(1)
قلـب جرانيــت
وقف يتأمل قطعة الجرانيت المصمتة الرابضة في صمت المستسلم أمامه . تساءل في نفسه ؛ ماذا تراه يفعل بها..؟! - وهو الخبير في هذا المجال – إنها ليست المرة الأولى التي يصنع فيها التماثيل البشرية, لقد صنع العديد و العديد من المسوخ ذات الملامح المألوفة, و رسم الكثير من الأوجه المحنطة الخاوية من الحياة ؛ لكنه لا يدري لما تختلف تلك القطعة الجرانتية عن أقرانها..؟! أطال إليها النظر ثانية.
- همممم..!! إنها تذكرني بشيء ما..؟!
.. تسربت من الذاكرة إلى سطح الوعي أيام بحلاوة الشهد . اخضرت الأرض الرمادية من تحت قدميه , كست ألوان الطيف عالماً ميتاً, جعلته ينبض بالحياة. ملأ رئتيه بنسيمٍ مختلف النكهة , انساب أريجه يعبق أركان الذاكرة . بدأت الصورة المهزوزة تتضح معالمها , و تظهر جلية. كانت تقف وسط الغيام بشعرها الأسود الفاحم , المتهدل , و جسدها ملفوف القوام , ببشرتها الحريرية الناعمة , و وجهها الصبوح كالبدر في ليلة التمام , بملامحها الرقيقة , و عينيها الملونتين بلون زرقة السماء , و أنفها الدقيق المرفوع في كبرياء , بشفتيها الممتلئتين , كفلقتي كرزة حمراء . ابتسمت له ؛ فانسكبت أشعة الشمس من ثغرها , و تلاشى الظلام المطبق من حوله.
- إنها هي ولا شك..؟!
- إنها هي ولا شك..؟!
.. أخذ يتأمل القطعة الجرانيتية في حب , يرويها من دفق خياله. حمل مطرقته . بدأ يعمل أنامله في دقة , و قوة , و حزم . كلما ازداد خفقان قلبه في الصدر. كلما زادت وتيرة الطرق . تساقط العرق المالح على الأرض. لقد صنعها بيديه , و سقاها من روحه , منحها أقصى ما تطمح به امرأة في الكون – قلب رجل وفي صادق - جعل منها أميرة أحلامه , و مليكة عالمه . لكنها أبت أن يكون قلبه لها قصراً , و كانت أصغر من الحلم. و في ليلة ظلماء من ليالي الشتاء , اقتلعتها عاصفة كبرياء هوجاء . جاهرت بضيق القفص الشفيف , حطمت أبراج الحلم المتوثب للحب . و رفضت ذلك القيد.
..ازدادت وتيرة الضرب , اختلط ملح العين بملح الأرض ؛ حتى بدأ الحجر يلين . و أزاح التراب عن بريق قديم . لينكشف عن يدين تتوسلان, و جسد في وضعية الركوع , عينين دامعتين في انكسار , و فم مفتوح ؛ كأنها تستصرخة , تستحلفه أن يسامحها - هكذا خيل إليه , أو تمنى..!! - فابتسم في ارتياح و رضا تامين , ثم أمسك بمعوله , بمشاعر باردة . و تنهد قائلاً:
..ازدادت وتيرة الضرب , اختلط ملح العين بملح الأرض ؛ حتى بدأ الحجر يلين . و أزاح التراب عن بريق قديم . لينكشف عن يدين تتوسلان, و جسد في وضعية الركوع , عينين دامعتين في انكسار , و فم مفتوح ؛ كأنها تستصرخة , تستحلفه أن يسامحها - هكذا خيل إليه , أو تمنى..!! - فابتسم في ارتياح و رضا تامين , ثم أمسك بمعوله , بمشاعر باردة . و تنهد قائلاً:
- أبداً لن أظل حبيس الذكريات ..أحيا مع ماضٍ ولى و صار رفات..!!
.. ثم حطم ذلك الوجه الذي طالما أحب , و ذاك القلب الذي قـدّ من صخر.
.. ثم حطم ذلك الوجه الذي طالما أحب , و ذاك القلب الذي قـدّ من صخر.
تعليق