(سلسلة) حكـاوي هنــداوى..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د .أشرف محمد كمال
    قاص و شاعر
    • 03-01-2010
    • 1452

    (سلسلة) حكـاوي هنــداوى..

    ( المقدمـة )


    السلطة في خدمة الشعب ..و لم تكن يوماً أداةً للقهر..و الديمقراطية الحقة هي أن يُحكم الشعب بالشعب ..وللشعب..لا لمصلحة الفرد..أو فئة معينة..!! و ربما هذا ماجعلنا نرفض الملكية و نظام الطبقية..و هذا أيضاً ما جعلنا نثور على الظلم والطغيان ..والفساد و استعباد العباد.

    فما يحدث الآن في هذا الزمان نوع آخر من الاستبداد و الاستغلال..و الاستخفاف بعقول الناس..نوع آخر من التعميه و البلطجة..و فرض الرأي بالقوة..و بالمال ..و بالاحتيال في الكثير من الأحيان..!!
    إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
    فتفضل(ي) هنا


    ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم
  • د .أشرف محمد كمال
    قاص و شاعر
    • 03-01-2010
    • 1452

    #2
    (1)


    .. إليكم قصة الفلاح الفصيح (هنداوي) عندما سأله أحدهم عن أبن بلدته (فرحات البنهاوي) فأجاب قائلاً :
    - إهيييه..!!بقى أنتم ما تعرفوش فرحات باشا البنهاوي..؟!!ماسمعتوش أبداً عنه..؟!!أنتم مش من النحيادي..؟!!باينكم مش م النحيادي..!!عشان كده منتوش عارفين فرحات باشا.
    واستطرد قائلاً - دون أن يسأله أحد- :
    - دا عين أعيان بلدنا..لأ مركزنا..!! دا عضو مجلس الشعب عن الدايره بتاعتنا ..بقاله ييجي خمس ست مرات..
    - ........................................؟!
    - لا لا..!!راجل البر والتقوى أيه..؟!إنتم باينكم فاكرينها زي الأفلام..!!هوا مش محتاج لكل ده..!!و لا يحتاج لدعايه للإنتخابات .. و لا لمؤتمرات خالص..!! دا كمان مش محتاج لنا .. ولا لأصواتنا..!! ماهي رايحاله ريحاله..!! دا كمان أصوات جدودنا ..و جدود جدودنا ..إللي ماتوا و شبعوا موت ..و أسماء عيالنا إللي لسه متفطموش كمان ريحاله ..!! المهم إن الكشوف تتملي أسماء..علشان المظاريف تتملي بالأوراق..و أوراق بنكتوت كمان..!! بعدين الأوراق تتملي بمعرفتهم هما.. ولا يبهدلونا أحنا في الحر ولا المشاوير..!!
    -..........................؟!
    - مين همه..؟ إهييه..طبعاً أصل أنتم مش من هنا..!!دول الباشا المأمور ..والبيه الضابط .. وسعادة المستشار و العمده ..و الغفره.. و الفتوات بتوع البنهاوي باشا..!!
    - .........................!!
    - لا.. لا..أنا قصدي فرحات البنهاوي باشا..لأ أبوه عم مصطفى البنهاوي ماكنش باشا ولا حاجه.. دا كان الله يرحمه لا مؤاخذه.. كلاف مواشى في الزريبه بتاعة العمده إللي فات..
    -.................................................؟
    آآآآآآه ..سألتني أمال أبنه جاب الفلوس دى كلها منين..!! ماهو أصل فرحات باشا ده كان حرامي مواشي.. يهجم على أيوها زريبه في عز الضهر.. ولا حدش يقدر يقوله تلت التلاته كام..!! ههه مع أنها سهله و مش محتاجه حساب..أي و الله..لكن الكل كان بيخاف منه..حكمن هوا كان جته..لأ متبصلوش دلوقتي لما كبر وعجّز..أيام لما كان شباب كان طول بعرض..و أيده دي تقصل تلاته زي حضراتكو كده.. و لا مؤاخذه..أصلكم سفيفين شويه..لأ الحقيقه خالص..الصراحه حلوه..!! المهم مطولش عليكم ..كان بيمسك أجدعها نفر في البلد ما يسبهوش إلا متكوم على الأرض.. مافيهوش حته سليمه ..دا إذا مطلعش روحه..!! إنما الحق يتقال ..أنه راجل طيب..ماهو الكدب خيبه..!! أي واحد يقصده في شكله .. ولا تار بايت أو حاجه مسروقه .. مكنش يتأخر عنه..و بعدين يبقى يأخد الحلاوه..
    -...............................................؟!
    - لا ما البوليس موجود و كل حاجه..و اتقبض عليه يامه.. و هوا صغير..لكن مكنش حد يقدر يشهد عليه..و كان بيتحبس له يوم ولا اتنين ..بالكتير أوي شهر ..و يطلع لنا تاني..فمين عبيط إبن عبيطه..هيروح يشهد عليه..؟!!ولا يكنش مجنون يعني..!! بعدين هوا فضل لحد ما اتصاحب على البشوات الظباط ..و بقم سمن على عسل أبيض ..و بقه يروح يسهر معاهم ..و ياخد معاه حاجات لزوم السهره..!!
    - .............................؟
    - لا يأخي و العياذ بالله.. مخدرات ..!!هيا حصلت .. هو ماكنش بياخد غير شوية حشيش أو بانجو.. و بعدين هما كان ناقصهم حاجه..؟! ما كل حاجه كانت تحت إيديهم.. نصها يتقيد في الدفاتر.. و النص التاني يمزجوا بيه نفسهم.. و بعديد لما يحبوا يبينوا الهمه في الشغل..يلموا شوية العيال إللي بيبيعو الصنف على ناصية الشوارع.. يقعدولهم سنه ولا اتنين في السجن .. على الأقل يكونو ضمنوا أكله ونومه..و بعدين يطلعوا تاني أشد م الأول..و يكون طلع ألف غيرهم..!! ياعم أحنا مالنا ..خلينا في موضوعنا..ماتخلناش نعك في الكلام..!!
    - ..........................؟!
    - بصمات أيه..و فيش أيه إللي أنت جي تقول عليه..؟!!أنت عارف العسكري بتاع الفيش بيقبض أد أيه..؟! أنت أديله بس خمسه جنيه ..يحط بصمته هوا مكانك..بدل ماتتعك أيدك بلك..و متتطلعش إلا بالجاز..!!
    - .............................................؟!
    - صفيحة سوابق أيه يا بيه..!!هوا حد فاكر هوا أكل امبارح أيه..؟! دى حاجات بقالها ياما..و الورق كلته الفيران من زمان..و بعدين دا كان ف الأول ..و بعد كده ماعدش فرحات باشا بيعمل حاجه بأيده..راح استورد شوية فتوات مانعرفش جابهم منين...؟!هوا بس يشاور .. و هما إللي بيقوموا بالشغل كله..!!لحد ما بقى هوا الكل فى الكل في النحيادي..والنواحي إللي حواليها..
    -.....................................؟
    - ماتعرفش أيه يا بيه إللي طلع في دماغه حكاية الانتخابات دي..؟! مع أنه مكنش ناقصه حاجه..و الشغل كان ماشى تمام ..و عال العال..و كل سنه بيشتري في أراضي ..طبعاً مش من هنا..!! لأن الأراضي إللي هنا هوا خدها كده عيني عينك بوضع اليد.. لكن من النواحي إللي جنبنا ..و ولاده في أحسن الوظايف..إللي وكيل نيابه.. و اللي ظابط.. و اللي دكتور.. و اللي مهندس.. و إللي متجوزه أبن البيه المأمور..و اللي متجوزه العمده الجديد.. يعني بقه مناسب الحكومه..و الحكومه مبسوطه منه آخر انبساط.. لأن محدش بيقدر يفتح بقه و يقول بم..!! و هيا عايزه أيه أكتر من كده..؟!و بعدين هوا مبيزعلهاش في أيوها حاجه.. و بيوافق على كل حاجه.. و مؤدب أخر أدب ..عمرنا مسمعناله صوت في المجلس..!!مش زي الشويه المعارضين الله يخرب بيتهم ..كل شويه واقفين يزعقوا..مش مخليين حد من زمايلهم .. يرتاح شويه من دوشة العيال ..و أم العيال و ينام..!! أهو كل واحد فيه من بلاويه إللي مكفيه..
    ثم نظر لهم فجأة بإزدراء ,و قد احتقن وجهة , و نفرت العروق على جانبي رقبته . و صرخ فيهم مستنكراً:
    - و بعدين بقه ياأستاذ أنت و هوه..؟! أنتم بتخلوني ألبخ في الكلام شويه.. و دا مش حلو.. إننا نعيب في الناس الكمل دول.. دولهما كبرات البلد.. هما و الوزرا .. و البشوات الظباط .. و المحافظين .. و لعيبة الكوره.. و الممثلين .. و الرقصات..!! بصراحه دول ناس ذوق ذوق .. ميتخيروش عن حضراتكم..أي و الله..!!
    - ......................................؟!
    -أنتم لسه عايزين مني أيه بقه.. يأخوانا..؟! خلوني أروح أجري بقه على أكل عيشي.. يعني لا مؤاخذه كده .. هتنفعونى يعني .. ولا هتنفعوني..؟!
    - ...............................................
    - الإنتخابات إللي فاتت..؟! والله يابيه .. معرفنا إن كان فيه انتخابات .. إلا لما سمعنا ضرب نار كتير في البلد.. و طبعاً ماحدش فينا اتصجر يطلع بره بيته.. قلنا جايز فيه عيلتين بيصفوا الخلافات إللي بينهم..!! و لما لقينا الموضوع طول ..و فيه زغاريت نسوان.. قلنا جايز فيه فرح في بيت العمده ولا حاجه..!! بعدها بيومين عرفنا إن البنهاوي باشا نجح في الإنتخابات.. لخامس مره ورا بعض.. قمنا كلنا فرحنا إن ربنا نجاه و نصره على إللي عداه ..مع إن مكنش فيه حد من البلد نازل قصاده.. طب و كان لزومها أيه بقى الانتخابات .. و المصاريف ع الفاضي..!! مش أحنا كنا أولى بالفلوس دي..؟!ولا أيه يا حضرات..؟!
    -..................................؟!
    - لأ..مافيش حاجة زي دي حصلت عندنا ..و الحمد لله..لكن طراطيش كلام سمعناه عن الدايره إللي جنبنا..!! لما فيه واحد تاني من الناس إللي بالك فيهم.. دول إللي دقنهم طويله و مدلدله.. كان مرشح نفسه ضد كبير البلد..و قامت عركه مبعدهاش عركه.. و الدم كان فيها للركب.. و الصناديق أنحرقت ..و أترمت في الترعه.. و عادوا الانتخابات من تاني..!! أنما و الحق يا بيه .. ف المره التانيه.. ماحدش سمعلهم صوت..و الأمن كان مستبد و الحمد لله..!!
    وفجأة نظر إليهم متعجباً , و كأنه يراهم لأول مره و سألهم:
    - إنما أنتم مين..؟! و بتسألوا كل الأسئلة دي ليه..؟!
    -................................................
    - آآآآآآآآه قلتلي بقه..!! أنتوا بتوع الجرانين إللي بتيجي عند الواد أسماعين البقال.. و بيعملها قراطيس لب و فول للعيال..!!و النبي يابيه تكلمولنا ريسكوا.. يبطل يجيب الحبر المضروب بتاعكم ده ..علشان بيهبب هدوم العيال و بيطلع كده في الأيدين عمال على بطال.. و بيتبت فيها و ما بيطلعش منها ..ولا بالطبل البلدي ..!!
    - .............................................؟
    - أحنا ما بنعرفش أيوتها أخبار ..إلا من إللي بيجيبوه لنا في الراديو و التلفزيون بتاع الحج عب عال..إللي دايما بيفتحه لنا على خطاب الريس في عيد العمال..و الناس كلها تسقف عشان المنحه.. مع إننا ماحنش عمال..ولا بينوبنا منها سحتوت ولا ريال.. و سمعنا طراطيش كلام أنها اتلغت كمان..!!طب ليه يا بيه..؟!ماهي كانت بتفرج ع الموظفين الغلابه..و أكيد كانوا هيفرجوها علينا أحنا كمان..!!
    -......................................
    - والناس الأمريكان مالنا بيهم..؟! دول ناس ملهمش أمان ..ممكن في أي لحظه يبيعونا زي الخرفان..و يخدونا لحم و يرمونا عضام..و الناس بتوع الشيشان .. متشفولهم حل و تحوشوا عنهم الروس ولاد المجوس دول..!!ولا يعنى الحكايه عافيه ولا هيا عافيه..؟! و اليهود مش أحنا أدنالهم قبل كده علقه مكلهاش حمار ف مطلع..؟! أمال طالعين فيها ليه اليومين دول..؟! و مافيش حد عارف يكلمهم..و العالم كله بيبوس أيديهم..عشان يراضيهم..و هما راسهم و ألف بلغه.. ماهم طالعين من فلسطين.. يعنى البيت بيت أبونا و الغرب بيطردونا.. هما يقربوا لفرحات باشا البنهاوي.. ولا أيه يا بيه..؟!
    -.........................؟
    - أنا محسوبك هنداوي.. و صابر على البلاوي.. ربنا يعافينا و يعافيك ..و الكل كليله..
    -....................
    - أنت بتكتب أيه..؟!طب أنا أسمي مكتوب..؟!
    -...!!
    - طيب..!!



    يتبع

    إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
    فتفضل(ي) هنا


    ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

    تعليق

    • د .أشرف محمد كمال
      قاص و شاعر
      • 03-01-2010
      • 1452

      #3
      (2)


      تبدل الحال مع أخينا (هنداوي ) منذ ذلك اليوم الذي نُشر فيه حديثه مع مراسلي الصحف في أحد جرائد المعارضة ؛ التي تأتي عند (أبو اسماعين) البقال. و قرأه بعض المثقفين من أبناء القرية , و أشادو به..!!
      لكن (هنداوي) افتضح امره ؛على الرغم من عدم ذكر أسمه في المقال ؛ كما سبق واتفق معهم ؛ ظناً منه أنه سيأمن شر بلطجية الباشا (فرحات البنهاوي) و لن يقع في قبضة أيدي و أرجل وعصي الخفراء التابعين للعمدة زوج بنت فرحات باشا البنهاوي..!!
      و التف حوله العامة , فشعر كما لو أنه من المناضلين الوطنين , و من محرري البلاد من الإستعمار و تقمص دور الثوار الكبار. و أصبح يتحدث - بادئ الأمر في الخفاء- بكل شىء وعن أى شىء في جلسته اليومية ساعة العصاري على المصطبة القبلية في داره الطينية حتى أنه ذات يوما هتف قائلاً :
      - الإستقلال التام أو الموت الزوءام ..!!
      ...على الرغم من أنه لا يعرف ماذا يعنيه الزوءام..؟! إلى أن تناقلت أخباره عن طريق الجواسيس و المخبرين . و تم اعتقاله . و قام بلطجية فرحات باشا و الخفراء بسحله و ضربه بالشوم على رأسه حتى أصيب بالتربنة إلا أنه لم يتوقف عن الكلام حتى في الملأ . و ظن الناس أنه أصيب بلوثة عقلية. و يأس منه العمده و أعوان فرحات باشا بعد اعتقاله العديد من المرات , فتركوه لحال سبيله. بعدما اشاعوا عنه أنه أصبح من مجاذيب القرية. و لم يعد أحد يلقى لحديثه بال. إلا القلة القليلة الذين ضاق بهم الحال..!!
      .. دعونا نذهب الآن ,و نتنصت على (هنداوي) وهو جالس في الإستراحة على المصطبة ساعة العصاري - و بعض الأهالي - يتحدث بصراحة:
      - يأخونا أحنا لازم نعمل حاجه .. هنفضل ساكتين لأمتى..؟! لحد ما الدور ييجي علينا..!! والدوده تأكل أراضينا.. و تخرب بيوتنا.. أحنا لازم نقاوم الدوده في كل حته..!!
      قاطعه أحد الفلاحين النبهاء , و سأله بصوت عال:
      - أنت بتخرف بتقول أيه يا هنداوي..؟! دودة أيه ..و هبل أيه ..؟! هو أحنا حتى فكرنا نزرع قطن خالص..!! ما الدوده كلته من زمان ..و بقالنا سنين يامه عايشين في خراب..!!
      تأفف (هنداوي) و نظر إليه بإزدراء , و قال له بنفاذ صبر:
      - أسكت ياد يا عوضين ..ماهو اللي ما يعرفش يقول عدس..!! ياد ماهو كله منفد على بعضه.. ماهما إللي عايزنّا نعيش دايماً محتاجين .. و مادين لهم أدينا الأتنين ..هما نفسهم إللي جابو لنا الدوده.. وإللي بتعمله الدوده في أراضينا ..بيعملوه هما فينا..؟!
      و ضربه على رأسه زاجراً , ثم أردف قائلاً:
      - يا واد أفهم بقه .. و متجبلناش مصيبه ..و تخلينا نعك فى الكلام..!!
      ... بان على (عوضين) الجد , و أخذ يحك رأسه ؛ و إن لم يظهر على وجه أي من ملامح الفهم ..!! فاستطرد (هنداوي) قائلاً:
      - المهم يا أخونا نرجع لمرجعونا..أحنا لازم يكون لنا صوت ..و نخلي كبرات البلد يسمعولنا.. و نطالب بحقوقنا .. و حقوق عيالنا..!!
      ...أصوات همهمة , و تساؤل من الجموع القليلة..!! فأشار إليهم (هنداوي) بيديه مهدئأ .ثم قال مفسراً:
      - أحنا لازم نطالب بصرف التقاوي والكيماوي من الجمعية..لكن بلاش المبيد خليه لهم..!! كمني سمعت طراطيش كلام .. أنه مستورد من عند اليهود .. الله يخرب بيتهم فى كل زمان ومكان.. دول أولاد ملاعين ..أكيد مدبرين لنا مغرز متين.. ولا حاطين لنا فيه إشعاع..علشان يجيبلنا المرض والعياذ بالله.
      ...علت أصوات الفلاحين بالإستعاذه من الشيطان الرجيم , و قال بعضهم:
      - يا سابل الستر يارب..ألطف بينا يا لطيف!!
      ثم وقف أحد الفلاحين الجالسين على الأرض , و سأل:
      - طب ما نطلب من فرحات باشا يكلم لنا الوزير يجبلنا رش نضيف..!!
      ضحك (هنداوي) كثيراً حتى كاد يسقط على الأرض من كثرة الغلب , و بانت أسنانه المخلوعة – من أثر الضرب الذي تلاقاه في السابق على أيدي بلطجية (فرحات باشا) و خفراء العمدة- , ثم قال بعد أن زالت عنه النوبة:
      - أهييييه..!! أنت بينك مش في الدنيادي .. ولا بينك مش من النحيادي..أنت اتهبشت في مخك ياد ياسماعين..؟! يعني أنت مش عارف مين إللي بيستورد المبيد من اليهود..؟! و بعدين هوا فين فرحات باشا ده .. هوه حد فينا شافه من سنين..!! و كمان سمعت طراطيش كلام من التلفزيون بتاع قهوة الحاج عبد العال.. إن الإنتخابات خلاص على الأبواب .. وأكيد هوه مشغول في ترتيبها مع الكبار..!!
      قاطعه أحدهم مرة أخرى قائلاً:
      - لكن أنا سمعت من الواد علوان البواب بتاع سراية الباشا فرحات ..أن كمال بيه أبنه ..هوه إللى هينزل فالإنتخابات السنادي .. حكمن فرحات باشا صحته ماعدتش مساعداه..أصله ماعدش بيسمع كويس.. ولسانه تقل .. و فيه ناس شافوه في التلفزيون ماعدش حتى بيقدر يرفع ايده في المجلس.. بيقولو أنه عنده شلل و العياذ بالله..!!
      ..أسقط فى يد (هنداوي) و ذم شفتيه ,ثم رفع حاجبيه فى استغراب , و قال في الحال:
      - الكلام ده بجد ياد يا حسنين..؟!
      ..ابتسم( حسنين) بفخر عند سماع أسمه, لكنه نظر حوله في خوف . وهز رأسه مجيباً بإيماءه. فمصمص (هنداوي) شفتيه , و قال بنبرة يائسة:
      - ما أسخم من سيدي إلا إبن سيدي..!! ياعني الإبن هيطلع من جلبية أبوه..؟!
      ..ثم استطرد قائلاً في أسى:
      - ربنا يصبر أصحاب البلاوي .. و يجعله عامر

      يتبع

      إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
      فتفضل(ي) هنا


      ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

      تعليق

      • د .أشرف محمد كمال
        قاص و شاعر
        • 03-01-2010
        • 1452

        #4
        (3)


        في أحد الأيام جلس (هنداوي) كعادته ساعة العصاري تحت الشجرة مع( بسنت) الجاموسه؛يرتاحان و يأخذان القيلولة . بعدما تعبا من كثرة اللف و الدوران في الساقية طوال النهار, ثم قرر أن يصنع كوباً من الشاي قائلاً في نفسه:
        - عشان يضبط الدماغ.. و يبتدي يحلى الكلام .
        جمع أعواد الحطب, و أوقد النار. ثم قال موجهاً حديثه لـ (بسنت):
        - يعني إنت فكرك ليه .. كمال بيه ابن فرحات باشا.. اختار يعمل فرحه في عيد الضحية..؟! يمكن علشان الإنتخابات ع الابواب..!! ولا يكنش عشان يفرجها على الناس الغلابه .. و يهيصوا .. و ياكلو لحمه.. يقوموا يدعوله..إن ربنا ينجح مقصده ..و يديله على قد نيته ..و ينصره على أعاديه..!!
        ...نفرت الجاموسه غاضبة,و أرادت النهوض. فاستوقفها (هنداوي) قائلاً :
        - بس..بس خلاص.. متزعليش نفسك .. والله أنا ماكان قصدي أزعلك..!!ماهو اكيد هيدبح دبايح يامه ف الفرح..؟! و هيقيم الأفراح و الليالي الملاح . و هيبقى فرح من بتوع ألف ليله و ليله.... يعني هو هيدفع حاجه من جيب أبوه..؟! ماهو كل كبرات البلد هينقطوه ..وهيقوموا بالواجب.. هو حد فيهم يصجر ما يروحش الفرح .. و يقدم فروض الولاء و الطاعه.. دا كان يروح ورا الشمس..!!
        ...هزت الجاموسه رأسها , و كأنها تتعجب مما يقول , ثم ذامت و كأنها تتوعده. فبان عليه الجد ,و رشف الشاي بتلذذ , ثم رفع حاجبيه قائلاً:
        - أيوه معاكي حق .. برضه الواحد مش مفروض يعك ف الكلام.. دول هما كبرات البلد .. و يخرب بيت اللي يزعلهم .. ولا يجيب سيرتهم بأيوتها كلام..!!
        ثم استطرد قائلا :
        - بس يعني أيه لزوم المصاريف الكتيره دي.. و بعزقة الفلوس على الفاضي.. مش كان أولى بيه.. يديها صدقه للغلابه..أهو يفرح الناس في العيد.. أو يديهم شويه رز .. ولا كيلتين قمح..أهوه أي حاجه تنفع و السلام..!!
        ..و رشف ثانية رشفة كبيرة من الشاي. ثم قال:
        - ولا يكنش هيجيب البتاع ده .. اللي بيقولو عليه جاتووه ..!! حكمن أنا ماليش فيه..!! مابحبوش كده لله ف لله..؟! بيموع نفسي كده .. و بيخليني قرفان..!! رغم إني مدقتوش أبداً..!! ولا يمكن عشان الواحد مش متعود عليه..؟! مع أني بشوفهم بياكلوه يامه ف الأفلام اللي بتيجي ف التلفزيون عند قهوة الواد عبدالعال.. ولا بيجرالهم أيوها حاجه..!!
        ثم ضحك فجأة حتى بانت أسنانه المخلوعة , و قال متعجباً:
        - أنا قاعد بكلمك ف أيه..تلاقيكي ولا فاهمه حاجه..؟!
        .. فهزت الجاموسه رأسها في غضب , و أرادت أن تركض مبتعده , فجذبهام ن الحبل . و قال متودداً إليها :
        - خلاص .. خلاص متتحمقيش كده.. مأنت زي حلاتي .. يعني كنت شفتي الجاتووه فين..؟!
        فجأة سمعا دوي طلقات الرصاص في الهواء. فهمّ (هنداوي) مسرعاً , يجر الجاموسه خلفه. قائلاً :
        - يالـّه بينا يابت يا بسنت .. دا زمان الحفله بدأت..خلينا نلحق ندوق اللحمه..!!
        ثم استدرك معتذراً, وربت على رأسها في حنان:
        - لا مؤاخذه من غير زعل يعني..!!
        .. لكن قابله في الطريق( سعداوي) أحد بلطجية (فرحات باشاالبنهاوي) . فارتعدت فرائصه حينما تذكر الضرب الذي تلقاه في الماضي على يديه , و حاول الابتعاد عن طريقه إلا أنه استوقفه قائلاً بصوته الجهوري:
        - أنت رايح فين .. ياد ياهنداوي..؟!
        تلعثمت الكلمات في فمه , و قال بصوت مبحوح :
        - أنا رايح فرح كمال بيه..؟!
        فابتسم (سعداوي) , و هو ينظر لـ(بسنت) بنهم :
        - ودي أيه اللي ف أيدك دي ياهنداوي .. !!
        حاول (هنداوي) أخفائها بجسده الضئيل حتى لا يراها (سعداوي) قائلاً بتوسل:
        - دي الجاموسه اللي حيلتي ..و بتأكلني أنا و عيالي..!!
        ضحك (سعداوي) و فرك يديه . ثم قال في خبث:
        - ودي جايبها تنقط بيها كمال بيه..؟!
        أسقط في يد (هنداوي) ,حتى كاد يسقط مغشياً عليه , و تحشرج صوته و لم يستطع النطق, فقد سبق السيف العزل , و نفذ سهم القدر.
        ...مد (سعداوي) يديه القويتين , و جذب الحبل من يد (هنداوي) بينما ظل الأخير مستميتاً عليه . فقال في تشف ساخراً:
        - هديه مقبوله منك يا هنداوي.. و عقبال ما نجيلك ف الأفراح..!!
        ثم سار مبتعدا , يجر(بسنت) جراً و يجذبها من عنقها بعنف و قسوة و هي تحاول رفسه و ركله . بينما تهاوى (هنداوي) على الأرض ذاهلاً . و ظل هكذا إلى أن غربت الشمس..!!
        ...فرحت القرية جميعها , و أكلت اللحم ؛ إلا (هنداوي) لم يذق طعمه. بل أخذ يجري في شوارع القرية كالمعتوه. يهتف بأعلى صوته قائلاً:
        - آآآخر الكلام ..هيأخدونالحم .. و يرمونا عضام..!!
        - آآآخر الكلام ..هيأخدونا لحم .. و يرمونا عضام.. !!





        يتبع
        إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
        فتفضل(ي) هنا


        ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

        تعليق

        • د .أشرف محمد كمال
          قاص و شاعر
          • 03-01-2010
          • 1452

          #5
          (4)
          ..اختفى (هنداوي) من القرية بعد حادثة اغتيال الجاموسه. و ظن البعض انه هرب من البلد ,و توقع آخرون أن يكون نزيلاً بمستشفى المجانين؛ إلا أن هذا المسكين لم يكن هنا أو هناك..؟!
          .. سريعاً ماتناسى الجميع أخبار (هنداوي) و سر اختفائه , و انشغلوا في السعي وراء لقمة عيش تسد أفواه أولادهم الجائعة ؛ باستثناء طبعاً أولاد (هنداوي)(مصراوي) و(عرباوي) و إبنته (سوريا) الذين أخذوا يبحثون جادين عن أبيهم و عائلهم الوحيد . فسألوا عنه في المستشفيات و أقسام الشرطة ؛ و كل القرى المجاورة إلا أنهم لم يجدوا له أي أثر و كأن الآرض انشقت و ابتلعته..!!
          ..حتى أنهم علقوا صورته و هو يرتدي الجبة و القفطان , و يربط رأسه بالمنديل (أبو أويه) في كل المساجد وعلى الجدران , و أعمدة الأناره . فظن بعض السذج ؛ الذين لا يعرفون القراءة من أهل القرية أن (هنداوي) قد رشح نفسه في الإنتخابات امام كبير البلد الجديد (كمال باشا البنهاوي) و أخذو يضربون كفاً بكف..!!
          ...أما (هنداوي) فلا يتذكر ماذا حدث له في ذلك اليوم . فآخر ما وعاه أنه كان يسير في طرقات القرية متوجهاً إلى حقله كعادته عند شروق الشمس . و فجأةً تلقى ضربة على أم رأسه جعلته يرى النجوم في عز الظهر؛ أو ربما كانت تلك النجوم على كتف أحدهم..؟!
          ثم أفاق بعدها فوجد نفسه ملقى على وجهه في غرفة الأسمنتية سيئة التهوية حيث رائحة العفن و الرطوبة مستشرية؛ أو ربما كانت رائحة أشياء أخرى اكتشفها فيما بعد..؟!
          صرخ (هنداوي) و أخذ يدق على الباب الحديدي الصدئ :
          - ياأخونا ياللي هنا..!! ياجاي ياهو..حد يعبرنا ..!! و يفهمني أنا ايه اللي جابني هنا..؟!!
          فلم يجبه أحد البتة . حتى قرصه الجوع و استبد به العطش , و ضربه اليأس و تملكه الملل . فأخذ يستصرخهم بصوت عال:
          - يا هلاله ياللي هنا.. يا مسلمين يا موحدين ..!! حد يشوفلنا لقمه .. ولا شربة ميه..أنا مادقتش الزاد من صبحية ربنا..؟!
          طال به الإنتظار , و أحس بأن ذاك المغص لم يعد من الجوع و فقط ..!! فناداهم مستجيراً ولما يأبه به ثانية أحد . فأختار ركنا قصياً و أفرغ فيه همومه. عندها عرف أنه لم يكن أول من اكتشف ذلك الملجأ..!!
          أخذ (هنداوي) يحدث نفسه قائلاً:
          - الله تفتكر أنت فين ياد يا هنداوي..؟! ده لا هوا دوار العمده ..ولا سجن النقطة ..ولا حتى أودة الكرار في سراية فرحات باشا..!! أنت بينك اتخطفت زي الناس بتوع العراق..؟!
          ثم أستطرد قائلاً:
          - طب اللي خطفونى هيعملوا بيا ايه..؟! دانا لا حيلتي سحتوت ولا جنيه..!! دا حتى الجاموسه اللي حيلتي.. خدوها مني ..؟!
          ثم نظر حوله متلفتاً في خوف قائلا:
          - خدوها ولاد الحلال ..ربنا يسامحهم..!!
          فُـُتح الباب فجأه ,و دخل رجل يرتدى ملابس مدنية . جذبه من ملابسه , و قال له بلهجة أمره:
          - تعالى كلم ساعدة الباشا..!!
          و أردف ذلك بصفعة على قفاه. فظن عندها (هنداوي) بأن هذا أحد بلطجية (فرحات باشا البنهاوي) ففرح . لكنه سريعا ما خاب توقعه عندما وجد نفسه في أحد المكاتب التي يبدو عليها أنها حكوميه . و وجد هناك شاباً في العشرينات من سن أصغر أولاده يجلس على أحد المقاعد الجلدية الدواره , مولياً إليه ظهره , و ممسكا بيده مضرباً للذباب . وسأله قائلاً :
          - انت أسمك إيه ياله..؟!
          أجابه (هنداوي) في سرعة:
          - محسوبك هنداوي صابر على البلاوي..
          فالتفت إليه الضابط غاضباً , و صرخ فيه :
          - انت هتستعبط من أولها.. و هتبتدي تلبخ في الكلام..؟!
          ارتجف جسد (هنداوي) و قال مستعطفاً :
          - ليه بس يا بيه..انا أسمي هنداوي و أبويا صابر ..و جدي علي البلاوي..
          فنظر الضابط إلى الأوراق في الملف الموضوع على المكتب امامه . فتيقن من صحة كلامه فسأله بضيق:
          - أنت عايز تقلب نظام الحكم ليه ياد يا هنداوي..؟!
          أسقط فى يد (هنداوي) و أرتجفت أوصاله , و تحشرجت كلماته في حلقه , و قال دهشاً :
          - أنا ياباشا..؟! أقلب ميييين ..؟! نظام إيه..؟! الحححكم..!!!
          قاطعة ذاك الشاب قائلاً :
          - أنت هتستهبل زي كل اللي بيجوا هنا ..و هتعملي فيها عبيط ..و ماتعرفش اي حاجه..!!
          أجابه مستعطفا:
          - ياباشا انا ماعرفش أيتها حاجه والله..!! وحتى الجاموسه بتاعتي .. مش عايزها .. !! و أنا مسامح فرحات باشا.. خليه يتهنى بيها..؟!
          صفعة الضابط على وجهة- هنا فقط تأكد لديه الآن أن هذه الصفعة لضابط مدرب , و أنه في تحقيق أو مصيبة حقيقية- و هتف بنفاذ صبر:
          - جاموسة أيه و فرحات مين..؟! أنا بكلمك عن التنظيم السري إللي أنت زعيمه علشان تقلبوا نظام الحكم ..و كل المستندات و التسجيلات موجوده هنا بالصوت و الصوره..دي قضية أمن دوله..؟!
          لطم (هنداوي) على خديه. و سقط على الأرض قائلا:
          - ياسنتك السوده يا هنداوي قضية أيه..؟! أمن دوله..!! دا أنا طول عمري ياباشا ماشي جنب الحيط.. و كافي خيري شري.. و ماليش في السياسه أبداً .. دا أنا حتى بخاف أصلي الجمعة في الجامع .. ليقولو عليه أرهابي..!! و من كتر حبي في مصر .. سميت ابني البكري مصراوي ..و أيام الوحده مع سوريا سميت بنتي الكبيره على أسمها .. ولما جت النكسة سميت بنتي اللي ماتت وكسه.. لكن اهوه ربنا افتكرها و ارتاحت..!! و قعدت في الجيش سبع سنين ..و حاربت مع اللي حاربو ف 73 ..دا حتى من غيظي من اليهود.. خنقت عسكري أسرائيلي بأيديا دول .. حتى عضني في أيدي ..وسايبه لحد دلوقتى علامه.. أهه..!! و لما قالوا ياسلام.. قلت سلام سلام و ماله..؟! مدام هنرجع كل اللي راح.. مع إن اليهود طول عمرهم ملهمش أمان..!! و فضلت كل السنين دي راضي .. و صابر .. و بحمد ربنا .. و ببوس ايدي وش و ضهر ..أني بلاقي لقمه أكولها.. و هدمه ألبسها.. و باب أقفله عليا آخر النهار.. و لحد دلوقتي كل حاجه بتطلبها مني الحكومه.. أقولها آميين..!! دا حتى اليومين دول أنا ماعرفش مين هما الحكام ..؟! أنا ما اعرفش غير فرحات باشا البنهاوي . .و أن كنت زعلته في حاجه أحب على راسه .. و أستسمحه دا هو كبيرنا برضه .ز و العين ماتعلاش ع الحاجب.. و يعنى هيجيلنا حد أحسن منه..؟! على رأي المثل .. جني تعرفه أحسن من جني ماتعرفوش..!! و جارك السو أصبر عليه.. ليرحل.. لتجيله مصيبه تاخده..!!

          يتبع
          إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
          فتفضل(ي) هنا


          ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

          تعليق

          • د .أشرف محمد كمال
            قاص و شاعر
            • 03-01-2010
            • 1452

            #6
            (5)


            .. استمرت التحقيقات مع (هنداوي) لعدة أسابيع ؛ لم يذق بها طعم النوم. مارس معه الضباط , و المتطوعون من السادة المخبرين السريين أشد أنواع التعذيب والتنكيل- الغير خافية على أحد - حتى ظن أنه في سجن أبو غريب..!! أو أحد الأسرى المصريين في نكسة 67 ؛ إلى أن أضطر في آخر الأمر ؛ و تحت وطأة التهديد ؛ و حتى لا يفقد أعز ما يملك- حياته بالطبع..!!- الاعتراف بكل ما أملوه عليه , فهو قائد التنظيم السري لقلب نظام الحكم , و مسؤول الجناح العسكري الذي كان يخطط للعديد من العمليات الإرهابيه في طابا و نويبع و دهب و الغردقة و الأقصر و شرم الشيخ . هنالك اعترض (هنداوي) قائلاً بامتعاض:

            - لأ يا أخوانا .. كله إلا شرم الشيخ..!! بلاش نغلط ف الناس الكبّاره دول..؟!
            عندها سرت دفعة جديده من الكهرباء داخل جسده ؛ جعلته ينتفض في قوه حتى كاد يطير عقله أو تسقط باقى أسنانه..!! فهتف صارخاً:
            - خلاص شرم ..شرم .. هي كانت بتاعة أبونا..؟!
            هدأت الأحوال بعد ذلك الإعتراف . و انصلحت الأوضاع مع (هنداوي). فبدأ يعتاد الوضع الجديد و يتأقلم معه - كعاده كل المصريين الذين يتكيفون مع كافة الظروف..؟!-
            ..بعد فترة قليلة نقلوه إلى سجن أخر أكثر إتساعا , و أكثر زنازيناً , فبدأ يتعرف على باقي النزلاء , و يمارس هوايته المعهودة - إلا و هي الكلام في الفاضي و المليان ..!!-
            فرح عندما وجد أحدهم يتكلم بلهجة مصريه. و سأله في عفوية:
            - هو أنت كمان جبوك هنا..!!
            فنظر له الرجل بتعجب , وسأله في استغراب:
            - هو انت تعرفني..!!
            أجابه (هنداوي) في سرعة:
            - لأ ..بس مش البيه مصري..!!
            ضحك الرجل طويلاً. و قال دهشاً:
            - ماكل اللي هنا مصرييين..!!
            بان الجد على (هنداوي) ثم قال:
            - الله ..هما خطفوكوا انتم كمان..؟!
            اعتلت الرجل الدهشة الشديدة , و ساله:
            - مين اللي خطفونا..؟!
            فاجابه بصوت خفيض. وهو يتلفت حواليه:
            - الجماعه اليهود إللى جابونا هنا ..و عاملين إن هما مصريين.. علشان يضحكوا علينا.. وعايزنا نقولهم أسرار البلد .. بس أنا لففتهم السبع لفات ..و ماقدروش يخادو مني ولا عقاد نافع..!!
            ضحك الرجل كثيراُ حتى تساقطت الدموع من عينيه . ثم قال:
            - معاك حق دول أسخم من اليهود..؟!
            ...لم يع عقل (هنداوي) الأمر جيداً أويستوعبه ؛ إلا حينما وجد كل من (عوضين) و(حسنين) و(إسماعين) و أباه و (الحج عبد العال) و آخرين من أهل القرية لم يأت ذكرهم على لسانه..!! حتى (علوان) بواب سراية (فرحات باشا)..!! و كذلك مراسلي الصحف الذين اجروا الحوار معه ؛ في نفس السجن..؟!
            هنا فرح (هنداوي) فرحاً شديداً بهم - و جمعهم في حلقة حوله وأخذ يحتضنهم الواحد تلو الآخر. كمن التقى عزيزأ في الغربة بعد أمد طويل و قال لهم باشاً:
            - الله الله دا الحبايب كلهم متجمعين..عند النبي ..أنتم عارفين مين اللي ناقصنا..؟!
            نظر كلٍ منهم إلى الآخرين بدهشة , وسألوه جميعاً:
            - ميين..؟!
            فقال ضاحكاً. و بان فمه بلا أسنان أماميه:
            - بشنت الجاموشه..!!





            يتبـع
            إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
            فتفضل(ي) هنا


            ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

            تعليق

            • د .أشرف محمد كمال
              قاص و شاعر
              • 03-01-2010
              • 1452

              #7
              (6)




              تعّرف (هنداوي) بالمعتقل - و ليس الأسم الجديد الأكثر تهذيباً و ديموقراطية ..السجن- على العديد من الشخصيات التي تأثر بها و أثر أيضا فيها..!! فازدادت مداركه و مفاهيمه و ثقافته برغم قلة تعليمه؛ لما يتمتع به من ذكاء فطري و طيبة و روح مرحة حتى في أحلك الظروف و المواقف.
              قابل (هنداوي) الأستاذ (عبد الستار مختار) وهو من أحد الكتاب الكبار الذين تم اعتقالهم مؤخراً بسبب كونه من أبرز المعارضين و الرافضين..
              فسأله (هنداوي) حينما رآه لأول مرة :
              - إنما أنا يابيه .. معرفش شفتك فين قبل كده..؟! و شك مش غريب عليه..!!
              ثم استطرد قائلا , وهو يحك رأسه مفكراً:
              - أنت تعرف فرحات باشا البنهاوي..!!
              ضحك الرجل لسذاجة (هنداوي) البادية و ابتسم في ود قائلاً:
              - لأ يا سيدي ..أنا معرفش مين هوا فرحات باشا ده..؟! و بعدين مش الباشاويه اتلغت خلاص..!!
              ابتسم (هنداوي) ابتسامة عريضة. ثم قال:
              - أهييه ..!! ياعني أنت ماتعرفش فرحات باشا..؟! أمال أنا شفتك فين قبل كده..؟!
              أجابه الرجل بتواضع :
              - ياسيدي جايز تكون شوفت صورتي ف الجرايد..!!
              قاطعه على الفور:
              - أيوه .. اسمالله عليك .. أنا بقول كده .. كأني شفت صورتك ف الجرانين اللي بتيجي عند أبو اسماعين البقال..
              ثم غمز له بعينيه , و أردف قائلاً :
              - ماهو هنا.. هو .. و اسماعين كمان..!!
              عاود الرجل الابتسام , و سأله فى اهتمام:
              - و انتو إيه إللي جابكو هنا..؟!
              أجابه بأشارة من كتفيه و يديه وقال ممتعضاً :
              - و الله مانعرف يابيه..؟! أحنا لقيناهم لمّونا هنا كلنا بربطة المعلم..!! و قال أيه.. إن احنا عاوزين نقلب نظام الحكم..!!
              هنا ضحك الرجل كثيراً ؛ حتى ألمه صدره , و قال ساخراً:
              - أنتم كمان..!!
              بان على( هنداوي) الدهشة الشديدة , و سأل فى خوف:
              - الله هو أنت برضوا.. من بتوع قلب الحكم..!!
              أجابه الرجل ؛ وهو مستغرقاً في الضحك :
              - لأ .. احنا من بتوع عدله..!!
              لم يظهر على (هنداوي) أي مظهر من مظاهر الفهم , و سأله دهشاً :
              - لأ و الصدق يا بيه.. أنت قبضوا عليك ليه..؟!
              احترم الرجل قله ثقافة (هنداوي) . و أجابه مبسطاً:
              - علشان قلت لأ.. كفايه .. حرام..!!
              فرفع( هنداوي) حاجبيه ؛ حتى صنعا رقم ثمانيه و ثمانين , و قال بعفويه:
              - الله .. وهوا اللي يقول كفايه حرام .. يبقى قليل الأدب..!! طب ماكلنا بنقولهم كل يوم عمال على بطال .. ولا كأننا بندن ف مالطه..!!
              ثم استطرد متسائلاً:
              - ولا يكونش كلمة لأ ..هيا اللي زعلتهم..!!
              شرد الرجل مفكراً ثم أجابه باسماً :
              - و الله برضه.. يمكن يكون معاك حق..!!
              ابتسم (هنداوي) بسعاده بالغة لإشادته به , ثم قال معقباً:
              - طيب مأنت غلطان يابيه..!! ماتقولهم أيوه.. دا حتى كلمة أيوه.. بتريح برضه.. و خلي اللي ف النفوس .. جوه محبوس .. لغاية ما ينزاح عنا الكابوس .. و يجعله عامر..!!




              يتبع
              إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
              فتفضل(ي) هنا


              ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

              تعليق

              • د .أشرف محمد كمال
                قاص و شاعر
                • 03-01-2010
                • 1452

                #8
                (7)



                ذات يوم عندما كان (هنداوي) يتمشى ساعة العصاري بالمعتقل .. إلتقى بأحد الرجال الذين أعفو لحاهم .. و هم كثر..!! فتعرفه في الحال ؛ على الرغم من أنه يرتدي بدلة السجن الزرقاء الكالحة , و استوقفه قائلاً:
                - أزيك يا مولانا..!!
                فلما بانت على جبهة الرجل علامات الدهشة. أردف (هنداوي):
                - الله..!! مش برضك أنت الشيخ .. إللي كان بيجي حدانا ف البلد .. و يخطب الجمعة..؟!
                ابتسم الرجل في أسى قائلاً:
                - انت لسه فاكرني يا إبني ..أنا بقالي هنا أكتر من عشر سنين..!!
                إندهش (هنداوي) ثم قال منزعجاً:
                - يااااه دي سنين ياااامه....!! ليه هو أنت قتلت قتيل .. ولا سرقت سريقه..؟!
                و استطرد متسائلاً:
                - أنت تهمتك إيه يا مولانا..؟!
                هنا ضحك الرجل طويلاً . ثم قال:
                - تهمتي.. إني قلت ربي الله.. و رسولي محمد .. و ديني الإسلام..!!
                ابتسم (هنداوي) ابتسامته العريضة. و مصمص شفتيه كالعادة متعجباً , ثم قال:
                - أهيييييييه..!! أمال يعني هما ربهم مين.. ولا دينهم أيه..!! منا قولت قبل كده للبيه الصحفي ..إن دول يهود أولاد يهود خاطفنا .. مصدقنيش..!!
                نظر إليه الرجل بحزن, و قال بصوت متهدج:
                - حتى لو كانوا كفار.. ماكانوش يعملوا فينا اللي عملوه.!! دول مافيش في قلوبهم ذرة رحمه.. !! دا انا لو حتى كنت جاسوس .. و خاين لديني و بلدي .. ماكانوش عملوا معايا كده..؟! انا مش عارف إيه الجريمة إللي أستحق عليها العقاب الفظيع ده ..؟!دول لو كانوا بيتعاملوا مع اليهود بالوحشيه دي كانت القدس اتحررت من زمان..!! هوا الإلتزام بشرع الله بقى جريمه في الزمن ده..؟!

                بان على( هنداوي) التأثر الشديد ورق قلبه لحال الشيخ وقال وهو يهز رأسه في حزن:
                - متزعلّش نفسك يا مولانا..ربنا هيدي كل واحد على قد نيته.. و إن شاء الله هيقعدلهم في عفيتهم ..و فى بيوتهم ..و عيالهم .. و أكيد ف يوم .. الحق هيبان ..و الباطل هيزهق ..و يروح لحاله ..و يغور ف داهيه .. منهم لله.. ربنا ينتقم منهم.. !!
                وأردف قائلاً فى تعجب ضارباً كفاً بكف:
                - صحيح ياولاد إللي يشوف بلاوي غيره .. تهون عليه بلاويه..!!

                ثم اقترب من أُذن الشيخ , و غمز له بعينه اليمنى سائلاً:
                - إلاااا..هما عملوا فيك أيه .. يا مولانا..؟!




                يتبع
                إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
                فتفضل(ي) هنا


                ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

                تعليق

                • د .أشرف محمد كمال
                  قاص و شاعر
                  • 03-01-2010
                  • 1452

                  #9
                  (8)


                  ..لاحظ (هنداوي) أن الأستاذ (علي رضوان) ينأى عن الجميع ؛ يجلس بعيداً عن تجمعات المساجين , لا يتحدث مع أحد ؛ يدخن سيجاره الأمريكية , مترفعاً عن الكل . فـرقّ (هنداوي) لحاله , و اقترب منه متودداً يسأله :
                  - إنت واخد جنب لوحدك ليه .. يابيه..؟! دا الوحده وحشه .. و اللمه .. هيا اللى هتكشف الغمه..!! و أدينا بنتكلم .. و نسلي بعض .. أحسن ما الواحد تجيله نقطه..!!
                  نظر إليه الرجل باستعلاء . متفحصاً إياه من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. و لم يجب عليه
                  ؛ لكن (هنداوي) أجابه . متجاهلاً صمته :
                  - معاك حق برضو ..هيا الحبسه مش حلوه .. لكن هنعمل إيه..؟! آدي الله .. و آدي حكمته .. لحد ما ربنا يأمر .. و يفك أسرنا..!!
                  نظر له الرجل ثانية باندهاش , و قد ظن بـ (هنداوي) الجنون , ثم راودته الظنون أن يكون مدسوساً عليه من قبل الضباط ؛ حتى يكيلوا له التهم , و يجددوا أمر اعتقاله. لكن (هنداوي) لم يعطه كعادته فرصة الإسترسال , و قطع حبل أفكاره . سائلاً:
                  - إنما إنت أيه .. اللي جابك هنا يا بيه..؟! إنت برضوا من بتوع كفايه حرام .. ولا من بتوع الإخوان .. ولا من بتوع الصحافة.. ولا إنت مين بالظبط ..؟!
                  أجابه الرجل حانقاً ؛ كي يكف عن أسئلته :
                  - أنا وفــدي..!!
                  نظر له (هنداوي) في بله , و ملامح الغباء تنضح من وجهه . ثم سأله:
                  - يعني أيه..؟!
                  أجابه الرجل , وقد نفذ صبره:
                  - يعني من حزب الوفد .. إنت متعرفش سعد باشا..؟!
                  انفرجت أسارير (هنداوي) و قال في سرعة :
                  - أيوه طبعا .. فيه حد مايعرفش سعد باشا .. الصغير..؟! مش بتاع لبن بخيره .. و العنب.. العنب.. العنب..!!
                  أجابه الرجل ساخراً:
                  - لأ.. بتاع البلح..!!
                  قاطعه (هنداوي) مبتسماً :
                  - أيوه .. مهوّا بعد كده .. بيقول البلح.. البلح.. البلح..
                  استشاط الرجل , و هتف غاضباً :
                  - أفهم ياعم إنت.. و بطل استعباط بقه .. ولا إنت كده عبيط ..؟! أنا قصدي سعد باشا زغلول..!!
                  استدرك (هنداوي) و أخذ يحك رأسه مفكراً:
                  - أيوه.. أيوه.. أيوه .. ياشيخ ماتقول كده من الصبح..!! إنت قصدك على زعيم الأمه.. سعد باشا زغلول .. اللي قال .. مافيش فايده..
                  أجابه الرجل بنفاذ صبر:
                  - أيوه عليك نور..!!
                  قاطعه (هنداوي) مستفسراً :
                  - وهو إنت توعى على سعد باشا يابيه..؟! ده مات من سنين يامه .. من قبل ما نتولد حتى.. و راحت أيامه ..و لياليه..!!
                  جن جنون الرجل ؛ حتى كاد يمسك بتلابيب (هنداوي) و يقتله . و قال غاضباً:
                  - إنت ماتعرفش حاجه ف الدنيا أبداً ..؟! إنت ماسمعتش عن حزب الوفد الجديد..!!
                  أجابه (هنداوي) مهدئاً :
                  - خلاص .. خلاص .. متتعصبش كده .. و هدي خلقك يابيه.. الصبر حلو برضك ..!!
                  ثم أردف قائلاً:
                  - وهما الإنجليز لسه ماخرجوش من مصر يا باشا ..؟! أنا كنت بحسب ياشيخ .. إنهم خرجوا من بعد الثوره..!! طب أمال إيه لزومها.. تعملوا وفد جديد..؟! ولا الوفد ده عشان يفاوض الأمريكان.. أيوه.. أيوه.. مهما إنجليز برضو ..!! و حاطين مناخيرهم ف كل حاجه.. دا حتى عاوزين ياخدوا السودان.. و إيران..!! شفت إنت مسويين إيه ف العراق .. و أفغانستان..؟! و قابضين يا عيني على شوية طلبه ..و حابسينهم يا ولداه..أصلهم كدا مايتشطروش إلا على الغلابة..!! و شفت شنقوا الريس صدام إزاي ..؟! طبعاً عشان يخوّفوا الباقي ..و يقوللهم.. بيتك بيتك .. جوه إنتو نامو..!!






                  يتبع
                  إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
                  فتفضل(ي) هنا


                  ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

                  تعليق

                  • د .أشرف محمد كمال
                    قاص و شاعر
                    • 03-01-2010
                    • 1452

                    #10
                    (9)




                    .. وجد (هنداوي) مجموعة من المعتقلين , يلتفون حول رجل تظهر عليه علامات الهيبة و الوقار . يلقبونه بـ (سعادة المستشار) . فأندس وسطهم , ثم اقترب منه قائلاً:
                    - هوا سعادتك بحق و حقيق .. مستشار..؟!
                    نظر إليه الرجل بأسى . ثم أومأ له برأسه علامة الإيجاب . فأنطلق (هنداوي) كعادته في الكلام بلا سابق إنذار:
                    - طب و النبي يا بيه.. تقولهم إن احنا مظلومين .. معملناش حاجه.. !! ولا لنا دعوه بالسياسه .. ولا دياوله..!! دا احنا غلابه.. بنجري ورى لقمة عيشنا..!! يقوموا يجيبونا هنا يحبسونا ..من غير شغله ولا مشغله.. و الله حرام..؟! دا حتى الإيد البطاله نجسه..!! طب احنا ضمنا ع الأقل نومتنا.. و لقمتنا ..لكن الغلابه اللي بره ..يعملوا إيه ف الزمن ده..؟!
                    هز الرجل رأسه دلالاة على علمه بطبيعة الحال . و لم ينبث ببنت شفة . فاستطرد (هنداوي) قائلاً:
                    - و الله يابيه .. احنا مالينا دعوه بمين هيمسك البلد .. سواءً كان فرحات باشا.. ولا ابنه كمال .. و لا غيرهم..!! دى البلد بلدهم .. و كل حاجه ف إيدهم .. دول طول عمرهم الساده ..و احنا الخدام .. ولا نقدر نقلهم تلت التلاته كام..؟! يقومو كده يأخدونا ف الرجلين .. دا برضه أسمه كلام..!!
                    هز الرجل رأسه علامة الرفض. فأردف (هنداوي) قائلاً:
                    - و الله يا بيه .. ولا لك عليا حلفان.. أنا مفوض أمري لله من زمان..!! وماشي ف حالي و كافي خيري شري..!! و بزرع ف غيطي.. و قافل عليا باب بيتي .. و براعي بهايمي و عيالي .. و بقول.. أهي عيشه ولا اكتر..؟!
                    صمت (هنداوي) قليلاً ؛ كأنه يتذكر شئ ما , أو كأنه يراجع نفسه فيما سيقوله. ثم تلفت حوله , و قال بتردد:
                    - جم خدو الغيط عافيه ..؟! و اشتغلت فيه بالأجره.. قلت معلش..!! و كمان خدو البهايم.. وحدا ورا التانيه.. قلت لنا رب أسمه الكريم..!! و حتى العيال خدوهم ع الجيش.. إللي راح البوسنه.. و إللي حارب ف العراق.. و إللي راح الصومال.. مقلتش حاجه..!! ما إحنا حاربنا ف اليمن .. و قعدت ف الجيش سبع سنين.. أهو كله فدا مصر.. و زكا عن عافيتنا..!! حتى العافية راحت .. و المرض ركبنا..!! قلنا نصبر.. الصبر حلو ..عشان آخرتنا..!! آخرتها يطلعونا خونه .. و جواسيس على بلدنا ..و نبقى ملعونين ف كل كتاب..؟!
                    تأثر الرجل كثيراً ؛ حتى كادت الدموع تسقط من عينيه . فأخفى وجه بيديه. فاستطرد (هنداوي) دون أن يلتفت إليه:
                    - يا باشا ماتكلم لنا حد من الكبرات أصحابك .. يشوف لنا صرفه ف المصيبه السوده.. إللي ملبسنها لنا دية..؟! و توبه من دي النوبه.. إن عدت أفتح بقّي تاني .. و إن فتحته.. يبقو يقصو لساني..!!
                    فجأة نظر للرجل باندهاش . و كأنه يراه لأول مره ’ ثم سأله:
                    - إلا أنت مبتنطقش ليه يابيه..؟! و لابس كده زيّنا ليه..؟!
                    فلما فطن (هنداوي) للإجابة بذكائه المعهود . ابتسم قائلاً:
                    - على رأيك.. دا الهم طايلني .. و طايلك..!! حقيقي ياولاد.. الشكوه لغير الله مذله ..!!



                    يتبع
                    إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
                    فتفضل(ي) هنا


                    ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

                    تعليق

                    • د .أشرف محمد كمال
                      قاص و شاعر
                      • 03-01-2010
                      • 1452

                      #11
                      (10)




                      .. فوجئ (هنداوي) ذات يوم بإستدعائه في مكتب المأمور بلا سابق إنذار . و هناك وجد ضابطاً يرتدي بدلة عسكريه كاملة , و يضع سيفين متقاطعين على كتفية ؛ الذي انتفض بدوره حين رآه ؛ وهب واقفاً مرحباً :
                      - اتفضل يا هنداوي بيه..!! أحنا و الله متأسفين خالص.. على الخطأ إللي حصل معاك.. و هنصلحه حالاً..؟!
                      أندهش (هنداوي) و سأله متعجباً:
                      - أنا بيه..!! دا أنت اللي باشا ابن باشا ..و أولادك كمان بشوات.. دا أنت بقك بينقط سكر..!! خطأ أيه يا باشا..؟! هو أنتو بتغلطوا أبداً.. دا أنتم عدتكم العيبه و قزحت.. و إحنا الغلط راكبنا من فوقنا لتحتنا..!! هيه برضة العين تعلا عن الحاجب..!!
                      أشعل الضابط سيجارة لـ (هنداوي) , و قدمها له. لكنه اعتذر قائلأ:
                      - منتحرمش ياباشا.. أصل أنا مبشربش سجاير.. أنا بشرب بس شيشة تفاح.. من عند قهوة الحاج عبد العال..
                      على الفور ضغط الضابط زراً على مكتبه ؛ فأتى عسكري مهرولاً فى الحال . فهتف الضابط قائلاً:
                      - شيشة تفاح.. لهنداوي بيه يا ولد..!!
                      غدت دهشة (هنداوي) ذهولاً..!! و ظن أنه في أحدى روايات الف ليلة و ليلة. أو أنه هارون الرشيد..!! فتهاوى على الأرض جالساً القرفصاء . هنا جذع الرجل , و جرى مسرعاً , و أوقفه ثانية قائلاً:
                      - لا .. يا هنداوي بيه .. الأرض مش من مقامك .. اتفضل أقعد على الكرسى الجلد ده..!!
                      توجس (هنداوي) خيفة ؛ و راودته الظنون . فأخذ يحدث نفسه في سهوم:
                      - هوا أيه الموضوع يا هنداوي ..!! ليكون هيعدموك ع الكرسي الكهربا.. و انت مش واخد بالك..؟! ولا هيحطوك على جهاز كشف الكدب..!! و لا مدبرين لك مغرز متين..؟! و هيمضوك إنك أسامة ابن لادن..!!
                      قاطع أفكاره الضابط قائلاً:
                      - يا هنداوي بيه .. حصل لبس ف الموضوع .. و ماطلعتش أنت المقصود..!! و إللي كان صاحب التسجيلات و الصور .. واحد تاني قبضنا عليه خلاص .. و بنعتذر لك عن كل إللي حصل .. و نتمنى إنك متكنش واخد على خاطرك منا..!!
                      كاد أن يغشى على (هنداوي) من وقع الخبر. و قال في غبطة:
                      - الحمد لله ياباشا .. إن الحقيقة بانت .. مأنا قلتهم قبل كده.. إن أنا برىء .. و ماليش ف السياسة .. مصدقونيش..!! يالله ربنا يسامحهم..!!
                      ثم قال بسره :
                      - الله يحرقهم بجاز الملاعين.. أولاد الـ (...)..!!
                      استطرد الضابط قائلا:
                      - المهم أنا عاوزك تنسى خالص أي حاجه سمعتها .. أو شفتها هنا.. و تبتدي حياتك من جديد.. مواطن صالح بيسمع الكلام .. و ينفذ الأوامر .. زي ماكنت قبل كده تمام..!!
                      أجابه (هنداوي) على الفور:
                      - تمام يا باشا تمام .. و لو عايزني اقطع كمان الكلام .. زي ماقطعت الخلف.. معنديش مانع..!!
                      قاطعة الضابط بإشارة من يده:
                      - لا..لا.. احنا عاوزينك تتكلم ..على راحتك.. احنا بلد ديموقراطي .. و عاوزين الشعب يتكلم .. و ينبسط .. إحنا مافيش حاجه خايفين منها..!!
                      رفع (هنداوي) حاجبيه , و جحظت عينيه و قال هامساً :
                      - إهيييييييه
                      استطرد الضابط قائلاً:
                      - الدنيا اتغيرت دلوقتي يا هنداوي بيه ف الكام سنه.. إللي قضيتهم هنا.. و ف المستقبل هتبقى أحسن ..و أحسن..!!
                      ذهل (هنداوي) و قال في تردد:
                      - أنا بس عندي سؤال يابيه.. نفسي تجاوبني عليه..؟!
                      أجابه الضابط مبتسماً في ود :
                      - اتفضل..!!
                      سأله بلهفة:
                      - أخبار فرحات باشا إيه..!!
                      فضحك قائلاً:
                      - يااااه .. أنت لسه فاكر .. دا مات .. و شبع موت..!!
                      أُسقط في يد (هنداوي) و قال بأسى بالغ :
                      - أكيد إبنه كمال .. هوا إللي مسك مكانه..!!
                      أجابه الضابط بحزم:
                      - طبعاً... لأ.. !!



                      يتبع
                      إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
                      فتفضل(ي) هنا


                      ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

                      تعليق

                      • د .أشرف محمد كمال
                        قاص و شاعر
                        • 03-01-2010
                        • 1452

                        #12
                        (11)




                        .. خرج (هنداوي) من المعتقل . كأنما ولد من جديد ؛ فالداخل عندهم مفقود , و الخارج مولود . تنفس الصعداء . و مضى فرحاً إلى قريته , سعيداً بعودته لكنه ما إن وصل إلى مشارف القرية حتى اعتراه الذهول..!!
                        فهناك عند مدخل القرية – حيث كانت توجد المقابر- وجد مبناً هائلاً من عدة طوابق - كأنه خلق من العدم - تعلوه مدخنتان , تتصاعد منهما سحب من الدخان , و على الجهة المقابلة وجد عدة أبنية وعربات نقل و محطة للأتوبيسات ؛ زحام , و حركة دائبة من تحميل و تفريغ للشاحنات..!!
                        حتى ظن أن سائق السيارة الأجرة قد أخطأ المكان..؟! لكنه تعرف القرية من المئذنة الملاصقة لقبة الكنيسة . اللتان ظلتا متلازمتين منذ عشرات السنوات , تراهما من مدخل القرية على بعد عدة كيلو مترات ..!! و على الرغم من ذلك ظل الشك يراوده ؛ حتى أنه استوقف أحدهم و سأله:
                        - مش هيه دي برضو.. كفر الهنادوه..؟!
                        ما أن رآه الرجل حتى فزع فزعاً شديداً , و لاذ بالفرار ؛ كما لو أنه رأى شبحاً , و أخذ يصرخ قائلاً:
                        - عفرييييت هندااااوي رجع.. يا رجااااله..!!
                        اندهش (هنداوي) من كونه قد اصبح عفريتاً . لكنه ابتسم عندها لأنه تأكد من أنه أتجه الوجهة الصحيحة, و أن هذه بالفعل هى بلدته. لكن اعتراها كثيراً من التغييرات..!!
                        فبينما كانت السيارة تمضي في طريقها. شاهد أبنية لمدارس حكومية. و أخرى للبريد و محطات للمياة و الكهرباء و الصرف الصحي..!! و أصبحت طرقات القرية كلها أسفلتية. حتى المباني تغيرت و اصبحت مبنية من الطوب الأحمر و مكونة من عدة طوابق . و يعلو أسطحها تلك الأطباق التي يطلقون عليها الدش..!!
                        حتى قهوة الحاج (عبد العال) . أصبحت كافيتريا كبيرة يديرها إبنه (حسان). و أصبح دكان (أبو اسماعين) البقال . سوبر ماركت ضخم به كافة أنواع البضائع..!!
                        أصاب (هنداوي) السهوم . و لم ينطق حرفاً واحداً من بعدها - على غير عادته..!!- إلى أن سأله سائق السيارة:
                        - أنت ناوي تنزل فين.. ياعم الحج..؟!
                        ..ظل (هنداوي) غائصاً في شروده , ينظر لما حوله في ذهول..!! كما التائه, فلم يسمع سؤال السائق . فكرره عليه بنفاذ صبر , فانتبه فجأة إليه . ثم قال:
                        - وديني يابني عند داري .. ينوبك ثواب..!!
                        استشاط السائق غضباً وقال بحنق :
                        - حلو قوي..!! طيب هوا أنا هأعرف دارك منين..؟! أنت مش عارف أنت ساكن فين..؟!
                        حك (هنداوي) مؤخرة رأسه . و شرد مفكراً. محاولاً التذكر ثم قال:
                        - هيه كانت في آخر الشارع دهوة..!! بعد الكوبري على يمين الترعه .. بس أنا مش شايف ترعه..؟! ولا فيه كوبري..؟!
                        زفر السائق بضيق قائلاً:
                        - اللهم طوّلك ياروح .. ياعني أنت تايه ياعم .. ولا إيه..؟!
                        أجابه (هنداوي) في وهن , و قال بأسى:
                        - لا يابني..!! لكني متلخبط شويه.. أصل كل حاجه اتغيرت..؟!
                        رق السائق لحاله , فقال بتأثر:
                        - ماتزعلش نفسك ياعم الحج .. احنا نسأل عن بيتك .. و أكيد الناس هيدلونا..!! إنت أسمك إيه..؟!
                        شرد ( هنداوي) مفكراً , و ظل صامتا لبرهه. ثم قال في سرعة:
                        - أيوه ..أيوه.. هنداوي..!!
                        ثم أردف قائلاً:
                        - هنداوي صابر علي البلاوي..
                        في الحال ؛ سأل السائق أحد المارة عن منزل (هنداوي البلاوي ) . فأشار بيده إلى قصر كبير ذو بوابة ضخمة . يقف على جانبيها اثنين من جنود الحراسة. و قال له:
                        - قصدك بيت مصراوي باشا هنداوي .. سيادة الناااايب..؟!





                        يتبع
                        إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
                        فتفضل(ي) هنا


                        ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

                        تعليق

                        • د .أشرف محمد كمال
                          قاص و شاعر
                          • 03-01-2010
                          • 1452

                          #13
                          (12)

                          .. قابل (مصراوي) أباه بالأحضان, و أخذ يقبل رأسه و يديه . ثم ركع عند رجليه . قائلاً:
                          - حمدلله ع السلامه يا أبا..!! أنا مش مصدق نفسي ..أنت كنت فين كل المده دي كلها ..؟! دا أنا دورت عليك ف كل حته و قلبت الدنيا .. و معرفتش لك طريق جُرُّه..!! حتى فيه ناس قالوا .. و العياذ بالله.. إنك مت..!! إللي قال إنك غرقت ف الترعه.. و إللي قال إن خبطتك عربيه.. و إللي قال إنك سافرت العراق علشان تحارب الأمريكان..!! و أنا دورت عليك ف كل الأقسام .. و المستشفيات ..و حتى المطارات..!! إيه الغيبه الطويله دي يا أبا..؟!
                          لم ينطق (هنداوي) و ظل جامد الملامح كتمثال خشبى , شاخص العينين. فاستطرد(مصراوي) قائلاً:
                          - أنت مبتكلمش ليه يا أبا..؟! أنت اتخرست .. ولا إيه..!! أوعى يكون حد أذاك .. دا أنا أنسفه من على وش الدنيا..!!
                          نظر له (هنداوي) و رفع حاجبيه. ثم عاود السهوم ثانية. فعاود (مصراوي) سؤاله:
                          - أنت زعلان مني.. ولا إيه يا أبا..؟! أنا و الله ..و أخواتي ماقصرنا معاك.. لكن حقك علينا يا أبا .. ودي رجلك ابوسها.. و حط مداسك على دماغي..!!
                          نظر له (هنداوي) ثانية. و نطق بصوت متحشرج:
                          - إلا أنت صحيح .. بقيت نايب.. ياد يا مصراوي..!!
                          فرح (مصراوي) عند سماع صوت أبيه . و قال في غبطة:
                          - أي و الله يا أبا..!!
                          فسقط (هنداوي) على الفور مغشيا عليه.
                          افاق (هنداوي) بعد برهة. فوجد نفسه على سرير وثير في غرفة كبيرة - ربما أكبر من دوار العمده..!!- و ابنه (مصراوي) يجلس علي حرف السرير؛ قائلاً:
                          - ألف حمدلله على سلامتك يا أبا..!! طمني عليك .. و على صحتك..؟! أنا بعت أجيبلك الحكيم من المستشفي .. و زمانه على وصول..!!
                          قال (هنداوي) محدثاً نفسه بصوت خفيض:
                          - و كمان فيه مستشفى..؟! ياحلاوه ياولاد..!!
                          ابتسم (مصراوي) وقال:
                          - أمال إيه يا أبا ..!! دا الدنيا اتغيرت.. و البركه فيك ..أنت سبب كل الخير اللي البلد فيه ده..!!
                          تعجب (هنداوي) لكنه لم يستطع أن يعقب. فاستطرد (مصراوي) قائلاً:
                          - أنا دلوقتي أحكيلك على كل حاجه..!! ماهو أصل لما فرحات البنهاوي مات .. بعد ما أنت اختفيت بكام شهر..؟! وقع إبنه كمال.. مع جوز بنته العمده .. مع شيخ البلد.. مع بتوع الجماعات .. ف عركه كبيره و البلد ولعت.. !! لأ.. ولعت بحق و حقيق .. و بقت كوم تراب.. و الدنيا بقت ظيطه..!! و لما جت الإنتخابات .. قاموا ناس من البلد.. أولاد حلال نصحوني.. إني أرشح نفسي عن الدايره بتاعتنا مستقل..!! و قالولي دا أنت أبوك كان مناضل طول عمره ..و كل الناس بتحبه.. و إنت ابن البلد ..و هتعمرها تاني على أيديك .. و مافيش حد من إخونا دول.. يقدر يصجر يرشح نفسه تاني.. ولا يورينا وشه..!! قمت رشحت نفسي ..و اتوكلت على الله..!! و اديني قدامك أهوه .. بقيت نايب ف البرلمان .. و مسكت العمديه كمان..!!
                          رفع (هنداوي) حاجبيه ثانية فى ذهول . و لم يدر ماذا يقول..؟! فأردف (مصراوي) قائلاً:
                          - و اديك شايف الخير إللي بقت فيه البلد.. ماهو أصل خير البلد دي.. كان طول عمره رايح لغيرها ..!! شوف لما بقى لولادها إيه اللي جرى..!! خلاص راح زمن البلطجيه و شركاتهم..!!
                          فجأة جفل (هنداوي) فزعاً من نومه , و تثاءب قائلاً :
                          - اللهم أجعله خير..!! أما كان حته حلم..؟! يظهر إن العدس إللى جبوهلنا ف العشا.. كبس علي دماغ الواحد ياولاد..!!




                          يتبع
                          إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
                          فتفضل(ي) هنا


                          ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

                          تعليق

                          • د .أشرف محمد كمال
                            قاص و شاعر
                            • 03-01-2010
                            • 1452

                            #14
                            (13)



                            ..بعد انقضاء نكسة الانتخابات بسلام تام , و استسلام عام ؛ فاز الحزب الحاكم – بالطبع- بجميع المقاعد بلا منافسة تذكر , بل كان الحزب ينافس نفسه , و الصراع بين أعضائه ؛ سواء من قام بترشيحهم أو المستقلين الذين أطلق لهم العنان ليقوموا بتفتيت الأصوات فيما بينهم , أما المنافسين من الأحزاب الأخري ؛ فلا يخفى على أحد ما تم لهم من اعتقال , و تهديد و وعيد , و خطف لأبنائهم . فلم يفلح الكثيرون في إضافة أسمائهم بجداول الانتخابات.
                            و تم الإفراج عن معظم المعتقلين في أعياد الكريسماس , نتيجة الضغوطات التي مارستها السفارات الأجنبية , و منظمات حقوق الإنسان . خرج (هنداوي) من ضمن المفرج عنهم , و العشرات من أبناء قريته . عاد (هنداوي) إلى بلدته فوجدها على حالها كما تركها - إن لم تكن آلت إلى الأسوأ - لم يكن يعني (هنداوي) في كل هذا ؛ سوى أن يعرف أسم المرشح الذي فاز عن دائرة بلدهم , هل هو( فرحات البنهاوي) أم أحد أبنائه , فبمجرد أن وطأت قدماه البلدة ؛ سأل أحدهم :
                            - إلا مين اللي فاز ف الانتخابات .. ياواد يا متولي ..؟!
                            فزع (متولي) حين رآه لكنه همس قائلاً , وهو يتحسسه :
                            - أنت لساك عايش يا عم هنداوي..؟! و بتسأل ع الانتخابات..!!
                            ابتسم (هنداوي) ابتسامته العريضة , ثم قال:
                            - أمال ياد.. دي السياسة دي بتجري ف دمي..!! و هتفضل تجري .. طول منا فيا نفس.. بس خلي الكلام ف سرّك .. لحسن الغيطان لها ودان .. قول بقى ياوله .. و حياة أبوك.. متطولش ..و تبقى غلس زي المسلسلات التركي ..!!
                            أجابه (متولي) في أسى:
                            - أقول إيه .. و أعيد إيه بس..؟! ماتخلي الطابق مستور ياعم هنداوي .. لحسن ياخدونا ف الرجلين..!!
                            ضحك (هنداوي) قائلا :
                            - هياخدونا تاني ليه..؟! ماخلاص هما عاملو كل اللي عايزينه ..و اللي متفقين عليه..!! و ممنوش فايده يرجعونا السجن تاني ..و يصرفو على اكلتنا ..و نومتنا.. يمكن بقى ف الانتخابات الجايّه ..و عليك خير..!!
                            ثم استطرد قائلاً:
                            - قول بقه ياله جاك خابط .. نشفت ريقنا .. يعني هتذيع سر من أسرار البردعي ياخيّ .. مالحكايه باينه من عنوانها .. مين اللي نجح فرحات باشا .. ولا ابنه كمال بيه..؟!
                            ضحك (متولي) طويلا . ثم قال:
                            - ولا دا .. ولا دا..!!
                            اسقط في يد (هنداوي) و سأله في ذهول :
                            - إنت بتكلم جد ياوله.. ليكون الحلم .. مكانش حلم ..؟! و مصراوي هوا اللي نجح ..بحق و حقيق..!!
                            استغرق (متولي) في الضحك حتي دمعت عيناه ,ثم قال:
                            - مصراوي مين ياعم الحج ..؟! ابنك مصراوي خدوه الجيش .. و وده حته اسمها دارفور.. جنب السودان كده..!!
                            تعجب (هنداوي) قائلاً:
                            - إهييييه.. خدوه الجيش .. تاني ..!! ماهو كان لسه مخلص الجيش .. من سبع سنين..؟!
                            أجابه (متولي) مسرعاً:
                            - لأ.. ماهي دي بيسموها ..استدعه..!!
                            تأفف (هنداوي) , و زفر قائلاً في ضيق:
                            - يعني مافيش .. إلا ابني مصراوي .. اللي يستدعوه ف كل نصيبه .. ياله ..أهو إللي ع الجبين مكتوب مفيش منه مهروب .. ماقولتليش بقه ياله .. اتحاشت الميه ف زورك .. مين اللي نجح .. ف المخروبه دي ..؟! عكننت مزاجي .. جتك داهيه تاخدك ..!!
                            غضب (متولي) و قال متذمراً:
                            - لساك لسانك زفر .. ياعم هنداوي..!! معلش مقبوله منك على قد سنك .. هأقولك ياسيدي صبرك عليا .. يالّه أهو كله بثوابه.. اللي نجحت الست .. وفاء..
                            سأله (هنداوي) في بله:
                            - أستر يا ستار على ولايانا ..داحنا داخلين على أيام سوده ..!! و دي تطلع مين .. الست وفاء .. هيا كمان..؟!
                            ابتسم (متولي) في خبث , و أجابه قائلاً:
                            - الست وفاء هانم .. بنت فرحات باشا البنهاوي.. الصغيّره
                            ضحك (هنداوي) حتي سقط على قفاه , ثم قال , وهو مفترشاً الآرض :
                            - ياحلاوه ياولاد ..أهو دا إللي كان ناقص ..عشنا .. و شفنا كمان الستات .. بقم بشوات..!!



                            يتبع
                            إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
                            فتفضل(ي) هنا


                            ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

                            تعليق

                            • د .أشرف محمد كمال
                              قاص و شاعر
                              • 03-01-2010
                              • 1452

                              #15
                              (14)



                              ..فيما بعد استفسر (هنداوي) من أهل البلد عن ما حدث في الانتخابات بغيابه , و كيف أن (فرحات البنهاوي) بعدما قام بترشيح نفسه في الانتخابات , و أُعلن اسمه بالكشوف ؛ وافته المنية عن عمر يتجاوز الثمانين عاماً . فقال:
                              - يعني أخيراً مات موته ربنا.. و عرف إن الله حق ..وهيتحاسب حساب الملكين .. ياله .. ربنا يجحمه مطرح ما راح .. ولا أقولكم اذكروا محاسن موتاكم .. بس دا مكانش له أيتها محاسن ..!! معلش الميت برضو متجوزش عليه إلا الرحمه.. وهوا ربنا يعني .. كانت خافيه عليه بلاويه..!!
                              .. و كيف إن ابنه (كمال) إصيب بطلق ناري في أحد سرادقات الانتخابات . و أن ابنه الضابط ( بهاء ) قبض عليه في أحد قضايا المخدرات , و ابنه وكيل النيابه اتهم بقضية رشوة كبيرة , و يقضي عقوبته بالسجن . و ابنه الطبيب أصيب بمرض عضال , لا يرجى منه الشفاء. عندها قال(هنداوي) :
                              - يمهل ولا يهمل.. أعوذ بالله .. اللهم لا شماته .. الحرام مابينفعش و الله ياولاد ..أدي آخرة المشي البطال.. واللحم الحرام .. أخرته يتشوي ف النار..
                              ثم تعجب سائلاً:
                              - أمال .. فين راحت الحكومه إللي مناسبها..؟!
                              فأخبروه أن العمده زوج ابنة (فرحات ) الكبري تزوج عليها إحدى راقصات الغجر , و فر هارباً بأمواله .و أن المأمور أحيل للمعاش فطلق ابنه ابنته الوسطى . و لم يبق من أولاد (فرحات البنهاوي) إلا ابنته الصغرى (وفاء) التي رشحت نفسحها عن مقعد المرأة , و نجحت بالتزكية . فسأل (هنداوي):
                              - لكن أنت بتقول إيه ياد ياعوضين.. كوتة أيه .. و بسكوته مين .. ياعني إيه كوته دي ..؟! أنا مش عارف البلاوي دي ..بتتحدف علينا من أنهي داهية.. أكيد أمريكا هيا اللي ورا الحواديت دي .. مانا عارفهم هما إللي عايزين النساوين.. يمشونا وراهم .. زي عندهم..!!
                              ثم أردف قائلاً:
                              - الله يرحم مدام تشتر ..والبريت.. و كندا ليزا.. و يباركلنا ف هيلاري ..و مونيكا كمان..!!
                              و استطرد دون أن يسأله أحد:
                              - وبعدين طول عمرنا بنسمع عن تزوير الانتخابات .. لكن عمرنا ما سمعنا عن تسويدها.. إلاهي يسود وشوشهم واحد.. واحد .. هيا ناقصه كمان سواد ..على سواد..!!
                              ثم تنبه (هنداوي) فجأة ؛ و خطر بباله سؤال, فقال:
                              - أمال ميين .. إللي مسك العموديه دلوقت .. ياولاد..؟!
                              أجابه أحدهم في الحال:
                              - الست الهانم..!!
                              ثم استدرك قائلاً:
                              - الست هانم .. مرات فرحات باشا البنهاوي
                              اغتم (هنداوي ) , و قال في يأس :
                              - هيا الدايره دي مبتخلصش أبداً ..!! كمان العمده بقى هانم ..!! على رأي سعد باشا لما قال.. البلد دي مش هينصلح لها حال..!!




                              يتبع
                              إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
                              فتفضل(ي) هنا


                              ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

                              تعليق

                              يعمل...
                              X