بعضا مما حكاه البرق لجدي ذات ليلة - قصة قصيرة - يحي الحسن الطاهر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يحي الحسن الطاهر
    أديب وكاتب
    • 20-03-2011
    • 111

    بعضا مما حكاه البرق لجدي ذات ليلة - قصة قصيرة - يحي الحسن الطاهر

    حدثت هذه القصة قبل نصف قرن تقريبا ، كما يروي جده ، وهو يضحك بصورة حادة ، ويسعل كاشفا عن أسنان بيضاء نقية مثل نتف من الثلج الناصع البياض ، صغيرة كأسنان الأطفال، مشعة بضياء وهاج ، لشد ما أعجبته هذه الأسنان ، في صغره كان يعتقد إنها هي مصدر الضوء الوحيد بالغرفة في قريتهم التي لم تعرف حينها إن هناك شيئه اسمه الكهرباء ، بل كثيرا ما اعتقد إنها تضيء كل القرية وبخاصة حين يشرع في ضحكته المجلجلة .. ولأنه كان كثيرا ما يخشى العفاريت التي تنتشر في الظلام وتحاول اختطاف الأطفال ، كان يحرص دوما على جعل جده يضحك كثيرا لكي لا يختفي الضوء وتلتهمه " أم كلعلع" الشمطاء ..أو ابنتها " الشكلوتة" القبيحة ذات العين الواحدة ، التي كثيرا ما تزور الصبية في أحلامهم ..بعد يوم مليء بالشقاوة وإغاظة الكبار.. كانت أمسية الاثنين، فيما أذكر، بدأ جده- الذي ناهز المائة وعشرون عاما، ولا يزال أسود الشعر وعيناه تشعان ببريق مدهش روايته:
    الشمس كانت على وشك المغيب، الريح في تلك الأمسية كانت تعصف بقوة، كنت أحس بشدتها من ضجيج الموج وصرير النوافذ والأبواب بمنزلي..السماء كانت ملبدة بغيوم كثيفة..تتشقق كل حين بسياط لاهبة من البرق ، الذي يعبر ظلمتها كمهر يركض من أقصاها إلى أقصاها ، تتلوى من شدة وقع سياط البرق ..تركض ..تلتصق ببعضها كي تتشارك هذه الآلام المبرحة .. البرق كان يومض ويختفي كاشفا عن مشاهد متعددة مما سيحدث في هذه الليلة، بصورة أقرب..يا ولدي ..إلى الأفلام السينمائية التي أخذتني إليها..حين زرتك بالبندر..أتذكر؟
    لم يترك لي جدي، برهة لكي أجيبه..بل شرع في حكايته ... كنت أشاهد كل تفاصيل حياتك..قبل أن تولد ..أراك وأنت تنمو ..تصير صبيا ..ليس كما جميع الصبيان ..كنت دوما تحيرني كثيرا ..تحتال علي كي تضحكني .ولا أعرف سر هذا الإصرار في عينيك الصغيرتين علي إضحاكي حتى حين أكون في الصلاة.. تأتي لتجلس أمامي.. وحين يختفي البرق .ينهشني الفضول لكي أعرف ..ماذا فعلتما أنت وزوجتك الأولى ..فآخر مشهد رأيتكما فيه..كان وأنتما تتضاحكان عاليا وتدلفان إلى غرفة في مدينة بعيدة جدا عن قريتنا هذه... كانت هي تصر – كعادتها دوما- أن نذهب إلى إحدى صديقاتها..بينما كنت – كعادتي دوما – أفضل البقاء بالمنزل ..وتحديدا بغرفة النوم ..أو الذهاب إلى البحر للتسكع حول الشاطئ ومشاهدة النوارس وهي تحلق عاليا وتهبط ملامسة لسطح البحر بشهية مجنونة للمرح .. قلت لها:
    لا أود حقا الذهاب إليها .. مللت من أحاديثها المكررة عن أسرتها ..وكيف اشترى أباها تلك السيارة الفارهة أو ذاك القصر البديع ..أو كيف سافرت أمها إلى كل المدن ...وهذه الأشياء الثمينة التي جلبتها معها ..معاطف الفرو ..العطور التي تحشد في قواريرها كل حدائق العالم ..دعينا نذهب إلى البحر .. إلى حيث..
    باغتني حينها جدي بسؤال:
    أين تنوي الذهاب ..وما هذه الشوارع الفسيحة التي تترامى مد البصر؟ يأتي البرق فأراك ..مرة أخرى صبيا ( يضحك جدي عاليا وهو يتمتم كأنه يحادث نفسه):
    البرق ذو ذاكرة مثقوبة ..فقبل قليل رأيتك رجلا ..يقتاد فتاته إلى غرفته .. والآن ها أنت صبيا..لا يهم .. فربما غرقت الأزمنة في جوف هذه السحب الكثيفة .. كانت أمك ..في تلك الأمسية..تحيط بها الكثير من النسوة..يشجعنها لتخفيف أوجاع المخاض ..كنت أنت تولد للتو ....أظلمت الغرفة قليلا حين صمت جدي عن سرد القصة ..كان مغمضا عيناه...كأنه يتأمل في ما يتسكع في فضائهما الفسيح المعتم من مشاهد..قلت ..محاولا استدراجه للحديث..وماذا حدث بعد ذلك يا جدي..
    دعني قليلا ..كانت عيناه مغرورقتين بالدمع كحبات مسبحة تقاطر لؤلؤها على خديه ...فقد رأى " جدتي" الراحلة..بين النسوة حول سرير أمي .. صارت الآف العفاريت الصغيرة تتسلل من خلل شقوق الغرفة ...حاول إحداها الإمساك بي .. فررت بعيد كي أختبئ تحت الطاولة أو في حجر جدي ..طاردتني ..كنت أرتجف خوفا و أحاول الهروب .. ولكن هاهي الابتسامة تشع مرة أخرى غامرة بضيائها الساحر جنبات الغرفة وصوت جدي العميق يتسلل بدفء إلى أذني ..حين ولدت لم تكن تصرخ كما الأطفال ..صمت لوهلة وصرت تحدق بعينين مذهولتين حولك كمن أفاق من نوم عميق ...كنت تبتسم للجميع ...وكم كانت دهشة النساء عظيمة حينها وهن يشهدن هذه الحادثة الغريبة:" أنظرن ...قالت احدهن..عيناه مفتوحتين ويبتسم...هل رأيتن شيئا مثل هذا من قبل؟ ...حوقلت كبار النسوة وتمتمن تعاويذا سرية ...لم أسمع منها شيئا .. وحدها أمك كانت تبتسم وهي تنظر إليك في رضا وإعجاب بليغين ( أخبرتني فيما بعد كيف كنت تهمس لأذنيها وأنت داخل أحشائها...بأنك ستولد مفتوح العينين ومبتسما ...حتى لا يفاجئها ذلك فيما بعد!! )
    لن أذهب معك .. يمكنك أن تذهبي لوحدك إذا شئت ...أما أنا فسأذهب إلى البحر ...وسأعود إلى المنزل ... رأينا أنا وجدي الذي كان يجلسني في حجره وقتها.. كما اعتاد حين يحكي لي حكاياه كل ليلة...رأينا كيف تحاول زوجتي بإصرار أن تدفعني لزيارة صديقتها الثرثارة...كنت أحاول أن أتطلع إلى هذا الرجل الذي سأكونه بعد ربع قرن من الزمان...قلت لجدي:
    انه يشبهني كثيرا..أليس كذلك؟
    يشبهك؟ قال جدي باستغراب ...هذا أنت ...كيف يشبهك يا ملعون ( اعتاد جدي أن يقولها كثيرا وهو يضحك ) كنت في السابعة من عمري حينها ..وكان البرق ما يزال يشق طريقه من خلل السحاب ميمما شطر غرابة ما تصورني مشاهدها كهلا تعدي الخامسة والأربعين ، كنت أنظر ألي في دهشة ..وأنا أداعب طفلتي" ريم – ست الحريم" كما كان يدعوها أحد أصدقائي ، كانت مثل عمري وأنا أراني من مقعدي الوثير في حجر جدي ، في السابعة أو دونها بقليل ...كانت تحكي لي – وهي تضحك بأسنانها المليئة بثقوب تحكي عن ألاف قطع الحلوى التي سكنتها مغارة لشغف صغيرتي ، تحكي حكاية طولية عن كيف اتفقتا هي و" إيمان أختها " على صغيري " محمود الذي لم يكن مثلي يخشى العفاريت لذا لم يلجأ لإضحاك جده كثيرا مثلما أفعل الآن خوفا من ظلام غرفة لا يشع فيها ضياء ابتسامة جدي الساحر ..كنت أطالع البرق بشغف وأنا أراه يحكي حكايتي التي يسردها جدي ..( كنت أكتم دهشة عظيمة إذ لم يذكر جدي أي شيء عن زوجتي الثانية..فقد انفصلت عن الأولى وتركتها لصديقتها الثرثارة وتزوجت أخرى ...كما أخبرني جدي ) فجأة قال جدي وكأنه اضطلع على ما يجول بخاطري حينها..
    زوجتك الثانية؟ والدة هؤلاء الأطفال الرائعون...سأحكي لك عنها تمهل قليلا... هاأنت الآن قد كبرت وصرت تذهب إلى المدرسة ، تعود في الظهيرة لتحكي لي عن أستاذ التاريخ ، وعن شغفه الشديد بالبرق ( ذات يوم يا جدي أخبرنا إن البرق يعرف كل شيء..هل هذا صحيح يا جدي؟ البرق يحكي عن كل شيء ..حتى الفراعنة ..وكيف كانوا ينامون ليلا وقد أرهقهم حمل كل هذه الصخور الثقيلة للمعابد والأهرامات ...ولكنك أخبرتني إنهم لم يكونوا يحملونها على أكتافهم كما قال لنا ..كنت تحدثني إنهم يجعلونها تتحرك فقط لأنهم يرغبون في ذلك ويركزون أفكارهم عليها ...يأمرونها في سرهم بأن تتحرك إلى هذه الناحية أو تلك..ولا يمكنها سوى الإذعان لرغبتهم ..هل تذكر ذلك يا جدي؟ وهل يكذب البرق أم يكذب أستاذ التاريخ؟
    البرق يا ولدي يلملم ما تمزق من أشلاء السحاب ، الذي يهطل مطرا يحكي عشق الماء إلى اليابسة ..تزدهي حينها بكل صنوف الحياة ، تمتلئ الجداول والأنهار ...التي يشرب منها البشر وحيواناتهم ويأكلون ما تنبته الأرض الخصيبة ، لذا البرق لا يكذب ، من ما شربه الناس وأكلوه يروي حكاياتهم ، فكيف يكذب؟ محمود يلقي بحقيبته المدرسية جانبا وهو يستأذنني :
    أريد أن ألعب الكرة خارجا يا أبي ..
    ريم وإيمان يرغبون في بعض الحلوى ..
    بينما جدي يسترسل في حكايتي ..
    هل تريد أن تعرف حقا لماذا لم أحكي لك عنها..عن زوجتك؟
    هي هذا البرق ..
    جدة -23/12/2011م




    [you]

    sigpic

    سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
    yahia.change@gmail.com
    http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
    https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    يمكن القول إننا فى هذا النص السردى الجميل والمتميز أمام فكرة الحضور الإنسانى الذى يطبع بصمته على التاريخ ، وعلى الحياة ،حتى يصير الحضور نفسه هو الزمن وهو الفعل الذى يشكل هيئة التاريخ ومعالم تحققه وحدوثه ، أمام فكرة الحضور الأنسانى الذى يجد له ملاذا وفراديس يصوغه بأنامل أمنياته الحبيسة المتقدة أملا واصطبارا ، والحقيقة إننا أمام فكرة إنسانية عميقة وتحمل عمقها الوجودى الذى يستحق التأمل والتمعن بل والتلقى من أكثر من زاوية نظرا لثراء الفكرة التى قام عليها النص حيث ستكون لى معه قراءة أخرى تالية بإذن الله قريبا

    - يمكن القول إننا من حيث الوجدان أمام مشاعر تتجلى فيها حالة النشوة بالحضور الإنسانى وقدرته على أن يكون فاعلا وخالقا ونبيلا فى آن واحد ينسرب إلى الحياة فيلونها بلونه ويصوغها كما صلصالة طيبة بين أنامله الحالمة الفنانة ، ويتجلى هذا الوجدان جليا فى انعكاس بسمة الجد على نفسه فهو يراها شمسا نيرة تضىء القرية كلها ، كما يتجلى فى نظرته لدمعه الذى يستحيل لؤلؤا ، كما يتجلى فى مشهدية ابتسام بطل النص الوليد لحظة خروجه للحياة فهذى الابتسامة هى رسالة من وجدان حالم آمل يعانق حضورها فى الحياة منذ أول لحظة له فيها


    - فيما يخص المعالجة الفنية ربما من الهام أن نبدأ الحديث حول التخييل ، حيث نتلقى حضورا للبرق يتحول فيه إلى كيانا جمالى ودلالى مواز لدلالات عدة، لذا يمكن القول إن التخييل الذى يمثل عاموده البرق والذى يقوم علي الاستعارة التصريحية التى تتمثل فى رمزية البريق وتجلياته ، يستحيل معادلا جماليا لحالة النقاء التى يعيشها الجد وحفيده ،ويستحيل البرق انعكاسا صافيا لتجليات البصيرة التى تصفو وتشف حين تترسخ فى الأرض وتتجذر فى عشقها ، يستحيل البرق عونا للمتعبين ، وملاذا للحالمين ، ويستحيل البرق رمزا للنقمة التى تتوهج من وجدان الحليم فتسطع كاشفة وضيئة ، ويستحيل البرق وعدا بالتواصل مع المطلق وفوزا بفراديس خفية جميلة نائية تمثلها تلك الزوجة الثانية التى هى البرق بما يجعلنا أمام فكرة المطلق وفكرة العطاء المذخور للأنقياء الصابرين التى يوظفها السياق هنا فى بنية السرد، لذا يمكن القول إن التخييل هنا عاموده البرق وتجليات حضوره ودلالة هذا الحضور على وجدان بطل النص

    - فيما يخص المعالجة الفنية من حيث بنية السرد نحن أمام بنية فنية تقوم على تجسيد الفكرة عبر بنية متعددة الأصوات متعددة أزمنة الحكى ، متقاطعة عبر النجوى الداخلية التى تتناغم مع السرد ولنتأمل هذا السياق الذى افتتح به النص

    حدثت هذه القصة قبل نصف قرن تقريبا ، كما يروي جده ، وهو يضحك بصورة حادة ، ويسعل كاشفا عن أسنان بيضاء نقية مثل نتف من الثلج الناصع البياض ، صغيرة كأسنان الأطفال، مشعة بضياء وهاج ، لشد ما أعجبته هذه الأسنان ، في صغره كان يعتقد إنها هي مصدر الضوء الوحيد بالغرفة في قريتهم التي لم تعرف حينها إن هناك شيئه اسمه الكهرباء ، بل كثيرا ما اعتقد إنها تضيء كل القرية وبخاصة حين يشرع في ضحكته المجلجلة .


    ويمكن أن نلاحظ ما يلى فى السياق السابق

    - حضور صوت الراوى الذى يخرج نفسه من دائرة الحدث الذى نتلقاه فهو يحكى لنا قصة ، ولنتأمل الهاء فى لفظة " جده " هو إذن الراوى وليس بطل النص

    - تداخل الراوى مع الحدث عبر تلقينا مشهدية وصفه لضحكة الجد البيضاء النقية وتخييلها ، وسنلاحظ هنا أن الراوى يتحدث عن بطل النص وعما يعتقده فى بسمة جده

    - والحقيقة أننى أجد أن تماهى شخصية الراوى فى شخصية بطل النص من الناحية الفنية يوقعنا فى ارتباك وتشوش لبنية السرد حيث إننا مع توالى السرد لن نعرف بالضبط أى الشخصيتين الذى يتكلم مع الجد ، خاصة وأن الوجدان أو الجو النفسى الذى يحتوى المشهدية يقوم على تماس بين الراوى وبين الجد فمن السهل أن نستسيغ فكرة أنه يخاطب الراوى بولدى أو أن يخاطبه الراوى بجدى

    - لذا كان على الراوى فى رأيى أن يسيج حضوره بأدوات فنية تجعله يتمايز حضورا حتى لا يتشوش التلقى بين حضورين لكليهما فنيته ودلالته المختلفة فى السرد

    - الملاحظة الثانية فيما يخص بنية السرد والتى تختص بالتخييل أيضا وتوظيفه هى أننا نتلقى مشهدية تكنز الدهشة والتخييل وتتقد تحفيزا وإثارة حيث نتلقى هذا السياق الذى يحكى فيه الجد القصة التى حدثت منذ نصف قرن

    الشمس كانت على وشك المغيب، الريح في تلك الأمسية كانت تعصف بقوة، كنت أحس بشدتها من ضجيج الموج وصرير النوافذ والأبواب بمنزلي..السماء كانت ملبدة بغيوم كثيفة..تتشقق كل حين بسياط لاهبة من البرق ، الذي يعبر ظلمتها كمهر يركض من أقصاها إلى أقصاها ، تتلوى من شدة وقع سياط البرق ..تركض ..تلتصق ببعضها كي تتشارك هذه الآلام المبرحة .. البرق كان يومض ويختفي كاشفا عن مشاهد متعددة مما سيحدث في هذه الليلة،


    - إننا هنا وفى هذا المشهد أمام تمهيد لتلقى معجزة نبوءة ، واقعية سحرية ، أمام سرد تكثف وكون لحظة حرجة ،

    - لكن هذى اللحظة الحرجة تختتم بهذا المشهد

    " بصورة أقرب..يا ولدي ..إلى الأفلام السينمائية التي أخذتني إليها..حين زرتك بالبندر..أتذكر؟ "


    - حقيقة أجد أن التخييل هنا كتقاطع والذى يتمثل فى الاستعارة التمثيلية بين المشهدين مشهد البرق ومشهداصطحاب الجد إلى السينما هى مشهدية غير قادرة على أن تجعلنا أمام تخييل متواز فلا يمكن أن يكون مشهد البرق وما سنتلقاه عنه فى النص شبيها بمشهد السينما الذى أصطحب إليها الولد جده ، إذا كان هذا مستساغا أو يراد له فى ذهنية الجد فإنه فى رأيى غير مستساغ فى ذهنية ووجدان المتلقى

    - كلا المشهدين مشهد البرق المعجز العجيب ، ومشهد السينما وكبر الصبى وتوالى حياته عبر مشاهده وهى معالجة درامية سبق للمتلقى أن تلقاها فى معالجات عدة مختلفة ، لذا أجد أن التخييل يجعل بين المشهدين مسافة واسعة ليست تصب فى حساب بنية السرد التى تكثفت ثم انسربت مرة أخرى إلى شقوق الأرض دون أن تستحيل فيضا حقيقيا ينداح إلى وجدان المتلقى فى هيئة برق بهى يحمل رسالته الفنية التى يقوم عليها النص


    - إن بنية السرد كان يجب عليها منذ البداية أن تمسك بخيط البرق ولا تفلته ، وتشتغل على تكثيف المشهد ، نعم لكن هناك تقاطعا فى بنية السرد يراد به الاشتغال على صيغة سردية متداخلة الأصوات وتظهر انعكاس السرد على لوحة وجدان الشخوص ؟ وقد نجاح فى أكثر من سياق داخل النص ؟ حسنا كان يجب أن يكون ذلك دوما دون الإخلال بتكثيف السرد وتكوين اللحظة الحرجة التى يقوم عليها وإلا يستحيل السرد ، كان على النص أن يسيطر أكثر على فنية التقاطع بين السرد والنجوى


    -الملاحظة الأخيرة فيما يخص بنية السرد يمكن أن تتمثل فى هذا السياق

    ..( كنت أكتم دهشة عظيمة إذ لم يذكر جدي أي شيء عن زوجتي الثانية..فقد انفصلت عن الأولى وتركتها لصديقتها الثرثارة وتزوجت أخرى ...كما أخبرني جدي ) فجأة قال جدي وكأنه اضطلع على ما يجول بخاطري حينها..
    زوجتك الثانية؟ والدة هؤلاء الأطفال الرائعون.


    - حيث نتلقى فكرة تحول البرق إلى حياة أخرى لبطلى النص ، حياة حقيقية بكل ما تمثله الحياة فها هو البرق يتحول إلى زوجة ثانية وللبطل أبناء منها

    - لكن هل يكفى من الناحية الفنية أن يخبرنا بطل النص أنه إزاء هذا الحدث يكتم دهشة عظيمة ؟ فى الحقيقة نحن أمام حدث سردى لا يتم التمهيد له ولا نسجه النسج الفنى اللازم لتلقيه تلقيا فاعلا ومؤثرا فى الوجدان ،

    - إذ كيف يمكن أن يكون مستساغا حتى عبر فنية التخييل أن البطل اكتشف أن أولاده من البرق ، وأنه كان متزوجا من البرق ؟ والمشكلة ليست فى الاكتشاف ولكن فى فنية صياغته بهذا الاستسهال ، فنحن هنا أمام بطل أثناء حكى الجد له يقول له خذا يا ولدى هؤلاء أولادك وهذا البرق زوجتك لأن زوجتك الأولى كانت ثرثارة

    - الحقيقة أن المشكلة الرئيسة هى محاولة استخدام نفس الزاوية فى التخييل حيث يمكن بدرجة كبيرة أن نستسيغ أن ينظر الجد العجوز فى الغيم ثم يخبرنا أنه من نصف عام رأى فى البرق ما حدث بعد ذلك ، نعم هذا مستساغ ويمكن تلقى تخييله ، لكن أن يتحول هذا الحكى الذى يحكيه الجد إلى هذى النقلة فى سياق السرد وبهذا التبسيط ، لا أعتقد فى رأيى إننا بهذا الشكل أمام سياق سردى ييتابع تتابعا فنيا ، بل نحن أمام محاولة اصطناع الخاتمة لتكون من وجهة نظر السارد مناسبة لفكرة التخييل التى تلقيناها وقدرة البرق على أن يكون ملاذا

    - وفكرة أن يستحيل البرق ملاذا وحاضنا للحضور الإنسانى ، فكرة شفيفة عذبة وتدل على وجدان نقى بهى لا تحتاج فى رأيى إلى افتعال خيط دلالى لزوحة أولى ثرثارة لكى يكون البرق الزوجة الثانية ونرى أولادا منه وقعوا علينا من السماء

    من حيث البنية اللغوية ربما لى هذى الملاحظات

    -كان مغمضا عيناه والصواب عينيه
    -حاول إحداها الأمساك بى والصواب حاولت إذا كان المراد مؤنثا أ عفريتة
    -قالت إحداهن عيناه مفتوحتين – والصواب مفتوحتان
    - وتمتمن تعاويذا – والصواب تعاويذ َ
    -أن تذهبى لوحدك – والصواب وحدك
    -والدة هؤلاء الأطفال الرائعون – والصواب الرائعين
    -ريم وإيمان برغبون – والصواب يرغبان
    -لماذا لم احكى لك – والصواب لم أحك ِ

    تعليق

    • يحي الحسن الطاهر
      أديب وكاتب
      • 20-03-2011
      • 111

      #3
      بوركت يا صاوي..فيما بذلت من وقت لتتحامم مع نصي المسكين هذا ...دوما أجد فيك عمقا يدهشني ...يجعلني : أتستحق كتابتي البائسة كل هذه الفيوض العلوية من الكتابة الساحرة ؟ حقا : أرى انك انت من تبدع النص: لكونك تحفر في راقاته الأركيلوجية العميقة بحثا عن كنوز ما ...ولكن هيهات: حين أكتب ...عادة ..لا يكون لدي اي تصور مسبق: الأمر عندي اشبه بلعبة ذهنية...لا غرض لها غير ما كنا نفعله صغارا: تشييد قصور من الرمل في كنف شاطيء حنون ما ...بوركت صديقي ...وهنيئا لنصوصي المسكينة بما تكتب ...سأناقش معك موضوعا ما بعد قليل...رجاءا أرسل لي الايميل الخاص بك ورقم هاتفك على ايميلي: keizenk@gmail.com أو هاتفي:+966-547308727 وسلامي لك في الخالدين

      sigpic

      سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
      yahia.change@gmail.com
      http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
      https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

      تعليق

      • د.نجلاء نصير
        رئيس تحرير صحيفة مواجهات
        • 16-07-2010
        • 4931

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة يحي الحسن الطاهر مشاهدة المشاركة
        حدثت هذه القصة قبل نصف قرن تقريبا ، كما يروي جده ، وهو يضحك بصورة حادة ، ويسعل كاشفا عن أسنان بيضاء نقية مثل نتف من الثلج الناصع البياض ، صغيرة كأسنان الأطفال، مشعة بضياء وهاج ، لشد ما أعجبته هذه الأسنان ، في صغره كان يعتقد إنها هي مصدر الضوء الوحيد بالغرفة في قريتهم التي لم تعرف حينها إن هناك شيئه اسمه الكهرباء ، بل كثيرا ما اعتقد إنها تضيء كل القرية وبخاصة حين يشرع في ضحكته المجلجلة .. ولأنه كان كثيرا ما يخشى العفاريت التي تنتشر في الظلام وتحاول اختطاف الأطفال ، كان يحرص دوما على جعل جده يضحك كثيرا لكي لا يختفي الضوء وتلتهمه " أم كلعلع" الشمطاء ..أو ابنتها " الشكلوتة" القبيحة ذات العين الواحدة ، التي كثيرا ما تزور الصبية في أحلامهم ..بعد يوم مليء بالشقاوة وإغاظة الكبار.. كانت أمسية الاثنين، فيما أذكر، بدأ جده- الذي ناهز المائة وعشرون عاما، ولا يزال أسود الشعر وعيناه تشعان ببريق مدهش روايته:
        الشمس كانت على وشك المغيب، الريح في تلك الأمسية كانت تعصف بقوة، كنت أحس بشدتها من ضجيج الموج وصرير النوافذ والأبواب بمنزلي..السماء كانت ملبدة بغيوم كثيفة..تتشقق كل حين بسياط لاهبة من البرق ، الذي يعبر ظلمتها كمهر يركض من أقصاها إلى أقصاها ، تتلوى من شدة وقع سياط البرق ..تركض ..تلتصق ببعضها كي تتشارك هذه الآلام المبرحة .. البرق كان يومض ويختفي كاشفا عن مشاهد متعددة مما سيحدث في هذه الليلة، بصورة أقرب..يا ولدي ..إلى الأفلام السينمائية التي أخذتني إليها..حين زرتك بالبندر..أتذكر؟
        لم يترك لي جدي، برهة لكي أجيبه..بل شرع في حكايته ... كنت أشاهد كل تفاصيل حياتك..قبل أن تولد ..أراك وأنت تنمو ..تصير صبيا ..ليس كما جميع الصبيان ..كنت دوما تحيرني كثيرا ..تحتال علي كي تضحكني .ولا أعرف سر هذا الإصرار في عينيك الصغيرتين علي إضحاكي حتى حين أكون في الصلاة.. تأتي لتجلس أمامي.. وحين يختفي البرق .ينهشني الفضول لكي أعرف ..ماذا فعلتما أنت وزوجتك الأولى ..فآخر مشهد رأيتكما فيه..كان وأنتما تتضاحكان عاليا وتدلفان إلى غرفة في مدينة بعيدة جدا عن قريتنا هذه... كانت هي تصر – كعادتها دوما- أن نذهب إلى إحدى صديقاتها..بينما كنت – كعادتي دوما – أفضل البقاء بالمنزل ..وتحديدا بغرفة النوم ..أو الذهاب إلى البحر للتسكع حول الشاطئ ومشاهدة النوارس وهي تحلق عاليا وتهبط ملامسة لسطح البحر بشهية مجنونة للمرح .. قلت لها:
        لا أود حقا الذهاب إليها .. مللت من أحاديثها المكررة عن أسرتها ..وكيف اشترى أباها تلك السيارة الفارهة أو ذاك القصر البديع ..أو كيف سافرت أمها إلى كل المدن ...وهذه الأشياء الثمينة التي جلبتها معها ..معاطف الفرو ..العطور التي تحشد في قواريرها كل حدائق العالم ..دعينا نذهب إلى البحر .. إلى حيث..
        باغتني حينها جدي بسؤال:
        أين تنوي الذهاب ..وما هذه الشوارع الفسيحة التي تترامى مد البصر؟ يأتي البرق فأراك ..مرة أخرى صبيا ( يضحك جدي عاليا وهو يتمتم كأنه يحادث نفسه):
        البرق ذو ذاكرة مثقوبة ..فقبل قليل رأيتك رجلا ..يقتاد فتاته إلى غرفته .. والآن ها أنت صبيا..لا يهم .. فربما غرقت الأزمنة في جوف هذه السحب الكثيفة .. كانت أمك ..في تلك الأمسية..تحيط بها الكثير من النسوة..يشجعنها لتخفيف أوجاع المخاض ..كنت أنت تولد للتو ....أظلمت الغرفة قليلا حين صمت جدي عن سرد القصة ..كان مغمضا عيناه...كأنه يتأمل في ما يتسكع في فضائهما الفسيح المعتم من مشاهد..قلت ..محاولا استدراجه للحديث..وماذا حدث بعد ذلك يا جدي..
        دعني قليلا ..كانت عيناه مغرورقتين بالدمع كحبات مسبحة تقاطر لؤلؤها على خديه ...فقد رأى " جدتي" الراحلة..بين النسوة حول سرير أمي .. صارت الآف العفاريت الصغيرة تتسلل من خلل شقوق الغرفة ...حاول إحداها الإمساك بي .. فررت بعيد كي أختبئ تحت الطاولة أو في حجر جدي ..طاردتني ..كنت أرتجف خوفا و أحاول الهروب .. ولكن هاهي الابتسامة تشع مرة أخرى غامرة بضيائها الساحر جنبات الغرفة وصوت جدي العميق يتسلل بدفء إلى أذني ..حين ولدت لم تكن تصرخ كما الأطفال ..صمت لوهلة وصرت تحدق بعينين مذهولتين حولك كمن أفاق من نوم عميق ...كنت تبتسم للجميع ...وكم كانت دهشة النساء عظيمة حينها وهن يشهدن هذه الحادثة الغريبة:" أنظرن ...قالت احدهن..عيناه مفتوحتين ويبتسم...هل رأيتن شيئا مثل هذا من قبل؟ ...حوقلت كبار النسوة وتمتمن تعاويذا سرية ...لم أسمع منها شيئا .. وحدها أمك كانت تبتسم وهي تنظر إليك في رضا وإعجاب بليغين ( أخبرتني فيما بعد كيف كنت تهمس لأذنيها وأنت داخل أحشائها...بأنك ستولد مفتوح العينين ومبتسما ...حتى لا يفاجئها ذلك فيما بعد!! )
        لن أذهب معك .. يمكنك أن تذهبي لوحدك إذا شئت ...أما أنا فسأذهب إلى البحر ...وسأعود إلى المنزل ... رأينا أنا وجدي الذي كان يجلسني في حجره وقتها.. كما اعتاد حين يحكي لي حكاياه كل ليلة...رأينا كيف تحاول زوجتي بإصرار أن تدفعني لزيارة صديقتها الثرثارة...كنت أحاول أن أتطلع إلى هذا الرجل الذي سأكونه بعد ربع قرن من الزمان...قلت لجدي:
        انه يشبهني كثيرا..أليس كذلك؟
        يشبهك؟ قال جدي باستغراب ...هذا أنت ...كيف يشبهك يا ملعون ( اعتاد جدي أن يقولها كثيرا وهو يضحك ) كنت في السابعة من عمري حينها ..وكان البرق ما يزال يشق طريقه من خلل السحاب ميمما شطر غرابة ما تصورني مشاهدها كهلا تعدي الخامسة والأربعين ، كنت أنظر ألي في دهشة ..وأنا أداعب طفلتي" ريم – ست الحريم" كما كان يدعوها أحد أصدقائي ، كانت مثل عمري وأنا أراني من مقعدي الوثير في حجر جدي ، في السابعة أو دونها بقليل ...كانت تحكي لي – وهي تضحك بأسنانها المليئة بثقوب تحكي عن ألاف قطع الحلوى التي سكنتها مغارة لشغف صغيرتي ، تحكي حكاية طولية عن كيف اتفقتا هي و" إيمان أختها " على صغيري " محمود الذي لم يكن مثلي يخشى العفاريت لذا لم يلجأ لإضحاك جده كثيرا مثلما أفعل الآن خوفا من ظلام غرفة لا يشع فيها ضياء ابتسامة جدي الساحر ..كنت أطالع البرق بشغف وأنا أراه يحكي حكايتي التي يسردها جدي ..( كنت أكتم دهشة عظيمة إذ لم يذكر جدي أي شيء عن زوجتي الثانية..فقد انفصلت عن الأولى وتركتها لصديقتها الثرثارة وتزوجت أخرى ...كما أخبرني جدي ) فجأة قال جدي وكأنه اضطلع على ما يجول بخاطري حينها..
        زوجتك الثانية؟ والدة هؤلاء الأطفال الرائعون...سأحكي لك عنها تمهل قليلا... هاأنت الآن قد كبرت وصرت تذهب إلى المدرسة ، تعود في الظهيرة لتحكي لي عن أستاذ التاريخ ، وعن شغفه الشديد بالبرق ( ذات يوم يا جدي أخبرنا إن البرق يعرف كل شيء..هل هذا صحيح يا جدي؟ البرق يحكي عن كل شيء ..حتى الفراعنة ..وكيف كانوا ينامون ليلا وقد أرهقهم حمل كل هذه الصخور الثقيلة للمعابد والأهرامات ...ولكنك أخبرتني إنهم لم يكونوا يحملونها على أكتافهم كما قال لنا ..كنت تحدثني إنهم يجعلونها تتحرك فقط لأنهم يرغبون في ذلك ويركزون أفكارهم عليها ...يأمرونها في سرهم بأن تتحرك إلى هذه الناحية أو تلك..ولا يمكنها سوى الإذعان لرغبتهم ..هل تذكر ذلك يا جدي؟ وهل يكذب البرق أم يكذب أستاذ التاريخ؟
        البرق يا ولدي يلملم ما تمزق من أشلاء السحاب ، الذي يهطل مطرا يحكي عشق الماء إلى اليابسة ..تزدهي حينها بكل صنوف الحياة ، تمتلئ الجداول والأنهار ...التي يشرب منها البشر وحيواناتهم ويأكلون ما تنبته الأرض الخصيبة ، لذا البرق لا يكذب ، من ما شربه الناس وأكلوه يروي حكاياتهم ، فكيف يكذب؟ محمود يلقي بحقيبته المدرسية جانبا وهو يستأذنني :
        أريد أن ألعب الكرة خارجا يا أبي ..
        ريم وإيمان يرغبون في بعض الحلوى ..
        بينما جدي يسترسل في حكايتي ..
        هل تريد أن تعرف حقا لماذا لم أحكي لك عنها..عن زوجتك؟
        هي هذا البرق ..
        جدة -23/12/2011م




        نجلاء نصير

        مما لفت انتباهي
        أن اسمي ورد هنا
        هل هو هن طريق الخطأ
        sigpic

        تعليق

        • يحي الحسن الطاهر
          أديب وكاتب
          • 20-03-2011
          • 111

          #5
          نعم سيدتي هو خطأ محض فلك العتبى ...لا أدري حقا كيف ورد اسمك ...فأعذريني سيدتي

          sigpic

          سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
          yahia.change@gmail.com
          http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
          https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

          تعليق

          • محمد الصاوى السيد حسين
            أديب وكاتب
            • 25-09-2008
            • 2803

            #6
            تحياتى البيضاء

            أهلا بك أخى العزيز أستاذ يحيى وبريدى هو m_sawy_2007@yahoo.com

            تعليق

            يعمل...
            X