الوجـوه الخاويـة (مجموعة قصصية)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د .أشرف محمد كمال
    قاص و شاعر
    • 03-01-2010
    • 1452

    الوجـوه الخاويـة (مجموعة قصصية)

    (1)




    قلـب جرانيــت





    وقف يتأمل قطعة الجرانيت المصمتة الرابضة في صمت المستسلم أمامه . تساءل في نفسه ؛ ماذا تراه يفعل بها..؟! - وهو الخبير في هذا المجال – إنها ليست المرة الأولى التي يصنع فيها التماثيل البشرية, لقد صنع العديد و العديد من المسوخ ذات الملامح المألوفة, و رسم الكثير من الأوجه المحنطة الخاوية من الحياة ؛ لكنه لا يدري لما تختلف تلك القطعة الجرانتية عن أقرانها..؟! أطال إليها النظر ثانية.
    - همممم..!! إنها تذكرني بشيء ما..؟!
    .. تسربت من الذاكرة إلى سطح الوعي أيام بحلاوة الشهد . اخضرت الأرض الرمادية من تحت قدميه , كست ألوان الطيف عالماً ميتاً, جعلته ينبض بالحياة. ملأ رئتيه بنسيمٍ مختلف النكهة , انساب أريجه يعبق أركان الذاكرة . بدأت الصورة المهزوزة تتضح معالمها , و تظهر جلية. كانت تقف وسط الغيام بشعرها الأسود الفاحم , المتهدل , و جسدها ملفوف القوام , ببشرتها الحريرية الناعمة , و وجهها الصبوح كالبدر في ليلة التمام , بملامحها الرقيقة , و عينيها الملونتين بلون زرقة السماء , و أنفها الدقيق المرفوع في كبرياء , بشفتيها الممتلئتين , كفلقتي كرزة حمراء . ابتسمت له ؛ فانسكبت أشعة الشمس من ثغرها , و تلاشى الظلام المطبق من حوله.
    - إنها هي ولا شك..؟!


    .. أخذ يتأمل القطعة الجرانيتية في حب , يرويها من دفق خياله. حمل مطرقته . بدأ يعمل أنامله في دقة , و قوة , و حزم . كلما ازداد خفقان قلبه في الصدر. كلما زادت وتيرة الطرق . تساقط العرق المالح على الأرض. لقد صنعها بيديه , و سقاها من روحه , منحها أقصى ما تطمح به امرأة في الكون – قلب رجل وفي صادق - جعل منها أميرة أحلامه , و مليكة عالمه . لكنها أبت أن يكون قلبه لها قصراً , و كانت أصغر من الحلم. و في ليلة ظلماء من ليالي الشتاء , اقتلعتها عاصفة كبرياء هوجاء . جاهرت بضيق القفص الشفيف , حطمت أبراج الحلم المتوثب للحب . و رفضت ذلك القيد.

    ..ازدادت وتيرة الضرب , اختلط ملح العين بملح الأرض ؛ حتى بدأ الحجر يلين . و أزاح التراب عن بريق قديم . لينكشف عن يدين تتوسلان, و جسد في وضعية الركوع , عينين دامعتين في انكسار , و فم مفتوح ؛ كأنها تستصرخة , تستحلفه أن يسامحها - هكذا خيل إليه , أو تمنى..!! - فابتسم في ارتياح و رضا تامين , ثم أمسك بمعوله , بمشاعر باردة . و تنهد قائلاً:
    - أبداً لن أظل حبيس الذكريات ..أحيا مع ماضٍ ولى و صار رفات..!!
    .. ثم حطم ذلك الوجه الذي طالما أحب , و ذاك القلب الذي قـدّ من صخر.







    التعديل الأخير تم بواسطة د .أشرف محمد كمال; الساعة 03-01-2012, 15:31.
    إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
    فتفضل(ي) هنا


    ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم
  • د .أشرف محمد كمال
    قاص و شاعر
    • 03-01-2010
    • 1452

    #2
    الوجوه الخاوية (مجموعة قصصية) 2- الراحـة الأبديـة

    (2)

    الراحـة الأبديـة



    .. كنا صغاراً , نشاهد جدتي تجلس القرفصاء في مكانها المعتاد خلف باب الدار , ترقب بعينين ذابلتين , و نظرٍ أضحى خافتاً ؛ المارين في طرقات البلدة . كان جسدها النحيل الصغير بعظامه البارزة , قد انحنى بفعل السنين , و امتلأ ذاك الوجه الذي لوحته الشمس بالأخاديد , و تجاعيد أحزان و شجون لا حصر لها . كانت قدماها جافتين كأعواد حطب مزروع في اليابسة , على الرغم من ذلك كنا نجد في هذا الجسد الهزيل حضناً وسيعاً, يمتلئ بالأمان و الدفء . كنا نجد لديها ألاف من القصص و الحكايات التي لا تنتهي . فتحلق فوق رؤوسنا المئات من بالونات الاستفهام و التعجب..؟!
    .. حواديتها كانت لا تخلو أبداً من العظات و الحكم , و الكثير من الخرافات والخزعبلات ؛ قصص أبطالها من الجان , و المردة , و بطلاتها من أمثال
    (أمنا الغولة) و(أبو رجل مسلوخة). كانت قادرة على أن تجذب انتباهنا , تاركين لعبنا و ركضنا خلف بعضنا البعض. فنكف عن صياحنا الذي يزعج أباءنا في قيلولة ما بعد الظهيرة, و نلتف حولها ننصت إليها بأوجه تملؤها البراءة , و عيون تتملكها الدهشة , و عقول يسكنها الخوف , و عشرات الصور المرعبة.
    .. كذلك كنا نجد لديها خزائن حلوى لا تنضب ؛ حتى أننا كنا نتعجب من أين تأتيها كل هذه الحلوى..؟! لكن و لمَ العجب .؟! أليست تعرف كل خبايا الجن و أسرارهم..!! يكفي أن تمد يدها دخل طيات جلبابها حتى نجدها مفرودة أمامنا ملأى بتلك الحلوى المميزة بلونيها الأحمر و الأبيض ؛ على هيئة مختلف الحيوانات , ناهيك عن أطنان الملبس و الحمص..!!
    ..لا أتذكر أني رأيتها يوماً على غير هيئتها تلك ؛ حتى أنني كنت أحسب أنها ولدت على ذات نفس الشكل. فملامح ووجهها لا تتغير. لا تبرأ أبداً من علاتها و لا من صرخات آلام عظامها الهشة المستمره . لا أذكر أني رأيتها تضحك بحق, أو شاهدت انبساطة أخاديد الألم في الوجه خلف ابتسامة ارتياح . لم أكن أعرف ماهية علّتها بالضبط..؟! لكنني كنت أتمنى لو أجد دواءً سحرياً يشفيها من كل الآلام.
    .. حتى عيونها كنت أظنها تحجرت فيها الدموع . فلم أشاهدها تبكي قط ..!! إلى أن رأيتهما تتلألآن ذات يوم من الأيام . عندما سمعت في المذياع صوت (الكحلاوي) وهو ينشد (أنا جسمي عليل و دواه النبي..أديت رسالة الله .. يارسول الله ). و يتكرر سقوط حبات اللؤلؤ , كلما سمعت نفس الأغنية ؛ حتى بت أناديها كلما أذيعت في المذياع أو التلفاز؛ لأسعد بتقلصات ذاك الوجه الذي أحب.
    .. ذات يوم أمسكت بي , بينما كنت أركض خلف أقراني نلعب (الست غمايه) – لا أدري لما اختارتني أنا دون سائر أحفادها..؟! – و سألتني:
    - إنت بتحبني يا مصطفي..؟!
    أجبتها في ضيق المتعجل بالذهاب:
    - أيوه يا تيته..!!
    استوقفتني ثانية , و سألتني في تأثر بالغ:
    - يعني هتزعل عليا لما أموت..؟
    أجبتها في استغراب من لم يفهم معنى السؤال :
    - أيوه طبعاً..!!
    فأردفت قائلة , و هي تحتضنني في شوق , و تقبل رأسي:
    - يعني هتبقى تفتكرني .. و تيجي تزورني .. و تقول الله يرحمك يا ست...؟!
    سألتها بسذاجة و عفوية الطفولة:
    - أزورك فين...؟!
    لكنها لم تجب أبداً عن ذاك السؤال , إنما تركتني لأعرف وحدي فيما بعد الجواب..!! ماهي إلا أيام قليلة ؛ حتى رقد ذلك الجسد الصغير المتعب رقدته الأخيرة . قد باتت غير قادره على اختلاق الحواديت , غير قادرة على إداء الصلاة جلوساً كما عودتنا , وعيناها تراقبنا ؛ كثيراً ما كانت تقطع صلاتها لتنهرنا ؛ إذا ما وجدت أحدنا يحاول معرفة ما يوجد خلف عين أخيه , أو يشج رأس أحد أولاد أعمامه أو عماته , و يفجر نهر الدم معلناً عن اكتشاف جديد . ثم تعود لتكمل صلاتها في خشوع تام ..!!
    .. رقدت تلفظ آخر الأنفاس . انتابني وقتها شعور غريب مبهم ؛ أنني رأيت ملك الموت , فلم أخف منه..!! - برغم حداثة سني – وقد حُفرَت ملامحه في ذاكرتي منذ ذلك اليوم. خطف روحها بكل سهولة و يسر. و أكاد أقسم أني رأيت نوراً شفيفاً يصعد منها إلى السماء . أخيراً ارتسم على ذلك الوجه الطفولي المتغضن شبح ابتسامة رضا , و انبسطت أساريره في ارتياح و سلام تامين .
    التعديل الأخير تم بواسطة د .أشرف محمد كمال; الساعة 03-01-2012, 15:25.
    إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
    فتفضل(ي) هنا


    ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

    تعليق

    • د .أشرف محمد كمال
      قاص و شاعر
      • 03-01-2010
      • 1452

      #3

      (3)


      الوجـوه الخاويـة


      ..عمله يتطلب طبيعة قاسية. يجب ألا يطرف له جفن أو يختلج وتر من مشاعره , أن يكون متبلد الحس مصمت الوجدان يؤديه في روتينية قاتلة ؛ عليه أن يجلس طوال اليوم يراقب تلك التوابيت البشرية , و يدون تلك الطلاسم الغبية التي باتت هي الأخرى ميتة لا تتغير..!! يرقب تلك الوجوه الخاوية , الخالية من نبضة حياة . زملاؤه يطلقون عليها المقبرة , و بعضهم يداعبه ملقباً إياه بـ (الحانوتي) ؛ فالداخل عنده مفقود , و بالقطع الخارج مولود - فلم يشاهد أحداً أبداً يخرج ؛ اللهم إلا محمولاً على الأعناق..!!-
      .. كان يجلس الليال الطوال وسط صقيع الفراغ الموحش والوحدة , بين أمواج الألم و العجز؛ ليقينه أنه لن يستطيع أن يفعل شيئاً لهم . يشعر كما لو أنه يعيش في كابوس مبهم الملامح مع الأحياء الأموات . دائماً ما كان يشعر أنه غريبٌ عن كل العالم العبثي الذي يعيش فيه, لذا حاول التأقلم مع ذاته؛ كي يحيا حياة عادية طبيعية , يحاول أن ينفض عن كاهله غبار الكابوس اليومي الطويل.
      .. كثيراً ما كان يتحدث معهم , كأنه يعرفهم , يحاورهم , بل و يشكو لهم همومه و أحزانه, يناديهم بأسمائهم ؛ بل كان يناديهم بكنياتهم..!! فهذا (درش) , و ذاك (أبو خليل) , و هناك (سحس) , وهذه (أم محمد) , و تلك (بطه) . أحياناً كان يسري عن نفسه فيردد بعض الأغاني القديمة ( عشانك ياقمر ..اطلعلك القمر.. وعشان هواك أمر ..أحبك يا قمر..أحبك..) - برغم صوته الأجش الخالي من الطرب , وتلك اللثغة في لسانه عند نطق الراء..!!- فهم رفقة العمر والصحبة الذين يقضي معهم زهرة شبابة , و يمكث معهم الأيام الطوال و الشهور و السنوات- فيما ندر..!!-
      ..كان يحزن أيما حزن , حين يفقد أحدهم , فتتساقط منه دموع الحسرة و الندم رغماً عنه , يعتصر قلبه بين الحنايا شوق مر لإفتقاده , يشعر كما لو أن خنجراً بارداً يشق صدره ساعة يرى فراشه الخاوي . لقد كان منذ لحظات قليله يجالسه و يحادثه . يؤانسه و يأتنس بوجوده . و فجأة انتزعته يد القدر منه..؟! لكنه سريعاً ما يدرك أن ساقية الحياة ما تفتأ أن تعود إلى بحر اللا نهائية الضيق , فتقشعر الروح أمام تلك الحقيقة الثابته و تتحجر الدموع في الأعين , فلقد علمته الحياة ألا يضحك من القلب ولا يبكي بشده. أن هناك بعداً آخراً للأشياء , لربما كان الموت أكثر راحة من حياة هي أقرب للموت منها للحياة..!!
      .. ذات يوم من الأيام . انفتح باب القبوالمعدني ؛ ليأتيه صوت عم (علي) التمرجي , قائلاً له في فرح طفولي ساذج: (ابسط ياعم وافد جديد..إنما إيه آخر حلاوة..!!)
      نظر بلهفة المشتاق إلى سبر أغوار الحقيقة , و إزاحة أستار الغيب . وقف مشدوهاً ينظر إلى ذاك الجسد النحيل المسجى في سلام تام , و استسلام. هذا الوجه الملائكي المشع بالنور و الضياء , كزهرة أوركيد بيضاء, تلك البشرة الناعمة ؛ كنعومة الحرير. و الخدين المتوردين بحمرة الحياة - التي لا تملكها الجماجم الأحياء - عيناها الشاخصتان , تنظران إلى اللاشىء . نظرة تجمع ما بين الحزن , و الأمل , و الرجاء ؛ بالرغم من سنواتها التي لا تتجاوز العشرين.
      .. أفاق على رذاذ المياه الباردة التي نضحت من جبينه , تحركت داخله مجهولات شتى , و أحاسيس متضاربة , أذابت ثلج مشاعره النائمة منذ زمن, فطفرت من عينيه دمعات حزن مرّة المذاق , و تمتم قائلاً : (سبحان الله) ثم لوى وجهاً يعتصره الألم , ليخفي غمامة الدموع التي أغشت عينيه , و رجت روحه صرخة قائلة : (يــالا الأقــدار..؟!).
      .. سريعاً ما وٌضِعت على الأجهزة الإلكترونية , و اتصلت بشبكة الأنابيب اللانهائية , أخذت رقماً من الأرقام المتوالية , ثم أطبق الصمت على المكان. أحس ببرودة القبر, و صقيع الوحشة. فأقشعر جسده . سكن في عقله و وجدانه شجنٌ نابضٌ , و فضولٌ لاذعٌ أن يصافح وجهها من جديد . وجد نفسه يهمس في أذنيها قائلاً: ( أنا هنا معك.. بجانبك..أرعاك و أحرسك..لا تخافي.. سأظل دوماً بجوارك .. أؤنس وحدتك وأشاركك غربتك.. أنا فارسك الذي ظل طويلاً .. يبحث عنك.. كي ينقذك.. لن أتركك تستسلمين.. فأنت حبيبتي التي انتظرتها على مر السنين .. نعم أحس أنني أعرفك منذ زمن بعيد ..ربما من قبل أن تولد الحياة .. أنت توأم نفسي التي بحثت عنها كثيراً .. و لم أصدق وجودها إلا حين رأيتك .. جئتك الآن كي أخلصك.. كي أعيدك للحياة.. هذي يدي ممدودة إليك .. فاقتربي مني.. دعينا نكمل مشوار الحياة معاً.. أنا لم أسع إليك .. بل قدري هو من ساقك إليّ ..هيا بنا دعينا نري نور الشمس .. نمسك بريشات الحلم.. نرسم مستقبلنا .. قمراً مكتمل النور كالبدر.. و نقهر شياطين المستحيل ).
      .. انساب صوته دافئاً عميقاً داخل أذنيها ؛ متخللاً خلايا جسدها, أحست بشلال من القوة يغرق عجز الواقع , شعرت بدفء مياه المحياة يجري في العروق , فأرتج الجسد بنشيج من النشوة و الفرح .
      إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
      فتفضل(ي) هنا


      ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

      تعليق

      • د .أشرف محمد كمال
        قاص و شاعر
        • 03-01-2010
        • 1452

        #4
        (4)

        الابتســامة الأخيــرة



        نظر إلى ذاك الجسد الملائكي المسجى , تلك الابتسامة الهادئة , و الأنفاس المستسلمة , المسترسلة في علوٍ و انخفاض . لم يستطع أن يحبس أدمعه من الانفلات , تلك الأيادي التي فاضت بالعطاء , ذاك القلب العامر بالحب . بكى في صمت ؛ لم يكن يريد أن يقلق رقدتها , رغم طول انتظار . كم رآها رافعة يديها للسماء , يلهج لسانها بالدعاء , تسهر بجانبه الليالي الطوال , تضمه إلى صدرها في حنو , تحتضنه بسعادة , و الفرح يزغرد في الوجه . أخذ يتنسم ذاك العطر الذي طالما أشعره بالأمان . أحس بالبرد , بالحنين إلى ذلك الدفء , برجفة في الأوصال , و وحشة بالقلب . نهض في لهفة , و انكب عليها يقبل قدميها .
        فجأة دوت أجراس الإنذار . هرع الأطباء , و الممرضون إلى غرفة الإنعاش . ساد الهرج و المرج ؛ بعد ممسكاً بقدميها في ذهول , و نظراته الحائرة تتوسلهم الجواب . لكنهم كانوا منشغلين عنه , أحضروا ذاك الجهاز اللعين - كثيراً ما شاهده في أفلام التلفزيون - رآهم يعرّون صدرها , يبدأون في العد . أتت صافرته معلنه اكتمال الشحن . حمل كبيرهم ذراعيه متوجهاً في سرعة إليها . استوقفهم صارخاً بصوت متهدج , و الدموع تنهمر من عينيه:
        - لأ.. خلاص .. سيبوها ترتاح بقه..!!
        ابتسمت له برضى ابتسامتها الأخيرة , و أغمضت عينيها في سلام .
        إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
        فتفضل(ي) هنا


        ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

        تعليق

        • د .أشرف محمد كمال
          قاص و شاعر
          • 03-01-2010
          • 1452

          #5

          (5)



          المُراقـَب



          عاد في وقتٍ متأخرٍ , متعباً إلى منزله . أدار المفتاح بفوهة الباب . هُيئ له أنه سمع حركة خافتة داخل الشقة ؛ ما كان ليميزها لولا قوة ملاحظته . تنبهت كافة حواسه دفعة واحدة , و استُنفرت كل قواه , أغلق الباب خلفه في هدوء , مشى على أطراف أصابعه , و ظهره ملتصق بالحائط , أخذ يفتش عن أداةٍ يدافع بها عن نفسه , أمسك بأحد التماثيل الرخامية في يده , تسلل إلى غرفة نومه , فتح الباب بحذر , امتدت يده تبحث عن مفتاح الإنارة . أضاء الغرفة فجأةً نورٌ ساطع غشى عينيه , فأغمضهما للحظة , ثم فتحهما دفعةً واحدة , وجد كل شئ في مكانه كما تركه..!!
          - إلى هذه الدرجة هم ماهرون و دقيقون جداً.. إنهم لم يتركوا أي أثر يدل عليهم.. يبدو أنهم متمرسون في هذا العمل..!!
          تكرر الأمر في كل غرف الشقة ؛ إلا أنه لم يجد أحداً البتة , لكنه متأكدٌ أن هناك من يراقبه..!!
          - أين يمكن أن يكونوا اختبئوا..؟!
          .. تمدد على سريره , القلق يعصف برأسه , و شيءٌ من الخوف يعتمل في قلبه . كيف يستطيع النوم , و هو يحس بأن هناك من يرصد كل حركاته , و يحصي عليه خلجاته..؟! حتى صوت أنفاسه يسمعه عالياً , وكأن شخصاً آخراً بجانبه , يشاركه فراشه. انتابه فجأة هاجسٌ , بات يقيناً..!!
          - لابد أنهم وضعوا كاميرات مراقبة .. كي يتجسسوا عليّ..!!
          هب مذعوراً ؛ يفتش الثريا المعلقة , كل أركان الحجرة , و زوايا السقف ؛ لكنه لم يجد شيئاً ؛ فازداد توتره . كيف يستطيع أن يبدل ملابسه , و هو يعلم أن هناك من يراقبه..؟!
          - حتى الحمام .. بالتأكيد لم يسلم من عبثهم .. و وضعوا فيه كاميرات أيضاً..!!

          ..إنه لا يتصور أن يراه أحدٌ عارياً , كما ولدته أمه..!!

          - أين أختبئ منهم ..؟!
          .. فكر أن يتصل بالشرطة ؛ ترى ماذا سيقول لهم ..؟! إنه لا يملك دليلاً واحداً عليهم . سيتهمونه بإزعاج السلطات , ثم سيتركونه وحده معهم , و لن يستمعوا ثانية إليه ..!! قرر أن يتصل بأحد أصدقائه , يطلب منه أن يبيت معه , إلا أنه خشى أن يسخر منه , و من خوفه ؛ في مثل هذا العمر ..!! لربما يتجسسون أيضاً على تليفونه , و يستمعون إلى مكالماته ؛ و هو الذي يتحدث الساعات الطوال , و يفشي أسرار عمله , و مغامرات زملائه..!!
          أسقط في يده , و لم يدر ماذا يفعل..؟! لم يطرق النوم أجفانه , فظل مستيقظاً طوال الليل ؛ حتى سمع آذان الفجر ؛ كأنه يسمعه لأول مرة ..!! جاء الصوت عالياً مدوياً في هدأة الليل , فأفاق من شروده , أحس بأن الرهبة ماعادت تساوره , زال ذلك الخوف الذي تَكتّم أنفاسه , أحس بنورٍ يشرح قلبه . ذهب ليتوضأ دون خوف ؛ أن يأتيه أحدٌ من خلفه , و لا من أمامه , عن يمينه أو شماله , من فوقه أو من تحته . شرع يصلي بكامل خشوعه , و مطلق خضوعه .
          .. فلم يرهم بعد ذلك اليوم , لكنهم كانوا يرونه..!!
          إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
          فتفضل(ي) هنا


          ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

          تعليق

          • د .أشرف محمد كمال
            قاص و شاعر
            • 03-01-2010
            • 1452

            #6
            (6)

            عصفــور المطـــر



            ..في ذات ليلةٍ من ليالي الشتاء , يقطع صمت الليل عواء , تتردد بعده أصداء ؛ كأنات ألوف البشر , و عذابات كل المعذبين . تتوالى داخل الحجرة دقاتٌ تحصي أيام السنين , و الضوء باهتٌ حزين . الأفكار تتداعى في وهنٍ , و القلم يعبث بالأوراق , يملؤها بخطوطٍ و نقاط سود , بصعودٍ و سقوطٍ و عثرات , بعقبات ٍ و صراعات لا تنتهي . السطور لا تلتقي أبداً , و الطريق لن ينحني , و العيون دامعة , و القلب عليلٌ سجين .
            لكن الوقت يمر , و العمر يمضي , و الصبح سينبلج , و الليل سيولى الأدبار , و يُولد بعده نهار .

            فجأة ينبعث من بين كل ذاك العبث ؛ عصفور ٌ يخفق بجناحيه , يحلق عبر سماءٍ بيضاء - لا تشوبها غيوماً أو مطر- يعلو .. و يعلو خارج حدود الصفحة , لكن أقدامه مكبلةً بخيطٍ من رصاص , يلهو به طفلٌ ملوثةٌ بالطين يداه . صار العصفور حبيس قفصٍ من عظام . جدران القفص تضيق حتى أصبح أضيق من الحجرة . الهواء يتضاءل لدرجة أني شعرت بالاختناق . لازال العصفور يرفرف بجناحيه , و المطر ينهمر على زجاج النافذة , و الليلة لم يولد لها قمر , و لم تؤنس وحشتها نجومٌ ؛ بسبب كل تلك الغيوم ..!!

            الحجرة ماضيةٌ في الانكماش حتى أصبحت الحركة فيها مؤلمة . الصدر يعلو , و يهبط في سرعةٍو مشقة . الورقة تهتز , و تتطاير , العصفور يتلوى , و الكلاب تعوي بصوتٍ كئيب , يبدد هيبة ذاك السكون , و يشتت الذهن في تلك اللحظات الحرجة , و يقطع شريط الذكريات المتداعي في ومضات .
            .. يعلو صوتٌ كالذئاب , ينبش زجاج النافذة في دقاتٍ متوالية , العصفور يضرب بجناحيه في قوة , يريد أن ينطلق حراً بلا قيود . قوايّ قد خارت , لم أعد أستطع التشبث به , و ذاك الصراخ يستفزني , و تلك الثوان تفتت عزمي , و تبدد صمودي .

            ..لابد أن أفعل شيئاً.. !! أن أضع حداً لتلك المهزلة , لن أقف هكذا مكتوف الأيدي , أخاف من المواجهة , أحتمي ببيت من زجاج , لن أهاب الموت . سأفتح النافذة , و أطرد تلك الأشباح . صرخت فيهم ؛ لكن صوتي جاء خافتاً , و ذهب ندائي أدراج الرياح , فاستجمعت قوتي , و طويت ورقتي , ثم ألقيتها في وجوههم . فإذا بها تختفي ,و العصفور يطير , و الفجر يبزغ , و الليل ينجلي , و الضباب ينقشع . و إذ بالعصفور يلتفت إليّ من بين السحاب , ينظر إلى جسدي دامعاً , تختلط دموعه بالمطر , و تتساقط على الأرض قطرات .
            إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
            فتفضل(ي) هنا


            ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

            تعليق

            • د .أشرف محمد كمال
              قاص و شاعر
              • 03-01-2010
              • 1452

              #7
              (7)

              إللي خلف ما مــتّش


              -إللي خلف مامتّش..!!
              كانت جدتي (رحمة الله عليها) دائماً ماتقول لي هذه المقولة -لم أدرك معناها في حينها..؟!- تعلل ذلك بأنني أشبه والدي كثيراً , و أملك صفاتاً عديدة منه - برغم أنني لم أره مطلقاً , فلقد استشهد في حرب 48- لم تكن جدتي وحدها من تقول لي ذلك , لكن أمي كذلك..!! تحتضنني و تبكي قائلة:
              نت الوحيد في إخواتك.. إللي بتفكرني بأبوك..!!
              كثيراً ما أسعدتني هذه الكلمات , و كانت موطن فخر لي بين أخوتي , الذين كانوا يحقدون عليّ ؛ على الرغم من أنهم الأكبر , و تمتعوا بحضن أبي الدافئ ؛ الذي حرمت منه للأبد.
              صار الجميع كلما مرت السنوات يقولون لي تلك المقولة - بالأخص أصدقاء أبي , و جيراننا الذين عاصروه في طفولته و شبابه حتى أحسست أنني هو - كنت أرتدي ثياباً عتيقة أكبر من سني – مما كان مصدر سخرية أصحابي- , كنت متحملاً مسؤولية المنزل منذ حداثة سني , أنا من يمسك بميزانيته الهزيلة , يشتري كل طلباته , و يدبرشئونه , أنا من يعطي جدتي , و عمّاتي العيديات التي كان يمنحهم أياها والدي في حياته. لذا كانت جدتي دائمة البكاء كلما رأتني , قائلة :
              - في دخلتك عليا كأنك أبوك .. طلتك.. و ضحكتك .. حتى ريحتك..!!
              حتى عمّتاي كانتا تسررنني بأسرارهن , و مشاكلهن مع أزواجهن و أولادهن . و كنت لا آلو جهداً , أو أدخر وسعاً في مساعدتهن , و إدخال السرور على قلوبهن.
              ..كبرت و كبر ذاك الإحساس معي , تزوجت , و أنجبت ولدين , و بنت؛ كانت أحب أولادي إلى قلبي , و أكثرهم قرباً إلى روحي . كانت تشبهني كثيراً , تحمل العديد من صفاتي , تساءلت كيف تعلمت ما أحب و أكره ..؟! كيف تسنى لها معرفة تلك الخصال , و هي بعد في مثل هذه السن الصغيرة..؟! شبت إبنتي فجأة إلى الحد الذي بدأ يتقدم إليها الخطاب, فأسقط في يدي..!!
              كأن أحدهم يريد أن ينتزع روحي مني . لكني لا يمكن أن أقف حائلاً بينها و بين سعادتها , تركت لها حرية الإختيار إلى أن وقع اختيارها على شابٍ خلوق - حقيقة لم أستطع أن أجد فيه عيباً واحداً كي أرفضه , فاضطررت أسفاً أن أوافق على مضض..!!- مرت سنوات الخطبة سريعاً , و تدهورت صحتي بشكل أسرع . كانت تجلس دائماً بجانبي لتمرضني , رفَضَتْ اتمام الزواج حتى استرد عافيتي و أحضر الزفاف , تحاملت على نفسي , و أوهمت الجميع أنني قد شفيت تماماً ؛ لأدخل الفرحة على ابنتي . كنت أرى سعادتها , وهي ترقص فرحة مع عريسها بينما الوجع يمزق صدري, فأبتسم و أنتشي ألماً . سافرت مع عريسها إلى دولة عربية حيث مقر عمله . كانت دائمة الإتصال بي لكي تطمئن على صحتي , أخبرتني, و صوتها متهللاً:
              - أنا حامل يا بابا..!! و إن شاء الله هأجيب ولد ..و هأسميه على أسمك..
              سعدت كثيراً بهذا الخبر, أحسست عندها بأنني قد أديت رسالتي , و أن دوري في الحياة قد انتهى .
              ..مضت عدة شهور , و ذات يومٍ أحسست بالاختناق , بأن العالم يميد من حولي , و كأنني أطفو فوق الماء , أخذت أحاول التشبث ببارقة أمل , أبحث عن طوق للنجاة . أخذت أتقلب في ذاك الفراغ الضيق الذي يعتصرني , و تلك الأوجاع التي تملؤني , أحاول أن أفرد هامتي المنثنية . فجأة غمرتني الضياء , شهقت من الفرحة لكنها جاءت كالبكاء . إذ بأيدي حانية تنتشلني , و إبنتي تحملني في سعادة , تلقمني ثديها , و هي تبكي .
              إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
              فتفضل(ي) هنا


              ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

              تعليق

              • د .أشرف محمد كمال
                قاص و شاعر
                • 03-01-2010
                • 1452

                #8

                (8)

                الهــاوية


                هناك أشياء كثيرة انتظرت حدوثها , لكنها اندثرت تحت زمنٍ عقيم.
                .. أخذت تتأمل ملامح وجهها المنهك في المرآة , تتحسس بأناملها تلك التجاعيد التي خطتها فرشاة الزمن على وجنتيها , و رقبتها . هالها تلك الدوائر القاتمة حول عينيها المنطفئتين , و ملامحها المبهمة الذابلة . انتفضت في هلع تتحسس جسدها الممتلئ بنتوءات مترهلة ؛ كأنها تشاهد نفسها لأول مرة أو تتطلع لواحدة أخرى أمامها ..!!
                هي التي كانت ذات يوم , جميلة الجميلات , و ساحرة القلوب , خالبة الألباب , تحيط بها الأضواء و الأقلام في كل مكان تحط عليه , بينما توزع ابتساماتها كالأميرات , تملأ صورها كل الجرائد و المجلات , تصفها بأنها نجمة الإغراء الأولى في مصر خاصة , و الوطن العربي كافة , مطلقة عليها لقب (مارلين مونرو الشرق).
                كانت تسعد بنظرات الإعجاب , التي تلتهمها إلتهاما , تشعر بالثقة والخيلاء , فالكل يتسابق لإرضائها , و يتهافت من أجل امضائها , أو تقبيل يديها , و الركوع امام قدميها كأحدى الملكات ..!!
                نظرت مرة ثانية بحسرة و أسى إلى المرآة , أين ذاك الخصر النحيل والقد المياس و الصدر النافر في كبرياء , والوجه الملائكي الخلاب ..؟! أين ذهب ذاك الماضي الجميل بكل أفراحه ..؟! وتركها وحيدة تجتر أحزانها , و ذكرى تلك الأيام .
                هذه هى المرة الأولى منذ زمن لا تدريه التي تجالس فيه نفسها المنعكسة صورتها أمامها , وكأنها المرة الأولى التي ترى فيها ذاتها .. !!
                أخذت تتذكر بمزيج من الألم و الندم , كم عرفت من الرجال , و أمضت معهم لحظات من السعادة و الفرح الآثمة , كم سقطت في بحر الخطيئة الموحل , - من أخمص قدميها حتى منبت شعرها- و كم عاشت من أزمنة رديئة .. ؟!
                أخذت تحاول تذكر عشرات الوجوه التي مرت بحياتها , لكنها لم تستطع تحديد ملامحها - ربما ضعفت ذاكرتها أيضاً - فمر شريط الذاكرة من أمامها رمادياً باهتاً , كما لو أنه فيلم ٌمحترق ٌ , أثر تعرضه للضوء .
                الكل تركها الآن ؛ بعد أن استنشق رحيقها , و امتص شبابها - حتى الثمالة- بعد أن خبت جذوة جاذبيتها , و انطفأ جمالها , و أصبحت الآن كماً مهملاً , و عالة على الحياة.
                .. حاولت الإفلات من وجع الذاكرة في داخلها المتيبس , التخلص من ثقل الماضي المليئ بالصخب والمتعة والأضواء . أشاحت بوجهها عن المرآة في سرعة , كمحاولة للتأقلم مع واقعها الجديد , و حياة الوحدة و الغربة و الصمت .
                ..إلا أنها اكتشفت أنها تعيش بلا حاضر , بلا نبوءات للمستقبل , يلفها صقيع الوحدة , كشجرة سنديان عجوز يابسة , في خريف العمر , تنتظر السقوط .
                .. انزوت داخل ذاتها و اعتزلت العالم من حولها , فلم تعد تستطع أن تواجههم بهذا الوجه الشائه, و تلك النفس الخربة , أصبحت تشمئز من ذاك الجسد الذي استشرى فيه العفن.
                أخذت تتحرك في داخلها مجهولات شتى , و أحاسيس متضاربة , فقررت أن تستجيب للنداء الذي ألح عليها منذ فترة , و لم يكن لديها الشجاعة لتلبيته , أرادت أن تحرق سنوات الإنتظار بداخلها , و أن تنهي معاناتها بيديها..!!
                .. عندما كان الظلام المطبق على أنفاس المدينة يتلاشى , والقمر مكتمل النور كالبدر , شقشقت عصافير الفجر , فآنستها وهدهدت أشباح خوفها في تلك اللحظات الدقيقة المفعمة بالشجن , ملأت رئتيها , بنسيم حياة مختلف النكهة . استجمعت شجاعتها , و تسلقت سور شرفتها , أخيراً تذوقت روحها طعم الحرية , و حلقت عالياً في فضاءات الكون , بينما سقط الجسد إلى الهاوية .
                إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
                فتفضل(ي) هنا


                ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

                تعليق

                • د .أشرف محمد كمال
                  قاص و شاعر
                  • 03-01-2010
                  • 1452

                  #9
                  (9)


                  سفـــــر الأحــــلام


                  في الكثير من الأحيان , نفقد الإحساس بالزمان و المكان , نهيم مع الخيال في دنيا الأحلام , فيختلط داخلنا الواقع بالأوهام , نتخبط في أفكار مبهمة , و صور متداخلة , و ذهن مشتت .. ‍‍!!

                  .. التقت أعينهما صدفة , لم يعرفها في بادئ الأمر ؛ كانت تذكره بشخص ما , عزيز عليه , قريب إلى قلبه ..!! اعتصر ذاكرته , إنه يعرف ذلك الوجه و هاتين العينين , يرى فيهما خيالات الماضي و ذكرياته الأليمة . شرد عائداً بشريط الذاكرة للوراء , الصور تتلاحق في ذهنه , الملامح تتغير , و الشهور , و السنون تمضي, و العمر ينقضي . الوجوه قد تتبدل , تشوبها إمارات الإثم , و تهجرها البراءة , قد تذبل و يضيع منها بريق الصبا , الشيب يزحف حثيثاً , الذاكرة قد تضعف , لكن العيون تبقى على حالتها , بصمة الوجوه , صامدة أمام فرشاةالزمن .
                  أراد أن يبدد حيرته , و يتغلب على الصمت المفروض على جلال الموقف, يطرد عنه قلقه الخفي , و يقطع وحدة السفر بحديث يذهب الوحشة , أخذ يستجمع شجاعته من جديد , حاول أن يحدثها , فتلعثمت الكلمات في حلقه , نظرت إليه باسمة .. ياإلهي .. !! إنه يعرف هذه البسمة رغم شحوبها , تلك الابتسامة , طالما خلبت منه اللب و جعلته يهيم في بحور الأحلام , و هاتين العينين أو شبيهتيهما , كثيراً ما أرق ليله يتعبد في محرابهما , شعر برعدة تعتري جسده , و قشعريرة تسري في أوصاله حينما نما إلى ذهنه ذلك الخاطر ..!!
                  ازدرد لعابه في صعوبة , حاول تهدئة قلبه الذي تقافز في صدره , فكاد يقفز من حلقه , اتسعت حدقتاه في هلع , سألها في صوت متحشرج:
                  ـ أنت .. ؟!
                  أجابته بإيماءة من رأسها , فصرخ دهشاً:
                  ـ هذا مستحيل .. !!
                  أطرقت صامتة , عاد يصرخ لاهثاً:
                  ـ كيف أتيت إلى هنا .. ؟!
                  هز رأسه في عنف ـ ليطرد عنه أفكاره تلك , و استطرد مستنكراً:
                  ـ لا .. أنت لست هي .. !! أنت وهم .. أنت أكذوبة .. !!
                  نظرت إليه و الدموع ملء عينيها , فتهاوى معها صموده , إنه لم يقو على احتمالها يوماً , و يضعف أمامها دوماً ـ ظل واجماً , ساكناً في مكانه ـ فعقله يرفض أن يصدق كل ما هو غير منطقي , كيف بالله يحدث هذا .. ؟!! لابد أن في الأمر خدعة .. !! ـ إنها لم تعد بعد ملك عالمه .. كيف أتت إليه إذن .. ؟! أم تراه هو من ذهب إليها .. !! أيكون واهماً .. ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍!
                  بينما كان حائراً بين أفكاره , هرولت مبتعدة عنه , فتنبه فزعاً , و هتف بها منادياً - عجباً ..!!- لقد ناداها بإسمها .. !! لقد عرفها .. !!إنها هي ولا شك , توقفت للحظات ؛ لم يلحظ تلك الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها لبرهة و اختفت في سرعة . اقترب منها , كانت مطأطأة الرأس تبكي , أمسك بذقنها بأنامله , رفع وجهها إليه. كانت كما ودّعها آخر مرة . كفكف دموعها , احتضن يديها بين يديه , و لثم جبينها .
                  ثم أحاط جيدها بيديه في حنان , و مضيا , الضباب يغلفهما , يعبران بوابة الحياة , يحلقان معاً فوق سحب الذكريات , و يعلو صوتهما بالضحكات . في غمره سعادته تنبه إلى أن الطريق تنحرف بهما إلى اتجاه خاطئ , سألها عن وجهتهما , فابتسمت له مطمئنة , أراد أن يحذرها , لكنها كانت لا تسمعه , تخطو مسرعة , كأنها على موعد ما .. !!
                  حاول التملص منها , إلا انها كانت تجره في قوة , تحاول دفعه إلى الهاوية , تقوده إلى حتفه , تريد أن تقتله , لتستأثر به ..!! تسلبه حتى أحلامه و حقه في الحياة , تريد أن تحطم عالمه . غريبٌ أنه صدقها و استسلم لخدعتها , إنها ليست هي .. ليست ذاك الملاك الطاهر الذي كان يحبه .. !! إنه يكاد يرى تلك النار التي تستعر في عينيها , لا .. لا يجب أن يستسلم لها , لابد أن يستعيد قياد نفسه , يستعيدحياته .. !!
                  حاول .. و حاول أن يقاومها , و هي تصرخ ضاحكة , ضحكة شيطانية مدوية , تصم الآذان , أخذ يتلوي من الألم , يتصبب عرقاً , استنجد صارخاً :
                  ـ بالله ربي إنقذني .. !! امنحني الأمل .. !!
                  فرأى وميضاً يبزغ من بين الغيوم , و شاهد فتاة تتهادي في ثوب أبيض فضفاض , فوق درجات من نور , تقترب منه , حتى لامست جبينه , و هو راكعٌ عن قدميها , ثم غطته بجناحيها , و ضمته في قوة . فارتعشت روحه في جسده , ثم جفل فزعاً من نومه ؛ لتتفتح عيناه على فجر الحياة من جديد .
                  التعديل الأخير تم بواسطة د .أشرف محمد كمال; الساعة 06-01-2012, 19:27.
                  إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
                  فتفضل(ي) هنا


                  ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

                  تعليق

                  • د .أشرف محمد كمال
                    قاص و شاعر
                    • 03-01-2010
                    • 1452

                    #10

                    (10)
                    الجيوكونـدا..



                    صرخ( يوسف) بحماسٍ بالغ عندما شاهد ذاك الوجه الغامض المألوف , ذو الابتسامة المبهمة على أحد أرصفة (العتبة) . أعني بوستراً للوحة( دافنشي )الشهيرة (الموناليزا) ؛ بالطبع ليست اللوحة الأصلية فهي ترقد بأمانٍ تام هناك في متحف (اللوفر ) بـ(باريس) وسط حراسةٍ مشددةٍ بعد محاولة سرقتها مرتين خلال هذا القرن..؟! و يطلق عليها الفرنسيون ذلك الإسم الأقل شيوعاً (الجيوكوندا ).
                    نظر له البائع نظرةً ذاهلة ؛ كمن ينظر إلى معتوهٍ فرّ تواً من مستشفى المجاذيب..!! ربما لم يكن ذلك الجاهل يعرف قيمتها ؛ فبالرغم من الشهرة الواسعة و المنزلة الرفيعة التي تحتلها (الموناليزا) كأشهر تحفة فنية في العالم إلا أن هناك الكثيرين ممن لا يعرفونها أو يسمعون عنها هنا في مصر و العالم , و الغالبية العظمى من الذين يعرفون لا يدرون سر شهرتها , و لايزالون يعتقدون أنه يكمن في ابتسامتها الغامضة ..!! و هي لا غموض فيها على الإطلاق ؛ إنها لم تكن أكثر من صورة ذات سمات خيالية ضبابية لسيدة عادية , ليست على قدر كبير من الجمال , على وجهها مسحة حزنٍ , و من عينيها ينبعث وميضاً خافتاً , و نظرة تأمل عجيبة للأشياء , و ترتسم على شفتيها ابتسامة مبهمة باهتة .
                    ..أفاق من شروده على صوت البائع , و هو يقول له بنفاذ صبر بعدما طال انتظاره:
                    - أنت هتشتري حاجه ولا.. لأ.. يا أستاذ..؟!
                    أجابه (يوسف) على الفور:
                    - آآآه .. طبعاً.. طبعاً..!!
                    ثم أردف قائلاً:
                    - بكام دي ..؟!
                    ابتسم البائع ابتسامة لذجة سمجة , و فرك يديه في حركة لا إراديةٍ كمن أوقع بفريسةٍ في شباك عنكبوت . و ما عليه الآن سوى أن يجذب الخيوط , ليمتص دمائها ببطء . فلقد أيقن بخبرته , من نظرات عينيه المتقدتين ؛ مدى إعجابه بالصوره , و حاجته إليها , فقال هامساً:
                    - علشان خاطرك يابيه .. بس عشره جنيه..!!
                    ..ياله من ثمن بخس ؛ ألا تعلم أيها الساذج أنها تقدر بملايين الدولارات , بل لا تقدر بثمن . لكنه تمتم قائلاً في نفسه:
                    - أيها اللص الأثيم .. إن أي بوستر آخر لديك تبيعة بجنيهين أثنين .. أو ثلاثه على أكثر الأحوال..!!
                    قطب جبينه , و أظهر الامتعاض , ثم قال للبائع:
                    - لأ.. كتير..؟! هما اتنين جنيه بس..!!
                    استشاط الرجل غضباً , و هتف مستنكراً :
                    - اتنين جنيه أيه يا بيه..!! أنت عارف دي صورة مين..؟!
                    بهت( يوسف) , و دهش من سؤال البائع له - و هو الأستاذ في التاريخ , و الخبير في الفنون و الآداب- لكن مصدر دهشته الأعظم هو أن يعرف هذا البائع المتجول قيمة هذه الصورة , أو يعلم من هي صاحبتها..!!
                    سأله( يوسف) بفضولٍ لاذع :
                    - أنت تعرف دي مين..؟!
                    أجابه البائع في سعاده طفولية بالغة , و ابتسم ابتسامه العارف ببواطن الأمور , ثم هز رأسه في خيلاء:
                    - أيوه طبعا ً أمال .. إنت فاكرني جاهل ولا إيه يا بيه..؟! دا أنا راجل متعلم..!!
                    .. انتظر يوسف إجابته في شغف , و كره ذاك التشويق , و التطويل الممل . الذي يشبه المسلسلات التليفزيونية الرديئة..!!
                    قال الرجل بحماس الواثق من نفسه:
                    - دي الست .. مونداليزا..
                    استغرق( يوسف) في الضحك , حتى كاد يستلقي على قفاه . فأسقط في يد البائع , و قال متلعثماً:
                    - هو أنا قلت حاجة غلط يا بيه..؟!
                    تنبه( يوسف) إلى سلوكه الشائن , الخارج عن اللياقة , و لم يرد أن يجرح مشاعر الرجل , فقال له في جدية , و هو يخرج نقوده من حافظته:
                    - لا.. لا.. أبداً..!! خلاص ..هما خمسه جنيه أخر كلام عندي .. و لو ماوفقتش هامشي .. و أروح أشتريها من عند واحد غيرك..!!
                    أخذ البائع يقسم و يحلف الأيمان الغلاظ بالطلاق , و بفقد أولاده التسعة ؛ أنه لم يبعها يوماً بأقل من العشرة جنيهات , إلا أنه لم يلتفت إليه وهمّ بالإنصراف . هنالك فقط ناداه البائع , و اتفقا على الثمن..!!
                    أمسك بالصورة مطوية بين يديه , فأحس لأول وهلة بقشعريرة نشوة تسري في جسده. إن (الموناليزا) أصبحت ملك يمينه بكل أسرارها , و غموضها , بسحرها و تاريخها العجيب الذي قرأ عنه كثيراً ؛ فلقد تضاربت الأقاويل عن تلك اللوحة كما لم يحدث مع مثيلاتها قط . فبعضهم ادعى أنها كانت لإحدى الأميرات الإيطاليات , و آخرين افترضوا أنها لسيدة عادية من عامة الشعب , و البعض قال أن ( ليوناردو دافنشي) ذاك الفنان الإيطالي المجنون , غريب الأطوار رسم صورته بملامح أنثويه - لما بينهما من تشابه كبير- و أنه كان شاذاً..!! و المتخصصون و المتحذلقون من مؤرخي الفنون و الأديان افترضوا كثيراً من التأويلات الغريبة ..!! قالوا أنها فيها تلميح خفي لمفاهيم الإلهة الأنثى , و أنها تحتوي على العناصر المذكرة و المؤنثة, و تعبر عن إلتحام الإثنين معاً , و أن (ليوناردو دافنشي) كان يؤمن بالتوازن بين إله الخصوبة الذكرية (آمون) , و إلهة الخصوبة الأنثوية (إيزيس) التي كانت تعرف اختصاراً بـ (ليزا) , و أطلق بنفسه عليها ذلك الأسم الأشهر (أمون ليزا ) الذي حرف فيما بعد إلى الـ(موناليزا) , و أن الإسم يدل على الإتحاد المقدس بين الذكر و الأنثى ؛ هذا هو سر (دافنشي) و سر ابتسامة الـ(موناليزا).
                    - لابد أن أصنع لها إطاراً مذهباً .. يليق بمقامها..
                    قالها (يوسف) محدثاً نفسه , و هو يتخيل أين سيضعها في بيته المتواضع . عندها طفى على ذهنه فجأة , صورة زوجته(سعاد) . فجفل فزعاً , و قد تصور حالتها حينما ترى اللوحة معه , تخيل توبيخها له ؛ لأنه أنفق جنيهاته الخمس بلا طائل..!! و حديثه لها عن غذاء الروح , فتخيلها تضحك ضحكتها المعهودة , و تقول له أمثالها الفجة , عن الغراب و أمه :
                    - مش لما تبقى تطعم الفم الأول.. كان أولى بيك .. تدخل بأيدك فيها إتنين كيلو فاكهه .. على ولادك..!!
                    حاول مقاومة شعوره بالذعر , و هدّأ نفسه قائلاً:
                    - سأكذب عليها كذبة بيضاء.. و أدعي أن أحد مندوبي شركات السياحة أعطانيها هدية .. من قبيل الدعاية..
                    إلا أنه هز رأسه نافضاً الفكرة من ذهنه :
                    - سيفضحني وجهي.. و ستعرف كل شئء..!!
                    ثم عاد , و قال :
                    - لأحاول إخفاءها عن عينيها .. في الوقت الراهن.. إلى أن أجد مخرجاً..!!
                    أطمأن لهذا الخاطر, و دلف إلى شقته خلسة , دون أن ينبس ببنت شفة . استرق النظر , فوجد زوجته كعادتها بالمطبخ . تنفس الصعداء , و مشى بخطى وئيدة على أطراف أصابعه . دخل غرفته , و أغلق الباب , وقف خلفه ساكناً كالصنم , ريثما يستريح و يسترد أنفاسه . أصاخ السمع حتى إطمأن أن زوجته لم تنتبه لوجوده . أخذ يفكر في المكان الذي يستطيع أن يخفيها فيه عن نظرها.. فما وجد..؟! لم تمهله الأقدار متسعاً من الوقت , فزوجته - لا يدرى كيف..؟!- تشعر دائماً بوجوده , و كأنها تشم رائحته..!! فما هي إلا ثوانٍ قليلة , و سمع دويّ أقدامها تقترب من باب الغرفة , و لم يكن بعد تخلص من اللوحة..!! حاول رسم ابتسامة بلهاء مصطنعة على وجهه , و تسمر في مكانه دون حراك , مخفياً الصورة خلف ظهره . فُتح الباب بقوة على مصراعيه , عقدت المفاجأة لسانه . فلقد كانت زوجته تضع على وجهها قناعاً ضبابي اللون- من مساحيق التجميل - لا يظهر منه سوى العينين , اللاتي بدورهما نظرتا إليه نظرة حادة , و إلتمعتا بذاك الوميض , ثم ابتسمت إليه في غموض.
                    فصرخ بصوتٍ عال:
                    - الجيوكوندااااا..!!
                    إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
                    فتفضل(ي) هنا


                    ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

                    تعليق

                    • د .أشرف محمد كمال
                      قاص و شاعر
                      • 03-01-2010
                      • 1452

                      #11
                      (11)

                      القلــب الأبيـــض



                      .. ذهب مسرعاً إلى المستشفى ـ قبل أن ينتهي من فض أمتعته – اتجه رأساً إلى سريرها؛ لم يجدها..!! فانتابته هواجس شتى, حاول أن يطرد عنه تلك الوساوس التي داهمته, إلى أن قابل أحد زملائه, سأله في لهفة عنها. نظر إليه ملياً, ظل لبرهة كالدهر صامتاً. ثم أمسك بيده قائلاً:

                      - تعال معي لأريك إياها..!!

                      ..عرفها بحكم عمله الذي جعله شديد القرب من مآسي البشر و آلامهم , بطبيعته التي اعتادت البحث عن أنات القلوب الجريحة و الأنفس الحائرة , و قلب يحب ذاك اللون من الشجن الشفيف , الذي يلهب أوتار مشاعره , فيجد سعادته في مشاركة الآخرين أحزانهم – إن لم يجد منها شيئاً داخله – ذلك الأنين الصاخب, و تلك الصرخات المكتومة الصامتة , و الأماني التائهة و الآمال الضائعة. هذه اللمسات الحسية و المشاعر الإنسانية الصادقة التي توقظ أحاسيسه الخاملة ما بين آونة و أخرى . تمنحه وقود حياته الذي يعينه على احتمال رتابة مهنته. لذا تراه دائماً يفتش عنهم بعينٍ فاحصةٍ و قلبٍ شغوفٍ, يبحث عن أصدقائه في رحلة العذاب و الألم بكل اللهفة و الحب؛ كي يبكي معهم وحدتهم و وحدته, و يشاركونه غربته.

                      .. رآها لأول مرة, وجدها تختلف عنهم جميعاً في شيءٍ ما - لم يكن يعرفه في بادئ الأمر..!!- شديدة بياض البشرة, كزهرة أوركيد بيضاء, شفافة الملامح؛ حتى تحسبها ملك من الملائكة, أو حورية من حور الجنة, أو إن كانت تنتمي إلي عالمنا؛ أقرب الشبه إلي قطعة من المرمر الأبيض, ناعمة كالحرير, باسمة الثغر, هادئة الطبع. تغللها تلك المسحة من الحزن ؛ التي ما كان ليخطئها أبداً , تلك الدموع التي تترقرق في العيون , و لا تسقط إلا في الخفاء , و ذاك الرأس المرتفع في كبرياء يرفض الاستسلام للمرض , و ينفي هذا الادعاء في إباء. يحسبها من يرها لأول وهلة؛ أنها واحدة من ملائكة الرحمة , تخطر بخطوات رقيقة باسمة بين الأسرّة, توزع البسمات و الضحكات و الكلمات المطمئنة , تحلق كالفراشات ؛ لولا تلك التحاليل و الأشعات اللعينة , ما صدق أبداً أن هذا القلب الرقيق الجميل عليل , و يحتاج إلى جراحة عاجلة ؛ كي تهبه القدرة علي مواصلة العطاء و تعينه على البقاء.

                      .. كانت شديدة القرب إلى سائر زملائها, تبث فيهم روح الأمل و الإيمان و الصبر؛ حتى أطلق عليها البعض لقب زهرة الصبار. لأنها تشقى بالعطش ولا تشكو منه , تروي الظمآن من دماء حياتها, و لا تبكي أبداً من أجلها لكن من أجل غيرها. تتحمل آلامها بصبر, و ثقة , و نفس راضية , قانعة . و سكينة ما بعدها سكينة.

                      ذات يومٍ وجدها على شفى الانهيار وسط أنهار من الدموع الصامتة ؛ إثر وفاة صديقة لها أثناء إجراء جراحة في صمامات القلب , كانت قريبة الشبه بحالتها, كثيراً ما جلستا تحلمان معاً بأحلام الفتيات , و تخططان لمستقبل حياتهما , انخرطت في بكاءٍ دامٍ متواصل ؛ حتى أنها فقدت القدرة على النطق و سقطت في غيبوبة تامة . غابت عن عالم الوعي لأيام وسط عالم الأجهزة التي ترصد أنات قلبها الصامتة , و أنفاسها المرتعشة الخافتة.

                      ظلت لعدة أيام ما بين الحياة و الموت. ذلك الجسد الهزيل , و تلك الروح المرهفة , تنتفض كفراشة تحاول التحليق , بعدما غاصت في بحيرة من الظلام الدامس . قاومت.. و قاومت حتى تفتحت أعينها علي الحياة من جديد, و استنشقت رحيقها ثانية؛ بعدما رأت الموت بعينيها, حقيقة لا مجازاً..!!

                      .. تماثلت للشفاء سريعاً , وسط دهشة الجميع . تألقت عيناها من جديد , و التمعت بذاك البريق . عادت إلى طبيعتها زهرة ندية في صباح ربيعي جميل . توقع الجميع أن ترفض إجراء الجراحة بعد ما حدث لصديقتها؛ إلا أنها على عكس ذلك. بدت متفائلة, هادئة, مطمئنة, باسمة دوماً, تلك الابتسامة الغامضة؛ التي تجمع ما بين الأمل و اليأس, الفرح و الحزن, الثقة و الخوف. لم يكن أحدٌ يدري ماذا يدور بخلدها..؟ لأنها أبداً لم تشكو لأحدٍ يوماً ما بها, أو تحدثهم بحقيقة مرضها الذي بدأ معها منذ صغرها, و قضت سنوات عمرها معه في رحلة العذاب و الألم.

                      .. شاءت الأقدار أن يسافر في أحد المؤتمرات العلمية خارج البلاد ؛ بعثة للتدرب على نوعية جديدة من الجراحات الخاصة بتغيير الصمامات . فذهب إليها ليودعها , ربت على يدها , و شد على أناملها مطمئناً , ثم سألها في ود :

                      -ماذا تريدين أن أحضر لك من الخارج..؟!

                      فقالت له , بعيون دامعة:
                      - أحضر لي معك حياة جديدة.. و أملاً لي.. و لغيري من أصحاب القلوب الموجوعة.

                      ابتسم قائلاً :
                      - سأحضر لكِ معي قلباً جديداً .. بدلاً من ذلك القلب ذو الصمامات المتهالكة..!!
                      أهدت له مصحفاً كي يحفظه من الشرور, ودعها بابتسامة مطمئنة, نصحها ألا تجهد نفسها لحين عودته. و إجراء عمليتها.
                      .. مكث هناك قرابة الشهر. عاد يحمل معه صمامين حديثي الاختراع , قد ثبت نجاحهما بنسبة تفوق التسعين بالمائة . تملؤه اللهفة , و الشوق إليها, فقد اكتشف في فترة غيابه مدى حبه لها , و تعلقه بها . شرد مفكراً و هو على متن الطائرة ؛ يتخيل لحظة لقائهما . ينظر بكل الحب إلي تلك السلسلة التي تحمل قلباً أبيضاً من البلاتين.

                      .. ظلا سائرين في ردهة طويلة مطرقي الرأس, صامتين صمت الموتى , انتابته مشاعر متضاربة , و خوف دفين . توقف زميله فجأة عند أحد الأبواب ؛ التي يعرفها جيداً , دخلا حيث كان يرقد وافدٌ جديدٌ داخل صندوقٍ زجاجيٍ . سرت قشعريرة رهبة في جسده, نظر في ذهول إلى ذلك القلب الأبيض؛ الذي عرفه, استشعر فيه روحها الوادعة , و عبق عطرها الأخاذ. سقط متهالكاً علي أقرب المقاعد إليه, فاضت عيناه بالدموع, دفن رأسه بين كفيه؛ كي يواري قطرات أبت إلا أن تسقط بين يدي صاحبة القلب الأبيض, و ارتجت القاعة لصرخته.
                      إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
                      فتفضل(ي) هنا


                      ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

                      تعليق

                      يعمل...
                      X