن يدنوا منها الصوص , تضمه بحضنها , فهو ابنها .
تفاءلوا خيرا واستبشرت أنفسهم بالعرض المُقدَّم , فقبلوه .
في الموعد المحسوب , وكما هو مكتوب , رقدت الدجاجات الثلاث فوق البيضة وحسب الخطة الموضوعة .
مرّ موعد الفقس , ولم تتشقَّقْ قشرة البيضة ليخرج منها الصوص الموعود .
انتفض الفحل ناثراً رذاذه الناري من فوهات جسده جميعها, فلكَزَ الديك في خاصرته وهو يصرخ :
ــ كسفتنا الله يكسفك , حضرتك مبسوط وأنت بتقول أنا الديك أنا الديك ، وبيضة واحدة لم تستطع أن تلقحها ؟
تشجَّع التيس وأردف مُضيفاً بلا استحياء :
ــ انزعوا النياشين عن صدره فهو لا يستحقها بعد عملته السودة هذه , لقد قصَّر رقابكم وجعلكم مضغة بأفواه
الشامتين . أظن انه لا كلام بعد الآن , سوف أقوم بمهمة تلقيح البيضة بنفسي , فانتم تعلمون أني أهل لها .
ضرب الهرج والمرج حيوانات الغابة , وسرت همهمات ومشاريع حوار بابلي .
فاختلط المتحدث بالمصغي , والمتفلسف بالواقعي .
ابتسم الغريب في سِرّه وخاطب نفسه قائلاً :
لقد سقطت أسطورة الديك وتحطّمَ كبريائهُ , وما هي إلاّ دقائق وتصبح البيضة في يدي .
كانوا بانتظار الأسد كي يوقف هذه المهزلة فيضع حداً لها كعادته في الملمات .
طال انتظارهم , فازدادوا لهفة لسماع رأي الأسد الذي انكمش وأصبح بالكاد يُرى .
عندها برز الجمل كسفينة في بحرٍ , الموجه فيه تلاطم أختها . ظهر أمامهم كالقشة التي يُمسِك بها الغريق .
فاخذ الحديث من حيث تركه التيس وقال لهم مُتسائلاً :
ــ هل ترضون بالتيس أبا روحيّاً لكم ؟
فأغرقت الحيوانات بالضحك .
لم ينتظر ردَّهُمْ واسترسل بالتساؤل قائلاً :
وهل كنتم تتوقعون يوما أن يكون ديكنا عقيماً ؟ وبيض دجاجاتنا ممشوشاً ؟
أنا لن افرض عليكم رأياً أو حُكماً , أمامكم الديك وأمامكم البيضة فماذا انتم فاعلون ؟ ولنبدأ بالديك .
تدلّى القرد من على غصن شجرة وقال متهكماً :
ــ نعمل عليه " كيسكوسية " مفتول .
ابتسموا والأسى لا يبرح عيونهم . لقد أحبو الديك رغم غروره , ويأسفون الآن لرحيله مع علمهم
أن قِلّة من حيوانات الغابة يُضمرون له الأذى . ومن بين هؤلاء , كان الضبع , فعلاقته المريبة
بالغريب قد طفت على السطح , وأصبحت حديث مَنْ لا حديث لهم , فها هم مُريدوه يتكالبون على
الديك ويتكاثرون كالهَمِّ على القلب , ولا غاية لهم سوي تجميل صورة الضبع , كي يتبوأ مكانة
الديك عندما تأزف الساعة ويأمر الغريب .
رَمَقَتْ الحيوانات الضبع يندسُّ بينهم مُتلفعاً بخرقةٍ يُخفي بها دمامتهُ . فصرخوا بوجهه قائلين :
ــ يا للعجب العجاب , هل أصبح للضبع القبيح أحبابا ؟ أم أننا في آخر وقت من هذا الزمن العجيب ؟
أجابهم الضبع وهو ينظر نحو الغريب نظرة العبد لسيده قائلا :
ــ لا تسألوني أنا , بل اسألوا صانع الأكاذيب ، فإن شاء يجعل مني أبا لهبٍ , وان شاء , المصطفى الحبيب .
نَتَعَ الحَملُ ذيل الضبع وصرخ بالجموع قائلا :
ــ (نحن قومٌ عُرفُ ديكنا علمُ والأذناب لاعرفٌ لهم ولا دينُ ومَنْ يُسوّونَ عرف الديك بالذنب لهم طينهُم ولنا طينُ ).
أدرك الغريب ما سوف تؤول إليه الأمور إذا استرسل محبو الديك في التعبير عن عواطفهم .
فقام بالإشارة خفية للجمل كي ينجز ما اتفقا عليه .
فأسرع الجمل بالقول متسائلاً :
ــ والبيضة ؟ ماذا انتم فاعلون بها ؟
سَحَبَتْ النعامة رأسها من تحت الرمال وحضنت ظليمها بحنان قائلة :
ــ أرجوكم تريثوا قليلا . فربما ؟
انهمرت الدموع من عينيها ولم تستطع أن تُكمل حديثها , وقد كانت هذه الدموع ابلغ رسالة تُوَجّه
في هذا المقام , فدخلت القلوب واستقرت .
فرصة ولاحت للغريب من حيث لا يدري . فقال بمكر تغلفه سحابة من كياسة :
ــ عمرك أطول من عمري يا نعامة . ما كان على لساني نطقتِ به أنت .
كنتُ على وشك أن اقترح على حضاراتكم أن آخذ البيضة معي , وكما تعلمون , لدينا تكنولوجيا
متطورة , نستطيع من خلالها تفريخ البيضة غير المُلقحة بعد استنساخها . ما هو رأيكم ؟
إذا ألقيَتْ إبرة وسط هذه الجموع فسوف يُسمع رنينُها . الغابة في سكون . حيواناتها وأشجارها حتى
خرير الماء توقف عن العزف .
فأدركهم قبل أن يدخلوا في سبات أهل الكهف :
ــ هل تسمحون لي بالبيضة ؟
قالها بمكر واضح وجليّ .
عندها استفاق الديك من الصدمة وصرخ كما صرخ ارخميدس :
ــ وجدتها , وجدتها .
انطلق طائراً نحو القن ونقر البيضة بمنقاره فخرج الصوص وهو يتمطع ويُصَوْصِوْ .
تأهَّبت الدجاجات الثلاث لإستقبال كتكوتها وكلُّ منهن تفرد له جناحيها .
وقف الصوص حائرا ومترددا أمام جموع الحيوانات التي تنتظر بلهفة أن يفيض النور
وترتفع سحابة الدخان الأبيض معلنة ظهور الحق .
مرَّت الثوان وكأنها سنوات ، فازدادت لهفة الحضور وتجسَّدت غضبا عارما ظهرت
بوادره بصرخة هنا وصرخة هناك .
رأى الصوص نفسه في محور الإهتمام . فكان خليقا به أن يبتهج ، لكنه خاف . وقبل
أن يتحول إلى مادة للتندر والفكاهة بسبب شكله الذي بدا غريبا ، فالجسد جسد طير ،
لكن رأسه رأس إنسان . قادته خطواته بعفوية نحو الغريب الذي ابتسم ساخرا ثم نهض قائلا :
ــ " عن إذنكم " ومضى مغادرا وبيده المخلوق العجيب الذي خرج من بيضة الديك .
كان الطقس باردا ، وكنا في فصل شتاء . لكن سرعان ما عمَّ الدفيء بمقدم الربيع
ولم تمضي الحياة في الغابة كما كانت تمضي من قبل .
إنه بموقعٍ مُتمَيِّزٍ في وسط الغابة , بمكان يُدعى " نُصّ الدُنيا ".
يؤمه الزُوَّار من كل بقاع الأرض , يأتون صيفاً وشتاء , وبالمواسم والأعياد وبكل وقت .
يقضون أياماً , فتزدهر التجارة بيعاً وشراء ، فتختلط الدنانير والدراهم باليورو والين وبالدولارات .
مختصر الكلام :
الجميع قد استفاد وانتعش من هذا العَلَمْ المدعو " نُصّ الدُنيا " .
كان أصحاب القن هم المستفيد الأكبر في هذه الجلبة . ديكهم , قبضاي زمانه وقبضاي كل زمان
مضى وسيأتي . توارثَ صنعة الفتونة جيلا عن جيل من قبل نوح والى يومنا هذا .
فاستأثر بتلقيح الدجاجات دوناً عن غيره من ذكور الغابة , فكان حقدهم عليه شديداً , فلا يكاد
يفارقهم حتى يقولون فيه أشنع القول . إلى أن أصبحت الغيبة والنميمة سِمة من سمات غابتنا .
لا أذيع سِرّاً إذا نقلتُ لكم ما يضمره قاطنو الغابات المجاورة من حقد أشدّ على الديك , ويشاركهم
في الإثم طابور خامس من حيوانات غابتنا . فيدسون للدجاج وبإيعاز من أسيادهم سُكّان الغابة
الملاصقة , طعاماً يُصلَّب قشور البيض فلا يقوى الصوص على ثقبها والخروج منها .
في يوم من الأيام , وحيوانات الغابة بقيلولة الظهيرة نائمون , وديكنا الفصيح يختالُ مكتمل الهيئة
والصورة ، زينة ونياشين وعيون مِلؤها التحدي .
إذ بصراخ داخل القن . دجاجاتٌ ثلاث يتخطفن بيضة موشحه بالحَمار وكل دجاجة تَزْعُم أن
البيضة ملكها , بأمارة زيارة الديك لها .
خلافٌ مثيرٌ ومُحَيِّرٌ كأنه لغز . " عينٌ وحسدتنا " الكساد أصبح وأمسى .
ما أيسر أن تجتمع كلمة الحيوانات على الشر , فراجت صنعة التنظير والتحريض على حساب العقل .
أخذت كل دجاجة نفراً من الحيوانات , يدافع عنها وتتباهى به .
فسالت الدماء وبدأ الاصطفاف الأعمى للحق غير المنظور داخل البيضة يأخذ منحاً عقائديا .
فتشرذمنا وأصبحنا لُقماً سائغة لكل فم بأسنان ولكل فم أدرد .
دعا عقلاء الغابة لاجتماع عاجل للنظر في حل الخلاف . كان الفشل ذريعا وتمخَّضَ عن زيادة الهوة بين
الأطراف المتنازعة . فالبيضة لا يمكن قسمتُها, وكل دجاجة منهُنَّ تتمسَّك بحقها المزعوم في البيضة كاملها .
وتُراهنُ على حجم وقوة الحيوانات التي تؤيّدها وتصطف معها .
ضاج الأسد وصرخ بعد أن نتَّف شعر رأسه وشقَّ ثوبه من الصدر قائلاً :
ــ اخبرنا يا ديك , من مِنْهُنَّ مَحظيِّتك تلك الليلة ودع ليلتنا هذه تمر على خير؟
أجابهم وهو يتمطَع :
ــ كانت ليلةً سوداء وكلهن عندي سواء , فاعذروني .
ثم أكمل وكان في صوته دعابة :
ــ لكن مهلا , من نمتُ معها كان لها منقاراً وجناحان , وسادتَها صلبة كخشب أشجار البلوط ، قرقرتها كصرير
باب صدئ وهي تُبقبِق بالفارغ وبرصين الكلام . كانت تقوم الليل , تركع وتصلي لرب العباد كي تُحصى مع
المؤمنين والمؤمنات ساعة يأتي يوم الدين وتدنو لحظة الحساب . وكانت يا إخوتي , كلما أنهت صلاة تبسط
راحتيها للسماء تجيشُ بالدمع تترنَّم بالدعاء , وتختم صلواتها قائلة آمين .
استشاطت الدببة غضباً فمزقت فرائها غيظا ,ً كما فعلت مثلها باقي الحيوانات . وهمهموا جميعا بصوت واحد :
ــ حيرتنا أكثر مما نحن به من قلَّة حيلة ومن توَهَانٍ . أين الحكماء ؟ أين العقلاء ؟ غابتنا لم تنم منذ حلّ الشقاق .
وإذا بغريب يدخل الغابة متلمسا طريقه بعصا طويلة وكأنها عين ترشده نحو مبتغاه .
سأل عن موقع القن فأدركه قبل هبوط المغيب .
المكان مزدحم ازدحاما لم ترى الغابة له مثيلا , وقد طغى عليه حزن وكآبة ثقيلة.
وجد الغريب موقعا له بين الجموع بصعوبة بالغة .
لاحت في أعينهم نظرات مريبة بشأن هذا الغريب, فسرت همهمات سرعان ما أصبحت صيحات .
لزم الغريب مكانه حتى لاذوا جميعهم بالصمت .
نهض , وكشف عن وجهه , فإذا به إنسان الغابة المجاورة .
لم يمنحهم فرصة للتفكير أو للتساؤل , وخاطبهم بلهجة آمرة يختلط فيها الرجاء بالكبرياء قائلا :
ــ جئتكم بعد عجزكم , وعدم قُدْرَتكُم لحل خلافاتكم , وكما تعلمون , انا جار لكم ويعنيني أن تنعموا
بالأمن والأمان كي لا يأتيكم ويأتيني يوما أغراب من أقاصي الدنيا ينهبون خيراتنا متعللين بالفساد
والفوضى المُتفشِية بيننا . فلا بد يا إخوتي أن تتمتعوا بقدر من الشفافية والديمقراطية وأن تبادروا
الآن بالإصلاح كي تصبحون قادرين على حل مشكلاتكم الماثلة الآن أمامي .
وعليه, فإني اطمح إلى موافقتكم على اقتراحي هذا, والمتعلق بالبيضة فقط .
فلترقد الدجاجات الثلاث فوق البيضة فرادى وكلٌ بدورها حتى يأتي موعد الفقس . وقبل أن ينقر
الصوص القشرة تأخُذ كل دجاجة ركن وتنزوي به . ومن يدنوا منها الصوص , تضمه بحضنها , فهو ابنها .
تفاءلوا خيرا واستبشرت أنفسهم بالعرض المُقدَّم , فقبلوه .
في الموعد المحسوب , وكما هو مكتوب , رقدت الدجاجات الثلاث فوق البيضة وحسب الخطة الموضوعة .
مرّ موعد الفقس , ولم تتشقَّقْ قشرة البيضة ليخرج منها الصوص الموعود .
انتفض الفحل ناثراً رذاذه الناري من فوهات جسده جميعها, فلكَزَ الديك في خاصرته وهو يصرخ :
ــ كسفتنا الله يكسفك , حضرتك مبسوط وأنت بتقول أنا الديك أنا الديك ، وبيضة واحدة لم تستطع أن تلقحها ؟
تشجَّع التيس وأردف مُضيفاً بلا استحياء :
ــ انزعوا النياشين عن صدره فهو لا يستحقها بعد عملته السودة هذه , لقد قصَّر رقابكم وجعلكم مضغة بأفواه
الشامتين . أظن انه لا كلام بعد الآن , سوف أقوم بمهمة تلقيح البيضة بنفسي , فانتم تعلمون أني أهل لها .
ضرب الهرج والمرج حيوانات الغابة , وسرت همهمات ومشاريع حوار بابلي .
فاختلط المتحدث بالمصغي , والمتفلسف بالواقعي .
ابتسم الغريب في سِرّه وخاطب نفسه قائلاً :
لقد سقطت أسطورة الديك وتحطّمَ كبريائهُ , وما هي إلاّ دقائق وتصبح البيضة في يدي .
كانوا بانتظار الأسد كي يوقف هذه المهزلة فيضع حداً لها كعادته في الملمات .
طال انتظارهم , فازدادوا لهفة لسماع رأي الأسد الذي انكمش وأصبح بالكاد يُرى .
عندها برز الجمل كسفينة في بحرٍ , الموجه فيه تلاطم أختها . ظهر أمامهم كالقشة التي يُمسِك بها الغريق .
فاخذ الحديث من حيث تركه التيس وقال لهم مُتسائلاً :
ــ هل ترضون بالتيس أبا روحيّاً لكم ؟
فأغرقت الحيوانات بالضحك .
لم ينتظر ردَّهُمْ واسترسل بالتساؤل قائلاً :
وهل كنتم تتوقعون يوما أن يكون ديكنا عقيماً ؟ وبيض دجاجاتنا ممشوشاً ؟
أنا لن افرض عليكم رأياً أو حُكماً , أمامكم الديك وأمامكم البيضة فماذا انتم فاعلون ؟ ولنبدأ بالديك .
تدلّى القرد من على غصن شجرة وقال متهكماً :
ــ نعمل عليه " كيسكوسية " مفتول .
ابتسموا والأسى لا يبرح عيونهم . لقد أحبو الديك رغم غروره , ويأسفون الآن لرحيله مع علمهم
أن قِلّة من حيوانات الغابة يُضمرون له الأذى . ومن بين هؤلاء , كان الضبع , فعلاقته المريبة
بالغريب قد طفت على السطح , وأصبحت حديث مَنْ لا حديث لهم , فها هم مُريدوه يتكالبون على
الديك ويتكاثرون كالهَمِّ على القلب , ولا غاية لهم سوي تجميل صورة الضبع , كي يتبوأ مكانة
الديك عندما تأزف الساعة ويأمر الغريب .
رَمَقَتْ الحيوانات الضبع يندسُّ بينهم مُتلفعاً بخرقةٍ يُخفي بها دمامتهُ . فصرخوا بوجهه قائلين :
ــ يا للعجب العجاب , هل أصبح للضبع القبيح أحبابا ؟ أم أننا في آخر وقت من هذا الزمن العجيب ؟
أجابهم الضبع وهو ينظر نحو الغريب نظرة العبد لسيده قائلا :
ــ لا تسألوني أنا , بل اسألوا صانع الأكاذيب ، فإن شاء يجعل مني أبا لهبٍ , وان شاء , المصطفى الحبيب .
نَتَعَ الحَملُ ذيل الضبع وصرخ بالجموع قائلا :
ــ (نحن قومٌ عُرفُ ديكنا علمُ والأذناب لاعرفٌ لهم ولا دينُ ومَنْ يُسوّونَ عرف الديك بالذنب لهم طينهُم ولنا طينُ ).
أدرك الغريب ما سوف تؤول إليه الأمور إذا استرسل محبو الديك في التعبير عن عواطفهم .
فقام بالإشارة خفية للجمل كي ينجز ما اتفقا عليه .
فأسرع الجمل بالقول متسائلاً :
ــ والبيضة ؟ ماذا انتم فاعلون بها ؟
سَحَبَتْ النعامة رأسها من تحت الرمال وحضنت ظليمها بحنان قائلة :
ــ أرجوكم تريثوا قليلا . فربما ؟
انهمرت الدموع من عينيها ولم تستطع أن تُكمل حديثها , وقد كانت هذه الدموع ابلغ رسالة تُوَجّه
في هذا المقام , فدخلت القلوب واستقرت .
فرصة ولاحت للغريب من حيث لا يدري . فقال بمكر تغلفه سحابة من كياسة :
ــ عمرك أطول من عمري يا نعامة . ما كان على لساني نطقتِ به أنت .
كنتُ على وشك أن اقترح على حضاراتكم أن آخذ البيضة معي , وكما تعلمون , لدينا تكنولوجيا
متطورة , نستطيع من خلالها تفريخ البيضة غير المُلقحة بعد استنساخها . ما هو رأيكم ؟
إذا ألقيَتْ إبرة وسط هذه الجموع فسوف يُسمع رنينُها . الغابة في سكون . حيواناتها وأشجارها حتى
خرير الماء توقف عن العزف .
فأدركهم قبل أن يدخلوا في سبات أهل الكهف :
ــ هل تسمحون لي بالبيضة ؟
قالها بمكر واضح وجليّ .
عندها استفاق الديك من الصدمة وصرخ كما صرخ ارخميدس :
ــ وجدتها , وجدتها .
انطلق طائراً نحو القن ونقر البيضة بمنقاره فخرج الصوص وهو يتمطع ويُصَوْصِوْ .
تأهَّبت الدجاجات الثلاث لإستقبال كتكوتها وكلُّ منهن تفرد له جناحيها .
وقف الصوص حائرا ومترددا أمام جموع الحيوانات التي تنتظر بلهفة أن يفيض النور
وترتفع سحابة الدخان الأبيض معلنة ظهور الحق .
مرَّت الثوان وكأنها سنوات ، فازدادت لهفة الحضور وتجسَّدت غضبا عارما ظهرت
بوادره بصرخة هنا وصرخة هناك .
رأى الصوص نفسه في محور الإهتمام . فكان خليقا به أن يبتهج ، لكنه خاف . وقبل
أن يتحول إلى مادة للتندر والفكاهة بسبب شكله الذي بدا غريبا ، فالجسد جسد طير ،
لكن رأسه رأس إنسان . قادته خطواته بعفوية نحو الغريب الذي ابتسم ساخرا ثم نهض قائلا :
ــ " عن إذنكم " ومضى مغادرا وبيده المخلوق العجيب الذي خرج من بيضة الديك .
كان الطقس باردا ، وكنا في فصل شتاء . لكن سرعان ما عمَّ الدفيء بمقدم الربيع
ولم تمضي الحياة في الغابة كما كانت تمضي من قبل .
تعليق