تجلـيـــــــــــــــــــات الاغـتــــــــــــــراب
للأديبة خديجـة بـن عـــادل
المشاركة الأصلية بواسطة [/FONT
المشاركة الأصلية بواسطة [/FONT
1- حــول النّـــــص:
بدءا، قبل الغوص في أعماق نص الكاتبة خديجة، وسبر أغوار تضاريسه الداخلية، لابد من توضيح رؤية هذه القراءة، للقبض على البؤرة التي تستقطب النص، التي تسكنه وتهوسه، قبل تجنيس النص ورسم حدوده الهوياتية، لأننا أمام نص المحنة، نص الألم، نص الحرقة، نص الوجع، نص الغربة ونص البوح الصادم، وهو لاشك خاطرة، لكنها تتقاطر أسى وتعتصر ألما، عن غربة، وعن انفصال، وبخوف، وعن مفارقة، إنها الغربة في أقصى أقاصيها وأجلى تجلياتها، والاغتراب لا عن الشيء كما قد يُؤْلَفُ، إنما هو اغتراب عكسي مضاد، فليست الذات تغترب عن الهوية والوطن، بل الوطن هنا بكل تكويناته ومكوناته وتجلياته هو الذي ينأى عن الذات الكاتبة ويغترب عنها، فهو وطن يبتعد، وطن يغرق، وطن يُسْرَقُ عن أهله وتاريخه وتراثه، ويفرغ من محتواه، وينزل إلى القاع حتى الضيّاع، وطن يتوارى خلف السحب، يدنو سريعا من التلاشي حد الاحتضار.
إنّه لمن المعروف أن الغربة تمارس إكراهاتها على البشر، حين يبتعدون عن أوطانهم، فتكون معهم كمثل الذئب مع شاردة الشيّاه، فتخيِّرُ البعيد بين الاستسلام للواقع الثقافي الجديد ومن ثمة الذوبان والتماهي فيه، أو انتظار الافتراس والاندثار، لكنها هنا تجربة أخرى تمارسها غربة أخرى جديدة متغولة مخيفة، وتسفر عن وجه قبيح لم يكن مألوفا من قبل، تعانيه الذات الشرقية في البيئة الغربية، حين تجد أن الغربة كالمرض السرطاني يلتهم نسيج الخلايا في نهم واستشراء، تشبه الدمى الروسية حين تُدْخل كل دمية في الدمية التي هي أكبر منها، فتتشكل دمية واحدة كبيرة تحوي العديد من الدمى، فكذلك الغربة بمسمى واحد وبمكونات متعددة، غربة الذات في بيئة الغربة، وغربة الذات في الوطن، وغربة الذات بعيدا عن الوطن، وغربة الهوية عن الذات وغربة الذات عن الهوية، إنها أسئلة قلقة ومحرجة ومحزنة، تناجي الماضي أن يقفز إلى المستقبل، وتطلب الحاضر أن يواري سواد وجهه السافر، وأن ينجلي ليله.
إنّه لمن المعروف أن الغربة تمارس إكراهاتها على البشر، حين يبتعدون عن أوطانهم، فتكون معهم كمثل الذئب مع شاردة الشيّاه، فتخيِّرُ البعيد بين الاستسلام للواقع الثقافي الجديد ومن ثمة الذوبان والتماهي فيه، أو انتظار الافتراس والاندثار، لكنها هنا تجربة أخرى تمارسها غربة أخرى جديدة متغولة مخيفة، وتسفر عن وجه قبيح لم يكن مألوفا من قبل، تعانيه الذات الشرقية في البيئة الغربية، حين تجد أن الغربة كالمرض السرطاني يلتهم نسيج الخلايا في نهم واستشراء، تشبه الدمى الروسية حين تُدْخل كل دمية في الدمية التي هي أكبر منها، فتتشكل دمية واحدة كبيرة تحوي العديد من الدمى، فكذلك الغربة بمسمى واحد وبمكونات متعددة، غربة الذات في بيئة الغربة، وغربة الذات في الوطن، وغربة الذات بعيدا عن الوطن، وغربة الهوية عن الذات وغربة الذات عن الهوية، إنها أسئلة قلقة ومحرجة ومحزنة، تناجي الماضي أن يقفز إلى المستقبل، وتطلب الحاضر أن يواري سواد وجهه السافر، وأن ينجلي ليله.
2- التـحـلـيل:
أ- الخطاب المقدماتي:
أ- الخطاب المقدماتي:
لم تعد العنونة ترفا زائدا في مقاربة المنهجيات الحديثة ونظرياتها، فلم تقصي أيا من المناصات والخطابات الموازية، وراعت كل ما يحيط بالنص واعتبرته من العلامات البنائية الدالة، بل اعتبرته جزءاً أصيلاً ينتمي إلى نسيج النص، ولم تتركه في" مهمة وضع المعنى أمام القارئ، بل حولته هو ذاته إلى مشروع للتأويل"(1) والتقاط المعنى لا يتجزأ عن النص في نظام الدلالة، ولا يُقرَأُ النص إلا في شكله العام، بدءا بالمناصات كالعناوين وكل العتبات وحتى البياض وطريقة الكتابة وفضائها وفضاء النص، ونحن أيضا سنتوقف عند جمالية الخطاب المقدماتي الماثل أمامنا:
حديـقة الألـغـام مـتـى تــزهــــري....؟؟
حديـقة الألـغـام مـتـى تــزهــــري....؟؟
وهنا لابد من طرح الأسئلة، كأدوات معرفية دقيقة للقياس، لكننا حتما سنقارب فقط، طالما الأحكام القيمية هي مقتل الناقد/القارئ، ولأنها تجعل منه سلطة استبداد تمارس إقصائيتها على النص، وتجعل سلطة القراءة سلطة مستحكمة بالأنا الفردي المتعالي المزهو بتلقف كل الحقيقة، في حين الحقيقة غائبة، لأنها ليست بنت لحظها بل هي جزء من كل لا يعطيه النص في زمنية محددة، وإنما يبقى يتوالد ثريا مع امتداد الزمن.
أ-1- حديقة الألغام متى تزهري....؟؟
أرى العنوان يتوزع بين أربعة مقاطع، كلها تعنى بدلالة ما، كأنها تروم إراحة القارئ لتقول له توقف هنا، لا تبارح الباب، أنت على موعد مع الخطر، انتظر، تأمّل، ولك خيارك بعدها، في أن تلج أو تدخل، أو تترك وتغادر.
أ-2- حديقة الألغام
مبتدأ مضاف ومضاف إليه
الحديقة الجميلة المحبوبة تضاف إلى شيء مخيف ومفزع
يالها من مفارقة؟!إن الحديقة عادة مغروسة بالأشجار ومحفوفة بالأزهار، مورقة مخضرة، ملأى بالثمار والورود، ويتطاير منها الشذى والعبير، فيها يتجوّل الناس، يهنَؤُون، يسرحون، لأنهم يعودون إلى الطبيعة الغناء، أصل الحياة، أصل البداية، إن استعارة الحديقة التي تحوي كل الخير والطيب والجمال والحب للوطن، لهو من أوفق التشابيه التي تقرّب معنى الوطن إلى الأفهام، وإخراج ذاك الشعور الفطري الذي يسكننا عن الأوطان، يتلبسنا، بمعنى الحب والانتماء والوجود والكينونة، لكن الوطن الحديقة الجميلة مغروسة بالألغام!! فمن يمشي فيها؟ ومن يتنسم عبير الورود؟ ومن يقوى على الإقتراب، والقنابل موقوتة، أو ربما تنتظر من يمشي عليها لتتطاير شظاها، وتحصد الحياة، إنه وطن يقتل أبناءه، مثلما تقتل الألغام الماشين فوقها، ومن هنا نتلمس الغربة كيف تتجلى منذ البدايات، إنها مرثية لحال وطن، بكائية حزينة، حينما تستباح في الأوطان كرامتها.
الحديقة الجميلة المحبوبة تضاف إلى شيء مخيف ومفزع
يالها من مفارقة؟!إن الحديقة عادة مغروسة بالأشجار ومحفوفة بالأزهار، مورقة مخضرة، ملأى بالثمار والورود، ويتطاير منها الشذى والعبير، فيها يتجوّل الناس، يهنَؤُون، يسرحون، لأنهم يعودون إلى الطبيعة الغناء، أصل الحياة، أصل البداية، إن استعارة الحديقة التي تحوي كل الخير والطيب والجمال والحب للوطن، لهو من أوفق التشابيه التي تقرّب معنى الوطن إلى الأفهام، وإخراج ذاك الشعور الفطري الذي يسكننا عن الأوطان، يتلبسنا، بمعنى الحب والانتماء والوجود والكينونة، لكن الوطن الحديقة الجميلة مغروسة بالألغام!! فمن يمشي فيها؟ ومن يتنسم عبير الورود؟ ومن يقوى على الإقتراب، والقنابل موقوتة، أو ربما تنتظر من يمشي عليها لتتطاير شظاها، وتحصد الحياة، إنه وطن يقتل أبناءه، مثلما تقتل الألغام الماشين فوقها، ومن هنا نتلمس الغربة كيف تتجلى منذ البدايات، إنها مرثية لحال وطن، بكائية حزينة، حينما تستباح في الأوطان كرامتها.
أ-3- مــتى تـزهـــري....؟؟
جملة صادمة حائرة شاكية باكية مترجية في وقت اليأس، كان مفترضا بها أن تكون خبرا سعيدا كما نحا العرب في لغتهم، لكنها جاءت لترثي الحال، لتطرح السؤال، ورغم أن الألغام لا تزهر وإنما تتفجر، لكن الحب الفياض السرمدي أبقى باب الأمل مفتوحا، ولو في صورة السؤال المشروع، لتتبعه نقاط الحذف، التي تدل من جهتها أن الأسئلة كثيرة ومتكاثرة، غير منتهية، وعنوانها منحصر في الألغام، متى تزول وتحل محلها الأزهار؟ وتختم علامتا الاستفهام الجملة، لتقول أن السؤال حقيقي ووجيه، غير ملتبس، ولا منتهي، فالاستفهام على الأسئلة الموجودة القلقة، وغير المكتوبة، وغير المثبتة في النص، المعبر عنها بنقاط الحذف، تدل من جهة أخرى أن النص غير مكتمل، ويحتاج إلى مواصلة الرحلة الشاقة والطويلة في نزع الألغام بكل أنواعها من الأوطان المسلوبة والمنكوبة.
3- فـضـاء الكـتـابـة
لم يكن مسوغ التدقيق في لغة وطريقة رسم الحروف التي انتهجها النظام الدلالي في النص، من أجل الإحراج، ولا من أجل الهمز واللمز، ولا من أجل فرض سلطة خارجية على النص، تنهكه وتبتذله وتعلي من شأو الرأي الأوحد، للإقصاء والإلغاء، بل مهمة القارئ هي الإثراء، فالنص هو من يختار قارئه، ولن يسلم النص أو يستسلم لأي سلطة كانت، وقراؤه يتكاثرون، بل هو حر الدلالة، ولا يعطي إلا بقدر استبعاد هذه السلطة المستبدة، التي تمارس الانتقائية في تخيّر دلالاته، كما لابد أن تقصى تلك السلطة التي أحالت الوطن إلى خراب، إلى ساحة وغى وحرب.
لقد تعمدنا التعامل مع تلك الأيقونات على أنها علامات دالة في النص، لها معانيها رغم عدم استقامتها الكتابية، وربما لم تكن قصدية كاتب النص، فأحصينا حرف النفي (لا) فوجدناه قد وصل إلى اثنتي عشرة مرة، وكلها كتبت بالرسم(لآ) بالمـد غير اللازم إملائيا، والمدود كانت في لحظة المخاطرة والمنولوج الداخلي نوعا من الرفض الذي هو أقرب إلى الصراخ، ورفع عقيرته بالصوت العالي، تعبيرا غاضباً عن حجم الألم وعن حجم الضياع، وعن حجم الغربة ومأساة الاغتراب، عن وطن يبتعد عنا كلما اقتربنا منه.
إن تكرار حرف النفي والرفض (لا) و(لآ) بالمد وبغير المد هو سلاح الذات في لحظة البوح، سلاح الرفض النابع من أعماق الذات، لحظة تنبه الضمير ويقظة الوعي، إنها المقاومة لحالة التردي التي تنتاب الحاضر وتوشح المستقبل بسواد الرؤية، إنها رغبة الاستبسال الأكيدة في إعادة الماضي المشرق، ماضي الأمة التي تسيدت ثم غربت شمسها وكسف قمرها لزمن طويل.
إنها حكاية وطن يعلّم أبناءه الفضيلة وكل أمجاد الماضي التي سرعان ما يتنكب لها، ولا يجد فيه أبناؤه بعد حين من شعاراته إلا ذاكرة مثقلة بالأقوال، كأنه كان منفصلا عنهم، أو ضحك عليهم وهو يقودهم إلى النهايات الغير سعيدة، إنها حكاية النهاية، حكاية وطن افترسته سلطة غشومة، غيبته وغيبت في غيبته أبناءه، فمسؤولية الذات المبدعة أن تتفاعل وجدانيا مع خيبة جيل، وخيبة أرض، وخيبة تاريخ، وخيبة وطن، خلفه الآباء والأجداد وسلموه أمانة لمن يتعهده من الأجيال، فأغرقه المستبدون وأغرقوا كل جميل فيه، وحولوه إلى وطن يسكن الذات الكاتبة ولا تسكنه.
وما يزال النص ، شأنه شأن أي نص منكتب ثرياً، ودلالاته غير محصورة، يحتاج قراءً متعددين، يتابعون توليد معانيه والوقوف عند جمالياته وتفكيك رسائله وتلقفها واستيعابها، ومن ثمة إضاءتها، ومن هنا وجب النهوض، ووجب التصحيح، حتى يعود الطائر المهاجر إلى عشه وقد اخضرت حول الأغصان، وغير هذا الكثير من كنوزه المبثوثة في تضاعيف بنياته.
وتحية طيبة
لقد تعمدنا التعامل مع تلك الأيقونات على أنها علامات دالة في النص، لها معانيها رغم عدم استقامتها الكتابية، وربما لم تكن قصدية كاتب النص، فأحصينا حرف النفي (لا) فوجدناه قد وصل إلى اثنتي عشرة مرة، وكلها كتبت بالرسم(لآ) بالمـد غير اللازم إملائيا، والمدود كانت في لحظة المخاطرة والمنولوج الداخلي نوعا من الرفض الذي هو أقرب إلى الصراخ، ورفع عقيرته بالصوت العالي، تعبيرا غاضباً عن حجم الألم وعن حجم الضياع، وعن حجم الغربة ومأساة الاغتراب، عن وطن يبتعد عنا كلما اقتربنا منه.
إن تكرار حرف النفي والرفض (لا) و(لآ) بالمد وبغير المد هو سلاح الذات في لحظة البوح، سلاح الرفض النابع من أعماق الذات، لحظة تنبه الضمير ويقظة الوعي، إنها المقاومة لحالة التردي التي تنتاب الحاضر وتوشح المستقبل بسواد الرؤية، إنها رغبة الاستبسال الأكيدة في إعادة الماضي المشرق، ماضي الأمة التي تسيدت ثم غربت شمسها وكسف قمرها لزمن طويل.
إنها حكاية وطن يعلّم أبناءه الفضيلة وكل أمجاد الماضي التي سرعان ما يتنكب لها، ولا يجد فيه أبناؤه بعد حين من شعاراته إلا ذاكرة مثقلة بالأقوال، كأنه كان منفصلا عنهم، أو ضحك عليهم وهو يقودهم إلى النهايات الغير سعيدة، إنها حكاية النهاية، حكاية وطن افترسته سلطة غشومة، غيبته وغيبت في غيبته أبناءه، فمسؤولية الذات المبدعة أن تتفاعل وجدانيا مع خيبة جيل، وخيبة أرض، وخيبة تاريخ، وخيبة وطن، خلفه الآباء والأجداد وسلموه أمانة لمن يتعهده من الأجيال، فأغرقه المستبدون وأغرقوا كل جميل فيه، وحولوه إلى وطن يسكن الذات الكاتبة ولا تسكنه.
وما يزال النص ، شأنه شأن أي نص منكتب ثرياً، ودلالاته غير محصورة، يحتاج قراءً متعددين، يتابعون توليد معانيه والوقوف عند جمالياته وتفكيك رسائله وتلقفها واستيعابها، ومن ثمة إضاءتها، ومن هنا وجب النهوض، ووجب التصحيح، حتى يعود الطائر المهاجر إلى عشه وقد اخضرت حول الأغصان، وغير هذا الكثير من كنوزه المبثوثة في تضاعيف بنياته.
وتحية طيبة
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1)– بشرى البستاني، قراءات في النص الشعري الحديث، دار الكتاب العربي، ط1، 2002، ص:32.
(1)– بشرى البستاني، قراءات في النص الشعري الحديث، دار الكتاب العربي، ط1، 2002، ص:32.
تعليق