الثّوراتُ العربيّةُ (؟!): أحداثٌ مُؤلمةٌ و آفاقٌ مُظلمةٌ.
يعتقد كثير من الناس ممن لم تتح لهم فرص التعبير الحر لعقود مديدة بسبب القهر العسكري و الاستبداد السياسي اللذين مارستهما الأنظمة العربية الخبيثة منذ أكثر من ستين سنة على أقل تقدير، أو كثر من هذه المدة إن نحن رجعنا إلى التاريخ الحديث ولاسيما بعد 1798 من التقويم الصّليبي، أو ما يسمى "الحملة الفرنسية على مصر" و ما تبعها من تسلط الأنظمة المستبدة الأعجمية "الإسلامية" (محمد علي باشا في مصر مثلا) على البلاد العربية ثم ما توارثته عنها الأنظمة "العربية" المستعجمة مرورا بفترات الاستدمار الغربي للبلاد و العباد معًا أن الشعوب العربية قد بلغت من النضج السياسي و الوعي الفكري و الحرية الاجتماعية ما يُمكِّنها من الثورة على أنظمتها المستبدة هكذا عفويا أو تلقائيا كما يبدو، هذا وهم كبير لا يقدره إلا من خبر الشعوب العربية و فهم عقلياتها المتخلفة المتبلدة و المتحجرة منذ ... قرون !
إن الاستبداد السياسي و القهر العسكري في الأنظمة العربية من التمكن و الانغراز حتى صار فطرة فيها و سجية حتى و إن حاولت الانفكاك منهما لما استطاعت و لما طاوعتها فطرتها أو غريزتها "الطبيعية" المكتسبة منذ عقود و دهور و أزمنة مديدة و قد ألفت الشعوب العربية الرق فلا يمكنها أن تحرر منه إلا عندما تحرر من ربقة الجهل المركب، الجهل ذي الأبعاد الثلاثية، الجهل بـ3d، الذي تعاني منه منذ أجيال متعاقبة !
و كقراءة أولية بعد مرور ما يقارب السنة من "الثورة الشعبية العربية العفوية و التلقائية" (؟!!!) في الوطن العربي مرورا بـ "ثورة الياسمين" في تونس و "ثورة التحرير" في مصر و ما استتبع ذلك من سقوط بعض المستبدين من الحكام، زين العابدين بن علي و حسني مبارك و معمر القذّافي و من سيلحق بهم قريبا من الطواغيت إن شاء الله تعالى، و "وصول" الإسلاميين إلى صناديق الاقتراع "ديموقراطيا" (؟!!!) و الرعب الدفين أو المكبوت و المعلن بصراحة أحيانا، من "الغول الإسلامي" إن هو وصل فعلا إلى الحكم في تونس و مصر و ليبيا و المغرب، و ربما في سوريا و اليمن قريبا، مع أن الإسلاميين لا يصلحون لقيادة شعوبهم لا اليوم و لا غدا لما هم عليه من "تخلف" في جميع الميادين و ضعف في وسائل الحكم و شروطه، فهل يسمح لنا أن نشك أو نتردد في قول: "إن الثورات الشعبية العربية العفوية و التلقائية" (؟!!!) ليست بتلك العفوية و التلقائية و لا الشعبية و لا حتى العربية المزعومة ؟
لقد سبق لي أن صرحت في العديد من المرات منذ يناير 2011 أن الثورات العربية المزعومة إنما هي انقلابات عسكرية و اليوم يتأكد أنها فعلا انقلابات عسكرية مُموّهة في زي مدني جميل أو بذلة أوروبية أنيقة و أن أطرافا ائتلفت و تحالفت و تناصرت لتحقيق مآرب كبيرة و خطيرة و مرعبة في الوطن العربي، و ظهر أن "صمت" العسكر خلال "ثورة" تونس أو خلال "ثورة" ميدان التحرير في القاهرة في يناير إنما كان لقصد و لم يكن حبا في الشعوب الثائرة أو في الجماهير الغاضبة أو تعاطفا معها و قد أظهرت الأحداث الأخيرة في ميدان التحرير بمصر في ديسمبر الجاري و ما اقترفه العسكر في حق المدنيين أن الأمور مبيتة منذ البداية و كما قال أبو الطيب المتنبي:
"إذا رأيت نيوب اللَّيث بارزة = فلا تظننَّ اللَّيثَ يبتسم" !!!
قرأت الكثير مما كتبه كثير من المراهقين سياسيا و إن بلغوا من العمر عتيا و الذين ساروا وراء السراب و خدعتهم نداءات عرائس البحر المغرية كما قرأت كثيرا مما كتبه المرتزقة، أو المسترزقة، من أصحاب الأقلام المأجورة و الذين يدافعون بخبث عن الأنظمة الفاسدة و يبررون الفساد و البطش و القهر و القتل و التنكيل بالجماهير الغاضبة، الجماهير العزلاء، المحرَّكة و المَسُوقة إلى الثورة بعمى مثير للشفقة و الدهشة معا و أعود فأكرر ما قلته منذ البداية أن وراء الأحداث في الوطن العربي تخطيطا و حسابات و مقاصد و غايات ستظهر تباعا في المستقبل و إن إذا لناظره قريب {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} غافر/44، و للحديث بقية إن شاء الله تعالى إن كان في النفس شهية للحديث !
البُليْدة، ليلة الجمعة، 26 من شهر الله المحرم 1433، الموافق 22/12/2011.
تعليق