زوجتي .. طفلي .. و الغولة .
أوى طفلي الصغير الى فراشه و شرعت على العادة أقص عليه حكاية من الحكايات التي أعرف. قلت " كان يا ما كان في قديم الزمان في سالف العصر و الأوان . في بلاد "واق الواق " غولة ..-
فقاطعني طفلي قائلا :
- يا أبي أريد أن أنام لا رغبة لي في سماع الحكاية .
فأذعنت لرغبته و قبلته من جبينه ثم غادرت غرفته لا ألوي على شيء.
ولما كنت أمام الباب سمعته يقول لأمه :
- ألا يعرف أبي من الحكايات غير حكايا الغولة ؟
و لعلني سمعت أنفاس الحيرة و العجب تتجاوب في نفسي زوجتي . ولكنها لم تحر جوابا فقال لها الصبي :
- قص علي أنت حكاية يا أمي .
تلعثمت و بدت عليها الحيرة و لكنها قالت :
- سأقص عليك حكاية و هي الوحيدة التي أعرف . قصها علي أبوك .
و لكنها عن الغولة أيضا .
فقبل مرغما . فحدثت زوجتي قالت
" كان يا ما كان في قديم الزمان في سالف العصر و الأوان و في بلاد "واق الواق" غولة لم يعرف الناس أكثر شرا منها
" كان يا ما كان في قديم الزمان في سالف العصر و الأوان و في بلاد "واق الواق" غولة لم يعرف الناس أكثر شرا منها
كانت تتصيد الاطفال الصغار فتخظفهم من أهلهم و تأكلهم ثم تلقي بعضامهم .
و كان هناك امرأة لم ترزق من الدنيا سوى بصبي . ملأ عليها حياتها و أنساها فقد زوجها . فأحبته حبا يقارب الجنون و رعته كما لم ترع أم وليدها . و خافت من الغولة فاحاطته برعاية و عناية لم يعرف مثلهما . و لكن المسكينة لم تكن لتعاجل القدر. فذات يوم مل الطفل الصغير البيت و تاقت نفسه للعب و الرفقة.
فتحين من أمه فرصة و انسل الى الشارع . و ظل يمشي الى أن تاه عن طريق البيت . فوقف تحت الحائط يبكي و يرتعد من الخوف . وبصرت به امرأة عجوز شمطاء . تقدمت منه و سألته عن سبب بكائه و سر وجوده في هذا المكان المنقطع عن الناس . ولما علمت أنه تائه أخذت تتقرب اليه و أعطتته من الحلوى و الفاكهة و" الشوكولاطة " مابه رضي و هدأ روعه. ثم أخذته معها واعدة اياه بأن تحمله الى أمه. و سار معها المسكين و لا يدري انه يسير الى حتفه لا محالة. حتى ادركت به مكانا في قمة جبل . أدخلته كهفا مظلما موحشا وأسرت له أنهما سيرتاحان فيه قليلا على أن يواصلا سيرهما الى بيته بعد ذلك و لكن الطفل لم يرتح لوعد الغولة . بل ظن أنها تضمر له شرا . و ما حيلته أمام قوتها و جبروتها و مكرها . سكتت الغولة ساعة ثم قالت للطفل "تعال انظر من هذه الكوة . هل ترى ذلك الباشق المنتصب كالجبل . الجالس على تلك الربوة يمد جناحيه فيسد بهما مهب الريح من كل جانب . انه هناك يمنع عني الشمس التي بدون ضيائها لا أمل لي أن أعيش طويلا . لقد صارت أيامي معدودة . و لاسبيل لنجاتي الا بزحزحته عن مكانه ذاك . و لقد وجدت أنك الطفل الذي يمكن الاستعانة به. سأعطيك هذا الخنجر المسموم لتذهب فتغرسه في جنبه الأيسر و تصيب منه مقتلا . اذاك أكافئك بهذه الياقوتة التي لا تقدر بثمن و أعيدك لأمك كي تقر بك عينها . و ان رفضت ما آمرك به فستكون الليلة وجبتي المفضلة "
أُسقط في يد الطفل و عرف أنه لا محالة هالك . و ليس له من خيار سوى تلبية ما تطلب منه هذه الغولة اللعينة . ثم انه فكر. فلعل الخروج من هذا الكهف يهديه سبل الفرار و النجاة . فأعرب للغولة عن قبوله تنفيذ ما تطلب منه.و لكنها ليست من الغباء بحيث تتركه يخرج من الكهف دون ضامن أنه سيؤدي المهمة و يعود. لذلك وضعت في وسطه حبلا متينا و ربطت عليه بمائة عقدة وعقدة . و أدارت طرفه الآخر حول خصرها و دفعت للصبي بالخنجر المسموم و قالت " هيا ايها البطل . اقتل الباشق ولك علي ان أعيدك الى أمك معززا مكرما و معك الياقوتة السحرية . "
خرج الطفل من عند الغولة يكاد يقتله اليأس قبل ان يقتل الباشق . و في ذهنه تتزاحم هواجس و مخاوف لا قبل لعقله الصغير بها . و ظل يصعد الى حيث الباشق تكاد رجلاه لا تقدران علىحمله . حتى وصل الى حيث هو . وحين اقترب منه ظل مشدوها لعظمة هذا الكائن الخرافي . فلم تر عيناه مثل هذا الطائر أبدا. وقف و قد تجمد الدم في عروقه و عقد الخوف لسانه و لم يدر ما يفعل . و كأن بالباشق قد أحس بوجوده . فالتفت اليه و قال " ماذا تصنع أيها الصغير ما الذي أتى بك " رد الطفل و هو يرتعد " أنا هنا لأقتلك بهذا الخنجر المسموم " اهتز الباشق و ضحك حتى بانت نواجذه .ثم قال للطفل مازحا "أتقدر- أيها الغر-على قتلي " فرد " ليس برغبتي انما هي الغولة اللعينة ثم اني أريد ان أعود الى أمي التي تنتظرني " حينذاك أدرك الباشق أن الغولة لازالت تحاول أن تقتله لتنعم بدفء الشمس و لتعيش . و أنها وجدت في الطفل المسكين من يمكن الاستعانة به على ذلك . فأخذه في كفه . فلم ير الطفل
عملاقا بمثل حجمه وخاف . فهدأ الباشق من روعه و قال له " أدركت النجاة لن تصل الغولة اليك سأحملك الى أمك " فتساءل الطفل بأسى "كيف ذلك ايها الباشق و الغولة توثق حولي حبلها و قد عقدته بمائة عقدة و عقدة " و حين رأى الباشق الحبل المتدلي و أدرك أن طرفه الآخر أدير حول خصر الغولة طلب من الطفل أن يتمسك به جيدا و رفرف بجناحيه الكبيرين و طار في الفضاءو قد سحب في الأسفل الغولة من حبل يشدها شدا . و ظل يطير الى أن وقف على فوهة بركان في قمة جبل عظيم ينفث ناره الى الأعلى فأحرق الحبل الذي منه تتدلى الغولة .فهوت في البركان و احترقت و ماتت من غير رجعة . فأخذ الباشق الطفل الى أمه لكي تقر به عينها ."
و سكتت زوجتي عن الكلام المباح و قد أخذ النوم طريقه الى جفوني طفلي تكاد تلمح على شفتيه ابتسامة الرضى . و لكن ما أثار عجبي و عجبي أنه لم أذكر أنني حدثت زوجتي بهذه القصة عن الغولة فأنا لا أعرف الحكاية على ما أعرف من حكايا الغول و الغولة .
و من الغد صباحا ذهبت لأوقض طفلي كي يذهب الى روضته . فافاق غير مرتعد على غير العادة ابتسم لي و قال " صباح الخير يا أبي . لقد ماتت الغولة.. لقد ماتت الغولة " حينذاك ذكرت زوجتي و قلت في نفسي " فعلا ان في قلوب النساء من الحكمة ما لا تنطوي عليه قلوب أحكم الرجال ."
تعليق