أشرقت شمس الأصيل من خدرها ،فبرق النسيم وتلألىء ، وطاف مرحاً إلى عتبات الأفق، يغتسل من نور ضيائها الوهاج ،،وترنمت الطيور في أوكارها تتلو تراتيل الشكر والنعمة ،تُسبح الخالق في عليائه ،وتحمده على نعمه وسخائه ،وهاهى أجمة البندق قد ترصعت بلأليء الندى ،وتسامق الدوح العاري ، كلاً يسعى ليلثم بريق الشمس في مطالعه ،حتى فتر ثغرها المصطبغ بأرجوان الخجل ،عن ابتسامة ندت منها ملامح الحياء .دبت الحياة في الحقول والمراعي الخضراء ، تزامناً مع صهيل الخيول في الحظائر ،والديوك تعبث فوق الأسوار وتختال بأعرافها، لتطلق صياحها في الفضاء القريب ،والفلاحون يحملون الفؤوس على عاتقهم ، يجرون الخيول وهي تشق أخاديد في باطن الأرض ،ثم ينثرون ورائها بذور الذرة ،التي تسارع بالخفاء كنطف تسعى إلى رحمها ...كانت منظومة الكون تجري في مسبحة الخالق بنسق آخاذ فريد ... وفي منطقة نائية قُرب حدود الصين، أمتد شريط أخضر من العشب والكلأ ،تحيطه غابات ملتفة بالأشجار السامقة ،وقد نشب حولها ثلاث رواسي من الجليد ، ثم نتأ في باطنه سياج خشبي تسللت إليه ألفاف النباتات والتفت حوله حتى احتجب عن الأنظار ،ثم أقيم داخله معبد عتيق ، وقد اصطبغ كسائه ، بلون مذهب لامع مطرز عليها رسوم التنانين ،وامتدت أحجار منصوصة على حواشيه ،وضربت القباب المثلثية البيضاء مظلة فوق أبراجه السامقة ، وانحدرت سلالم مرصوصة من الصخور البيضاء امتدت إلى عتبة البوابة الكبيرة لمدخل المعبد ..ثم تذيل المعبد فناء واسع ،انبثقت منه نافورة على شكل تنين ،ودالية باسقة منها أشجار المانجو والنخيل ، وعلى مقربة منها خلف الفناء ، تبرز حظيرة كبيرة للخيول ،وسراديب لتخزين الحبوب والغلال .. هُنيهات واستيقظ الكهان من مرقدهم الطويل ،وتراصوا خلف مقاعدهم في الغرفة الكبيرة التي أُعدت لممارسة تلك الشعائر ،وطفقت ألسنتهم تلهج بالترانيم المقدسة وتسبح الخالق في عليائه ،ثم جلسوا لتناول طعام الأفطار من لبن ،وخبز ،وعسل ،يحتسون معه شراب التوت البارد ،إلا كرسي واحداً ظل شاغرا من صاحبه ،اشرأبت الأعناق وتسامت لتستقصي عن الفقيد الغائب ، الذي ظل ساهماً يرنو إلى الأفق ، قابعاً في غرفته خلف النافذة، وقد توسد كفيه خده الأملس ،مستنداً إلى رسغيه ،وعجين الأفكار يختمر في طاحونة العقل ،فقد عزم على فعل أمر جلى ،بعدما نضج خبزه، واستوى في تنور عقله ... إنها السياسة التى انتهكت عقله،ودنست قلبه،فنزع رداء القداسة،وحدق إلى المرآة مغتماً :لن أصير كاهناً بعد اليوم..!شهور وأنا أطرح الفكرة مراراً على موقد العقل ،لأستبين نضجها ،فأزكت رائحتها الطيبة عقلي النابض ...فتوثقت مادتها ، واستحال يقيني كتاب مقدسا .. تفقد المعلم في قيلولته ،قطع خلوته،غمغم : أيها المعلم ..لقد نويت الرحيل..فلا تحاول إثنائي ... لقد حزمت أمري ..فقُضى الأمر الذي كنتم فيه تستفتيان.. نهض المعلم، وهو يتكيء إلى عكازة،يشدو بترنيمته :لديك قواعد خاصة ، مصممة لحمايتك..لاتخرق القوانين..سيتم استجواب إيمانك. جثا الفتى على ركبتيه وقاراً،نكس رأسه حياءً،تمتم بصوتٍ خافت: سمعت أصواتاً تدق في رأسي...جئت إليك ألتمس البركة..دفعه المعلم بطرف عصاته مترفق به : انهض..كنت من خيرة تلاميذي..ما الذي جد؟..أيُ مس عبث بعقلك : سأنتعل السياسة..رمق المعلم قدميه العاريتين ثم أطلق ضحكة ساخرة ..ماذا !! الفتى : وجدت أنها تلائمني المعلم : جيد..وما الذي تعرفه عن السياسة؟ .الفتى وقد تخلى عن حياءه ،وانتفض كالطاووس، ثم وثب كالبهلوان : السياسة ..تحقيق الممكن قدر الإمكانات المتاحة...مع المذيد من الحنكة، والمهارة...سأكون ملماً بالسياسة ومعطياتها، ظاهرها وباطنها، وبصفتي كاهناً، أقصد سابقاً، كنت أشغل قارىءً للأفكار..سيكون الوضع على مايرام..فلاتقلق..ثم ربت على كتف معلمه دون حياء .. لكن المعلم أعرض عنه ساخراً : حقاً..إذاً ستكون سياسياً أخرق..أقصد ستكون مثل الحمل بين الذئاب..ليت الأمر هكذا يابنى ..ليت السياسة تقف عند هذا الحد فقط ..ّوإلا كانت السياسة قبلة للحمقى .. أذهب الأن إلى حجرتك ،ولتأتني غداً.. لننظر في شأنك ..سأعد لك اختباراً..لأرى قدراتك..لعلي قد أمنحك قلادة ..تكون وسيلة للعبور نحو الجانب الأمن من العالم ...إستأذن في الأنصراف،تملقه المعلم،وعض على شفتيه:أية أفكار ملثمة ،تسلقت إلى عقلك. مضى الفتى إلى غرفته منتشياً ،تسبقه فرحة غامرة تنسج أحلاما وردية ،يأمل بشغف أن تتجسد لحقيقة صارت قاب قوسين أو أدنى من احتضان واقعه المنشود. أخرج من خزانته،ثلة من الكتب والصحف المتعلقة بالسياسة،رمق صورة تشرشل المدلاة على حائطه،ثملت عينيه،فتخيل الكاميرات تلاحقه،والفلاشات تغمره،وهو يدلو بإحاديث صارت مثار للجدل.أشار إلى صورة تشرشل بعلامة النصر.. أفسح مكاناً للرفقة يا" تشارش" السمين ..إننى قادم لأنتزع مقعدك لا محاله..ثم انخرط في وصلة من الضحك .حتى غلبته عساكر النعاس،
فاستلقى على سريره ،وغاص في أحلامه يُدندن ،ويرقص الفالس..حيث رأى نفسه يفتح الصنبور ويأخذ حماماً دافئا ً، ثم توجه بعدها إلى غرفته وانتقى من دولابه الممتلئ عن آخره بأفخر ما أنتجته دور الأزياء الرجالية , بدلة كحلي ، وربطة عنق بلون زاهى, وضع ساعة سويسرية الصنع في حجم الكف على رسغه الأيسر , ثم انتعل حذاء ثمنه باهظاً يكفي إعالة اسرة من عدة أفراد لشهور أيام ..نظر إلى نفسه في المرآة مزهوا مغروراً يتقلب أمامها يمينا ويساراً ...وضع يده اليمنى على بطنه النافر حاول إلصاقه بظهره ..ابتسم وأعاد نفخه في اعتداد .. مسد بمرهم الشعر ومسح على ما تبقى من شعره على أم رأسه ..قارورة العطر قابعة هناك تختال بلونها الزاهي ..بسط راحته وصب فيها قطرات ثم نثره فوق رأسه وخلف عنقه , ثم تنال أخرى ,وصب منها على رقبته وخلف أذنيه مصعدا الى ناصيته في حذر لتبقى خصلاته في نظام ..
اعتمر قبعته ،ومضى في طريقه ،لم يرى أحداً ذلك اليوم ،يستعرض أمامه صورته الجديده ،ليمنحه مذيداً من الثقة والتفاؤل، جال ببصره في زوايا المعبد عله يجد أحد تسائل: أين ذهب الجميع ؟، هيكل المعبد يكاد يكون خالياً ، إلا من ظل مخيف كان في انتظاره قرب زاوية مظلمة.. أحد الكهنة سلم إليه رسالة شفهية: رئيس الكهنة بإنتظارك في القاعة البيضاء المخصصة لتلاوة الترانيم..مسح مفرق رأسه ،وارتدى نظارة شمسيه ،دس يده في جيبه وأستخرج البايب الكوبي ، ثم أشعل قداحته ،ولثم بها التبغ المعبأ ،سعل قليلاً لكنه سرعان ما تماسك ..إطمئن على وضعية رباط العنق ،الحلية السوداء ، الساعة السويسرية ،الحذاء يبرق باللمعان ..كل شيء على ما يرام ..تفقد لكنته الجديده ،دس يده في جيبه غاصت ثم استخرجت مرأة صغيرة إطمأن لصورته ،أنفه ، أسنانه ... تمطى بقامته ،قبل أ يؤذن له بالدخول ،أخرج غليونه ، ماكاد يلج بوجهه،حتى تسمرت قدماه، فغر فاه عندما هالته الصورة :يا إلهي !..هل هذه قاعة الترانيم؟..أم قاعة للمصارعة؟..نزع نظارته، فرك بين عينيه في دهشة،وقف مذهولاً، الصورة كما هي.. حلبة تتوسط القاعة بجوارها مناضد خشبية وكراسي حديدية، وسلاسل وأسلاك شائكة .. تململ قليلاً والسيجار المخنوق بين أصبعيه كاد أن يحرقهما ، دنا منه المعلم وربت على كتفيه.. ثم غشى جبينه المقطب شبه إبتسامة ساخرة : أنصت إلي يا بني مضمار السياسة،مثل مضمار المصارعة ..لايختلفان.. لكل منهما طريقة في العرض والقتال ..لكنهما يتشابهان عند الهدف وهو الوصول إلى الغاية ..السياسة وسيلة ملتوية لتحقيق مآرب أخرى ، قد يكون أغلبها غير شرعي، لها قواعد وشروط وعلوم تدرس في إطار منهجي تحت مظلة المجتمع الدولي ، إنما المصارعة تعبر عن الوجه التطبيقي لعقدة السياسة وممارساتها في تحقيق الأرباح والمكاسب .. لقد أعددت لك نموذجاً مثالياً هو الأقرب لحقيقة السياسة ، التي تريد إنتعالها تسمى سياسة الهاردكور..أقصد مصارعة الهاردكو وهي تعني بمفهم بسيط ..كل شيء مباح، ليس هناك قوانين، مصارعة يُستخدم فيها المناضد والكراسي...كما هو المعمول به في السياسة...استخدام الدين والمتاجرة به ،بالأرواح ،بالأعراض،كل مايجعلك رابحاً في النهاية..ستتبارى أنت وخصمك في نزال عنيف..وفي نهاية الامر سيكون هناك فائزاً واحداً سيغادر هذا المكان..والخاسر ثق أنى سأحرص على أن ينظف حظيرة الخيول ويجمع روثها في السلال ..هذه هي السياسة يابني..هاردكور. شعر الفتى أن أحلامه قد تهاوت وتهشمت عند ارتطامها بصخرة الواقع المبين ،وأن صدمة الحقيقة يسري في عقله كالسم يطارد الفلول المتبقية من أوهامه ،ويأد ماتبقى من أمنياته .. حاول أن يحل عقدة من رابطة عنقه، التي شعر أنها تضيق شيء فشيء ..إرتعشت أنامله وهي تفض أزرة قميصه،ابتلع ريقه بصعوبة،شعر ببرودة تسري في أوصاله تمتم ببضع بكلمات : كلا..لن أكون هذا المسخ..ولن أقوم بإزالة روث الخيول..أعتقد أنني مازلت احتفظ برداء القداسة. أومأ برأسه يطلب الإذن بالإنصراف..وسرعان ما لاذ إلى حجرته يهذي بصوت عال: إنني أمقت السياسة..لن أكون مسخاً. تملقه المعلم بعدما غادر مسرعاً، وما لبث أن تخلى عن وقاره ،وانخرط في وصلة من الضحك، ردد معها تلك الكلمات:هذه هي السياسة..هذه هي السياسة أيُها الحمقى..هاردكور.
تعليق