المكان الأعمى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رضا
    عضو الملتقى
    • 01-04-2008
    • 23

    المكان الأعمى

    المكان الأعمى
    قصّة - رضا السمين

    هذه معامع الرّعب المعاصر ينفّذها أسقط البشر وأحطّهم، ويتحدّاهم إيمان الرّجولة الذي يفوق الخيال والقصّ، وهذا هو المكان الأعمى الذي يهان فيه الإنسان.
    - مخالب وأنياب الوحوش الضواري، أيّام الجاهلية الأولى والزمن البدائي، تركت آثارها عميقا في نفوس نوعية من الناس المرعوبين في دواخلهم القذرة وإلاّ كيف نفسّر، هذه الوحشية في التعذيب؟
    - ليس هذا فعل حيوانات، ولا فعل الإنسان الخائف فوق الشجرة ويخشى في الزمن الوحشي أن يسقط في فكّ الغول، بل هو فعل الشيطان الرّجيم الحاقد على الإنسان وعدوّه الأوّل... يتلبّس الملعونين-إلاّ مَن تاب وأصلح وبَيَّنَ -. فالذي يظلم الناس ويعذّبهم إنّما هو شيطان نذل في خِرقة إنس.
    - تذكّرتُ مقالة وجدتها في أحد الأيام عند هبة، وكانت شرودا متفرّدة تحبّ الإنسان وتناوش الطواغيت عن الحق الأدنى، الحق في "حقوق الإنسان" غير مفرغة ولا مشروطة بهوى السلطان وحريمه، الحق في الكرامة الفرد ضدّ الألم الإنساني، الحق في الأمان والجهر بالتفكير، الحق في أشياء العالم دون سرقة أو تسوّل أو احتيال، الحق في عبادة الرحمان وحده لا شريك له وحبّ رسوله محمّد صلوات الله وسلامه عليه... أخذت منها الورقات قرأت هولها وأخفيتها عن الجيرة، ثمّ كأنني هنا الآن تأخذ عندي معاني مستجدة، وإذ صار التعذيب اليوم جهرا فمن الواجب أن أقرأ عليكم مقالة حرب وأصحابه، أقبية خراب تحت شارع نظيف...

    السطح ساكن وعوالم من تحت.

    { وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)} سورة الفتح.
    إنّ إنسان التربية القرآنية + بنية‏ السرايا المستقلة‏ + معرفة‏ متجدّدة بأساليب المحققين ‏والتدرّب على مواجهتها، هو‏ الذي يجعلك مؤهلا‏ لأن‏ تكون‏ جداراً‏ ساترا ًلمدينتك مهما‏ نُصبت‏ لك‏ من‏ الشراك‏ ومهما‏ تعرضت‏ للتعذيب‏. صراعك‏ في‏ الحياة‏، يجعلك ‏تكتشف‏ بنفسك جوانب‏ قوتك وجوانب‏ ضعفك.. وكذلك‏ عدوّك، ‏لديه‏ نقاط‏ قوة‏ ‏ونقاط‏ ضعف.. وإذا‏ كان‏ العدو‏ يسعى‏ لمحاربة‏ جوانب ضعفنا‏ بجوانب‏ قوّته‏، ‏فعلينا‏ أن‏ نحارب‏ نقاط‏ ضعفه‏ بنقاط‏ قوّتنا، ولا‏ نواجه‏ ساحات قوّته‏ بنقاط‏ ضعفنا... والعهد مع الله‏ لا‏ يستقيم‏ إلاّ إذا سعينا‏ لإحراز النصر‏ على‏ أعداء كتابه الحقّ‏، الذين يفسدون في الأرض ويظلمون النّاس.
    إنّ معرفة مسبقة وعلمية بالتحقيق وأساليبه، تساعدك على الثبات والتحدي أمام المحققين، وتدعّم حماية المدينة. فلا تفاجأ مفاجأة قد تدفعك إلى الانهيار. ولشعبنا خبرة طويلة متراكمة في أقبية التحقيق والاعتقال في سجون الأعراب وبني إسرائيل والأمريكان. والعدوّ قد يلجأ إلى أساليب أخرى مبتكرة، نظرا لتمرّسه ولتبادل الخبرات في مجال التعذيب والتحقيق... فأساليب التنكيل‏ وانتزاع‏ المعلومات أصبحت مع‏ تقدّم‏ وسائل‏ العلم‏ والاتصال‏ متشابهة‏ في‏ معظم‏ دول‏ العالم‏ لكمّ الأفواه، ‏وتأخير‏ نهوض‏ المدينة... قد يداهمون بيتك، أو مقر عملك، أو يعتقلونك من الشارع، سيدفعونك بعنف إلى داخل سيارة، ويلقونك في صندوقها الخلفي أو يمددونك تحت أرجلهم، ويضربونك ويدوسون عليك، يغمّوا عينيك ويكبّلوا يديك، حتى وصولك إلى مكان ما... مع الشتائم والإهانات. تمزّق ملابسك وتوضع على صدرك لوحة وتصور كالمجرمين من كل الجهات، وتؤخذ بصمات أصابعك ويديك. ثمّ تنقل إلى زنزانة مع الضرب والشتم، ويسيرون بك مسافات طويلة ومتعرّجة، لخلق حالة من الضياع والتهويل لديك. يضربونك ويشتمونك قبل بدء التحقيق بطرق مختلفة، ويسمعونك آلام وصراخ المعتقلين ليضفوا على سجنهم الرهبة. وللضغط‏ عليك‏‏ يستعملون‏ كيسا‏‏ يكاد‏ لا يسمح للهواء‏ بالدخول‏ عبر‏ مساماته‏ ولا‏ للضوء‏ بالنفاذ‏ منه‏، وحين‏ يوضع‏ رأسك في‏ الكيس‏، فإنك‏ لا تستطيع أن ترى‏ شيئاً‏ ولا تستطيع‏ أن تعرف‏ الوقت‏ ليلا كان‏ أم نهارا، وتفقد‏ الإحساس بالزمن‏‏، ‏وتعيش‏ في‏ وحشة‏ تصبح‏ فيها‏ الدقيقة‏ ساعات، بالإضافة إلى فقدانك‏ الإحساس بالمكان‏ الواقعي‏ لعدم‏ رؤية‏ أي شيء‏ حولك، ‏مما‏ يحصر‏ تفكيرك‏ في‏ النفس. في‏ داخل‏ الكيس‏ تتوقف‏ كل‏ حواسّك‏ عن‏ العمل‏، إلاّ‏ حاسة‏ السمع‏ حيث‏ تسمع‏ في‏ الغالب‏ الصراخ‏، ومنكر التعذيب‏، وصرير الأبواب الحديدية‏ وهي‏ تفتح‏ وتغلق‏ بضجيج‏ حادّ‏، والضرب‏ ‏وصرخات‏ المعذبين‏، ‏وأنين‏ المنهكين‏، وأصوات خافتة‏ كأنها‏ صادرة‏ عن‏ أشباح، ‏وكل ذلك يصلك‏‏ بشكل‏ مضخم‏ جدا بسبب‏ الكيس‏، ويتولد‏ لديك إحساس قاس‏ بالعزلة‏ عن‏ العالم‏، أو أن العالم‏ كله‏ قد‏ انكمش‏ واختزل‏ في‏ الأصوات، ‏وفي‏ لحظات‏ الترقب‏ "متى‏ سيأتي‏ دوري؟ متى‏ سأتلقى‏ الرفسة‏ من‏ الخلف‏، أو الركلة‏ في‏ البطن‏، أو الضربة‏ على‏ الرأس؟"، وهي‏ ضربات‏ تتلقاها‏ عادة‏ لتصعيد‏ توترك‏ ودفعك للانهيار‏. وللكيس‏ رائحة‏ كريهة، رائحة‏ عرق‏ أو تقيؤ‏، أو دم‏ أو رائحة‏ غاز، مما‏ يسبب‏ لك صعوبة‏ شديدة‏ في‏ التنفس‏ ‏وضيقاً‏ في‏ الصدر‏، ‏ويستمر‏ وضع‏ الكيس‏ على‏ رأسك‏ لأيام وأسابيع، ولذلك‏ فعليك‏ البدء‏ فورا بالمعركة‏ مع‏ الكيس‏، وألا تبقى‏ مستسلما تنتظر‏ قدرك، عليك‏ أن تحاول‏ عمل‏ ثقب‏ في‏ الكيس‏ مهما‏ كان‏ صغيراً‏، سواء بقرضه‏ بأسنانك أو بحكه‏ في‏ الحائط‏ لكي‏ تتوسع‏ بعض‏ مسامّه‏، ‏وتخف‏ سماكته‏ ‏بثقب‏ صغير‏، وهذا‏ الثقب‏ مهم‏ جدا في‏ المعركة، إنه‏ نافذة‏ للروح‏ وللنفس‏ قبل‏ كل‏ شيء‏، ومن‏ خلاله‏ تستطيع‏ مراقبة‏ جندي‏ العدوّ‏، ‏وفترة‏ غيابه‏، ‏ومعرفة‏ مكانك‏، والمعتقلين‏ الذين‏ بجوارك وعددهم ومن‏ ثم‏ تستطيع‏ تبيّن أصواتهم من‏ خلال‏ حركة‏ أجسامهم. أحياناً‏ يتظاهر‏ الحارس‏ بأنه سيضع‏ إصبعه في‏ عينك ‏ ليتأكد‏ من‏ أنك لا ترى‏، ‏وعليك‏ في‏ هذه‏ الحال أن تحظر‏ الحركة‏ اللاإرادية‏، وألاّ تزيح‏ رأسك‏ أو تتراجع‏ للخلف‏، ‏لأن‏ الحارس‏ سيضربك ‏ويغير‏ الكيس‏ بأسوأ منه‏، أو يضع‏ كيساً‏ آخر إضافياً‏ على‏ رأسك. إنّ الكيس‏ يولد‏ ضغطاً‏ شديداً‏ عليك‏ يدفعك إلى التقيؤ،‏ وثقب‏ الكيس‏ يخلق لديك إحساساً‏ بالحيوية‏ ‏والنشاط‏ مما‏ يساعدك على‏ الصبر‏ والثبات.‏.. الاعتقال قد يتمّ لواحد من الأسباب الكثيرة مثل، التضييق على المدينة ومحاصرتها بعزل كوادرها وقطع الاتصالات بين الأفراد والسرايا، إبعاد بعض الكوادر والقيادات النشطة ليحل محلها أشخاص يريدهم العدو (سواء كانوا عملاء أو"معتدلين" أو ليس لديهم الكفاءة في إدارة العمل أو غير مرغوب بهم من قبل النّاس)، "لغسل الدماغ" وتغيير قناعة المعتقل وتشكيكه بفكره وقياداته وإثارة الخوف عنده حتى لا ينتمي للمدينة، اعتقال شخص بدون تهمة وتكون الغاية ابتزازه والضغط عليه أو الضغط على المطارد كي يسلم نفسه، لتجنيد المعتقل نفسه أو قريب له كالأب أو الأم أو الأخ أو الأخت أو الزوج أو الزوجة، لاعترافات أشخاص في حال كانوا يعرفون عن المعتقل بعض المعلومات أو لاعترافات عناصر من جهات حليفة عمل أو نسّق معها أو لوشايات من تنظيمات معادية أو أشخاص معادين، لوجود اختراق أو عمالة، نتيجة للمراقبة والتجسس بوسائل فنية، لاكتشاف بعض "الأدلة المادية" معه أو في بيته أو في سيارته أو في حاسوبه أو ضبط "أثر مادي" يدلّ عليه في مكان حدث ما، نتيجة الثرثرة والإهمال للأسرار وعدم الجدّية... أو بشنّ حملات اعتقال جماعية عشوائية لتواجدهم في مكان "حدث أمني"، لاكتشاف وثائق مزورة معهم، لسفرهم إلى بلاد مشبوهة لدى العدو، لترددهم على أماكن محروقة وتخضع للمراقبة الأمنية... اعلم من البداية أنّ كلّ المعلومات مهما صغرت أو بدت لك تافهة، هي هامة جدّا للمحقّق. قد يفتح المحقق معك، بعض المواضيع الهامشية والعامة، ويمكنه أن يستنتج منها بعض المعلومات التي يستخدمها ضدك وضد غيرك دون أن تلاحظ. فلا تثرثر معه حتى لا تمنحه هذه الفرصة. إذا رآك متشددا في البوح بأسرار بعض اللقاءات والجلسات ربما حاول أن يسألك عن بعض الأسئلة التافهة في نظرك مثل نوع الطعام أو الشراب الذي شربتموه في الجلسة... إياك أن تتساهل بكذا معلومات وحاول تضليله.. لأنها إن كانت صحيحة فسيوقع بها غيرك للاعتراف بالمعلومات المهمة التي رفضتَ أنت أن تعترف بها وذلك بأن يوهمه أنه يعرف كل شيء دار بتلك الجلسة حتى القهوة أو العصير الذي شربتموه أو الطعام الذي أكلتموه، وربما يقع في المصيدة فينهار بظنّه أن من سبقوه اعترفوا بكل شيء ولم يكتموا حتى نوع الشراب أو الطعام... فتنبّه لهذه المصائد وإياك أن تفرط بأية معلومة ولو كانت تافهة في نظرك فلا يوجد شيء تافه في التحقيق. إنّها معركة. يستمر ضربك طوال الاعتقال وتوضع في زنزانة ضيقة وقذرة لشلّ إرادتك وتحطيم نفسيتك وتهيئتك للانهيار، مع الإهانات والسباب الفاحش والبذيء الممتلئ به قاموسهم النتن، ويحاول ممرّض أو طبيب جسّ نبضك، ليتعرف على نقاط ضعفك الجسدية كالأمراض المزمنة والكسور والعمليات الجراحية. يبدأ المحقق باستخدام أساليب الضغط، يفاجئك مثلا باسمك الحركي أو أعمال سِرّية قمت بها أو أسماء مجموعتك، ويحاول إقناعك بإنهاء التحقيق في هذه المرحلة قبل أن يبدأ التحقيق الفعلي.. ثمّ يبدأ بالتدرج في تكثيف جولات التعذيب وبشكل تصعيدي حتى يستنفد صبرك، ويشعرك أن هذه هي البداية وأنه يستطيع التصعيد في التعذيب إلى ما لا نهاية وأنك لن تستطيع التحمل.. يحاول المحقق أن يزرع في نفسك أنه لا خلاص من هذا الضغط إلا بالاعتراف. السقوط هو فقدان كل رصيدك، وانتقالك إلى صف الأعداء، مع دفع الثمن أيضا، وحتى لو لم تكن عميلا، فإذا اعترفت تُستعمل كالعملاء. التحقيق معركة، وما يقرر نتائجها هو إرادة الشخصية وإيمانها وثباتها وذكاؤها وما التوفيق إلاّ من الله سبحانه وتعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } سورة الأنفال... يشنّ المحقق حربا نفسية توحي لك أنّ الصمود أمامهم مستحيل، وأنّ الجميع يعترفون بالقوة أو باللّين، وهو بذلك يحاول أن يخلق وهما يبدو معقولا، ويستعمل أمثلة ونماذج منهارة، لوضعك تحت فكرة "ما دام غيري قد تكلم، فأنا سأتكلم"... هذا الأسلوب لا ينجح إلا مع الضعفاء المرجفين. لا يحترم المحققون أي مبدأ أو دين فيدسّون عناصر درسوا دراسات دينية لتشكيك المعتقلين بجواز ما يفعلون دينيا، كما يهاجمون سلوك بعضهم لإثارة الفتنة والخلافات بين المعتقلين. (طريق المدينة، طريق ذات الشوكة... فليستعدّ لذلك الإنسان، أو يتنحّى جانباً من بداية الطريق لا من منتصفها، حتى لا يخسر الدنيا والآخرة، ويضرّ كثيرا من أهله وقد تتعطّل المدينة بسبب ضعفه لسنوات...). "اعرف‏ عدوّك‏، واعرف‏ نفسك‏، بذلك‏ تستطيع‏ أن تخوض‏ مائة معركة‏ بأقل الخسائر".
    { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)} سورة آل عمران.
    اعلم أوّلا، أنّ ‏التعذيب‏ يبدأ معك ‏من‏ لحظة‏ اعتقالك‏ ودخولك أقبية التحقيق‏.. يتم‏ توقيفك بأغلالك‏‏ وطالما‏ أنت‏ واقف‏ فلا نوم، وقد‏ يستمر‏ وقوفك‏ لأيام وليالي طويلة.. ممّا يؤدي‏ إلى إرهاق الأعصاب، والجسم.. وإلى انتفاخ وتورم قدميك. وكلما‏ طال‏ أمد وقوفك‏، زادت‏ نسبة‏ الإرهاق وزاد‏ الألم بحيث‏ إذا صبرت‏ في‏ الأيام الأولى رغم‏ قسوة‏ الألم.. فإنك تحتاج‏ إلى شجاعة‏ أكبر‏ وصبر‏ أعمق‏ كلما‏ زادت‏ فترة‏ الوقوف، وكما‏ يحتاج‏ الإنسان للهواء‏ لكي‏ يعيش‏ فهو‏ كذلك‏ يحتاج‏ للنوم... ثمّ إرهاقك بالأصوات العالية المستمرة حتى لا تستطيع التركيز، وصب الماء البارد عليك، حرمانك من الطعام والشراب، وعندما‏ يحرم‏ الإنسان من‏ الأكل، فإنه‏ يحس‏ بأن‏ هناك‏ جفافاً‏ في‏ الحلق‏، وتنبعث‏ رائحة‏ كريهة‏ في‏ الفم‏، ويصاب‏ بالدوار‏ والدوخة‏ بعد‏ اليوم‏ الثاني‏، ‏و‏بعد‏ عدة‏ أيام لا يقدر‏ على الوقوف أو المشي‏، ويحسّ‏ بثقل‏ الرأس‏ وهبوط‏ في‏ قواه‏، واصفرار‏ في‏ وجهه‏، وضمور‏ في‏ بطنه‏ وارتخاء‏ في‏ عضلاته‏، والإرهاق العصبي يزيد‏ توتره‏ ويؤثر‏ آليا على‏ نفسيته‏... ‏وعلى‏ تحمّله‏، وشلّ تفكيره‏. ورغم‏ ما‏ يسببه‏ حرمانك‏ من‏ الأكل من‏ تعب‏ وإرهاق لأعصابك، وآلام‏ كثيرة‏ إلاّ أنّ الحقيقة‏ التي‏ يجب‏ ألاّ تغفل‏ عنها‏، هي‏ أنّ الإنسان معجزة وعنده‏ قدرة‏ هائلة‏ على‏ الصبر‏ والتحمّل، فالمعتقلون‏ وأنصار القضايا قد‏ خاضوا‏ بنجاح‏ إضرابات عن‏ الطعام‏ لمدّة‏ أسابيع وأشهر‏... يستخدم العدوّ‏‏ في‏ معركة‏ التحقيق‏ أقذر الأساليب لوضعك في ظروف قاسية من برد شديد وحرارة عالية، وتكرار الأسئلة عليك بشكل مملّ ومثير للأعصاب، تقييدك لمدة طويلة في وضعيات قاسية ومتعبة، وضعك في مكان نتن وقذر وروائح كريهة، وضعك في مكان ضيق، تغطيس رأسك في حوض ماء أو في المرحاض وتكرار ذلك مرّات كثيرة، ضربك على وجهك ورأسك وبطنك في كلّ الأوقات، الضغط على مفاصلك وركبتك وعمودك الفقري، الضغط الشديد على خصيتيك، نتف شعر رأسك ولحيتك وشعر صدرك والعانة بشكل مؤلم، الضغط على حنجرتك وحبس أنفاسك، ضربك بالعصا على أسفل قدميك، تعذيبك بالكهرباء في الأماكن الأكثر حساسية كطبلة الأذن والأعضاء الجنسية والشفتين،‏ ويؤدي‏ ذلك‏ إلى آلام كبيرة‏، وارتجاف‏ عنيف بالجسد (والحقيقة أنّ التعذيب‏ بالكهرباء‏ أهون وأخف من‏ أساليب تعذيب‏ أخرى، وقد صمد أمامه كثير من المناضلات... والمناضلين في أمريكا الجنوبية وآسيا فضلا عن الموحّدين)‏. "الفلقة" والعزل الطويل والتحقير الذي تخضع له لتشكيكك بنفسك وأنت تقارن بين ضعفك وسطوة وخبث سجانيك ومستجوبيك.. وللتأثير بشكل خطير على درجة مقاومتك للإخضاع وجعلك سهل الانقياد ولو لفترة بسيطة... التعذيب‏ الجسدي القصد‏ منه التسبب‏ بالألم الشديد‏ لدى‏ الفرد‏، وإرهاق جهازه‏ العصبي‏ ونفسيته‏‏ إلى أقصى حدّ‏، بحيث‏ يضطر‏ للانهيار‏ والاعتراف‏. ‏ يضربك‏ المحقق على‏ المعدة‏‏ ضربات‏ سريعة‏ وقوية‏، ‏ويضربك‏ على‏ وجهك ‏حتى‏ يتورم،‏ ويضربك‏ على‏ المفاصل‏ لإحداث ألم شديد‏ أو يضرب‏ على‏ مؤخرة‏ رأسك‏ لإحداث الإنهاك في‏ الجهاز‏ العصبي‏، ‏ويضربك‏ بالعصي‏ الكهربائية‏، وإطفاء مستمرّ للسجائر‏ في‏ الأماكن الحسّاسة لجسمك مما‏ يحدث‏ حروقا وألما شديدين‏، ‏وتحميلك أثقالا ‏لفترات‏ طويلة‏، ووضعك تحت‏ دشّ‏ بارد‏ لساعات‏، و‏التعليق "الشبح" على‏ الباب وتعريضك‏ لمروحة هواء‏‏ ‏بارد جدّا ‏مما‏ يؤدي‏ بك إلى الارتجاف‏ الحاد‏ وارتفاع‏ نبض‏ قلبك‏ ‏وصعوبة‏ التنفس، نقلك باستمرار‏ من‏ مكان‏ بارد‏ إلى مكان‏ ساخن والوقوف‏‏ فترات‏ طويلة‏ ‏لإنهاك‏ أعصابك... الإيمان الراسخ‏ في‏ القلب‏ يولّد‏ في‏ النفس‏ طاقة‏ روحية‏ هائلة‏، وإرادة صلبة‏ لا تكسّرها‏ أساليب التعذيب‏. ‏وقانون‏ الألم يقول‏ "كلما‏ زاد الضرب‏ ‏على‏ الجسد‏ يصبح‏ أقل‏ شعوراً‏ بالألم ويتخدر"، وهو‏ نوع‏ من‏ الدفاع‏ الذاتي‏ للإنسان يحمي‏ به‏ نفسه‏ تلقائياً‏. {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)} سورة محمد، { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)} سورة آل عمران.
    استخدم العدوّ‏ لسنين‏ طويلة‏ طريقة الوقوف‏ المستمر‏ طوال‏ أربعة وعشرين ساعة‏ لفترة‏ عدة‏ أيام أو عدة‏ أسابيع.. ورغم‏ أن هذا‏ الأسلوب له‏ وقع‏ قاسٍ‏ ومؤلم‏، ويحتاج‏ إلى شجاعة‏ وإرادة فولاذية‏ وإيمان صلب‏، إلا أن العدوّ طور‏ هذا‏ الأسلوب باتجاه‏ إجبارك على وضعيّة جلوس شاقّة ‏لمدة‏ ساعات‏ تؤدي‏ إلى تصلب‏ وآلام‏ في‏ حلقات‏ عمودك‏ الفقري‏.. حتى‏ يصبح‏ تقييدك بحدّ ذاته وسيلة‏ ضغط‏ شديد‏ة على‏ جهازك‏ العصبي‏ ‏والنفسي‏ لدفعك للانهيار،‏ ويتكور‏ جسمك‏ ‏بشكل‏ مزعج بحيث‏ يتركز‏ ثقل‏ الجسد‏ على‏ نقطتين‏ هما‏ نهاية‏ العمود‏ الفقري‏ وعقب‏ القدم‏، مما‏ يؤدي‏ إلى تخشب‏ ظهرك‏ وتصلب‏ عمود‏ك الفقري‏ وازدياد‏ آلامك‏ وظهور‏ الزرقة بين‏ المحاشم‏ ودمامل‏ في‏ أطراف ظهر‏ك وبين‏ الفخذين‏ وفي رُكبتيك،‏ وتكبر‏ هذه‏ الدمامل‏ حتى‏ تدمى‏ وتتقيح‏، ويقوم‏ الجنود‏‏ بضربك‏ وهزّ‏ رأسك بشدة‏. ربطك بهذه الطريقة أو تلك هي‏ أداة ضغط‏ وابتزاز‏ ووسيلة‏ إنهاك وإضعاف لطاقة‏ تحمّل‏ جسمك، والعدوّ‏‏ يراهن‏ على‏ الوقت... لكي‏ تستسلم وتخضع،‏ لتعترف‏ وتقبل‏ بالهزيمة‏...
    دوام الموسيقى‏ الصاخبة‏ والأصوات العالية يضرب‏ مباشرة‏ في‏ الدماغ، ويسبّب لك صداعا شديدا يشلّ تفكير‏ك ويرهقك. أصوات صاخبة‏ جداً‏ تؤثر‏ على‏ الغشاء‏ الشفاف‏ لطبلتي أذنيك فتخرقهما مسببة‏ أوجاعاً شديدة‏ ونزيفا، أو يتعب‏ هذا‏ الغشاء بقسوة ويجعله‏ غير‏ قادر‏ على‏ العمل‏ الطبيعي‏... يضع‏ العدوّ في‏ قسم‏ التحقيق‏ الصغير‏، مكبّرا‏ للصوت‏ متصلا بمسجّل‏ مفتوح‏ على مدى الأربع وعشرين‏ ساعة‏.. بين‏ الوصلات‏ الغنائية‏ الصاخبة‏ وأصوات صراخ‏ وبكاء ‏من‏ أهوال التعذيب. أو ‏يضعك‏ ‏ تحت‏ مكبّر‏ الصوت‏ لكي‏ يكون‏ الضغط‏ عليك اشدّ وأقسى.. وحتى‏ لا يتيح لك‏ أيّ فرصة‏ للراحة‏، أو النوم‏ أو التفكير‏ السوي‏‏، ولكي‏ يبقى‏ عقلك معطلاً طوال‏ فترة‏ التحقيق‏ بالصداع‏ المستمر.. ومحاولة‏ الخلاص‏ من‏ هذا‏ الصداع. {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)} سورة التوبة.
    يرمونك في غرفة الكلاب‏ والأفاعي، فعندما‏ يجد‏ المحققون‏ أنهم مارسوا‏ معك أساليب كثيرة‏ ولم‏ تعترف‏، ‏ولم‏ تضعف‏ روحك وإرادتك، ‏ يضعونك في‏ زنزانة‏ صغيرة‏ ‏لا تستطيع‏‏ الوقوف‏ فيها‏، ولا أن تتحرك‏‏ إلا بصعوبة‏ لضيقها‏، ولها‏ أرضية صُمّمت‏ خصيصاً‏ بحجارة‏ كالمسامير،‏ فلا تتمكن‏ فيها‏ من‏ النوم‏ ولا التمدّد، وهي‏ زنزانة‏ جرداء‏ لا يوجد بها‏ أي فراش‏، لا يدخلها ضوء‏ الشمس، ونسبة‏ رطوبتها‏ وقذارتها عالية‏، يتناوب‏ عليها‏ صباحا مساء‏ جندي‏ مكلف‏ بأن يسكب‏ فيها‏ الماء‏ لتبقى بُحيرة‏، فلا‏ يستطيع‏ المعتقل النوم‏، ولا يستطيع‏ الوقوف‏، ولا يشعر‏ بطعم‏ الراحة ‏أياماً‏ وليالي‏، لكي‏ تنهار‏ أعصابك، ويتعب‏ جسدك، ويضطرك‏ للاعتراف‏ كما‏ يتم‏ إحضار كلاب‏ شرسة مدربة‏ يطلقونها‏ عليك، فتنهشك وتمزق‏ ثيابك، وأحياناً‏ يطلقون‏ عليك أفاعي كبيرة‏ تعضّ ولا تلدغ‏، حتى تخرج وأنت‏ منهك‏ جاهز للاعتراف‏، كما‏ يظنون... أمّا الثلاجة‏ والفرن‏ فهما‏ عبارة‏ عن‏ زنزانة‏ صغيرة‏ الحجم‏، متر‏ على ‏متر‏ ونصف‏، ‏مظلمة‏ بحيث‏ لا تستطيع فيها‏ رؤية‏ يدك.. ولا يوجد‏ فيها‏ أي نوع‏ من‏ النوافذ‏ ولها‏ باب‏‏ صغير‏ جدّا ومبطّن. يرمونك في‏ هذه الحفرة الباردة جدّا، ‏‏وعندما‏ تحملق‏‏ لا ترى إلا الظلام‏ الدامس‏، ظلام‏ الثلاجة. في‏ الجهة‏ العلوية‏ من‏ الزنزانة‏ يوجد‏ "مكيف‏ هواء" ‏ينفخ‏ في‏ داخلها تيارا من‏ الهواء‏ البارد‏ يغطي‏ جميع‏ زواياها. يتراكم‏ الهواء البارد‏ وتنخفض‏ درجات‏ الحرارة‏ إلى ما تحت‏ الصفر‏ بدرجات كبيرة‏ فيتأثر‏ جسد‏ك كثيرا بهذا‏ الانخفاض‏ الشديد‏، يرتجف‏ جسمك وتتجمّد أطرافك، وتصطكّ‏ أسنانك ويضيق‏ تنفسّك‏، وتعجز‏ أقدامك على‏ حملك، ويصعب‏ تحركك‏ وتحسّ بالاختناق‏، وبالتجمّد‏، وازدياد‏ نبضات‏ قلبك‏، وتشعر‏ بقرب‏ أجلك... { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)} سورة البروج.
    يشغّل‏ المكيّف‏ على‏ التدفئة‏، فيوزّع‏ الهواء‏ الساخن‏ بسرعة‏ بحيث‏ تحس‏ أنك في‏ فرن. وترتفع‏ درجة‏ الحرارة‏ فوق‏ الخمسين‏، فيتكاثر العرق‏‏، ويصعب‏ تنفسّك، ‏ويضيق‏ صدر‏ك وتحسّ بالاختناق‏ والاحتراق‏. إنّ إحساسك في‏ داخل‏ الثلاجة‏ أو الفرن يساوي‏ إحساس الإنسان‏ في‏ قبر‏ حقيقي.. وسواء‏ كنت‏ في‏ الثلاجة‏ أو في‏ الفرن‏.. فإن‏ المحقق‏ بعد‏ مرور‏ وقت‏ مدروس‏.. سيفتح‏ كوّة‏ صغيرة‏ جداً‏، لكي‏ يدخل‏ عبر‏ الحيل‏ النفسية‏ للإيحاء لك أنك‏ أمام خيار‏ التجميد‏، أو الاحتراق‏، أو أن تعترف‏ وتنقذ‏ نفسك، ويبتز‏ك للحصول‏ على‏ المعلومات، فإذا وجد‏ك خائفاً‏ ضعيفاً يزيد‏ ضدّك الضغط‏ ليدفعك‏ للاعتراف.. أمّا إذا وجدك صابرا، قوياً فإنه‏ يخرجك من‏ الثلاجة‏ أو الفرن ليجرّب معك وسيلة أخرى. يسعى‏ العدوّ في‏ أقسام التحقيق‏ للحصول على‏ معلومات‏، إلى استخدام‏ أقذر‏ الأساليب، ومنها استغلال‏ الجروح‏ والأمراض والإصابات.. فقد‏ تكون‏ ‏أجريت عملية‏ الزائدة‏ أو عملية‏ كلى‏ وربما‏ تكون مريضا‏ بالقلب وبالقرحة‏ أو السكري‏ أو ارتفاع‏ ضغط‏ الدم‏، وقد‏ تكون‏ أصبت بحادث‏ طريق‏ أو عمل‏ وعندك‏ بعض الكسور‏ في‏ العظم، وربما‏ أصبت في‏ معركة‏ بطلقات‏ أو شظايا‏ وجروحك‏ لم‏ تندمل‏ بعد، أو بجروح وكسور وأمراض في فترة من فترات التحقيق.. الموقف‏ الإنساني يقتضي‏ أن يُسعف‏ الجريح‏، وان‏ يُعالج‏ المريض ولكن‏ في‏ أقسام التحقيق‏، يقتنص‏ المحققون‏ هذا الجانب‏، ويعملون‏ على‏ استثماره‏ في‏ التعذيب‏ لانتزاع‏ المعلومات‏، لذلك‏ أول ما‏ يبحث‏ عنه‏ الجلاّد‏‏ هو‏ نقاط‏ الضعف‏ في‏ البنية‏ النفسية‏، وجوانب‏ الضعف‏ في‏ البنية‏ الجسدية... فإذا وجد‏ جوانب‏ ضعف‏ في‏ البنية‏ النفسية‏، فهو‏ يضغط‏ عليها‏ بشدة‏ لكي‏ ينهار‏ الأسير‏، وإذا وجد‏ نقاط‏ ضعف‏ في‏ البنية‏ الجسدية‏ ‏يضغط‏ عليها‏ بقسوة‏، ويمارس‏ الابتزاز‏ بأقسى الأشكال، فإذا كنت ‏قد‏ أجريت عملية‏ جراحية‏ في‏ حياتك.. يركز‏ المحقق‏ الضرب‏ الشديد‏ على‏ مكان‏ العملية‏، لكي‏ يحدث‏ ألماً‏ شديداً‏.. وإذا كنت‏ مصاباً‏ وجروحك لم‏ تندمل‏، فهو‏ يبدأ‏ بفتح‏ الجرح‏ من‏ جديد‏ ويضع‏ مسطرة‏ أو قلم‏ في‏ داخل‏ الجرح‏ الغائر‏ لكي‏ يحدث‏ ألماً‏ لا يطاق‏ ويساومك.. بين‏ الألم أو الاعتراف‏، و‏يقوم‏ برشّ الملح‏ على‏ الجرح‏ لكي‏ يشتعل‏ ناراً‏.. إنّ الجروح‏ تشكل‏ نقاط‏ ضعف‏ في‏ جسدك ولكنها‏ لا تشكل‏ نقاط‏ انهيار‏ لروحك‏ وإرادتك، والآلام التي‏ تحدث‏ مع‏ هرش‏ الجرح‏ والضغط‏ عليه‏، لن‏ تكون‏ أكبر‏ من‏ الخيانة. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)} سورة الأنفال.
    صبّ الماء‏ البارد، في‏ فصل الشتاء‏، وخاصة‏ في‏ ساعات‏ الليل‏، يضعك المحقق‏ تحت‏ الماء‏ البارد‏ لفترة‏ معينة‏ وإذا وجدك‏ عنيدا، صابرا ثابتا.. يجبرك على خلع‏ ملابسك‏ ويدخلك‏ تحت‏ دش ماء‏ بارد‏‏ ويتركك‏‏ لساعات. إنّ الاختلاف‏ الكبير بين درجة‏ حرارة‏ الجسم‏ الطبيعية‏ ودرجة‏ الماء‏ البارد‏ جداً‏، يؤدي‏ لحظة‏ وضعك تحت‏ الماء‏ إلى سرعة‏ في‏ دقات‏ قلبك‏، وصعوبة‏ في‏ التنفس‏، وتتجمد أطرافك ويرتجف‏ جسمك، ويستغل‏ المحقق‏ هذه‏ الحالة‏ لمساومتك ‏على‏ الاعتراف فإذا ثبتّ‏ على‏ موقفك‏، يبدأ‏ المحقق‏ بإحضار الماء‏ المثلج‏ ‏وقطع‏ الثلج‏، فيصبها‏ على‏ جسمك‏ لكي‏ يزيد‏ من‏ حالة‏ الألم‏، ويتركك هكذا‏ لساعات‏ طويلة. وأحياناً‏ أخرى يوقظونك‏ في‏ منتصف‏ الليل‏، لإزعاجك أكثر‏، وينقلونك‏ من‏ دفء‏ نعاسك إلى التعذيب‏ بالماء‏ البارد‏، لقسوة‏ أثره في‏ هذه‏ الحالة. ومرّة أخرى‏ يتركونك‏ عارياً‏ في‏ مكان‏ مكشوف‏ في‏ ليالي الزمهرير‏‏ الشتوية‏ وفي‏ البرد‏ الصقيع‏ والرياح‏ التي تلسع‏ كالسياط‏، مما‏ يؤدي‏ إلى اضطرابات‏ في‏ معدتك، وإصابتك بالمرض والزكام‏ و‏التقيؤ‏ والإسهال والسعال‏ الشديد‏ وتجمّد‏ أطرافك وتصلب‏ جسمك. إنّ شدة‏ إيقاع وتأثير‏ الماء‏ البارد‏ والريح‏ الصقيعية‏ على‏ الجسم‏ تكون‏ في‏ أقصاها لحظة‏ انهمار‏ زخّات‏ الماء‏ الأولى أو لسع‏ الرياح‏ في‏ البداية‏، ثم‏ ما‏ يلبث‏ الجسم أن يعتاد‏ إلى حد‏ ما‏ على‏ هذه الحال‏ المؤلمة، وقد‏ تعرض‏ عدد‏ من‏ المعتقلين‏ لهذه‏ التجربة‏ القاسية‏ ولكنهم‏ خرجوا‏ منها‏ دون‏ أن يعترفوا‏، لأنها مجرد‏ أسلوب من‏ أساليب التعذيب، والذي‏ يستطيع‏ الثبات‏ في‏ اللحظات‏ الأولى لن‏ تؤثر‏ في‏ معنوياته‏ هذه‏ الطريقة‏ من‏ التعذيب‏. يضعون‏ الكيس‏‏ على‏ رأسك‏، ‏وتقيد‏ يداك إلى الخلف‏ وقدماك‏ وتلقى‏ على‏ الأرض على‏ ظهرك ‏وفوق‏ يديك، ويجلس‏ على‏ صدرك محقق‏ و‏على‏ قدميك‏ محقق‏ آخر بحيث‏ يتحكّمان‏ بك فلا‏ تتحرك‏، ‏ويتقدم‏ ثالث‏ وفي‏ يده‏ إبريق مليء‏ بالماء ويبدأ‏ الجولة‏ بأن‏ يحثك‏ على‏ الاعتراف لكي‏ يوقف‏ التعذيب‏ عنك‏‏، ‏وعدم‏ الإنكار لتنقذ‏ حياتك‏.‏.. مع ضغط‏ نفسي‏ متواصل‏، ‏وتهديد‏ بالموت‏ وإغراء بالخلاص‏ من‏ باب‏ وحيد: الاعتراف... فالذي يحرص‏ على‏ حياة.. ويخاف‏ من‏ الموت‏ يعترف، والذي‏ تهمّه‏ ذاته‏ ونفسه‏ فقط‏ يعترف. المؤمن الحق‏ لا يعترف. يتمنّى‏ الشهادة‏، ‏وعنده‏ الله‏ ورسوله‏ وجهاد‏ في‏ سبيله‏ أحب‏ إليه من‏ أولاده وأمواله وأزواجه ومتاع‏ الدنيا.. إنّ أسلوب الكيس‏ والماء‏ رغم‏ بشاعته‏، لا ينجح مع‏ أصحاب الإرادة الصلبة‏ الذين‏ نزعوا‏ مهابة‏ العدوّ من‏ صدورهم. { وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)} سورة إبراهيم.
    التعذيب بإحضار‏ الأهل‏.. عدوّنا‏ عندما‏ يعجز‏ عن‏ إخضاع‏ فرد‏، ‏أو دفعه‏ للاعتراف‏ والانهيار‏، يهدده‏ بإحضار‏ أهله‏ إلى‏ المعتقل‏... ‏زوجته‏، ‏ابنته‏، ‏أخته‏، ‏أمّه‏، ‏وذلك‏ لإدراكه‏ أنها‏ تمثل‏ نقطة‏ ضعف‏ كبيرة عند‏ الإنسان‏، ‏فهو‏ يستغل‏ المشاعر‏ الحساسة‏ لموضوع الشرف‏، ‏والعاطفة، ‏كورقة‏ ضغط‏ وتهديد‏ يلوّح‏ بها‏ في‏ وجه‏ الأسير، ‏كلما‏ صبر ‏ورفض الاعتراف. ‏يضعك‏ العدوّ أمام‏ خيار‏ الاعتراف‏ مقابل‏ ترك شرفك‏، وعرضك‏، وعائلتك. الاعتراف خيانة‏ لله‏، ‏وللرسول‏، ‏وللإسلام‏ ‏وللمدينة. الشرف: دين‏ وعقيدة‏، أمّة‏ وتضحية، إخلاص‏ ووفاء.‏ الشرف‏ مقدّسات‏ ووجود وكرامة‏، موقف‏ وحياة‏، سلوك‏ ‏وجهاد‏. فمن يتخلى‏ عن‏ كل‏ هذه‏ المفاهيم‏ والقيم يحيا‏ بلا‏ شرف... الذي‏ يخون‏ ربه‏ ويتخلى‏ عن‏ دينه‏، ‏‏ويجبن‏ ويقبل‏ بالذل ويُستعبَد‏، هو‏ إنسان‏ بلا‏ شرف. المحقق‏ عندما‏ يهدد‏ بإحضار‏ الأخت‏ أو‏ الزوجة‏، أو‏ الأمّ إنما‏ يختبرك‏ ليكتشف‏ في‏ داخلك‏ ثغرة أو‏ نقطة‏ ضعف يستطيع‏ أن‏ يتسلل‏ منها‏ لتوجيه‏ ضربة‏ للمدينة، فإذا‏ وجد‏ك‏ خائفاً‏، ‏ضعيفاً‏، ‏متردداً‏، ‏فإنه‏ يجبرك على‏ الاعتراف‏، ‏ومن‏ ثمّ‏ يحضر‏ أهلك.. لكي‏ يستنزفك أكثر‏ وأكثر.. ويحوّلك‏ إلى‏ ذليل‏، ‏أما‏ إذا‏ وجدك‏ قوياً‏، فإنه‏ يستمر‏ بالتلويح‏ بهذه‏ الورقة‏، ‏حتى‏ تسقط‏ من‏ يده‏ ولا‏ يحضر‏ الأهل، ولنفترض‏ أن‏ المحقق‏ أحضر‏ الأهل‏ كوسيلة‏ ضغط وهدد‏ بالنيل‏ منهم، فإن‏ العدوّ يمارس‏ أقسى‏ أشكال‏ التهديد‏ بالاعتداء‏ لكي‏ يبتزك ولكنه‏ أمام‏ إصرارك‏، ‏يُعلن‏ فشله‏ ‏ويترك‏ هذا‏ الأسلوب. هل‏ تعترف‏ من‏ أجل‏ المحافظة‏ على‏ شرفك‏، وعرضك، ‏وعائلتك؟ وإذا‏ اعترفت‏‏ هل‏ يمنع‏ ذلك‏ الاعتداء‏ على‏ شرفك؟؟؟ أم‏ أنّ‏ اعترافك دليل‏ على‏ ضعفك‏‏، وهذا‏ ما‏يزيد‏ فرص‏ الاعتداء‏ على‏ شرفك‏، ‏لأجل‏ استنزافك وامتصاصك‏، وتحويلك‏ بالتخويف‏ من‏ العار‏ إلى‏ خائن‏ وعميل. (المؤمن الحق لا يعترف لأنّ قلبه عامر بحبّ الله " ‏أتمنى الشهادة‏، ‏ويتمنون‏ لي‏ حياة ‏"). إذا تم إحضار الزوجة أو الأخت، اعلم أنه في حال كانوا يريدون أن يفعلوا شيئا تكرهه فلا يستطيع أن يمنع ذلك إلا الله سبحانه وتعالى وأن اعترافك لن يقدم ولن يؤخر، وفي حال اعترفت نتيجة هذا النوع من الضغط فلن يتركوك إلا بعد إسقاطك وإسقاط عرضك معك، ويجب أن تسأل نفسك هل أنت واثق أنه إذا اعترفت سيتركون عرضك وشأنه؟ وهل أنت واثق أنه إذا اعترفت ورأوا أن هذا الموضوع هو نقطة ضعفك لا يساومونك على التعامل معهم؟؟ وفي حال وافقت أيضا على التعامل ماذا بقيَ لك من الشرف؟! {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 5} سورة العنكبوت، { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)} سورة آل عمران، {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)} سورة هود.
    في‏ ظروف‏ التحقيق‏ الصعبة‏، وتحت‏ وطأة‏ التعذيب‏ الشديد‏، والإرهاق النفسي‏ والجسدي‏، يحاول‏ الفرد‏ أن يجد‏ مخرجا من‏ هذا‏ الجحيم‏، والشيطان‏ يسوّل‏ له‏ أن "اعترف" ولكن‏ أخلاقه تصرخ لا‏ وألف لا، ورغم‏ كل‏ ذلك‏ يبحث‏ عن‏ الخلاص وإذا وجد‏ المحقق‏ أن أساليبه قد‏ فشلت‏، يبحث‏ عن‏ بدائل‏ وكمائن‏ جديدة‏، ينصبها‏ للمعتقل‏ لكي‏ تفلت‏ منه‏ زلة‏ لسان‏، أو طرف‏ خيط يؤدي‏ إلى أسرار‏ المدينة‏، والمحقق‏ يدرك‏ أن ظروف‏ التحقيق‏ تدفع‏ الفرد للبحث‏ عن‏ حبل‏ نجاة لذلك‏ يحاول‏ أن يتلوّن‏ ويتلوّن، وأن‏ يقدم‏ كلّ مرّة فخا جديداً‏ داخل‏ طُعم‏ حبل‏ نجاة‏ جديد... مثل‏ التعامل [ نريد‏ أن نتحدث‏ بصراحة‏ أنا معجب‏ بصمودك‏، ‏ورجولتك.. ولكن‏ صلابتك‏ وعدم‏ اعترافك‏ لن‏ يخرجاك‏ من‏ السجن‏، ‏ستظلّ موقوفا لعشرات‏ السنين‏، حتى‏ لو‏ لم‏ تعترف.. وستحاكم‏ مدى‏ الحياة‏، ‏ولكن‏ عندي‏ رأي‏ سأقدمه لك‏، وأنت حر‏، لست‏ مجبرا‏، فكّر‏ فيه‏ بعقلك‏ جيداً‏.. والرأي‏ هو.. أننا على‏ استعداد‏ أن نطلق‏ سراحك‏ غداً‏ مقابل‏ أن تتعامل قليلا‏ معنا.. نحن‏ نضحي‏ معك‏ بكل‏ شيء وأنت عليك‏ أن تضحي‏ معنا‏ بشيء‏ صغير.. إذا علمت‏ بأعمال شغب‏‏ فبلّغنا‏ عنها.. فكّر‏ في‏ هذا‏ الموضوع، فكّر.. ]، وهناك‏ تتزاحم‏ في‏ رأس الأسير‏ الأفكار.. لقد‏ صمد، ولم‏ يعترف، ‏يمكن‏‏ أن يحاكَم‏ مدى‏ الحياة، هل‏ يعيش هذه‏ الفترة‏ الطويلة‏ مسجونا.. ولو‏ عاشها‏ بماذا‏ سيخدم الإسلام والمدينة،‏ في‏ السجن سيكون‏ مشلولا،‏ ولن‏ يخدم‏ لا دينه ولا‏ بلاده، ‏هل‏ يقبل‏ فكرة‏ التعامل، مستحيل.. مدى‏ الحياة‏ مستحيل.. وهنا‏ تتدافع‏ الأفكار في‏ هذا‏ الجوّ القاتل وتبرز‏ فكرة‏ ‏"من‏ دون‏ مدى‏ الحياة‏ ومن‏ دون‏ التعامل"؟؟ يوافق بزعمه على‏ التعامل‏ كحيلة‏ مرحلية‏، وعندما‏ يخرج‏ يضحك‏ عليهم‏.. وستحاول‏ النفس‏ تأكيد‏ هذه‏ الوسوسة‏.. عندما‏ يخرج‏.. يعيش مطاردا.. ويجعلهم‏ يدفعون‏ الثمن‏ غالياً.. إن فكرة‏ التحايل‏ على‏ المخابرات‏ وقبول‏ التعامل‏، فكرة‏ قد‏ تقبلها‏ بعض‏ النفسيات‏ في‏ ظروف‏ التحقيق‏ الصعبة‏، ولكنها‏ فكرة‏ الشيطان. إنّ ر‏فضك لكل‏ أضغاث الأحلام، ولكل‏ وسوسة‏ تأتيك‏ من‏ الشيطان‏، رفضك‏ لفكرة‏ التعامل‏ يعني‏ فشل‏ هذا‏ الأسلوب، ولكن‏ إذا حاولت‏ إقناع نفسك "بالخروج‏" للعمل‏ ضدّ الأعداء‏... فهذا‏ يعني‏ أنّ اهتزازاً‏ داخلياً‏ قد‏ أصابك. التفكير‏ بالتعامل ‏كحيلة‏ لخداع‏ المحققين‏ هو‏ نزغ‏ من‏ الشيطان‏ للإنسان الذي‏ يحمل‏ في‏ داخله‏ قابلية‏ للانهيار‏، والفشل ‏والسقوط...‏ يحاول‏ المحقق‏ أن يبتكر‏ باستمرار‏ وسائل‏ جديدة‏ حتى‏ ينتصر‏ عليك‏ ويأخذ‏ منك‏ الاعترافات‏ والمعلومات‏ المطلوبة، ولهذا‏ يدرس‏ الشخصية‏ الإسلاميّة وأنماط سلوكها‏ ونقاط‏ ضعفها‏ واللغة‏ العربية‏،‏ والأمثال الشعبية‏ والمعتقدات‏ السائدة‏، ‏وواقع‏ التنظيمات‏ والظرف‏ السياسي‏ العام‏، والبيئة‏ الخاصة‏ بكل‏ منطقة‏ في‏ بلادنا، ليسهل‏ عليه‏ التغلغل‏ إلى نفسيتك. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)} سورة آل عمران.
    ثانيا، التحقيق‏ الافتراضي‏ قائم‏ على‏ معلومات‏ افتراضية‏ غير‏ مؤكدة‏ لدى‏ المحقق استطاع‏ العدوّ‏ جمعها‏ عن‏ حالات‏ سابقة‏ شبيهة‏ بحالتك وبعض‏ المعلومات‏ الخاصة‏‏، ويسعى‏ المحقق‏ لتركيب‏ هذه الأجزاء المتناثرة‏ والمعلومات، ثم يقوم‏ بالخداع‏ والمراوغة‏ والإيهام بمعرفة‏ كل‏ شيء‏، وهنا‏ تبرز‏ قدرتك وذكاؤك في‏ تجنب‏ المنزلقات. المعلومات‏، ‏مهما‏ بدت‏ تفاصيلها‏ غير‏ مهمة‏، ‏تمكّن‏ جهاز‏ العدوّ من‏ الاقتراب‏ من فهم‏ طبيعة‏ عمل‏ الذين‏ يتعرضون‏ للتحقيق‏، أو خداع‏ الإنسان‏ بأنهم يعرفون‏ عنه‏ كل‏ شيء. وأهم عنصر‏ في‏ أسلوب التحقيق‏ الافتراضي‏ هو‏ زرع‏ الشك‏ في‏ نفس‏ الفرد‏، ‏والعمل‏ على‏ إفقاده الثقة‏ بإخوته ليظن‏ بهم ظنّ السوء. { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)} سورة التوبة.
    عليك‏ أن تعلم‏ جيداً‏ أن هناك‏ كماً‏ هائلاً‏ من‏ المعلومات‏ العامة‏، التي‏ يمكن‏ أن تعرفها‏ أجهزة المخابرات‏ بكل‏ سهولة‏، كما‏ يمكن‏ أن يعرفها‏ أي إنسان عادي‏ ومتتبع‏، ‏وهناك‏ معلومات‏ خاصة‏ يستنبطها‏ المحقق‏ من‏ خلال‏ اعترافات‏ المعتقلين‏، وهناك‏ معلومات‏ سرية‏‏... التشكيك يقوم‏ أيضا ‏على‏ حيلة‏ نفسية‏ تعتمد‏ على‏ معلومات‏ موجهة‏، ‏مثل‏ الحكايات‏ والأمثال الشعبية‏، ‏والمقدمات‏ الخاطئة‏ التي‏ يستخدمها‏ المحقق‏ من‏ أجل‏ تشكيكك‏ بعقيدتك وتاريخك ومدينتك وقضيتك‏ ‏وأهلك، ‏ليجرك إلى هاوية‏ الانهيار‏ والاعتراف. قد‏ يبدأ‏ بتضخيم جهاز‏ المخابرات وأنهم‏ يعرفون‏ كل‏ شيء‏، وكانت‏ التقارير‏ تصلهم باستمرار، ‏ولا مبرر‏ لهذه‏ التضحيات‏ التي‏ لا تخدم‏ الأمة‏ بل‏ تخدم‏ القادة‏ الذين‏ يتاجرون‏ بالدماء وهم‏ يعيشون‏ بأمان..‏ "ساعدنا‏، ‏ونحن‏ نساعدك‏"، و"يلعن الرّجولة التي تخلّف الذلّة"، ‏و"مائة‏ أمّ تبكي‏ ولا‏ أمّي تبكي"، وقد يكون‏ أحد المحققين‏ متخصصا في‏ علم‏ النفس‏، ‏فيدرس‏ ملفك‏‏ مستنداً‏ إلى المعلومات‏ التي‏ جمعها‏ جهاز‏ الاستخبارات، ومجموع‏ هذه‏ المعلومات‏‏ ينطلقون‏ منها‏ لدراسة‏ نقاط‏ القوة‏ والضعف‏ لديك‏، ‏ويوظفونها‏ في‏ ‏ربط‏ المعلومات‏ وتحليلها.‏ وأحيانا‏ يلجأ‏ المحقق‏ لإحداث شعور‏ "بتفوقه‏ وعلمه‏ الغزير‏" لديك، فيبدأ معك‏ بحديث‏ فكري‏ وتاريخي‏، ‏ويطرح‏ عليك أسئلة تتدرج‏ من‏ سهلة‏ معروفة‏ إلى أخرى تتطلب‏ معرفة‏ أعمق، فيسألك‏ مثلا عن‏ أحداث في‏ التاريخ‏ الإسلامي وعن‏ الفرق‏ الإسلامية.. والقصد‏ من‏ هكذا‏ حوار هو إيهامك بأنه‏ غزير الثقافة و‏لخلق‏ حالة‏ فوقية، ويركز‏ المحقق‏ خلال‏ "الحوار" بصره‏ بحدّة‏ في‏ عينيك‏‏ ليصنع‏ حالة‏ من‏ التأثير‏ المباشر‏ والسيطرة‏، وقد‏ يتكرر‏ هذا‏ الأسلوب في‏ عدة‏ جلسات‏ متوالية‏، ‏وعندما‏ يظن‏ المحقق‏ أنه‏ حقق‏ قسطاً‏ من‏ السيطرة‏ ‏يدخل‏ في‏ صلب‏ الموضوع‏، ‏أي في‏ التحقيق‏ من أجل انتزاع‏ معلومات‏ منك أو اعترافات. يكرر‏ مثلا‏، أنّ الأعداء ‏أقوياء جداً‏، وأن‏ الأهل ضعفاء‏، ولا مجال لكسب‏ المعركة‏، من‏ الأفضل تقبل‏ واقع‏ الهزيمة‏ والركون‏ إلى المصالحة‏ مع‏ الأمر الواقع، ويحاول‏ التأكيد‏ على‏ أن "الغربي"‏ بطبعه‏ أفضل‏ من‏ "العربي‏" وأنه‏ يفكر‏ بعقله‏، ‏بينما‏ العربي‏ أو المسلم‏ شخص‏ عاطفي‏ يفكر‏ بطريقة‏ غير‏ سليمة‏، ‏وأنهم‏ يملكون‏ أقوى أجهزة‏ استخبار‏ في‏ العالم.. وأنهم‏ يعرفون‏ كل‏ التفاصيل‏ وأدق الأمور عن‏ القيادات‏ وطبيعة‏ العمل بل‏ وكثير‏ من‏ القيادات‏ تتعامل‏ معهم... "نعرف‏ عنك‏ كل‏ شيء" ويبدأ‏ بسرد‏ كل‏ المعلومات‏ التي‏ يعرفها‏ أمامك، موحياً‏ أن المدينة مخترقة‏ منذ‏ سنين‏، ‏وأن‏ إخوتك‏ ورفاقك‏ اعترفوا‏ بكل‏ شيء وان‏ المسألة‏ برمتها‏ باتت‏ مكشوفة.. إذا استغفلك المحقق‏ ‏وخدعك وأوهمك أنه‏ يعرف‏ عنك‏ كل‏ شيء‏، ‏فستقع‏ في‏ الفخ‏ وتبدأ‏ الإجابات تتالى كالسلسلة.. إحذر أيضا من مصيدة "العدوّ‏ والصديق". توزع الأدوار في‏ هذا‏ الفخ على‏ اثنين‏ من‏ رجال‏ التحقيق‏ يمثل‏ الأول دور‏ السفاح‏ القاسي‏ الذي‏ يتلذذ‏ بضرب‏ المعتقل‏ وتعذيبه‏ ويمثل‏ الثاني‏ دور‏ الموظف‏ الرقيق‏ الذي‏ فيه‏ نزعة‏ إنسانية، وتبدأ‏ المسرحية... حتى إذا انطلت‏ الحيلة‏ عليك‏، يظهر‏ الطيب ‏على‏ حقيقته‏، وينزع‏ عن‏ وجهه‏ قناع‏ الوداعة‏،‏ فإذا هو‏ أحد المحققين‏ ولا‏ فرق‏ بينه‏ وبين‏ (الشرير) وإذا (الرقيق) حقير ونذل كباقي المحققين‏. أو يستخدم‏ العدوّ‏‏ أسلوب التنقل‏ بين‏ السجون‏ أو يهدّدك بسجن‏ غوانتنامو أو بالسجن‏ كذا في بلد كذا.. وذلك‏ لتغيير‏ المكان‏ والأجواء والمناخ‏ والمحققين‏، ووضعك‏ في‏ جو‏ من‏ الرهبة‏ والهلع‏ من‏ السجن‏ الآخر‏، ولكن‏ ما‏ الفرق‏ بين‏ السجن‏ كذا والسجون‏ الأخرى‏؟‏ وقد يحاول العدوّ إيهامك بأنه يملك‏ القدرة‏ على‏ معرفة‏ تفكير‏ الإنسان، ومعرفة‏ الصدق‏ من‏ الكذب‏ في‏ الحديث.. وأنه يملك جهازاً‏ يكشف‏ الكذب‏، ‏جهاز‏ حديث‏ ومتطور‏ جداً‏.. وآلية‏ عمل الجهاز‏ تقوم‏ على‏ تسجيل‏ التغيرات‏ التي‏ تحدث‏ للفرد‏ على‏ مستوى‏ النبض‏، والحرارة‏ ونبرات‏ الصوت‏ والتنفس‏ خلال‏ أسئلة الفاحص‏ أو الخبير‏.. ومقارنتها بمعدّل‏ قياس‏ الخصائص‏ الفيزيائية‏ مثل‏ ضغط‏ الدم‏، الحرارة‏، دقات‏ القلب‏، نبرات‏ الصوت‏، ارتفاعا‏ وانخفاضا‏ وسرعة، عندما أجاب الشخص على الأسئلة "العاديّة" كالاسم والحالة الاجتماعيّة وأسئلة أخرى بسيطة. وإفشال عمل‏ هذا‏ الجهاز‏ يمكن بترديد‏، "لا‏ اله‏ إلا الله‏" في‏ سرّك.. ونعم‏ و لا‏ في‏ العلن.. فلا‏ إله‏ إلا الله‏ تعطي‏ تردداً‏ ثابتاً‏ ومنتظماً‏ ومستقراً‏، ومن‏ هنا‏ فهي‏ تمتص‏ جميع‏ ردود‏ الفعل‏ اللاشعورية‏، وتضبطها‏ في‏ إيقاع منتظم‏، يظهر‏ على‏ شاشة‏ الجهاز‏ بحركة‏ منتظمة‏ لا يوجد‏ فيها‏ انعطافات‏ حادة. فعندما‏ تُسأل‏ مثلا هل‏ أنت منظّم؟‏ لا يخرج‏ الجواب‏ بصورة‏ انفعالية‏ حادة‏ لا‏، كرد‏ فعل‏ شعوري‏ لنفي‏ المسألة‏.. بل‏ تجيب‏‏ بصورة‏ طبيعية‏ وهادئة‏ وإيقاع واحد.. وترنيمة‏ منسجمة‏، وجرس‏ متوازن.. "لا‏ اله‏ إلا الله‏" في‏ نفسك.. و لا‏.. بصوت‏ طبيعي‏ عادي. هل‏ تعيش‏ مع‏ أسرتك؟ "لا إله إلا الله" في‏ نفسك.. ونعم بصوت طبيعي. هذا بالإضافة إلى شدّ عضلات الكتف أو القدمين أثناء الأسئلة البسيطة والعاديّة لإرباك مؤشّر الجهاز.
    أحياناً‏ في‏ ظروف‏ العمل‏ السري، ‏تحدث‏‏ بعض‏ الأخطاء‏، مما‏ يوجد‏ لدى‏ المخابرات‏ طرف‏ خيط‏ ‏ ‏تتمسك‏ به‏ كمفتاح‏ ‏لتحل‏ به‏ باقي‏ حلقات‏ السلسلة‏، ‏وأحياناً‏ يلتحق‏ بالمسيرة‏‏ بعض‏ الناس‏ الذين‏ لم‏ يتم‏ إعدادهم إعداداً‏ كاملاً‏ على‏ المستوى‏ القرآني والخُلقي‏، أو التنظيمي‏ والأمني‏... فيفتقدون‏ للنضج‏، ‏ويحملون‏ في‏ دواخلهم‏ قابلية‏ للانهيار‏، ‏وتستخدمهم‏ المخابرات‏ كرأس‏ حربة‏ عبر‏ أسلوب الشاهد‏ لتحقيق‏ أهدافها، أي ضرب‏ فرد‏ بآخر‏‏... بعد جولة‏ من‏ التعذيب‏ الجسدي‏ الوحشي‏. إنّك إذا ما‏ وجد‏ت ثغرة‏ في‏ أقسام التحقيق‏ ‏يمكن‏ أن يستغلها‏ المحقق‏ كمنفذ‏ لضرب‏ المدينة‏، ‏عليك‏ واجب‏ شرعي‏ أن تسدّ‏ هذه‏ الثغرة‏ بجسدك‏، ودمك‏، وحياتك، فإذا كانت‏ هذه‏ الثغرة انهيار‏ أخ أو سقوطه، فعليك‏ أن تفدي‏ مدينتك بنفسك‏، ‏وتغلق‏ هذه‏ الثغرة‏ ‏وتوقف‏ توسعها‏، ‏عليك ألاّ تفكر‏ بذاتك‏، ولا بانفعال فتبني‏ موقفاً‏ عاطفيا من‏ اعتراف‏ أخيك...، ‏بل‏ عليك‏ أن تتحمّل‏ ضعف‏ أخيك، ‏وأن‏ تضع‏ نفسك‏ في‏ المعركة‏ في‏ خندقين، واحد‏ لنفسك وآخر‏ لأخيك وأن تدير‏ معركة‏ الثبات من‏ خلال‏ الخندقين. إنّ الذي‏ يعترف‏... تحت‏ مبرر‏ أنه قُدّم اعتراف‏ ضدّه، السبب في الحقيقة‏ هو الضعف وعدم الاستعداد، ‏فبدل‏ من‏ أن يدافع‏ عن‏ نفسه‏، ‏وعن‏ أخيه، ‏خذل‏ نفسه‏ وخذل‏ أخاه، ‏وخذل‏ المدينة. (وقد يلجأ المحقق لخداعك بعدة أساليب منها الدبلجة "ميكساج" وعمل سيناريو اعتراف وهمي... فلا تكن "غِرّا" من الذين ينتظرون تبريرا أو نصف تبرير للاعتراف)؛ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)} سورة المائدة.
    إنّ‏ دور‏ القائد‏ أو‏ الرمز‏‏ أساسي‏‏ ومحور‏ي، وهو‏ الشخص‏ الأكثر‏ معرفة‏ بأسرار‏ المدينة‏ وأهلها كما‏ أن‏ له‏ قيمة‏ معنوية‏ كبيرة إذ يشكل‏ قدوة‏ ويُنظر إليه على‏ أساس أنه‏ إنسان‏ غير‏ عادي وبطل. لذلك‏ يهتم‏ العدوّ بإلقاء القبض‏ على‏ القيادات‏، ‏ويبذل من‏ أجل‏ ذلك‏ جهداً‏ كبيراً وإذا حدث‏ وأن‏ تمكنت‏ أجهزة المخابرات‏ من‏ اعتقال‏ قائد‏ فإنهم‏ يحاولون‏ الحصول‏ منه‏ على‏ المعلومات‏ بشتى‏ الأساليب.. ومن بين أخبث‏ الأساليب محاولة‏ حرق‏ القائد‏ سياسياً‏ أو تشويه‏ صورته، فيحاول‏ جهاز‏ التحقيق‏ إظهار القائد‏ المعتقل‏ بمظهر‏الإنسان الجبان‏ الضعيف الذي‏ يقدم‏ لهم‏ المعلومات‏ بسهولة، أو بمظهر الأناني الخائف الذي‏ تهمّه‏ مصلحته،‏ ‏وينشرون‏ حوله‏ الإشاعات من‏ أجل‏ إضعاف معنويات‏ الناس الذين‏ يكنون‏ له‏ احتراماً‏ وتقديرا كبيرين. يستعملون‏ هذا‏ الأسلوب من‏ أجل‏ تحطيم‏ الثقة‏ التي‏ تجمع‏ أفراد المدينة، ‏ومن‏ أجل‏ تشويه‏ المعاني‏ النبيلة‏ والمبادئ‏ التي‏ تجسدها‏ الرموز‏ والقيادات‏ الحركية‏ في‏ شخصياتها‏ وسلوكها، ومن‏ أجل‏ الحصول‏ على‏ معلومات‏ أكثر‏ عن‏ المدينة. وترتب‏ مسرحيات يستخدم‏ فيها‏ أقذر أساليب الخداع، ويقولون لك "أنظر‏ الشجعان.. ‏ ويضعون‏ المعتقل‏ في‏ وضع‏ مريح‏، وهو يشرب‏ القهوة‏ وأمامه أطباق من‏ الفواكه‏ وتجالسه مجنّدة‏، ‏ويمزح معه‏ ضابط‏ آخر بمجموعة‏ نكات‏ لكي‏ يضحكه، ‏ويفتح‏ المحقق‏ فتحة‏ صغيرة‏، ‏لكي‏ تشاهد‏‏ هذه‏ الوضعية... إنّ المحقق‏ يستجمع‏ كل‏ طاقاته‏، ‏ويقدم‏ كل‏ أوراقه لكي‏ تشك بنفسك‏ وبدينك‏ وبإخوتك‏، ‏لكي‏ يفقدك الثقة‏ في‏ كل‏ شيء‏، ‏ولكي‏ يخدعك‏ بسحره، إنه‏ يضخم‏ العدو‏ ويهمش‏ الإخوة ويشكك‏ بهم‏، ويحاول‏ دفعك‏ للتفكير‏ بمصالحك الضيقة ‏وصرفك عن‏ التفكير‏ بمصلحة‏ المدينة، مؤكدا إليك أنها مجرد‏ سراب. فإذا كنت متهالكا‏ ضعيفاً‏، وثقتك‏ بقضيتك‏ مهزوزة‏ فسرعان‏ ما‏ تتأثر‏ بصورة‏ القائد‏ التي‏ تهشمت‏ في‏ خيالك‏... {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60) } الروم.
    وقد يحاول‏ المحقق التصغير‏ والتحقير، ‏ليحطم‏ نفسيتك، وليغرس‏ الذلة‏ في‏ قلبك ويهز‏ قناعاتك بفكرتك لذلك‏ يعمد‏ إلى إهانتك وتحقير‏ أفكارك ومشاعرك باستمرار وبأنك شيء‏ صغير لا قيمة له، ‏وأن‏ المبادئ‏ التي‏ تحملها‏ ليست‏ أكثر‏ من‏ شعارات‏ فارغة‏ وقصص‏ ساذجة، ويحاول‏ المحقق‏ أن يهينك بالبصق‏ في‏ وجهك‏ بشكل‏ مستمر‏، أو بحلق‏ لحيتك وشاربك أو حلق‏ جزء‏ منهما‏ وإبقاء جزء‏ بشكل‏ مشوه‏‏، ‏وقد‏ يأمرك بأن تمشي‏ مقلداً‏ الكلب‏ أو أن تمشي‏ على‏ أربع وأن‏ تردد‏ عبارات‏ مهينة‏ مثل‏ (أنا حمار.. أنا خائن.. أنا كلب.. إلى آخره..) ‏ويقصد‏ من‏ وراء‏ ذلك‏ قتل‏ معاني‏ الثبات‏ والبطولة‏ في‏ نفسك، والذي‏ يقبل‏ الخضوع‏ مرة‏ سيخضع‏ في‏ كل‏ المرات‏، والذي‏ يتجاوب‏ مع‏ المحقق‏ في‏ هذه‏ الأمور الصغيرة‏ سيتجاوب‏ معه‏ في‏ أمور أكبر‏ وأخطر، فعملية‏ التحقيق‏ عبارة‏ عن‏ جملة‏ من‏ التأثيرات‏ والإيحاءات النفسية وليست‏ عملية‏ تعذيب‏ مادي‏ فقط،‏ وقد‏ يلجأ‏ المحقق‏ إلى تحقير‏ وتصغير‏ المعتقدات‏ المقدسة‏ لديك، فمثلا يكثر‏ المحقق‏ من‏ استعمال‏ عبارات‏ ضد‏ الذات‏ الإلهية، ‏وإيراد بعض‏ الآيات الكريمة‏ التي‏ تتحدث‏ عن‏ بني‏ إسرائيل وتفسيرها‏ بشكل‏ ملتو‏ لمصلحة‏ اليهود و"أولي الأمر". إنّ أسلوب التحقير‏ والتصغير‏ أسلوب مريض وحقير. والتحدي‏ هو‏ القاعدة‏ الأساسية لإفشال هذا‏ الخبث. وقد يلجأ المحقق إلى التبسيط، أي تبسيط‏ قضيتك وتبسيط‏ شخصك‏، ‏وهو‏ أحد الأساليب الخبيثة التي‏ تستخدمها‏‏ المخابرات. الاعتراف الجزئي هو بداية للاعتراف الكامل، بل بداية الانهيار، فالثبات يجب أن يكون كليا، مما يعني إخفاء كل شيء. كما أن الاعتراف الجزئي هو بداية الخيط الذي يمسك به المحقق، ويحلله ولن يتركه ويمكن أن يصل من خلاله إلى معلومات أخرى لم تفكر أنت بها. إذا لم تتمكن لأي سبب، من نفي علاقتك بأحد الأدلة التي وجدت بحوزتك، فلا داعي للاعتراف عن مصدر هذه الأدلة، ولا عن الهدف من وجودها، ولا عن أي شيء آخر... تذكّر أن الكثير لم يعترفوا، وأنّ كل الاعترافات التي حصلت، قال أصحابها أنّه كان بإمكانهم تجنّبها بشيء من الثبات والصبر. { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) } سورة فاطر.
    وقد تُستقبل‏ في‏ أقبية التحقيق‏ بمسرحية‏ التضخيم، لغرس‏ حالة‏ الهلع‏ في‏ نفسك.. "أنت (‏كذا).. أنتم‏ أخطر‏ ناس‏، سنصفّيكم، وأنت اخطر‏ واحد‏ فيهم‏، نحن‏ نعرفك‏ منذ‏ زمان.. ‏ وأنت أنشط‏ واحد.. يا قاتل، الآن وقعت‏ في‏ الفخ‏ يا إرهابي.. التقارير‏ تخبرنا‏ أنك‏ خطير‏ جداً.. هذا‏ ملفك‏ الضخم.. سنحرقك.. يا مجرم.. تقتلون المدنيين.. والأطفال" الخ. إذا كنت ‏تجهل‏ هذا‏ الأسلوب سيحدث‏ في‏ داخلك صراع‏ كبير.. ‏وتتحرّك‏ الآليات‏ الدفاعية‏ اللاّ‏شعورية‏ داخلك‏، ‏لجعلك تعيش‏ حالة‏ هروب‏ من‏ تهمة‏ مضخّمة‏ كاذبة‏، ‏إلى‏ تهمة‏ صغيرة.. فيحصل المحقق على‏ طرف‏ خيط‏ من‏ الاعتراف‏ يؤدي‏ من‏ خلال‏ مبدأ‏ التدرج‏ إلى‏ انهيارك‏ واعترافك الكامل.‏ التضخيم‏ حيلة.. لوضعك‏ في‏ حالة‏ قلق‏ وتوتر‏ عصبي‏، ‏واختلال‏ على‏ مستوى‏ التفكير‏، من‏ خلال‏ تضخيمك.. ووضع‏ هالة‏ حول‏ قضيتك‏، وتهمتك، وأعمالك، بحيث‏ تبدو‏ أعمالك الحقيقية شيئاً "تافهاً‏" وشيئاً‏ صغيرا. (يقدم‏ الفرد‏ عبر‏ مسيرته‏ وخلال‏ التزامه‏ مجموعة‏ خدمات‏، اتصال‏، نقل‏، مهمات‏ بسيطة‏ أو خدمات‏ عادية.. وواجبات‏ طبيعية أخرى، والفرد‏ الذي‏ يجهل‏ أسلوب التضخيم.. سيقدم‏ هذا‏ الاعتراف‏ كمخرج‏ من‏ التضخيم‏ وسيعتقد‏ أنه‏ بهذا‏ الاعتراف‏ الصغير.. يخرج‏ من‏ الأزمة، ‏وسينهى‏ التحقيق، لكن متأخرا سيكتشف‏ أنه‏ خُدع‏، ‏وأنه‏ قدم‏ طرف‏ الخيط، إذ سيواصل‏ المحقق‏ محاولات‏ الابتزاز‏، ‏من‏ باب‏ التدرج.. "من‏ الذين‏ شاركت‏ معهم‏، وأين؟‏ ومتى‏؟‏ وكيف‏؟‏ ومع‏ من‏؟‏ والى‏ أين؟‏ ولمن‏؟" وكل‏ سؤال‏ من‏ هذه‏ الأسئلة سيفتح‏ ثغرة‏ كبيرة‏، يدخل‏ منها‏ السذّج باب‏ الانهيار). ‏هذا‏ الأسلوب يستخدم‏ أحيانا معك‏ فور اعتقالك‏، وأحياناً‏ أخرى بعد‏ فترة‏ طويلة‏ لم‏ يفلح‏ المحققون‏ فيها‏ بنزع‏ اعتراف‏ منك. إذا كنت واعيا‏ فستدرك‏ أنّ التهويل‏ مسرحية‏، وأنّ ‏من‏ يُسلم‏ ‏طرف‏ الخيط‏ فقد‏ هوى. أهداف المحقق هي تحطيمك، وتوصيلك للاعتراف عن نفسك وعن غيرك، وأخذ أسرارك وإبقائك بدون إرادة ولا هدف، ليدينك وليضرب مدينتك وأهلك... فما هدفك أنت في معركة التحقيق؟
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} سورة الأنفال.
    ثالثا، التحقيق في غرف‏ العصافير أو الصراصير (غرف‏ العار)، و‏هي‏ زنازين‏ في‏ السجن‏ لا‏ تختلف‏ عن‏ الزنازين‏ الأخرى بشيء‏ سوى‏ بنوعية‏ ساكنيها.. فهم‏ ليسوا‏ معتقلين‏ وإنما عدد‏ من‏ (الصراصير) ‏يمثلون‏ دور‏ المناضلين‏، وبين‏ هؤلاء‏ الساقطين ‏يتم‏ الزج‏ بك ‏وتوهمك ‏المخابرات‏ أنك‏ تجاوزت‏ مرحلة‏ التحقيق‏ والاستجواب‏ والتعذيب‏ وانتقلت‏ إلى السجن‏ "العادي"‏ مع المعتقلين‏، ‏ولكنك‏ في‏ الحقيقة‏ توضع‏ بين‏ محققين‏ من‏ نوع‏ آخر يمثلون‏ دور‏ أبناء التنظيمات.. وسيكولوجية‏ الأسير تجعل‏ قدراته‏ وطاقاته‏ تنتقل‏ من‏ تحفّز الدفاع‏ أمام التحقيق‏ ومن‏ الاستعداد‏ النفسي‏ ‏لمجابهة‏ المحقق‏ وألاعيبه، إلى طور‏ الشعور‏ بالأمان بين‏ إخوته‏ وسجناء مناضلين‏، خاصة‏ عندما‏ يصبح‏ بعيدا عن‏ المحقق‏ ‏وتعذيبه‏. هذا‏ الجو‏ النفسي‏ الذي‏ ينتقل‏ فيه‏ الأسير من‏ حالة‏ إلى نقيضها‏، ‏ومن‏ التعذيب‏ إلى الراحة‏، دفع بعض‏ الأسرى الذين‏ عجزت‏ أجهزة التحقيق‏ عن‏ الحصول‏ على‏ معلومات‏ منهم‏ خلال‏ الاستجواب‏ وتحت‏ أساليب التعذيب‏ المختلفة‏، للوقوع في الخديعة والإدلاء بمعلومات‏ واعترافات‏ في‏ غرف‏ العار.. وهذا‏ النجاح‏ دفع‏ العدوّ‏ إلى تطوير‏ هذه‏ الطريقة‏ وإعطائها أولوية وأهمية، ‏وتأهيل‏ (الصراصير) ‏للقيام‏ بدور‏ المحقق‏ ولكن‏ بشكل‏ آخر.. ‏مّما‏ وفر‏ للعدوّ مناخا إضافيّا للإيقاع بأعداد كبيرة‏، ‏وأصبحت غرف‏ العار‏ ركناً‏ أساسياً‏ من‏ أركان التحقيق‏، ‏يمر‏ بها‏ أغلب‏ الأسرى. العصافير أو الصراصير هم بعض‏ الأفراد الذين‏ يضعفون‏ أمام جهاز‏ التحقيق‏ حين يتعرضون‏ للاعتقال‏ بسبب‏ نشاط‏ ما، ‏فيتحولون‏ إلى أدوات طيعة‏ لخدمة‏ المخابرات‏ بعد‏ أن كانوا‏ يناضلون‏.. بعضهم‏ يحاول‏ أن يهرب‏ من‏ الأحكام العالية‏ بالسجن‏ إلى التعاون‏ مع‏ المخابرات‏، ‏وبعضهم‏ يحمل‏ في‏ داخله‏ بذور‏ الانحراف‏ والضعف‏ فلا‏ يتحمل‏ ضغط‏ الاعتقال‏، ‏وهناك‏ عملاء‏ كانوا‏ مدسوسين‏ في‏ صفوف‏ التنظيمات‏ أو كانوا‏ ينشطون‏ بين‏ الناس‏ يشكل‏ سري‏ وعندما‏ افتضح‏ أمرهم وانكشفوا‏ قامت‏ أجهزة الأمن بإيداعهم في‏ السجون‏ ليكملوا‏ المسيرة‏ التي‏ بدؤوها‏ في‏ المجتمع‏ والشارع‏‏، وهناك‏ من‏ تورطه‏ المخابرات‏ في‏ قضايا‏ أخلاقية سواء‏ في‏ الحياة‏ العامة‏ من‏ ‏(المدنيين) أو من‏ (الأسرى) أو من المساجين (العاديين)، ‏وتستعمل‏ "أدلّة" التوريط‏ كأداة ضغط‏ عليه‏ ليصبح‏ عميلا‏ ويقوم‏ بخدمة‏ العدوّ‏ ضدّ‏ المعتقلين‏ في‏ السجون.. ‏ثم‏ تخضع بعضهم لدورات‏ أمنية‏ ولدروس‏ مكثفة‏، فيتلقى‏ (العصافير) ‏على‏ أيدي خبراء‏ دروسا‏ فكرية‏ ودينية‏ وسياسية‏ وعسكرية‏ تنسجم‏ مع‏ أفكار وسياسة‏ تنظيم‏ معين‏،‏ لتقمص‏ وتمثيل شخصية‏ من‏‏ هذا‏ التنظيم‏. كما‏ يتأهل‏ (الصرصور) ‏عبر‏ الدورات‏ الأمنية لأخبث طرق‏ الاستجواب‏ والاستدراج‏، ‏والتثبيط‏ وجمع‏ المعلومات‏ والخداع. يجيد‏ (العصفور) ‏تقمص‏ شخصية‏ ابن‏ التنظيم‏ على‏ المستوى‏ الفكري‏ والسلوكي ويجيد‏ سرد‏ الحكايات‏ في‏ مجالات‏ العمل، ولكنه‏ ‏يبالغ‏ في‏ هذه‏ السلوكيات‏‏ و"لحن القول"... ‏ ولكي‏ يتقرب‏ منك قد‏ يؤدي‏ العصفور‏ الصلاة‏ بخشوع‏ ظاهر ويقوم‏ بعض الليل وقد‏ يدرس‏ أفكار التنظيم‏ المحدد‏ ويناقش‏ فيها‏ أو يلقي‏ دروساً‏ وتوجيهات‏ عليك، وإضافة إلى هذه‏ التمثيلية‏ يقوم‏ عصفور‏ أو أكثر‏ بتمثيل‏ دور‏ المشبوهين‏ والعملاء‏ في‏ الغرفة‏ ويقوم‏ (عصافير) آخرون بتمثيل‏ موقف‏ الاحتقار‏ والنبذ‏ حيالهم‏، ‏وهذه‏ الحركات تدخل‏ في‏ ضبط‏ وإتقان المسرحية‏ المعدة‏‏ لتنطلي‏ الحيلة‏ عليك، فتقع‏ في‏ المصيدة. ومن أساليب العصافير كسب‏ الثقة ‏وتقديم‏ الخدمات‏ إليك، والاهتمام‏ الزائد‏ بك‏، وتشجيعك على‏ الصمود‏. أو بالعكس أسلوب التشكيك وإشعارك أنهم‏ يشكون‏ فيك‏، ‏وأنهم‏ غير‏ مرتاحين‏ لك‏، بسبب‏ عدم‏ استيفاء‏ معلومات‏ عنك‏، وأنهم‏ يشكون‏ في أن‏ّ المخابرات‏ تريد‏ أن تزرعك‏ بينهم‏.. فإذا وقعت في الفخ ولإبعاد الشبهة تدلي بمعلومات... أو بالاستدراج حيث يمثل‏ (العصفور) ‏دور‏ الغيور‏ الحريص‏ على‏ العمل‏ الفعّال فيشكو‏ مثلاً‏ من‏ الحالة‏ العامة‏، ومن‏ نقص‏ الأفراد المخلصين‏ والشرفاء‏، ويبدأ‏‏ في‏ مدح‏ الاتجاه‏ التنظيمي‏ الذي‏ تكون‏ قريباً إليه أو منتمياً‏ له‏، ‏وأنه‏ كان‏ يتمنى‏ أن يكون‏ عضوا‏ فيه‏، ‏ولكن‏ الاستعجال‏ للعمل‏ جعله‏ ينتمي‏ لتنظيم‏ آخر وعندما‏ يخرج‏ من‏ السجن‏ فسينضم‏ له‏ لو‏ سنحت‏ الفرصة‏، ثم‏ يرمي‏ الشبكة‏ التي‏ ينسجها‏ جيداً‏ مع‏ رجال‏ التحقيق.‏ أو التثبيط وفي‏ هذه‏ الحالة‏ يلجأ‏ العصفور‏ إلى إلقاء المواعظ‏ المحبطة‏، والقصص‏ المثبطة‏ فيتحدث‏ عن‏ أنّه لا جدوى من‏ الصبر، وعن‏‏ ادعاءات‏ الذين‏ يقال‏ عنهم‏ أنهم‏ أبطال صمدوا‏ أمام المحقق‏، ويؤكد‏ أن هذه‏ الحكايات‏ لا‏ أساس لها‏، وأن‏ الكل‏ يعترف وأنه‏ هو‏ شخصياً‏ ضحية‏ لاعترافات‏ أبطال مزعومين، ويؤكد‏ أن الاعتراف‏ ببعض‏ المعلومات‏ القليلة‏ هو‏ وسيلة‏ للإفلات من‏ التعذيب، وأن‏ نهاية‏ التعذيب‏ لابد‏ أن تكون‏ بالاعتراف‏ مهما‏ تمكن‏ الأسير من‏ الصمود‏. أو أسلوب الاتهام‏ حيث تقوم‏ مجموعة‏ من‏ (العصافير) ‏باتهامك بالعمالة‏‏، ويحققون‏ معك‏ للاعتراف‏ بتعاونك‏ مع‏ المخابرات‏، ويصطنعون‏ جوّ‏ا من‏ التحقيق‏، فيخلعون‏ ملابسك‏ ويضربونك‏ ‏فإذا وقعت‏ في‏ (الفخ) ولتثبت‏ أنك‏ لست‏ عميلاً‏ تلجأ‏ إلى كل‏ المعلومات‏ ‏التي‏ تؤكد‏ العكس‏، وتحاول‏ إثبات انك مناضل‏ ومجاهد‏ ولك تاريخ‏‏ مشرف‏. ‏أو ينقلونك‏ بين‏ الغرف‏ والأقسام، ونزلاؤها هم أيضا‏ من‏ (العصافير). أو أسلوب تحدي‏ السجان حيث‏ يتعمد‏ (العصفور) أن يظهر‏ كبطل‏، فيتحدى‏ السجان ويشتمه‏ ويتعرض‏ للضرب‏ والشتم‏ بسبب‏ ذلك‏ ولكنه‏ يحاول أن يكسب‏ ثقتك‏ به‏ كبطل‏ وصاحب‏ موقف‏ رجولي‏. أو يقوم‏ (عصفور) ‏بتحذيرك عبر‏ نافذة‏ صغيرة‏ ‏-‏ "انتبه‏ أنت ذاهب‏ لغرفة‏ عصافير"، ‏ويلقونك في عدّة غرف للتمويه وبعد ذلك يضعونك في نفس غرفة‏ هذا‏ العصفور الذي قام بتحذيرك.. أو أسلوب المساعدة حيث يُطَمْئِنك‏ العصفور‏ في‏ هذه‏ الحالة‏ بانه‏ مستعد‏ لخدمتك‏ بإرسال‏ رسالة‏ إلى خارج‏ السجن‏‏ بطريقة‏ ما،‏ أو يقوم‏ (العصفور) ‏بتهريب‏ رسالة ‏مختومة خاصة‏‏، يقدمها‏ لك‏ على‏ أنها رسالة‏ مبعوثة‏ من‏ معتقلين‏ في‏ السجن‏ وينتظر‏ أن تردّ‏ عليها. أو أسلوب التعارف فيستقبلك (العصافير) أحسن‏ استقبال‏ ثم‏ تبدأ‏ حفلة‏ التعارف‏ فيقدم‏ كل‏ عصفور ‏نفسه‏ ذاكرا‏ الاسم‏ والعضوية‏ والمرتبة‏ التنظيمية‏ ومدة‏ محكوميته‏ ثم‏ يأتي‏ الدور‏ عليك‏، فإذا انطلت‏ عليك الحيلة‏ قدمت‏ لهم‏ معلومات‏ ثمينة‏ كنت‏ قد‏ أنكرتها أمام المحقق‏. ثمّ مصيدة خلق‏ جوّ‏ متعمد‏ من‏ الانفراد‏ لعدة‏ دقائق‏ أو أكثر‏ لاثنين‏ من‏ المعتقلين‏ في‏ مكان‏ ما‏ حيث‏ يخبأ‏ بالقرب‏ منهما جهاز‏ تسجيل.. للحصول‏ على‏ المعلومات‏ بصورة‏ غير‏ مباشرة.. وقد‏ ترتب‏ هذه المصيدة‏ في‏ غرف‏ الإدارة حيث‏ يتم‏ استدعاء‏ كل‏ معتقل على‏ حده‏ للقاء‏ الممرّض أو المحامي أو القاضي‏، أو في سيارة نقل.. وهناك‏ تسمح‏ لهما‏ "الفرصة‏" أن يلتقيا بعيداً‏ عن‏ أعين المخابرات‏ ولكن‏ بجوار‏ آذان تسجيل... ‏ وهناك الكثير الكثير من المصائد‏ الأخرى... إخفاء المعلومات في مرحلة ما بعد التحقيق، لا يقلّ أهمية عن إخفائها في مرحلة التحقيق، فلا‏ تثق‏ بأحد‏ ولا تُخدَع‏.{ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)} سورة المنافقون.
    رابعا، التعذيب بتنوع‏ الأساليب وتعدد‏ المحققين، أي استخدام‏ عدة‏ أساليب متنوعة‏ في وقت واحد ‏ضدّك‏،‏ لإحداث المزيد‏ من‏ الآلام والإرهاق الذي‏ يفوق‏ طاقة‏ الفرد لدفعك‏ للاعتراف. قد تُستخدم‏ معك عدة‏ أساليب في‏ فترة‏ واحدة‏ ومتواصلة‏ بحيث‏ يشارك‏ في تعذيبك على‏ مدار‏ الأربع وعشرين ساعة‏ من‏ خمسة إلى ستة محققين.. ويتناوب‏ هؤلاء‏ مع‏ آخرين لعدم‏ ترك‏ أي فرصة‏ لتلتقط‏ أنفاسك، أو لتأخذ‏ لحظة من‏ الراحة. يربطون يديك خلف ظهرك وتعلّق من اليدين والقدمين وتضرب بالعصا أو بشريط كهربائي، أو"بالعبد الأسود" أي يربطون خلفك تركيبة كلّما جُهّزت أدخلت في شرجك قضيبا معدنيا ساخنا، أو يربطون يديك وقدميك إلى كرسي معدني ويتمّ ضغط ظهرك إلى الخلف بشكل يسبب انحناء غير محتمل في العمود الفقري مع ضغط لا يطاق على الرقبة واليدين والقدمين لدرجة قد تسبب التسمّم وفقدان الوعي أو كسورا فقرية، أو تمزّق أعضاءك الجنسية بشفرات حادّة، أو قلع أظافر يديك وقدميك بكلاليب ثمّ تهشيم ذراعك وأصابعك بمطرقة، أو يضعون البنزين على أماكن من جسمك ثمّ يشعلون النار، أو لسع طبلة أذنك أو حواجبك أو رقبتك بالسجائر وبالإبر، أو إجبارك على الجلوس على زجاجة أو اغتصابك بقارورة أو عصا غليظة، أو يضعونك عاريا "الفرّوج المشوي" فيربطون يديك بحبل على مستوى المعصم ويحوط الذراعان الركبتين التي يمرّر تحتهما قضيب حديدي طوله متر ونصف يوضع بين طاولتين وتبقى أنت معلّقا رأسك في الأسفل وراحة قدميك مربوطتين قبالة الجلاّدين وتنهال عليك ضربات العصي والكاوتشوك مع الشتائم القذرة وإطفاء السجائر في شرجك، وتحرم من كلّ دواء وفي حالة الضرورة القصوى كالإصابات القلبية والسكري يساومونك ويبتزّونك ودائما بمقادير ناقصة وبانقطاع ويحرمونك من قضاء الحاجة ومن المعالجة، واستجواب أفراد العائلة أمامك وضربهم حتى الموت، أو بتر أعضائك بآلات كهربائية أو بمنشار... { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)} سورة براءة.
    كلّ هذه‏ الآلام يحاول العدوّ‏ أن يغرسها‏ في‏ قلبك‏ في آن واحد ومتواصل لكي‏ تنتج‏ اعترافك وانهيارك، يضغط بكل‏ قواه، يضغط‏ بشكل‏ متواصل،‏ يضغط‏ على‏ جسد‏ك لكي‏ يُنهَك‏ ولا‏ يبقى‏ عنده‏ قدرة‏ على‏ التحمّل‏، يضغط‏ على‏ أعصابك لكي‏ تنهار‏ ولا‏ يبقى‏ عندك قدرة‏‏، يضغط‏ على‏ نفسيتك‏ لكي‏ تستسلم‏ للأمر‏ الواقع، يضغط على‏ عقلك ‏لكي‏ يُشلّ‏ ويعجز‏ عن‏ التفكير، يضغط‏ على‏ غرائز‏ك لكي‏ تثور‏ وتبحث‏ عن‏ البقاء والخلاص‏ والاعتراف... التحقيق‏ مسرحية‏ قاسية تدار بدراسة‏ وخبرة، وكل‏ أساليب المحققين‏ هي‏‏ مسرحيّة دمويّة، لتحطيم ذاتك وغسل دماغك وإخضاعك للهوان ولو لفترة بسيطة... لكن الانهيار والاعتراف لا يكونان إلا إراديين وذاتيين، ويؤديان إلى كوارث ومفاسد لك ولإخوانك، تفوق أية كارثة يمكن أن تحدث لك نتيجة التعذيب بكل وسائله وأساليبه. تذكّر أن المحقق سيعمل بكل الوسائل للوصول إلى خلق حالة تعاون بينك وبينه، إما بالقوة، أو بالمراوغة وبالخداع، أو بتبادل الحديث بمواضيع عامة وتافهة، (الردّ الأفضل الذي يحمي إيمانك مهما فعلوا بك، هو رفض التعاون في أي شيء على الإطلاق، وهذا يربكهم، ويسقط عندك حاجز الخوف منهم). المحقق يستطيع الشتم، الضرب، التجويع، التعطيش، التسهيد الخ، ولكن لا يستطيع تحريك اللسان وتحصيل المعلومات دون تعاونك. التحقيق هو أحد فصول المعركة التي تدور في الشوارع والجبال والعقول والسجون، فكيف يمكن أن تتعاون فيها مع عدوك؟؟؟ المدينة‏ هي القوّة‏ التي‏ تحمي‏ أهل الإسلام، ‏وهي ‏الدرع‏ الواقي‏، ‏ ضدّ العدوّ.
    { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) } سورة يونس.

    - ظلامُ روحي كسرٌ في العظام. أين العلاقة مع الحكاية-المدينة؟
    - القصّة -في حدّ ذاتها- سلاح، ضدّ الإنقهار والاستيحاش وضدّ تفتّت وتناثر المدينة إلى خليط أصوات تتجاهل بعضها بعضا وتضيع هنا وهناك في الصخب واللاّتواصل والخنق. ألا بئس هذا الوقت الخبيث الذي يضطرّ فيه الرّجال والنساء عندنا لمثل هذا التدريب حتى يحموا أنفسهم وأهليهم من الهلاك.
  • بنت الفراسة
    • 08-04-2008
    • 6

    #2
    أنت تفاجئني حقا... وهي قصة غريبة من أدب الرعب

    تعليق

    يعمل...
    X